إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

فوائدُ عقدية وتأصيلاتٌ سلفيةٌ منتقاةٌ منْ شرحِ الشيخِ ابنِ عثيمين للعقيدةِ الواسطيةِ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #91
    إثباتُ أن اللهَ قبلَ وجهِ المصلِّي
    أي أن اللهَ تعالى أمامَ وجهِ المصلي، وهذا دلتْ عليه سنةُ نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقد روى الشيخانِ –واللفظ لمسلم- عن ابن عمرَ عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قالَ : "إن أحدَكم إذا قامَ يصلي، فإن اللهَ تبارك وتعالى قبلَ وجهِه، فلا يبصقنَّ قبل وجهِه، ولا عن يمينه، وليبصقْ عن يساره، تحت رجلِه اليسرى".
    الجمعُ بين كونِ الله تعالى في السماءِ وقبلَ وجهِ المصلي
    إنه لا تناقضَ بين إثباتِ العلو للهِ تعالى وإثباتِ أنه قبلَ وجهِ المصلي، والجمعُ بينهما يكون من ثلاثةِ أوجه :
    الوجهُ الأول : أن الشرعَ جمع بينهما، ولا يجمعُ بين متناقضين.
    الوجه الثاني : أنه يمكنُ ذلك في حقِّ المخلوقِ، فالشمسُ عالية في السماءِ ويستقبلها الإنسانً أمامه؛ فإن كان هذا في حق المخلوقِ ففي حق الخالقِ من بابٍ أولى.
    الوجه الثالث : أنه إن كانَ ممتنعًا في حق المخلوقِ؛ فإنه لا يمتنعُ في حق الخالقِ؛ إذ ليسَ كمثله شيءٌ.
    فائدةٌ من قولِه تعالى {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام 95]
    الحبُ يكونُ للزروعِ، فما كان زرعًا فأصله حبٌّ، وأما النوَى فيكون للغرسِ، فما كان أشجارًا فأصله نوَى.
    أنواعُ النفوسِ
    نفسُ الإنسانِ نفسانِ :
    الأولى : نفسٌ مطمئنةٌ أمارة بالخيرِ.
    الثانية : نفسٌ شريرةٌ أمارة بالسوءِ.
    وكل من النفسينِ لوامةٌ، فالمطمئنةُ تلومُ صاحبها على التقصيرِ في الطاعات أو فعلِ المحرمات، والشريرةُ تلوم صاحبَها عند فعلِ الخيرات أو تركِ السيئاتِ.
    إثباتُ قربِ اللهِ تعالى
    وهذه الصفةُ دل عليهَا الكتابُ و السنةُ.
    فمن كتابِ اللهِ تعالى : قوله جل وعلا {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة 186].
    ومن سنةِ النبي صلى اللهُ عليه وسلمَ : ما رواه البخاريُ عن أبي موسى رضي الله عنه، قال : كنا معَ النبي صلى اللهُ عليه وسلم في سفرٍ، فكنا إذا علونَا كبرنَا، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم : "أيها الناسُ إِرْبَعُوا على أنفسِكم ، فإنكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبا، ولكن تدعونَ سميعًا بصيرا".
    لا منافاةَ بينَ القربِ والعلوِّ
    إثباتُ صفةِ القربِ للهِ تعالى لا تنافِي صفةَ العلوِّ؛ فإن اللهَ تعالى قريبٌ إلى خلقِه مع علوِّه.

