إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أَوجُه الشَّبَه: بَينَ الاحتِوَائِيِّين.. وَ بَينَ سَائِرِ المُتَحَزِّبَةِ و المُمَيِّعِين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أَوجُه الشَّبَه: بَينَ الاحتِوَائِيِّين.. وَ بَينَ سَائِرِ المُتَحَزِّبَةِ و المُمَيِّعِين

    <بسملة1>


    أَوجُه الشَّبَه
    بَينَ الاحتِوَائِيِّين.. وَ بَينَ سَائِرِ المُتَحَزِّبَةِ و المُمَيِّعِين

    بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم
    الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبيِّنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و بعد: فبينما أنا أتمعن في أحوال أصحاب المنهج الاحتوائي، و أقلِّب النظر في طرائقهم التي يسلكونها في التعامل مع السلفيين الثابتين الواضحين، و في أساليبهم التي ينتهجونها في فتنتنهم على الدعوة، إذا بي ألحظ تشابها كبيرا بينهم و بين أهل التحزُّب و التمييع! في جوانب كثيرة، و من أوجه شتَّى، فعلمت بأن هذا التشابه و التوافق ما كان ليحدث صدفة، و لكنَّ البعرة تدلُّ على البعير، و الأثر يدلُّ على المسير، و من آثارهم تعرفونهم، و كلُّ إناء بما فيه ينضح .
    فعزمت أمري على إبراز شيء من هذا التشابه و التوافق تنبيهًا على فساد منهج القوم، و كساد طريقتهم التي هي إلى طريقة الحزبيين أقرب، و الله المستعان .
    و لي أسوة في عملي هذا بالعلامة ربيع المدخلي حفظه الله الذي كتب في بيان أوجه الشبه بين الحدادية و بين الرافضة مقالًا مشهورًا أقضَّ به مضاجع القوم، و منه استلهمت فكرتي .
    قال الشيخ ربيعٌ في في مطلع مقاله- المذكور- : « فإنَّ من يستقرئُ أحوال الحدادية الجديدة وكتاباتهم ومواقفهم يُدرك أنَّهم يسيرون على منهج فاسد وأصول فاسدة يُشابهون فيها الروافض وسوف أَعرِضُ في هذا المقال ما تيسَّر منها نصيحةً للمسلمين وللسلفيين منهم بصفة خاصةٍ ليحذروهم وليحذِّروا منهم .

