إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

جديد فتاوى شيخنا العلامة محمد علي فركوس - حفظه الله -

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جديد فتاوى شيخنا العلامة محمد علي فركوس - حفظه الله -

    <بسملة1>


    في حكم العمل في محيطٍ آثمٍ


    السؤال:
    ما حكمُ عملِ المعلِّم في مؤسَّسةٍ تربويَّةٍ تعجُّ بفِتَن الشهوات، وليس للعامل مِنْ سبيلٍ آخَرَ يَسترزِقُ منه ـ حاليًّا ـ إلَّا في ذلك المُحيطِ الآثم، ممَّا زاد مِنْ همِّه وغمِّه، فهل عملُه وأموالُه حرامٌ؟ أفتونا مأجورين.

    الجواب:
    الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
    فالذي يتعلَّق بهذه المسألةِ هو المحرَّمُ لغيره؛ لأنَّ أصله مشروعٌ لعدمِ وجود المفسدة والمَضَرَّة في ذات التعليم المدرسيِّ الخاليةِ موادُّه التربويَّة المُدرَّسة مِنْ مُنكَرٍ غالبًا، ولكِنِ اقترن الحرامُ بهذا الأصلِ مِنْ خارِجِ مَحَلِّه وهي فتنةُ الشهوات، فممنوعيَّتُه تتجلَّى ـ إذن ـ مِنْ جهةِ سدِّ ذريعة المحرَّم، والمالُ المأخوذُ إنما هو على أصل التعليم لا على عوارضه؛ علمًا أنَّ هذا الحُكمَ الأصليَّ المُحرّم يجوز الخروجُ عنه إذا ما تَعارضَ مع الضروريَّات الخمس مِنْ حفظ الدِّين والنفس والعقل والعِرْض والمال، أو تَعارضَ مع الحاجيات التي يؤدِّي تركُها إلى مَشقَّةٍ بالغةٍ على المكلَّف؛ فإنه وإِنْ أُبِيحَتْ ضرورةً أو حاجةً فيبقى حكمُ الإباحة في نطاقهما مِنْ غيرِ تعدِيَةٍ؛ لأنَّ «الضَّرُورَاتِ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا»، وكذلك الحاجيات، مع الأخذ بلوازم الحيطة وتدابير الوقاية سَدًّا للمفسدة أو تقليلًا منها.
    فمِنْ هذه التدابيرِ التي يَتَّخِذُها هي: أَنْ يبحث عن عملٍ آخَرَ في مؤسَّسةٍ تربويَّةٍ أخرى أو غيرِها أقلَّ مفسدةً مِنَ الأولى، ويبتعد بها عن المحيط المحذور، فإنه يجب أَنْ يسعى ـ جاهدًا ـ للانتقال إليها تجنُّبًا للفتنة إِنْ وَسِعه ذلك؛ فمَنْ لم يجد فله أَنْ يَستمِرَّ في العمل في مؤسَّسته التربويَّة مع الْتِزام الضوابط الشرعيَّة مِنْ غضِّ البصر عن عورات النساء ومفاتنِهنَّ، وتَحاشِي الاحتكاك بهنَّ؛ كما يعمل على تَفادي المحاذير الشرعيَّة إمَّا بالزواج أو بالصوم؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، [فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ]؛ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»(١)؛ كُلُّ ذلك مع التقوى في حدود الاستطاعة، وقيامِ النكير على كُلِّ المحاذير الشرعيَّة وعدمِ الرِّضا بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا استَطَعتُمۡ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٢) الحديث.
    وعسى اللهُ أَنْ يفرِّج عنه بعملٍ جديرٍ به يُذهِبُ هَمَّه ويدفع غَمَّه ويُقيمُ دِينَه على الوجه الأسلمِ والأكمل كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَّهُۥ مَخرَجا ٢ وَيَرۡزُقهُ مِنۡ حَيثُ لَا يَحتَسِبُ‌ۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُۥٓ‌ۚ إِنَّ اللَّهَ بَٰلِغُ أَمرِهِۦ‌ۚ قَدۡ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣﴾ [الطلاق]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمرِهِۦ يُسرٗا ٤ ذَٰلِكَ أَمرُ اللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيكُمۡ‌ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعظِمۡ لَهُۥٓ أَجرًا ٥﴾ [الطلاق].

    والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

    الجزائر في: ٠١ صفر ١٤٤١ﻫ.
    الموافق ﻟ: ٣٠ سبتمبر ٢٠١٩م.