    تعليق


    • #92
      إثباتُ رؤيةِ المؤمنينَ لربِّهِم
      يؤمنُ أهلُ السنةِ والجماعة برؤيتِهم لربهم عز وجل يومَ القيامةِ رؤيةً بصرية، لا يحجبُ أحدٌ أحدًا، ولا يتضررون من رؤيتهِم لربهم، فإنه دل على هذا أدلةٌ كثيرة منها قولُ النبي صلى الله عليه وسلم : "إنكم سترونَ ربَّكم كما ترونَ القمرَ ليلةَ البدرِ، لا تضامون في رؤيتِه، فإن استطعتم ألا تغلبُوا على صلاةٍ قبل طلوعِ الشمس وصلاة قبلَ غروبها فافعلُوا" متفق عليه من حديث جرير بن عبد الله.
      وروى أحمد في المسند عن لقيطِ بن صبرةَ قال : يا رسولَ الله، أكلنا يرى ربَّه عز وجل يومَ القيامة؟ وما آيةُ ذلك في خلقِه؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : "أليسَ كلكُم ينظرُ إلى القمرِ مخليا به؟" قال : بلى، قال : "فاللهُ أعظم" حسنه الإمام الألباني رحمه الله في ظلال الجنة (459).
      فصلٌ
      مكانةُ أهلِ السنةِ والجماعةِ بين فرقِ الأمةِ واتصافُهم بالوسطيةِ
      بيانُ وسطيةِ الأمةِ المحمديةِ بين الأممِ
      أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وسطٌ بين الأمم، وتظهرُ وسطيتها من وجوهٍ :
      الوجه الأول : في حقِّ الله تعالى، فهم وسطٌ بين اليهودِ الذين تنقصُوا اللهَ تعالى فألحقُوه بالمخلوقِ، وبينَ النصارَى الذين تنقصُوه فألحقُوا المخلوقَ به، أما هذه الأمةُ فلم تصفِ الربَّ بالنقصِ من كلا الوجهينِ.
      الوجه الثاني : في حق الأنبياءِ، فهم وسطٌ بين اليهودِ الذين كذبُّوا عيسَى ابنَ مريم عليه السلام، وبين النصارَى الذين غَلَوْا فيه فألَّهُوه، فهو عبدُ اللهِ ورسولُه.
      الوجه الثالث : في العباداتِ، فهم وسطٌ بين اليهودِ الذين غَلَوْا في بعضِها، فإنهم إذا أصابتهم نجاسةٌ قرضُوا ثيابَهم، وبين النصارَى الذين يتعبدونَ اللهَ بعدمِ الطهارةِ، فهذه الأمةُ تغسلُ ثيابَها منَ النجاسةِ وتصلِّي بها.
      الوجه الرابع : في المحرماتِ، فهم وسطٌ بينَ اليهودِ الذين حُرِّمَ عليهِم كلُّ ذِي ظُُفُر، وبينَ النصارَى الذين استحلُّوا الخبائثَ وجميعَ المحرماتِ.
      الوجه الخامس : في القصاصِ، فهم وسطٌ بين اليهودِ الذين فُرِض عليهم القصاصُ، والنصارَى الذين فُرض عليهم التسامحُ عن القصاص، فهذه الأمةُ مخيرةٌ بين القصاصِ والديةِ والعفوِ.

