إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

فوائدُ عقدية وتأصيلاتٌ سلفيةٌ منتقاةٌ منْ شرحِ الشيخِ ابنِ عثيمين للعقيدةِ الواسطيةِ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • وقائع يوم القيامة
    تقع يوم القيامة وقائع وأحداث كثيرة، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وأهل السنة مؤمنون بها جازمين بذلك، ومنها : البعث والنشور، والحساب، والصراط، والموازين، وغيرها، كما سيأتي مفصلا.
    الأمر الأول : عودة الأرواح إلى أجسادها
    بعد النفخة الأولى تفارق الأرواح الأجساد بالموت، ثم ترجع إليها بعد النفخة الثانية، وهي نفخة البعث، وهذا البعث إعادة لما زال وليس تجديدا للأرواح، فمن زعم أن الأرواح تخلق من جديد فهو باطل، يرده الكتاب، والسنة.
    أولا : أما دلالة الكتاب قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم 27].
    وقال تعالى {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [يونس 34].
    ثانيا : وأما من أدلة السنة، فما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفئا أحد".
    الأمر الثاني : قيام الناس لرب العالمين
    بعد البعث يقوم الناس لربهم، كما قال تعالى {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين 6]، يقومون كما خلقهم أول مرة {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء 104]، حفاة عراة غرلا، مختلطين لا ينظر أحدهم لآخر، كما في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا" قلت : يا رسول الله النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض، قال صلى الله عليه وسلم : "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض"، ويكون أول من يكسى نبي الله إبراهيم عليه السلام، كما قال صلى الله عليه وسلم : "وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم" رواه الشيخان عن ابن عباس.
    الأمر الثالث : دنو الشمس من الخلائق
    يقوم الناس في أرض المحشر، مجتمعين مختلطين، وتدنو الشمس منهم، وتكون منهم جد قريبة، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان وغيرهما عن قبة بن عامر قال : "تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسط فيه -وأشار بيده فألجمها فاه : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير هكذا-، ومنهم من يغطيه عرقه" وضرب بيده إشارة.
    وهذا الدنو يكون بمقدار ميل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "تُدْنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل" رواه مسلم عن المقداد بن الأسود.
    وهذه الشمس يسلم منها من شاء الله تعالى من الناس، كما جاء في الحديث "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال : إني أخاف الله، ورجل تصدق، أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" رواه الشيخان عن أبي هريرة.
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف صفصاف; الساعة 2019-02-09, 10:38 AM.

    تعليق


    • الأمر الرابع : إلجام العرق الناس يوم القيامة.
      روى أحمد والترمذي وغيؤهما عن المقداد بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قيد ميل أو ميلين" قال : "فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما" صححه الإمام الألباني رحمه لله تعالى في صحيح الجامع (777).
      فبعض الناس من يصل العرق منه إلى كعبيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق، أي يصل منه إلى موضع لجام الفرس، وهو الفم، وهذا أقصى ما يصل إليه، وهذا يكون بسبب شدة الحر، وشدة الزحام، وهذا من أمور الغيب التي نصدق ونؤمن بها، جازمين بذلك.
      الأمر الخامس : نصب الموازين.
      تنصب الموازين يوم القيامة، لتوزن أعمال العباد، وهي موازين حسية حقيقية، توزن حسب المعهود من راجح ومرجوح، والرجحان يكون للنازل.
      و الميزان ثابت بأدلة الكتاب والسنة والإجماع.
      أولا : من أدلة الكتاب.
      قال الله تعالى {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء 47].
      وقال تعالى {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف 8].
      ثانيا : من أدلة السنة.
      روى أحمد في المسند عن عائشة، قالت : قلت : يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال : "يا عائشة، أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل، أو يخف، فلا، وأما عند تطاير الكتب، فإما أن يعطى بيمينه، أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم" الحديث، صححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع (8051).
      وروى الحاكم في المستدرك عن سلمان الخير عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : "يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة : يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى : لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة : من تجيز على هذا؟ فيقول : من شئت من خلقي، فيقول : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" صححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الترغيب والترهيب (3626).
      روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده".
      ثالثا : الإجماع.
      فقد أجمع المؤمنون على الإيمان بالميزان يوم القيامة، وأنه ينصب لوزن أعمال العباد.