    ـــــــــــــ
    (١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنِ استطاع منكم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ»، لأنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفَرْج، وهل يتزوَّج مَنْ لا أَرَبَ له في النكاح (٥٠٦٥)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤٠٠)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وما بين المعكوفين زيادةٌ لمسلمٍ.
    (٢) أخرجه أبو داود في «الملاحم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَمِيرةَ الكِنْديِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩).



    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2019-10-22, 12:04 PM.

  • #2
    جزاك الله خيرا على هذه الفائدة الطيبة التي أفادها شيخنا الهمام كعادته بأجوبته المؤصلة الدالة على رسوخه في العلم.
    التعديل الأخير تم بواسطة أزهر سنيقرة; الساعة 2019-11-13, 12:09 PM.

    تعليق


    • #3
      جزاكم الله خيرا شيخنا وبارك فيكم.
      نسأل الله أن يحفظكم وسائر علمائنا ومشايخنا بالجزائر .
      التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن لزهر ضيفي; الساعة 2019-11-23, 08:42 PM.

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا أخي أبو عبد الرحمن ونفعنا الله وإياكم بما نقلته من علم العلامة شيخنا فركوس حفظه الله و جميع مشايخنا بالجزائر.

        تعليق


        • #5
          .
          التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن لزهر ضيفي; الساعة 2019-11-23, 08:40 PM.

          تعليق


          • #6
            .
            التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن لزهر ضيفي; الساعة 2019-11-23, 08:38 PM.