      تعليق


      • #93
        بيانُ وسطيةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ بينَ فرقِ الأمةِ المحمديةِ
        كما أن أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وسطٌ بين الأممِ، فإن أهلَ السنةِ والجماعة وسطٌ بين فرقِ هذه الأمة، وتظهر وسطيتُها بين الفرقِ في خمسةِ أصول :
        الأصل الأول : بابُ الأسماءِ والصفات.
        فأهل السنةِ وسطٌ بين المعطلةِ من الجهميةِ والمعتزلة والأشاعرة، وأهلِ التمثيلِ المشبهة؛ فإن المعطلةَ ينكرون صفاتِ اللهِ تعالى على تفاوتٍ بينهم في الغلوِّ، والمشبهة يثبتون الصفاتِ لله تعالى ويجعلونَها مثلَ صفاتِ المخلوقين.
        وأما أهلُ السنةِ والجماعة فوسطٌ بينهما، يثبتون ما أثبته اللهُ تعالى لنفسِه ورسولُه صلى الله عليه وسلم لربه، من غير تشبيهٍ أو تعطيل، وينفونَ ما نفاه اللهُ تعالى عن نفسِه ورسولُه صلى الله عليه وسلم عن ربِّه.
        الأصل الثاني : باب الأفعال.
        فهم وسط بين الجبرية والقدرية، بين الجبرية الذين غلوا في إثبات القدر حتى سلبوا الإنسان مشيئته، وبين القدرية الذين غلوا في إثبات قدرة العبد حتى جعلوه مستقلا بنفسه لا شأن لله تعالى في أفعاله.
        أما أهل السنة فوسط بينهما، فللإنسان اختيار وإرادة، وما يفعله العبد فباختياره وإرادته، لكن هو واقع بمشيئة الله تعالى.
        الأصل الثالث : باب الوعيد.
        فهم وسط بين المرجئة والوعيدية، وسط بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وجعلوا الإيمان ثابتا مهما وقع من العبد لا يزيد ولا ينقص، وبين الوعيدية الذين كفروا مرتكب الكبيرة وخلدوه في جهنم بذلك.
        أما أهل السنة والجماعة فوسط بين ذلك، لا يغلبون جانب الرجاء ولا جانب الوعيد، ففاعل الكبيرة مستحق للعذاب، وإن عذب فإنه لا يخلد في النار.
        الأصل الرابع : باب أسماء الإيمان والدين.
        فأهل السنة وسط بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة، فالحرورية والمعتزلة سموا صاحب الكبيرة كافرا حلال الدم والمال، والمرجئة الجهمية سموه مؤمنا كامل الإيمان، ولا تضره معصيته.
        أما أهل السنة فوسط بينهما فسموه مؤمنا ناقص الإيمان، أو أنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
        الأصل الخامس : باب الصحابة رضي الله عنهم.
        فهم وسط بين الرافضة والخوارج، فالرافضة كفروا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم إلا آل البيت فغلوا فيهم وفي علي بن أبي طالب، وبين الخوارج الذين كفروا عليا ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، واستحلوا دماءهم.
        أما أهل السنة والجماعة فوسط بينهما، فإنهم نزلوا آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلتهم من غير غلو ولا جفاء، وحفظوا كرامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير لمز ولا ازدراء.

        تعليق


        • #94
          فصلٌ
          في المعيةِ وبيانِ الجمعِ بينها وبينَ علو اللهِ واستوائِه على عرشِه
          يؤمنُ أهلُ السنة بأن اللهَ تعالى مستوٍ على عرشه فوقَ سماواته استواءً يليقُ بجلاله، لما دلَّ عليه الكتابُ والسنة، وعلى ذلك أجمعَ سلفُ الأمة.
          واللهُ تعالى مع علوه فهو مع خلقِه معيةً حقيقية، ومن مقتضياتِ هذه المعيةِ العلمُ، والسمع، والبصر، والقدرة، والسلطان، والنصر والتأييد.
          واللهُ تعالى قد جمعَ بين كونِه في السماءِ مستو على وبين كونِه مع خلقه في قوله {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد 4].
          وليسَ معنى كونِ الله تعالى أنه معَ خلقِه أنه مختلطٌ بهم، لما يقتضيه من صفاتِ النقص –من تعددِ الآلهةِ أو تجزئِها أو إحاطةِ الأشياء بها- وهذا المعنى لا توجبُه اللغة، بل هو مخالفٌ لما أجمع عليه السلف، وخلافُ ما فطرَ اللهُ عليه الخلق.
          وإذا صح أن يقالَ في القمرِ مع علوه هو معنَا ولا يعد نقصًا، فيصح –ولله المثلُ الأعلى- أن يكونَ وصفًا للهِ تعالى من باب أولى.
          ولا يصح أن يقالَ أن اللهَ تعالى معنا بذاتِه لما في ذلك من إيهامِ معانٍ فاسدة يحتجُّ بها القائلون بالحلولِ.