      تعليق


      • الجمع بين إفراد الميزان وجمعه في النصوص
        ورد ذكر الميزان في نصوص الشرع مفردا ومجموعا، وليس بينهما اختلاف تضاد؛ وإنما الجمع بينهما سهل، فنقول :
        يذكر الميزان بالجمع باعتبار الموزون؛ حيث أنه متعدد، بدليل قوله تعالى {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف 8].
        أما إذا ذكر بالإفراد، فالمراد أحد أمرين :
        1 _ أنه ميزان واحد لجميع الأمم.
        2 _ أن لكل أمة ميزان، فإن الأمم تختلف أجورها.

        تعليق


        • جزاك الله خير

          تعليق


          • آمين وإياك أخي

            تعليق


            • ما الذي يوزن يوم القيامة؟
              تنصب الموازين يوم القيامة، وتوزن فيها ثلاثة أشياء :
              الشيء الأول : وزن العامل، ومن أدلة ذلك :
              1 _ وذلك فيما صح في قصة ابن مسعود رضي الله عنه، التي رواها أحمد وغيره عن علي، قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود فصعد على شجرة أمره أن يأتيه منها بشيء، فنظر أصحابه إلى ساق عبد الله بن مسعود حين صعد الشجرة، فضحكوا من حُمُوشة ساقيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما تضحكون؟ لرجل عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد" صححه الإمام الألباني رحمه الله في الصحيحة (2750).
              2 _ روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال : اقرءوا، {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}".
              3 _ ولقوله تعالى {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف 105].
              الشيء الثاني : وزن الأعمال، ومن أدلة هذا :
              1 _ قوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة].
              2 _ روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده".
              3 _ روى ابن حبان والترمذي وغيرهما عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن أثقل ما وضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (135).
              4 _ روى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها".
              الشيء الثالث : وزن الصحائف، ودليل ذلك :
              ما رواه ابن حبان والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له : أتنكر شيئا من هذا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول : لا يا رب، فيقول : أفلك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل ويقول : لا يا رب، فيقول : بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول : احضر وزنك، فيقول : يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول : إنك لا تظلم. قال : فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، قال : فلا يثقل اسم الله شيء" صححه الإمام الألباني رحمه الله في الصحيحة (135).
              مهم : بالنسبة للصحائف والأعمال نفسها، إذ يمكن أن تكون الأعمال توزن بالصحائف، فإذا ثقل العمل لزم من ذلك ثقل الصحيفة.
              وأما بالنسبة للعامل، فربما نقول : أن هذا يقع لبعض الناس دون غيرهم، وهذا راجع إلى مشيئة الله تعالى.

              تعليق


              • الأمر السادس : نشر الدواوين صحائف الأعمال
                تفتح وتفرق السجلات التي كتبت في الملائكة أعمال العباد {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)} [الإنفطار]، فتكتب هذه الملائكة حسنات وسيئات العبد.
                فينقسم الناس يوم القيامة إلى فريقين، منهم من يأخذ كتابه بيميه، ومنهم من يأخذه بشماله من وراء ظهره {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا (12)} [الإنشقاق].

                تعليق


                • بورك فيك أخي يوسف

                  تعليق


                  • وفيك يبارك الله أخي عبد الرحمن.