            تعليق


            • #7
              <بسملة 2>


              في الاعتراض على تلازُمِ الظَّاهر والباطن في الحكم بالكفر




              السؤال:
              ما يُفهَمُ مِنْ رسالتكم في ضوابط التَّكفير الموسومةِ ﺑ «منهج أهل السُّنَّة والجماعة في الحكم بالتَّكفير بين الإفراط والتَّفريط»: أنَّ مَنْ تحقَّقَتْ فيه الشُّروطُ وانتفَتْ فيه الموانعُ: فإنَّه يُحكَمُ عليه بالكفر، ولم تُبيِّنُوا فيها أنَّ الحكم بالكفر إنما هو على الظَّاهر مِنْ فعل المكلَّف، مِنْ غيرِ الْتِفاتٍ إلى القُصود والنِّيَّات، كما لا اعتبارَ لقرائن الأحوال، فمثلُه مثلُ لفظةِ «الطَّلاق» فإنَّه يُحكَمُ على الفاعل ـ إذا ما تحقَّقَتِ الشُّروطُ وانتفَتِ الموانعُ ـ أنه طلَّق، ويَقَعُ طلاقُه بمُجرَّدِ تلفُّظِه به، بِغَضِّ النَّظر عن قصدِه ونِيَّتِه؛ لأنَّ لفظَ «الطَّلاق» صريحٌ في انتهاء العلاقة الزَّوجيَّة، فهل مِنْ جوابٍ يُرتاحُ إليه؟ وشكرًا.
              الجواب:
              الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
              فالكفر نقيضُ الإيمان، وقد اختلف الفقهاءُ في حقيقة الكفر تبعًا لاختلافهم في حقيقة الإيمان؛ ولمَّا كان الإيمانُ ـ عند أهل السُّنَّة والجماعة ـ: اعتقادًا بالقلب، وقولًا باللِّسان، وعملًا بالجوارح؛ كان كذلك الكفرُ بالاعتقاد أو القولِ أو العمل، سواءٌ بها مُجتمِعةً أو مُتفرِّقةً.
              والمرادُ ﺑ «مُتفرِّقة»: أنَّ الحكم بالكفر ـ عند أهل السُّنَّة ـ يقع بالقول بمُجرَّدِه كما يقع بالعمل بمُفرَده، أي: أنَّ كُلًّا مِنَ القول والعمل المُكفِّر له أثرٌ في التَّكفير بمُجرَّدِه وُجودًا وعدمًا، مِنْ غيرِ أَنْ يتوقَّف تأثيرُه على اشتراطِ اقترانه بالتَّكذيب أو اقترانِه بعدم الانقياد.
              وهذا على خلافِ جمهور الأشاعرة الذين يعتقدون بأَنْ لا وقوعَ للكفر بمُجرَّدِ القول أو العملِ إلَّا إذا كان دليلًا على التكذيب أو عدمِ الانقياد، بمعنَى: أنَّه لا تأثيرَ للقول ولا للعمل المُكفِّر إلَّا إذا صاحَبَه اعتقادٌ مُكفِّرٌ.
              وهذا القولُ لا شَكَّ في بطلانه؛ لأنَّه فرعٌ مبنيٌّ على القول بأنَّ الإيمانَ مُجرَّدُ التَّصديق، وأنَّ القولَ باللِّسان وعمَلَ الجوارحِ خارجان عن مُسمَّاه؛ وهذا البناءُ مُخالِفٌ لإجماع سَلَفِ الأمَّة وأئمَّتِها الذين يعتقدون أنَّ الإيمانَ اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ.
              وتأسيسًا على مُعتقَدِ أهل السُّنَّة والجماعة في الإيمان فإنَّه يتفرَّع منه ـ بالمُقابِل ـ شمولُ الحكم بالتَّكفير للظَّاهر والباطن لوجود التَّلازم بينهما.
              غير أنَّه ينبغي التَّفصيلُ في الاعتقادات والأقوالِ والأعمال الكُفريَّة بين قسمَيْن:
              أحَدُهما: ما لا يحتمل إلَّا الكُفرَ فقط، فإنَّه لا اعتبارَ ـ في هذا القسم ـ للقُصود والنِّيَّات، ولا نظرَ إلى قرائنِ أحواله، وإنَّما الحكمُ بالكفر على ظاهرِ الفعلِ المُكفِّر، بِغَضِّ النَّظر عن قصدِه ونِيَّتِه وقرائنِ حالِه؛ غيرَ أنَّ الحكم بالكفر على الفعل لا يَلْزَمُ منه تكفيرُ الفاعل؛ لأنَّ تكفيره يتوقَّف على تحقُّق الشروطِ وانتفاء الموانع(١).