          تعليق


          • #95
            فصلٌ
            في قربِ اللهِ من خلقِه وأنَّ ذلكَ لا ينافِي علوهِ وفوقيتِه
            يؤمنُ أهلُ السنة بأن اللهَ تعالى قريبٌ في نفسه، مجيب لعبادِه، كما قال سبحانه وتعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة 186]، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري : "والذي تدعونَه أقربُ إلى أحدِكم من عنقِ راحلةِ أحدكم"، وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقا في جدار القبلة، فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال : "إذا كان أحدُكم يصلي، فلا يبصقْ قبلَ وجهه، فإن الله قبلَ وجهِه إذا صلى".
            ومع ذلك فإن اللهَ تعالى مع قربِه من عباده فإنه لا يستلزمُ أن يكون في المكانِ الذي فيه الإنسانُ، ولا يلزم من قربه أن يكون في الأرضِ، فإن قربه عز وجل لا ينافي علوَّه وفوقيته، إذ هو سبحانَه ليس كمثله شيء في جميع نعوتِه، وهو علي في دنوِّه، قريبٌ في علوه.
            أقسامُ قربِ اللهِ تعالى
            اختلفَ العلماء في تقسيمِ قرب الله تعالى من العبادِ على قولين، فمنهم جعلها قسمين، ومنهم من جعلها قسمًا واحدا.
            فمن قسمها جعلها :
            1 _ قرب عام : وهو الذي مقتضاه الإحاطة.
            2 _ قرب خاص : وهو الذي مقتضاه الإثابة والإجابة، وهو على وجهين :
            أ _ إجابة الداعي.
            ب _ إثابة العابد.
            ومن نفى التقسيمَ جعلها قربًا خاصا فقطْ، مقتضٍ لإجابةِ الداعي وإثابةِ العابد، وأنه لا يمكنُ أن يكون اللهُ تعالى قريبا من الفجرةِ الكفرة، وهذا اختيارُ شيخِ الإسلام وتلميذِه رحمهما اللهُ تعالى.
            واستدل أصحاب هذا القول :
            1 _ بقول الله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة 186].
            2 _ بما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
            لكن أورد عليه إشكالات :
            1 _ قال الله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق 16] وهذا شامل لكل إنسان، ولهذا قال في آخر هذه الآية {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24)} [ق].
            ولكن أجيب عن هذا الإشكال بأن قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق 16] يعني الملائكة، واستدلوا لهذا بقوله تعالى {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق 17].
            2 _ قال تعالى {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85)} [الواقعة]، ومن هؤلاء الذين بلغت أرواحهم الحلقوم الكفار.
            وأجيب عن هذا الإشكال بأن القرب هنا قرب الملائكة، إذ القريب يكون موجودا في ذلك المكان، وهذا ممتنع في حق الله تعالى إذ أنه مستو على عرشه في السماء.
            فصلٌ
            في الإيمانِ بأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ حقيقةً
            من الإيمانِ بالله الإيمان بأن القرآنَ كلامه حقيقةً، وذلك لأن القرآنَ كلامُه وصفة من صفاته، وأنه منزلٌ من عنده.
            فأهل السنةِ يؤمنونَ بأن القرآنَ كلامُ الله، وذلك لأن ربَّ العزةِ والجلال قال {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة 6].
            ويؤمنونَ بأنه منزلٌ من عندِ الله تعالى، وذلك لقولِه عز وجل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر 9].