                    تعليق


                    • الأمر السابع : حساب الله تعالى عباده.
                      يطلع الله تعالى عباده على أعمالهم يوم القيامة، فيحاسب الله عباده، وهذا دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، والعقل.
                      أولا : من أدلة الكتاب.
                      1 _ قوله تعالى {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا (12)} [الإنشقاق].
                      2 _ وقال تعالى {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد 40].
                      3 _ وقال تعالى {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم 41].
                      4 _ وقال تعالى {أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة 202].
                      ثانيا : من أدلة السنة.
                      1 _ روى ابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : "نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال : أين الأمة الأمية، ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (6749).
                      2 _ روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له : ألم أصح لك جسمك وأروك من الماء البارد" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (2022).
                      3 _ روى النسائي في الصغرى عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (2572).
                      4 _ روى الترمذي عن أبي هريرة، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب عز وجل : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي (413).
                      ثالثا : الإجماع.
                      فقد أجع المسلمون قاطبة على أن الله تعالى يحاسب الخلائق يوم القيامة.
                      رابعا : العقل.
                      كلف الله تعالى عباده بأعمال ، فعلا وتركا وتصديقا، والعقل والحكمة تقتضيان أن من كلف بعمل؛ فإنه يحاسب ويناقش.

                      تعليق


                      • حساب الكفار
                        أما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبةَ من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن يحاسبون محاسبة تقرير وتقريع، فتعد أعمالهم ونحصى، ويوقفون عليها، ويقرون بها، ويخزون بها، وهذا الذي جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه عن عبد الله بن عمر، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول : أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول : نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال : سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد : {هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}".

                        تعليق


                        • الأمر الثامن : الحوض المورود
                          يؤمن أهل السنة بأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد أعطي حوضا، وهذا الحوض موجود الآن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " عن عقبة بن عامر قال : "إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها" رواه البخاري عن عقبة بن عامر، ولكن هذا من الغيب الذي لا نشاهده.
                          يرده الناس قبل المرور على الصراط؛ لاقتضاء المقام لذلك؛ حيث يكون الناس في حاجة إلى الشرب
                          وأن هذا يصب فيه ميزابان من الكوثر، النهر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، آنيته كنجوم السماء عددا ووصفا، ماؤه أشد بياضا من اللبن لونا، وأحلى من العسل طعما، طوله مثل عرضه مسيرة شهر، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدا.
                          روى الشيخان عبد الله بن عمرو بن العاص : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا".
                          روى الحاكم في المستدرك عن ثوبان، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد النجوم، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المنعمات ولا تفتح لهم السدد" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (2060).
                          روى الشيخان عن سهل بن سعد، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم".
                          وإن فئاما من الناس يذادون عن الحوض ويطردون، كما صح في الخبر، فقد روى أحمد في المسند عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنا فرطكم على الحوض من ورد علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا أبصرت أن لا يرد علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم". قال فسمعني النعمان بن أبي عياش أحدث به فقال : وأشهد أن أبا سعيد الخدري يزيد فيه فيقول : وأقول : "إنهم أمتي، أو مني، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، أو ما بدلوا بعدك، فأقول : سحقا. سحقا لمن بدل بعدي" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (2468).
                          وإن للأنبياء كذلك أحواضا لهم، كما جاء في الحدث الذي رواه عن سمرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لكل نبي حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة" صححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في صحيح سنن الترمذي (2443).

                          تعليق


                          • الأمر التاسع : الصراط
                            يؤمن أهل السنة بالصراط المنصوب على متن جهم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما رواه الترمذي في السنن عن أنس بن مالك، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال : "أنا فاعل"، قال : قلت : يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال : "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط". قال : قلت : فإن لم ألقك على الصراط؟ قال : "فاطلبني عند الميزان". قلت : فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال : "فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي (2433).
                            وهذا الصراط جسر على جهنم، أدق من الشعرة وأحد من السيف، على كلاليب وحسك، كما جاء في حديث عائشة الذي رواه أحمد وغيره : "ولجهنم جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذون من شاء الله" صححه الإمام الألباني رحمه الله في السلسة الصحيحة (512).
                            ويمر الناس على الصراط، كل يسرع وينجوا على حسب عمله، وجاء هذا مفصلا في الحديث الذي رواه الشيخان عن سعد بن مالك الأنصاري : "ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم"، قلنا : يا رسول الله، وما الجسر؟ قال : "مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها : السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا".
                            ثم يقف الناس إذا جاوزوا الصراط على القنطرة، بين الجنة والنار، وهذه الوقفة لأجل تنقية القلوب وتطهيرها، حتى يذهب ما فيها من الغل والحقد والبغضاء، قال الله تعالى {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر 47].

