شرح حديث: تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم

المؤلف: الشيخ أ.د عبد المجيد جمعة حفظه الله
الملف الصَّوتي تحميل
تحميل

أَيْ هذا الباب معقود في بيان حال من أحوال الفتن حيث يكون القائم في الفتنة أعظم وأشد من القاعد* وترجمة الباب هي جزء من الحديث الذي أورده بسنده من طريقين، وقد جرت عادة الإمام البخاري رحمة الله عليه أنه يُتَرجم لأبوابه بجزءٍ أو طرفٍ من الحديث، فالباب هو جزءٌ من الحديث الذي أورده إينعم. ثم ساق المصنف الحديث من طريقين ولَفْظُهُما سواء، وسبب سياقه هو لبيان أن إبن شهاب الزهري له راويان، وهما صالح بن كيسان، وشعيب بن أبي جمرة، ورواه عن راويين، وهما سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، ففيها لطيفة في السند وإلا فإن اللفظ واحد. قال النبي صلى الله عليه وسلم ستكون فتن، سين [س] مما يستقبل، يعني أن هذه الفتن لم تقع ولم تكن ولا تقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما تقع فيما يستقبل هذه الأمة، (ستقع فتن) والفتن جمع فتنة، والمقصود أنه ستكون فتن عظيمة ومحن جسيمة وأعظم فتنة تصيب هذه الأمة هي الفتنة في الدين. وقد روى مسلم في صحيحه بلفظ آخر حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (ستكون فتن ألآ ستكون فتن ألآ ستكون فتن) كَرَّرها ثلاثاً ونَبَّهَ بأداة التنبيه فقال (الآ) إشارة إلى عظم هذه الفتن التي ستقع في هذه الأمة، وهذه الفتن هي التي يكون وراءها إقتتال بين المسلمين لمُلكٍ أو لمالٍ أو لعصبيةٍ أو جاهلية، فإذا وقع إقتتال بين المسلمين فهذه هي الفتن المقصودة بالآحاديث الواردة في التحذير منها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستحل بها فتن عظيمة وجسيمة. - ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال الناس في هذه الفتن، "ذكر أحوال الناس في هذه الفِتَن" وذكر مراتبهم بحسب وُلوغِهم ووُلوجِهم في هذه الفتن، والمقصود أن ينأى الإنسان بنفسه من أن يكون في مرتبة من هذه المراتب، لأن هذه المراتب كلها مشتركة أو مشتركة في الفتن بحسب وُلوغِها ووُلوجِها في الفتن فيكون (القاعد في الفتنة خير من القائم) القاعد وهو الجالس، لماذا يكون القاعد خيراً من القائم، لأن القاعد لا يرى ولا يسمع فيبتعد عن الفتنة، فلا يرى هذه الفتن فيُقرها ولا يسمع بأخبارها وإن كان راضياً بها، وفي هذا الحديث ذَكَر القاعد ويكون خيراً من القائم في رواية أخرى ذكر النائم فقال (يكون النائم خيراً من المضطجع اليقضان) يعنى أن النائم الذي لا يسمع ولا يرى ولا يعلم بحدوث هذه الفتن أهون من رجل مضطجع على أريكته وهو يقضان ويأتيه أخبار هذه الفتن، فأدنى رتبة القاعد في هذا الحديث، وفي رواية أخرى أدنى رتبة هو النائم ثم المضطجع ثم القاعد، فيكون القاعد أفضل من من ؟ من القائم، لأن القائم يرى الفتن ويسمع بها ولا ينكرها لأنه جاء في حديث آخر (من كره سَلِم ولكن من رَضِيَ وأتبع) فمن رأى الفتن وسمع بها ولم يُنكر ولم يعتزل بل أقرها فهو مشارك فيها كما سيأتي إينعم. ومن بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم أنه بدأ بالأدنى فالأدنى ثم ذكر الأعلى فبدأ بالقاعد ثم القائم ثم ذكر الماشي وهو الذي يمشي بقدميه إلى الفتن ويذهب إليها ولا شك أن مَشْيَـتَهُ مما تزيد في تأجيج الفتن وتوسيع دائرتها وإضرام نارها فالمرتبة الثالثة هي مرتبة الماشي وأعلى المراتب وأشدها وأشأمِها وأجرمِها هو الساعي الذي يُهرول ويَجري إلى الفتن سواء كان راكباً أو كان ماشياً على قدميه. فهذه أحوال الناس في الفتن: ومراتبهم ويتفاوتون في جُرْمهم ومشاركته في الفتن بحسب حالهم فأشدهم وأجرءهم وأسوءهم الذي يسعى في الفتن ويذهب إليها جَرياً وراءها، لأن سعيه في الفتن مما يزيد في تأجيجها وفي إضرامها، ودونه الماشي الذي يمشي على قدميه ودونه القائم الذي يستشرف على الفتن ويراها ويتتبع أخبارها ولا ينكرها، ودونه القاعد فلأن يكون المرء قاعداً أهون من أن يكون قائماً في الفتن ولأن يكون قائماً أهون من أن ماشياً ولأن يكون ماشياً أهون من أن يكون ساعياً، فهكذا تتفاوت مشاركة الناس في الفتن بحسب ميولهم وسعيهم وتأجيجهم في هذه الفتن وأقلهم فتنة وضرراً النائم الذي لا يسمع ضجيج الفتن ولا يرى لهيبها وهو في سبات عميق.