            ويؤمنون بأنه غيرُ مخلوقٍ، حيث قال الله تعالى {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف 54]، أن وأن القرآنَ من أمرِه تعالى {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى 52].
            وأنه منه بدأَ، فابتداءُ تنزيله من الله تعالى لا من غيرِه؛ لقوله تعالى {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر 1]، وإليه يعودُ، رفعًا من الصدورِ والسطور آخرَ الزمنِ، وأنه يعودُ إليه وصفًا، فلا يوصفُ به أحدٌ سوى الله تعالى.
            يؤمنونَ بأنه كلامُه حقيقةً، فإن الأصلَ أن جميع صفاتِ الله تعالى حقيقيةٌ، فإذا كان القرآنُ كلامَ الله فهو صفتُه، فلا يمكن أن تكون صفةُ الخالق مخلوقةً، وكونه مكتوبًا في السطور مقروءا لا يخرجُه عن كونه كلامًا لله تعالى حقيقةً، إذ الكلام يضافُ إلى قائله ابتداء.
            قولُ المخالفين لأهلِ السنةِ في كلامِ اللهِ تعالى
            خالفَ الضلالُ من الطوائفِ أهل السنةِ في مسألة أن القرآنَ كلامُ الله تعالى حقيقةً، فمنهم من قال :
            1 _ أن كلامَ الله حروفٌ دون المعاني، إذ الكلامُ ليس معنى يقومُ بذاتِ الله، بل هو شيءٌ من مخلوقاتِه سماهُ كلاما، وهذا قول الجهميةِ والمعتزلة.
            2 _ أن كلامَ الله معاني دونَ الحروفِ، إذ هو معنى قائمٌ بالنفس، ثم خلقَ أصواتًا تدل على هذا المعنى، واختلفوا في هذه الأصواتِ الدالةِ على المعنى على قولين :
            أ _ أنه حكايةٌ عن كلامِ الله تعالى بإطلاقٍ، وهم الكلابيةُ.
            ب _ أنه عبارة عن كلام الله تعالى بإطلاقٍ، وهم الأشاعرةُ.
            والفرقُ بينهما أن الحكايةَ هي المماثلةُ، وأن العبارة هي تعبيرُ المتكلم عن كلامِه النفسي بحروفٍ وأصوات خلقت، لكن مع هذا الاختلافِ فهم متفقون أن القرآنَ الذي في السطور ليس كلامًا لله تعالى.
            لو قيدت هذه العبارةُ لجاز ذلك ولم يكن بها بأسٌ، كأن يقول : أن القارئ الآن يعبرُ عن كلامِ الله أو يحكي كلامَ الله؛ لأن لفظَه بالقرآنِ ليس هو كلامُ الله.
            فصلٌ
            في الإيمانِ برؤيةِ المؤمنينَ ربهم يوم القيامةِ ومواضعِ الرؤيةِ
            يؤمنُ أهلُ السنة بأن المؤمنين سيرونَ ربهم يوم القيامةِ عيانا أي رؤية بأعينهم، يرونه كما يرونَ القمرَ ليلة البدر، كما قال عليه الصلاة والسلام : "إنكم سترونَ ربكم كما ترون هذَا لا تضامون في رؤيتِه" متفق عليه من حديث جرير بن عبد الله.
            المواضعُ التي يُرى اللهُ تعالى فيهَا
            يُرى اللهُ تعالى في مواضعَ ثابتة بالنقلِ الصحيح، وهي :
            الموضعُ الأول : في عرصاتِ يومِ القيامة، قبل أن يدخلَ المؤمنون الجنةَ.
            الموضعُ الثاني : بعد دخولِهم الجنةَ.
            هل الكفارُ والمنافقون يرونَ ربهم؟
            الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف :
            الأول : مؤمنون خلص، فهؤلاء يرون ربهم في العرصات وبعد دخول الجنة.
            الثاني : كفار خلص، وهؤلاء اختلف فيهم العلماء على قولين :
            أ _ أنهم لا يرون ربهم مطلقا، وهو ظاهر الأدلة {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين 15].
            ب _ أنهم يرونه رؤية عذاب وعقاب.
            الثالث : مؤمنون ظاهرا، وكفار باطنا، وهم المنافقون، وهؤلاء يرون ربهم في العرصات، ثم يحتجب عنهم بعد ذلك.