                            تعليق


                            • الأمر الحادي عشر : الشفاعة
                              معنى الشفاعة
                              الشفاعة لغة : مصدر شفع يشفع، وهي : جعل الشيء شفعا.
                              الشفاعة اصطلاحا : التوسط للغير في قضاء حاجة، سواء لجلب مصلحة أو دفع مضرة.
                              أقسام الشفاعة بين الناس
                              هي على قسمين : حسنة، وسيئة.
                              1 _ الشفاعة الحسنة : وهي ما كان فيها إعانة على الخير، قال الله تعالى {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} [النساء 85]، وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم : "اشفعوا تؤجروا" رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري.
                              2 _ الشفاعة السيئة : وهي ما أدت إلى محرم، أو فيها إعانة على منكر، قال الله تعالى {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} [النساء 85].
                              أنواع الشفاعة
                              الشفاعة نوعان : منفية باطلة، ومثبتة صحيحة.
                              1 _ الشفاعة المنفية الباطلة : وهي التي تطلب من دون الله تعالى، أو ما اختل فيها شرط، مثل ما يتعلق به المشركون في أصنامهم، وهذه باطلة نفاها الله تعالى.
                              أدلة بطلانها :
                              1 _ قال الله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة 48].
                              2 _ وقال تعالى {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة 123].
                              3 _ وقال عز وجل {لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا} [مريم 87].
                              4 _ وقال تعالى { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [الزخرف 86].
                              5 _ وقال تعالى {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر 48].
                              6 _ وقال تعالى { أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } [الزمر 43].
                              7 _ { وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ} [الروم 13].
                              8 _ {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر 18].
                              2 _ الشفاعة المثبتة الصحيحة : هي للموحدين، وتشتمل على شروط.
                              أدلة ثبوتها :
                              1 _ قال الله تعالى {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر 44].
                              2 _ قال الله تعالى كما في الحديث القدسي : "شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين" رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري.
                              3 _ روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا".
                              4 _ روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة".
                              5 _ روى ابن ماجه والترمذي وأحمد وغيرهم عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم ، غير فخر" حسنه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع (781).
                              6 _ روى ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (3714).
                              شروط الشفاعة الصحيحة المثبتة
                              الشفاعة الصحيحة لها ثلاثة شروط، وهي :
                              1 _ رضى الله عن الشافع.
                              2 _ رضى الله عن المشفوع له.
                              3 _ إذن الله للشافع أن يشفع.
                              أدلة هذه الشروط :
                              1 _ قال الله تعالى {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ} [النجم 26].
                              2 _ قال تعالى {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه 109].
                              3 _ قال الله تعالى {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة 255].
                              4 _ وقال عز وجل {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء 28].
                              5 _ قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الشفاعة الطويل : "فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا" رواه الشيخان عن أنس بن مالك.
                              أقسام الشفاعة
                              الشفاعة يوم القيامة على قسمين : خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعامة.
                              1 _ الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم : وهي ثلاثة :
                              أ _ الشفاعة العظمى، والمقام المحمود، التي تكون لفصل القضاء.
                              أدلتها :
                              1 _ قال الله تعالى {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء 79].
                              2 _ روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة تتبع نبيها يقولون : يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود".
                              3 _ روى الشيخان عن أبي هريرة، قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم، فرفع إليه الذراع ، وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال : " أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض : ائتوا آدم، فيأتون آدم، فيقولون : يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم : إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا، فيقولون : يا نوح، أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فيأتون إبراهيم ، فيقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم، فيقولون : يا موسى، أنت رسول الله فضلك الله برسالاته، وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى صلى الله عليه وسلم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى صلى الله عليه وسلم، فيأتون عيسى، فيقولون : يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتوني فيقولون : يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده، وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال : يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول : يا رب، أمتي أمتي، فيقال : يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى".
                              ب _ الشفاعة لأهل الجنة بدخول الجنة.
                              أدلتها :
                              1 _ روى مسلم عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أنا أول شفيع في الجنة".
                              2 _ وله عن أنس بن مالك، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن : من أنت؟ فأقول : محمد، فيقول : بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك".