              ومِنْ تطبيقاتِ هذا القسم: سبُّ اللهِ تعالى أو سبُّ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم وهو كفرٌ قوليٌّ، أو إهانةُ المصحف أو نحوُ ذلك وهو كفرٌ عمليٌّ؛ فهاتان الصورتان لا تحتملان إلَّا الكفرَ؛ لذلك لا ننظر فيهما إلى قصد الفاعل ونِيَّتِه وقرائنِ أحواله، لعدمِ وجودِ احتمالٍ آخَرَ مُشارِكٍ له في اللفظ؛ لذلك كان الحكمُ بالكفر فيه يتناول الظَّاهرَ والباطنَ(٢)؛ وضِمْنَ هذا المعنى قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «إنَّ سَبَّ اللهِ أو سَبَّ رسولِه كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، وسواءٌ كان السَّابُّ يعتقد أنَّ ذلك مُحرَّمٌ أو كان مُستحِلًّا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده؛ هذا مذهبُ الفقهاء وسائرِ أهلِ السُّنَّة القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ»(٣)، وقال ـ أيضًا ـ: «لو أخَذَ يُلقي المُصحَفَ في الحُشِّ ويقول: «أشهد أنَّ ما فيه كلامُ الله»، أو جَعَل يقتل نبيًّا مِنَ الأنبياء ويقول: «أشهد أنَّه رسولُ الله» ونحو ذلك مِنَ الأفعال التي تُنافي إيمانَ القلب؛ فإذا قال: «أنا مؤمنٌ بقلبي مع هذه الحالِ» كان كاذبًا فيما أَظهرَه مِنَ القول»(٤).
              ومِثلُ هذا في باب الفقه الذي لا يحتمل إلَّا معنًى واحدًا: التَّلفُّظُ بالطَّلاق الذي معناهُ: المُفارَقةُ الزَّوجيَّة؛ فإنَّ الحكم بالطَّلاقِ واقعٌ بقوله وهو طلاقُه الصَّريح، بِغَضِّ النَّظر عن الفاعل؛ أمَّا إثباتُ العلاقة الزَّوجيَّة أو نفيُها فهو مُتوقِّفٌ على وجود الشُّروطِ وانتفاءِ الموانع.
              ثانيهما: ما يحتمل الكفرَ وعدَمَه، وليس الاعتبارُ في الحكم بالكفر ـ في هذا القسم ـ على ظاهر الفعل، وإنما المُعتبَرُ فيها: القُصودُ والنيَّاتُ وقرائنُ الأحوال.
              ومِنْ تطبيقاته: السُّجودُ لغير الله تعالى؛ فإنَّه يدور حُكمُه بحسَبِ قصده ونِيَّتِه وقرائنِ حاله؛ فقَدْ يكون قصدُه للسُّجود لغير الله تعالى: التَّعبُّدَ للمسجودِ له والتَّقرُّبَ إليه، فهو ـ في هذه الحال ـ كفرٌ، كما قد يكون قصدُه للفعل: التَّحيَّةَ والتَّقديرَ أو التَّمثيلَ والحكاية، فهو ـ بهذا الوجه ـ معصيةٌ.
              ويدلُّ عليه استفصالُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ مُعاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه عن سجوده له على القول بصحَّةِ الحديث، ولم يحكم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على فعلِ مُعاذٍ رضي الله عنه بالكفر بمُجرَّدِ سجوده؛ فدلَّ ذلك على أنَّ المُعتبَر في ذلك إنَّما هو المقصودُ مِنْ عملِه؛ لذلك اكتفى بنهيه عن الفعل دون استتابَتِه مِنَ الكفر(٥).
              ومِنْ تطبيقاتِ هذا القسمِ ـ أيضًا ـ: إفشاءُ سِرِّ المسلمين إلى أعدائهم؛ فهو دائرٌ بين مَقاصِدَ مُختلِفةٍ: إمَّا أَنْ يقصد مُوالاةَ الكُفَّارِ وإعانَتَهم على المسلمين، وهو ـ بهذا المعنى ـ كفرٌ وخيانةٌ عُظْمَى، وإمَّا أَنْ يَقصِدَ ـ بعمله هذا ـ إلى تحقيقِ غرضٍ مادِّيٍّ أو مصلحةٍ دُنْيويَّةٍ.
              ومِنْ أجلِ هذا الاحتمالِ استفصل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قصَّةِ حاطبِ بنِ أبي بَلْتَعةَ رضي الله عنه ولم يحكم على فعله بالكفر بمُجرَّدِ مُراسَلتِه لقُرَيْشٍ ومُكاتَبَتِه إيَّاهم بأمرِ مَسيرِ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمين إليهم لفتحِ مكَّةَ(٦)؛ والقصَّةُ مشهورةٌ أَخرجَها البخاريُّ ومسلمٌ(٧).


              والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

              الجزائر في: ٢٢ صفر ١٤٤١ﻫ
              الموافق ﻟ: ٢١ أكتوبر ٢٠١٩م
              ---------

              (١) مِنْ موانع الكفر: الجهل: على تفصيلٍ ذَكَره العلماء، ومَحَلُّه المسائلُ الخفيَّة لا الظَّاهرة [انظر ضوابط مسألة العذر بالجهل في خاتمةِ مؤلَّفي: «توجيه الاستدلال بالنصوص الشرعيَّة على العذر بالجهل في المسائل العَقَديَّة»]؛ ومنه الخطأ: فقَدْ يكون ناشئًا عن غيرِ قصدٍ كسبقِ لسانٍ ونحوِه، ومِثلُ هذا لم يختلف العلماءُ على العذر به، وقد يكون الخطأُ ناشئًا عن اجتهادٍ أو قصورٍ في فهم الأدلَّة الشَّرعيَّة، وهو ما يُعرَف بمانع التَّأويل، وله ضوابطُ مُعتبَرةٌ للعذر به؛ ومِنْ ذلك مانعُ الإكراه، وله ـ أيضًا ـ شروطٌ وضوابطُ مُعتبَرةٌ للعذر به.
              (٢) انظر المطويَّةَ الموسومة ﺑ: «في ناقض الإيمان القولي: سبُّ الله عزَّ وجلَّ».
              (٣) «الصَّارم المسلول» لابن تيمية (٣/ ٩٥٥).
              (٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٦).
              (٥) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٣٦٠).
              وقد أَخرجَ ابنُ ماجه وغيرُه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» قَالَ: «أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ؛ فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَا تَفْعَلُوا؛ فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي المَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا ـ وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ ـ لَمْ تَمْنَعْهُ» أخرجه بهذا اللفظِ ابنُ ماجه في «النكاح» باب حقِّ الزوج على المرأة (١٨٥٣)، وأحمد بنحوه في «مسنده» (١٩٤٠٣). والحديث ذَكَره الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢٠١، ٧/ ١٠٩٧) وفي «الإرواء» (٧/ ٥٥) وفي «صحيح ابنِ ماجه»، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ أبي أَوْفى رضي الله عنه، قال الألبانيُّ رحمه الله في «الصحيحة» (٣/ ٢٠٢): «وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ»؛ ولفظ أحمد: «قَدِمَ مُعَاذٌ الْيَمَنَ، أَوْ قَالَ: الشَّامَ، فَرَأَى النَّصَارَى..»؛ [وانظر الفتوى رقم: (٩١٧) الموسومة ﺑ: «في توجيه حديثي عائشة ومعاذ رضي الله عنهما في العذر بالجهل في مسائل الاعتقاد» على الموقع الرسميِّ]. ووَرَد الحديثُ عن جماعةٍ مِنَ الصحابة منهم: أبو هريرةَ وعائشةُ وأنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عن الجميع. [انظر: «سنن أبي داود» (١/ ٦٥٠)، و«سنن الترمذي» (٣/ ٤٦٥)، و«سنن الدارمي» (١/ ٤٠٦)، و«مستدرك الحاكم» (٢/ ٢٠٤)]..
              (٦) انظر: «الأمَّ» للشافعي (٤/ ٢٦٤).
              (٧) أخرجه البخاريُّ (٣٠٠٧، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠، ٦٢٥٩، ٦٩٣٩)، ومسلمٌ (٢٤٩٤)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. ولفظه: عن عُبَيْدِ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا: «أَخْرِجِي الكِتَابَ»، فَقَالَتْ: «مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ»، فَقُلْنَا: «لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ»، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ: «مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ» إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟»، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ ـ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ ـ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ»، قَالَ عُمَرُ: «يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ»، قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».
              التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2019-11-12, 12:05 PM.