            تعليق


            • #96
              فصل
              الإيمان باليوم الأخر
              يؤمن أهل السنة باليوم الآخر، وهو يوم القيامة، الذي لا يوم بعده، الذي هو أحد الأركان الستة، التي يجب الإيمان بها، ومن لم يؤمن باليوم الآخر ما كان مؤمنا بالله تعالى.
              مراحل الإنسان
              للإنسان خمس مراحل، وهي :
              1 _ مرحلة العدم : وهذه قال الله تعالى فيها {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} [الإنسان 1].
              2 _ مرحلة الحمل : قال الله تعالى عنها {خْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر 6].
              وروى الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، قال : "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له : اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة".
              3 _ مرحلة الدنيا : قال الله تعالى عنها {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل 78].
              وهذه المرحلة مرحلة ابتلاء وامتحان، وعليها مدار السعادة والشقاء، قال الله تعالى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك 2].
              4 _ مرحلة البرزخ : قال الله تعالى عنها {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون 100].
              5 _ مرحلة الآخرة : قال عنها الله تعالى {ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } [المؤمنون 15-16].
              فتنة القبر
              ويؤمن أهل السنة بفتنة القبر حقا -وهي : أن يُسأل العبد : من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟-، فقد جاءت الإشارة إليها في كتاب الله تعالى، وجاء بيانها بيانا واضحا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
              أدلة ثبوت فتنة القبر :
              1 _ من الكتاب : قال الله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم 27].
              2 _ من السنة :
              _ روى الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "العبد إذا وضع في قبره، وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فيراهما جميعا...".
              _ وروى البخاري ، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت : أتيت عائشة وهي تصلي فقلت : ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء، فإذا الناس قيام، فقالت : سبحان الله، قلت : آية؟ فأشارت برأسها : أي نعم، فقمت حتى تجلاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء، فحمد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه، ثم قال : "ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي، حتى الجنة والنار، فأوحي إلي : أنكم تفتنون في قبوركم -مثل أو– قريب -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال".
              من يفتن في قبره من يستثنى
              الناس ثلاثة أقسام :
              1 _ مؤمنون خلص.
              2 _ منافقون.
              3 _ كفار خلص.
              أولا : أما المؤمنون فإنهم يفتنون في قبورهم، كما دل الدليل على ذلك، فقد روى أبود داود في سننه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك فيقول له : ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال : كنت أعبد الله، فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها" صححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في صحيح سنن أبي داود (4751).
              ثانيا : وأما المنافقون فهم كذلك يفتنون، لقوله صلى الله عليه وسلم : "وأما المنافق أو المرتاب - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" رواه الشيخان عن أسماء.
              ثالثا : وأما الكافر فلا يسأل؛ لأنه لا حاجة لسؤاله، فالامتحان إنما هو للاختبار، والكافر ساقط راسب في الاختبار من أصله فال يسأل، ورجح ابن القيم خلاف هذا.
              من يستثنى من فتنة القبر
              يستثنى من الناس الذين يفتنون في قبورهم خمسة أصناف، وهم :
              1 _ الأنبياء : فلا يسألون ولا تشملهم الفتنة، وذلك لوجهين :
              أ _ أنهم أفضل من الشهداء، والشهيد يوقى فتنة القبر.
              ب _ أنهم يسأل عنهم في فتنة القبر، فهم مسؤول عنهم، وليسوا مسؤولين، لذلك جاء في الحديث : "أنكم تفتنون في قبوركم" فالخطاب للأمة المرسل إليها، لا للرسل.
              2 _ الصِّدِّيقون : فلا يسألون؛ وذلك لوجهين :
              أ _ أن الصديق مرتبته أعلى من مرتبة الشهداء، والشهداء لا يفتنون، فالصديق من باب أولى.
              ب _ أن الصديق علم صدقه، فلا حاجة لامتحانه.
              3 _ الشهداء : الذين قتلوا في سبيل الله، فلا يسألون لظهور صدقهم بجهادهم.
              قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة 111].
              وروى النسائي في الصغرى عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلا قال : يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال : "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة " صححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في صحيح سنن النسائي (2052).
              4 _ المرابطون : فإنهم لا يفتنون، روى مسلم في صحيحه عن سلمان، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان".
              5 _ الصغار والمجانين : اختلف فيهم العلماء، فمنهم من قال :
              أ _ أنهم يفتون؛ وذلك :
              1 _ لدخولهم في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : "العبد إذا وضع في قبره".
              2 _ أنهم إذا سقط عنهم التكليف في الحياة؛ فإن حال الممات تخالف حال الحياة.
              ب _ أنهم لا يفتنون؛ لأنهم غير مكلفين، فلا حساب عليهم؛ فلا حساب إلا على من كان مكلفا، فهم لا عقاب عليهم، وليس لهم إلا الثواب إذا عملوا صالحا.