                              3 _ روى مسلم في صحيحه عن حذيفة، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون : يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول : وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله"، قال : "فيقول إبراهيم : لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الذي كلمه الله تكليما، فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم، فيقول : لست بصاحب ذلك ، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم : لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق" قال : قلت : بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال : "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول : رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا"، قال : "وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار".
                              4 _ وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله سبحانه {حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر 71].
                              ج _ الشفاعة لعمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب.
                              أدلتها :
                              _ روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عنده عمه، فقال : "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه".
                              2 _ الشفاعة العامة : وهي ثلاثة أقسام :
                              أ _ الشفاعة لمن استحق دخول النار حتى لا يدخلها.
                              أدلتها :
                              هذا النوع تواردت عليه أقوال العلماء، ويستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (3714)، فأهل الكبائر تشمل من دخل النار، ومن لم يدخلها.
                              ب _ الشفاعة لمن دخل النار أن يخرج منها.
                              أدلتها :
                              1 _ روى أحمد في المسند عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون : لو استشفعنا على ربنا، فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم، فيقولون : يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك، يريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم : لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب فيستحيي ربه ويقول : ولكن ائتوا نوحا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتونه فيقول : لست هناكم، ولكن ائتوا موسى، عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة، فيأتون موسى، فيقول : لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، فيأتون عيسى، فيقول : لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني" . قال الحسن هذا الحرف : "فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين -قال أنس- حتى أستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجدا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني". قال : "ثم يقال : ارفع محمد، قل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت، أو خررت ساجدا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال : ارفع محمد، قل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت، أو خررت ساجدا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال : ارفع محمد، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة، فأقول : يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن"، فحدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "فيخرج من النار من قال : لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (8061).
                              2 _ روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري، قال : قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال : "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ "، قلنا : لا، قال : "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ، إلا كما تضارون في رؤيتهما" ثم قال : "ينادي مناد : ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود : ما كنتم تعبدون؟ قالوا : كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال : كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا : نريد أن تسقينا، فيقال : اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى : ما كنتم تعبدون؟ فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال : كذبتم، لم يكن لله صاحبة، ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون : نريد أن تسقينا، فيقال : اشربوا فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم : ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون : فارقناهم، ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديا ينادي : ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، قال : فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول : أنا ربكم، فيقولون : أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول : هل بينكم وبينه آية تعرفونه فيقولون : الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم"، قلنا : يا رسول الله، وما الجسر؟ قال : "مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها : السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق، قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا ، في إخوانهم، يقولون : ربنا إخواننا، كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى : اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا" قال أبو سعيد : فإن لم تصدقوني فاقرءوا : {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها}".
                              ج _ الشفاعة في رفع درجات أهل الجنة.
                              أدلتها :
                              هذا النوع يستدل عليه بدعوات النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه، ومن ذلك :
                              1 _ ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة، قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال : "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، فضج ناس من أهله، فقال : "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"، ثم قال : "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه".
                              2 _ ما رواه الشيخان –واللفظ للبخاري- عن أبي موسى، قال : دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ به، ثم رفع يديه فقال : "اللهم اغفر لعبيد أبي عامر" ورأيت بياض إبطيه، فقال : "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس".
                              فهذا دليل على رفع الدرجات، وهو دعاء شفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم.

                              تعليق


                              • أحسن الله إليك أخي يوسف و بورك فيك و نفع الله بك .

                                تعليق

                                الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                                يعمل...
                                X