              تعليق


              • #8
                جزاك الله خيرا وبارك فيك أخي أبو عبد الرحمن

                تعليق


                • #9
                  .
                  التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن لزهر ضيفي; الساعة 2019-11-23, 08:37 PM.

                  تعليق


                  • #10
                    <بسملة1>

                    في حكم تطهيرِ المرأةِ مَحْرَمَها العاجزَ وتنظيفِه


                    السؤال:
                    عمُّ أمِّي شيخٌ كبيرٌ عاجزٌ لا يقدر على فعلِ شيءٍ بما في ذلك شؤون طهارَتِه وتنظيفِه، وأمِّي ـ في الغالب ـ هي مَنْ تُباشِرُ تنظيفَه وتغسيلَه على نحوِ ما تفعل المرأةُ بالصبيِّ، وذلك لغياب الرِّجال في العمل عند الحاجة إلى تنظيفه غالبًا؛ فهل يصحُّ منها تطهيرُه؟ وكذلك هل يصحُّ منها صيامُها إذا صامَتْ؟ وجزاكم الله خيرًا.

                    الجواب:
                    الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
                    فالأصل المقرَّرُ أنه يُمنَع على المكلَّفِ النظرُ إلى عورةِ غيرِه ومَسُّها ولَمْسُها، سواءٌ كان مِنَ الأجانب أو مِنَ المحارم؛ لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبصَٰرِهِمۡ وَيَحفَظُواْ فُرُوجَهُمۡ‌ۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلمُؤۡمِنَٰتِ يَغضُضنَ مِنۡ أَبصَٰرِهِنَّ وَيَحفَظنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ ـ ٣١] الآية، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اصْرِفْ بَصَرَكَ»(١) الحديث؛ كما أنَّ الأصل أَنْ يقوم المريضُ أو العاجزُ بِغَسْل الأذى وإزالةِ النَّجاسة عن نفسِه بنفسِه، فإِنْ لم يَقدِرْ فزوجتُه تتولَّى تغسيلَه لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ»(٢)، فإِنْ كانت زوجتُه غيرَ قادرةٍ أو لم تكن له زوجةٌ فإنه يتولَّى تغسيلَه أبناؤه أو غيرُهم مِنَ الذكور، وهُم أَوْلى مِنَ الإناث، لأنَّ الرَّجل مع الرَّجل أسلمُ مِنْ قيامِ المرأة بهذا العملِ للرجل ولو كانت مَحْرَمًا له، والمرادُ بالمحارم: مَنْ يَحْرُمُ عليه نكاحُها مُؤبَّدًا بنَسَبٍ أو رضاعٍ أو مُصاهَرةٍ.
                    فإِنْ لم يُوجَدْ مَنْ يقوم بهذا العملِ مِنْ ذَوِيه أو غيرِهم مِنَ الرجال تطوُّعًا فيَلزَمُه تأجيرُ رجلٍ أو ممرِّضٍ يقوم عليه بالمال؛ فإِنْ تعذَّر ـ لسببٍ أو لآخَرَ ـ فلا حَرَجَ على ابنته أو إحدى محارمِه أَنْ تتولَّى تغسيلَه وتنظيفه للحاجة التي تُنزَّلُ منزلةَ الضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا استَطَعتُمۡ﴾ [التغابن: ١٦].
                    هذا، وتقديمُ الرجال على مَحارِمِه مِنَ النساء في مباشرةِ تغسيل الرَّجل العاجز أو المريض مِنَ الأذى والنجاسة إنما هو مِنْ باب الحيطة في الدِّين، والسلامةِ مِنَ الغواية، والمحافظةِ على شرعِ الله وحدوده؛ وليس مِنْ بابِ سُوء الظنِّ والرِّيبة لانتفائهما مع المحارم غالبًا، و«الغَالِبُ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ».
                    علمًا أنَّ الذي يُباشِرُ تغسيلَ المريضِ أو العاجزِ في مَحَلِّ عَوْرَتِه ينبغي عليه أَنْ يستر عورتَه أو يَغُضَّ هو بصرَه ـ على الأقلِّ ـ عمَّا لا تدعو الحاجةُ إلى النظر إليه، فإِنْ شقَّ عليه اجتنابُ النظرِ أو احتاج إليه فلا يجوز له أَنْ يغسل مَذاكِيرَه مُباشَرةًُ بدونِ حائلٍ على نحوِ ما تغسل المرأةُ صَبِيَّها؛ وذلك لِظهور الفارق بينهما؛ فينبغي أَنْ لا يَمَسَّ العورةَ مُباشَرةً، بل عليه أَنْ يُزيلَ الأذى بواسطةِ خِرْقةٍ أو منديلٍ مِنْ ورقٍ أو نحوِه ممَّا يُستعمَلُ ـ غالبًا ـ لهذا الغرض.
                    وهذه المرأة مأجورةٌ على خدمةِ عَمِّها وقيامِها بشؤونه ضرورةً؛ لعدم وجودِ مَنْ يقوم بهذا العملِ مِنَ الرجال، ولا تأثيرَ لِفعلِها على صحَّةِ صيامها إذ ليس هو مِنْ مُبطِلاتِه.

                    والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

                    الجزائر في: ٠٣ صفر ١٤٤١ﻫ
                    الموافق ﻟ: ٠٢ أكتوبر ٢٠١٩م

                    ------
                    (١) أخرجه بهذا اللفظِ أبو داود في «النكاح» بابُ ما يُؤمَرُ به مِنْ غضِّ البصر(٢١٤٨) مِنْ حديثِ جرير بنِ عبد الله البَجَليِّ رضي الله عنه. وهو في مسلمٍ في «الآداب» (٢١٥٩) عنه رضي الله عنه قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي».
                    (٢) أخرجه أبو داود في «الحمَّام» بابُ ما جاء في التعرِّي (٤٠١٧)، والترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء في حفظ العورة (٢٧٦٩)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب التستُّر عند الجماع (١٩٢٠)، مِنْ حديثِ بَهْز بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه معاويةَ بنِ حَيْدةَ رضي الله عنهما. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٠٣).
                    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2019-11-12, 12:08 PM.

                    تعليق


                    • #11
                      .
                      التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن لزهر ضيفي; الساعة 2019-11-23, 08:36 PM.

                      تعليق


                      • #12
                        بسم الله الرحمن الرحيم

                        في حكم تزويج المرأةِ نَفْسَها دون وليِّها

                        السؤال:

                        فتاةٌ خرجَتْ مِنْ بيتها في فرنسا مسافرةً إلى الجزائر دون مَحْرَمٍ قَصْدَ الزواج مِنْ شابٍّ هناك؛ وقد تمَّ الزواجُ في المحكمة دون حضورِ أبيها مع أنه لم يكن عائقًا عن هذا الزواج؛ علمًا أنَّ هذا الشابَّ يدَّعي أنه يستند إلى فتوَى فقهيَّةٍ لفضيلتكم في عدمِ لزومِ حضورِ وليِّ البنت؛ فهنا يَتساءلُ والدُ البنت: كيف يَتِمُّ العقدُ دون حضورِه؟ وكيف لها أَنْ تسافر بمُفرَدها دون مَحْرَمٍ. وجزاكم اللهُ خيرًا.