              تعليق


              • #97
                بارك الله فيك أخي يوسف على مواصلتك لنقل هذه الفوائد بعد غياب عنها لمدة عامين، والله المستعان، وفقك الله لطاعته ومرضاته
                اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
                وسيم بن أحمد قاسيمي -غفر الله له-

                تعليق


                • #98
                  وفيك يبارك الله أخي الحبيب
                  الحمد لله زال ما كان يشغلنا
                  نسأل الله التوفيق والسداد

                  تعليق


                  • #99
                    الأمم السابقة معرضة لفتنة القبر
                    الصحيح أن الأمم التي سبقت هذه الأمة المحمدية، تسأل في قبورها وتفتن، كما تسأل هذه الأمة؛ فإذا كانت هذه الأمة التي هي أشرف الأمم تسأل في القبر؛ فمن دونها من باب أولى.
                    السؤال يكون للمقبور وغيره
                    سؤال الملكين ليس خاصا بمن دفن في قبره، بل هو يشمل كل من مات، سواء دفن أم لا، كالذي أكلته السبع، أو غرق، أو احترق وغيره.
                    منكر ونكير
                    إذا دفن العبد، أتاه ملكان، فيسألانه سؤالات القبر، وهذان الملكان اسمهما : منكر ونكير، وقد جاء اسمهما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه ابن أبي عاصم في السنة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا قبر أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما : منكر، والآخر : نكير..." حسنه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة (1391).
                    وقد اختلف العلماء في هذين الاسمين، فمنهم :
                    1 _ من رد هذين الاسمين، وضعف الحديث؛ إذ أن الله تعالى وصف الملائكة بأوصاف حسنة، فلا يسمى هذان الملكان بهذا الاسم.
                    2 _ من أثبت الاسمين، وصحح الحديث؛ وذلك لأن هذه التسمية من حيث أن الميت لا يعرفهما، وليس لأنهما منكران من حيث ذواتهما، وقد قال إبراهيم عليه السلام عن الملائكة {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذاريات 25] فهو لا يعرفهم.

                    تعليق


                    • الحكمة من إخفاء عذاب القبر على الإنسان
                      روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "العبد إذا وضع في قبره، وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فيراهما جميعا، وأما الكافر -أو المنافق- فيقول : لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال : لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين".
                      وله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت : قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت : يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق"، فأخفى الله تعالى صوت العذاب عن الإنس لحكم منها :
                      1 _ ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : "لولا أن تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم منخ عذاب القبر" رواه مسلم عن زيد بن ثابت.
                      2 _ أن في إخفائه سترا للميت.
                      3 _ أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ إذ لو سمعوه يعذب، لم يستقر لهم قرار.
                      4 _ عدم تخجيله أهله، فالناس قد يعيرونهم بذلك.
                      5 _ أن هذه الأصوات قد تهلك الإنسان أو تصعقه أو يغشى عليه، كما تقدم في الحديث "ولو سمعه صعق".
                      6 _ لو سمع الناس صوت العذاب؛ لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب؛ وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان.

                      تعليق


                      • أدلة عذاب القبر ونعيمه
                        دل على ثبوت عذاب القبر أدلة كثيرة، من كتاب الله تعالى، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلمن وقد أجمع المسلمون على ذلك.
                        أولا : من الكتاب.
                        1 _ قال الله تعالى {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)} [الواقعة].
                        2 _ وقال تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر 46].
                        3 _ وقال تعالى {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام 93].
                        4 _ وقال عز وجل {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل 32].
                        ثانيا : من السنة النبوية.
                        1 _ روى ابن ماجه في السنن عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحا، قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيفتح لها، فيقال : من هذا؟ فيقولون : فلان، فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، وإذا كان الرجل السوء، قال : اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فلا يفتح لها، فيقال : من هذا؟ فيقال : فلان، فيقال : لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح سنن ابن ماجه (4338).
                        2 _ روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال : "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا : يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال : "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
                        3 _ روى البخاري عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "العبد إذا وضع في قبره، وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان، فأقعداه، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فيراهما جميعا، وأما الكافر -أو المنافق- فيقول : لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال : لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين".
                        4 _ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها : أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها : أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال : "نعم، عذاب القبر" قالت عائشة رضي الله عنها : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر زاد غندر : "عذاب القبر حق".
                        5 _ روى الشيخان عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم".
                        ثالثا : الإجماع.
                        فقد أجمع المسلمون على الإيمان بعذاب القبر؟، لما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة المتواترة.
                        عذاب القبر ونعيمه يقع على الروح والبدن
                        الأصل عند أهل السنة أن عذابَ القبر ونعيمَه يقع على الروح، والبدنُ تابع لها، كما أنهما في الدنيا يقعان على البدن والروح تابعة له.
                        وقد يكون العذاب على البدن والروح تتبعه، ولكن هذا لا يقع إلا نادرا.

                        تعليق


                        • جزاكم الله خيرا أخي يوسف على هذا المجهود الطيّب، أسأل الله أن ينفع به.

                          تعليق


                          • آمين وإياك أخي الحبيب يوسف

                            تعليق


                            • مسألة : هل عذاب القبر ونعيمه دام أم منقطع؟
                              تفصيل المسألة يرجع إلى تقسيم أصناف الناس، فمنهم مؤمن ومنهم كافر.
                              فأما الكافر : فإن العذاب عليه دائم، غير منفك عنهم، ولا يخفف عنهم؛ لأن في ذلك راحة لهم، وهم ليسوا أهلا ليخفف عنهم.
                              وأما عصاة المؤمنين : الذين قضى الله عليهم بالعذاب؛ فهؤلاء قد يدوم عذابهم وقد لا يدوم، فيعذبون حسب ذنوبهم، وحسب عفو الله عليهم.

                              تعليق


                              • فصل
                                في القيامة الكبرى
                                يؤمن أهل السنة والجماعة بالقيامة الكبرى، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وهذا حق وصدق، دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
                                أولا : الأدلة من كتاب الله تعالى.
                                1 _ قال الله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)} [الحج].
                                2 _ وقال تعالى {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)} [الحاقة]، والحاقة من أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور.
                                3 _ وقال تعالى {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)} [القارعة]، والقارعة من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك، لأنها تقرع الناس وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه.
                                ثانيا : من أدلة السنة النبوية.
                                أدلة النسة كثيرة جدا، بين فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون يوم القيامة من المشاهد، ومن ذلك :
                                1 _ روى الشيخان عائشة رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تحشرون حفاة عراة غرلا " قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله ، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال : "الأمر أشد من أن يهمهم ذاك".
                                2 _ روى ابن خزيمة في صحيحه عن أوس بن أوس قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" صححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (2212).
                                وغيرها كثير سيأتي ذكرها.
                                ثالثا : الإجماع.
                                فقد أجمع المسلمون إجماعا قطعيا على الإيمان بيوم القيامة، ولهذا كان من أنكره كافرا، إلا إذا كان جهلا فيعلم.
                                رابعا : الكتب السماوية.
                                فقد اتفقت الكتب السماوية على إثبات اليوم الآخر؛ ولهذا كان اليهود والنصارى يؤمنون به.
                                خامسا : العقل.
                                إذ أنه إذا لم يوجد هذا اليوم؛ لكان إيجاد الخلق عبثا، والله تعالى منزه عنه، فإن هذا مناف للحكمة من إلزام الناس بأعمال وندبهم إليها، ونهيهم عن أخرى، ثم لا يكون موت ولا حساب.

                                تعليق

                                الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 0 زوار)
                                يعمل...
                                X