                        الجواب:

                        الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

                        فالأصل أنه لا يجوز للأب أو الوليِّ أَنْ يَعضُلَ مُولِّيَتَه مِنْ نكاحِ الكُفء، ولا أَنْ يمنعها منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، فإِنْ عَضَلها منه فإِنَّ الولايةَ تنتقل إلى مَنْ يَليهِ في الرتبة، فإِنْ تنازعوا وتمادى النزاعُ وأدَّى إلى تفويتِ مصلحَتِها ورعايَتِها فللمرأة أَنْ ترفع أَمْرَها إلى القضاء، وللقاضي أَنْ يزوِّجَها إحقاقًا لحقِّها في الزواج ورفعًا للظلم.

                        ولا يجوز للمرأة أَنْ تزوِّج نَفْسَها بنفسها دون وليِّها على الصحيح مِنْ مذهبَيِ العلماء، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»(١)، أي: إذا كان الوليُّ يَعضُلُها ويمنعها مِنْ زوجٍ كُفءٍ فإنَّ السلطان أو مَنْ يقوم مَقامَه كالقاضي له أَنْ يرفع عنها الظُّلمَ الذي عليها ويُزوِّجَها مِنْ هذا الكفء، ويغني هذا ـ في صحَّة العقد ـ عن موافقة الوليِّ أو حضوره.

                        أمَّا إذا لم يكن هناك عَضْلٌ، أو مَنَعَ الوليُّ ـ لأسبابٍ صحيحةٍ ـ مُولِّيَتَه مِنَ الزواج فتبقى ولايتُه قائمةً، وليس لها أَنْ تتزوَّج إلَّا بإذنه؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»(٢)؛ وتتوقَّف صحَّةُ زواجها منه على تجديد العقد الشرعيِّ برِضَى وليِّها وإجازَتِه.

                        كذلك لا يجوز للمرأة أَنْ تُسافِرَ إلَّا مع زوجٍ أو مَحْرَمٍ بعد استئذانِ وليِّها، وتخرجُ بالضوابط الشرعيَّة، أو تسافر مع رُفقةٍ مأمونةٍ ـ كما نصَّ على ذلك مالكٌ والشافعيُّ ـ تَأمَنُ بها على عِرْضها وتصون شرفَها في سفرها لمقصودٍ صحيحٍ لا في سفرِ معصيةٍ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»(٣)، فإنَّ الزوج وذا المَحْرَمِ يحصل معه الأمنُ في الطريق.

                        فإِنْ كان المقصودُ مِنْ سفرها فاسدًا كسفرِ معصيةٍ فإنه لا يجوز ـ والحالُ هذه ـ أَنْ تُسافِرَ ولو بالضوابطِ الشرعيَّة؛ لأنَّ «كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، و«كُلَّ مَا بُنِيَ عَلَى فَاسِدٍ فَهُوَ فَاسِدٌ».

                        هذا كُلُّه فيما إذا لم يمنعها وليُّها مِنَ الزواج مِنْ كُفءٍ لدِينه وخُلُقه وقُدرَتِه على النفقة، فإِنْ كان كذلك فلا يمنعها منه إذا تَوسَّمَ فيه الخيرَ، وله أَنْ يُعينَ ابنتَه على العفَّة والطاعة والسَّداد في العمل دون طريق الغواية.

                        واللهُ المُوفِّقُ لكُلِّ خيرٍ؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

                        والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

                        الجزائر في: ٠٧ صفر ١٤٤١ﻫ
                        الموافق ﻟ: ٠٦ أكتوبر ٢٠١٩م

                        ____________
                        (١) أخرجه أبو داود في «النكاح» بابٌ في الوليِّ (٢٠٨٣)، والترمذيُّ في «النكاح» بابُ ما جاء: لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ (١١٠٢)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب: لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ (١٨٧٩)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٧٠٩).
                        (٢) أخرجه ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٤٠٧٥)، والطبرانيُّ في «الأوسط» (٩٢٩١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٥٧).
                        (٣) أخرجه بهذا اللفظِ مسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٤٠) مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. وهو بنحوه في البخاريِّ في «فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» بابُ مسجد بيت المقدس (١١٩٧).

                        تعليق

                        الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                        يعمل...
                        X