    وممَّا ألجأني لبيان شيءٍ من أصول وأحوال هذه الفئة الضالَّة إسرافهم في السبِّ الشنيع والبُهت الفظيع الذي يُنشر في موقعهم المسمَّى بـ (الأثري !) الذي يخجلُ منه الروافض وكلُّ أهل الملل »انتهى.
    و قال حفظه الله عن مقاله هذا في سياق ردِّه على الحدادي فوزي البحريني، -ما قد أقول مثله عن مقالي هذا-: « فلما بلغ سيل طغيان الحدادية الزبى ، وتمادوا في هذا الطغيان ، استخرجتُ من مقالاتهم ومواقفهم من أهل السنة أوجه الشبه بينهم وبين الروافض ، ولا ينكر هذا التشابه الذي أخذته من أعمالهم وأقوالهم إلا مكابر مسفسط ، ومع كل هذا ؛ فقد قلتُ في مقالي من باب الإنصاف والعدل: إني لا أقول إنهم روافض »انتهى .
    و من أوجه الشبه بين القوم و بين من ذكرنا:
    *1- مطالبتهم بالتحاكم عند العلماء في قضايا منهجية بحتة، ظهرت فيها مخالفاتهم، و ثبتت فيها أخطاؤهم بأنواع من الحجج الواضحة، و البراهين الساطعة، و قد شابهوا في ذلك أهل التمييع من أمثال عبد الرحمن عبد الخالق، و المأربي، و عدنان عرعور، الذين سبقوهم إلى مثل هذه المطالبة التي عدَّها العلامة ربيع المدخلي حفظه الله من المهازل التي افتعلها الحزبيون، و التي لا يعرفها علماء السنة، و لا كانت سبيلًا لهم في مثل هذه القضايا، حيث قال حفظه الله إن الدعوة إلى التحاكم في الأمور الواضحة كالشمس من المهازل الشنيعة التي افتعلتها هذه العصابة العرعورية الماكرة وانطلت على كثير من أهل السنة .
    فهل كانت هذه الأنماط تحاكم في أيام الإمامين محمد بن إبراهيم وابن باز؟!!» [ " مجموعة الردود على أبي الحسن المأربي"، بواسطة: " مجموعة الكتب و الرسائل " (13/178 -179) ] .
    و من هنا امتنع العلامة ربيع حفظه الله من التحاكم مع عدنان عرعور عند العلماء و رفض إجابة دعوته إيَّاه إلى ذلك، مع إلحاح عدنان و تكراره لطلبه، بل طولب الشيخ ربيع بهذه المحاكمة من قِبل العلامة ابن عثيمين رحمه الله فامتنع!
    فها هو حفظه الله يقول مُبيِّنًا تفاصيل ذلك كما في رسالته" دفع بغي عدنان على علماء السنة و الإيمان " « أما ما يتعلق بالمطالبة بالمحاكمة عند ابن عثيمين، فقد طلب هذا منه وأرجف عليه إرجافاً شديداً، وتظاهر بأنه مظلوم.. وأنه ظلمه ربيع.. وو إلى آخره، فاتصل علي ابن العثيمين يعرض علي المحاكمة، فأقنعته بأن هذه الأمور لا يُحاكم فيها » [بواسطة: " مجموعة الكتب و الرسائل " (11/175 -176) ] .
    و من هنا كذلك، رفض العلامة ربيع دعوات المأربي أبي الحسن إلى التحاكم عند العلماء، و أبى إجابته إلى ذلك، كما صرح به أبو الحسن في كتابه " الدفاع عن أهل الاتباع" و هو يخاطب العلامة ربيع حفظه الله:« و توسط بعض العلماء للتحكيم فقبلتُ ذلك، أما أنتَ فلم تُذعن، و طالبتك بتحكيم العلماء أكثر من مرة، فلم تأبه بشيء من ذلك »انتهى .
    و على هذا فمن يُحاول إلزام مشايخنا بالتحاكم إلى بعض العلماء مع خصومهم الاحتوائيين في هذه المسائل المنهجية، و إيجاب ذلك عليهم، محجوج بموقف العلامة ربيع حفظه الله! إذ هو أسوة مشايخنا في هذه المسألة .
    و من جعل الامتناع من التحاكم في مثل هذه القضايا أمرًا منكرا، و عدَّه من الزَّلَّات التي سوغ بها لنفسه الطعن في مشايخنا و انتقاصهم، فليصدع بحكمه هذا في حقِّ العلامة ربيع الذي سبقهم إلى مثله، و كان لهم فيه قدوة، إن كان صادقًا- أو رجُلًا!- و ليترك الكيل بمكيالين، فإن الحقَّ واحدٌ لا يتعدد .
    و الحاصل: أن التحاكم في منهج أهل السنة إنما يكون إلى الأدلة و قواعد السلف و أصولهم لا إلى الرجال، فإذا ثبتت الأدلة انتهى كلُّ شيء، و هذا الذي درج عليه السلف، إذ لم يكن من هديهم عقد مجالس محاكمة بين الإمام أحمد و ابن معين و ابن المديني و ابن أبي حاتم و شبعة، و غيرهم من علماء الجرح و التعديل و بين من جرَحَهُم هؤلاء الأئمة من الضعفاء و المتروكين!
    و لمَّا كتب الإمام محمد بن يحي الذهلي بخبر داود الأصبهاني إلى الإمام أحمد، قال فيه الإمام أحمد: لا يقربني، بناء على خبر الثقة، حتى إنه لم يقبل انتفاءه من مخالفته التي أخبر بها عنه الإمام الثقة محمد بن يحي الذهلي، و قال: محمد بن يحي الذهلي أصدق منه، و لم يعقد مجلس محاكمة بينهما! و من هذا الإمام تُتعلَّم السنة، و عنه تؤخذ السلفية صفية نقية، إذ هو إمام أهل السنة .
    *2- و من الصفات التي شابه فيها الاحتوائيون غيرهم من المميعة و أهل الأهواء: كثرة التشغيب و الطعون، و السعي في الفتنة، من خلف الكواليس، و من وراء الجدر، و إشعال نيرانها و التعبئة لها في مجالسهم السرية المغلقة، و شحن غلمانهم على المشايخ، و تثويرهم عليهم، و تحريضهم على الطعن فيهم باسم الرد، و تشجيعهم على ذلك بالتزكيات، مع تظاهرهم عند العلماء بالصبر و السكوت، و لزوم الصمت! سيما في صدر هذه الأحداث، و في هذا شابهوا أبا الحسن المأربي .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، في كلامه عن الأسلوب الذي انتهجه أبو الحسن المأربي في فتنته: :« أما أبو الحسن فلم يضع لأمة الحرب الظالمة التي بيت لها وأثارها ظاناً -المسكين- أنه سيجهز على خصومه ولا سيما الشيخ ربيع الذي جعله الهدف الأول والأخير في هذه الحرب الفاجرة .
    فنعق بباطله في أكثر من ثمانين شريطاً ، وشغب بمقالات كثيرة فاسدة مليئة بالأكاذيب مما يدل أنه لا يفتر ولا يني طوال هذه المدة التي شغل القراء والسامعين فيها عما ينفعهم في دينهم ودنياهم ، بل شغل كثيراً عن الدعوة إلى الله والسعي في هداية من يحتاج إلى العلم والهداية .
    ومع ذلك يدعي -بدون حياء من الكذب- أنه صابر وساكت لولا أن ربيعاً يدفعه إلى الكلام والكتابة ، فيا له من فجور فاضح وكذب مكشوف ونحمد الله الذي فضحه بمخاز كثيرة وهزائم شنيعة، فصار البائس كلما أمعن في الكذب والثرثرة ازداد خزياً وسقوطاً »[ " مجموعة كتب و رسائل الشيخ ربيع "(13/421)] .
    و ما أشبه هذا الصنيع الفاجر بصنيع من يتظاهرون بالإنصاف و الحلم و التقوى! .
    * 3- طعن الاحتوائيين في السلفيين الثابتين الواضحين بأن فيهم بذرة الخروج، و بأن فيهم شبه بالخوارج، كما صرَّح بذلك عبد الخالق ماضي، و دهاس، و غيرهما، و غلا التاجر صاحب دار الميراث النبوي التجارية، فزعم بأنَّ الخوارج أعقل من هؤلاء السلفيين الذين يُخاصمهم تبعًا لشيوخه!! و هكذا ترى القوم يسلكون مسالك أهل التمييع شبرًا بشبرٍ ذراعًا بذراع، و الله المستعان .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في ردِّه على عبد الرحمن عبد الخالق، تحت عنوان " رميه للسلفيين بأنهم سائرون على منهج الخوارج "
    قال:...تكلم عبدالرحمن في كتابه موقف أهل السنة والجماعة من البدع عن الخوارج وصفاتهم ليتوصل بذلك إلى الحاق السلفيين الذين أبوا أن يسايروه في أباطيله وأبوا إلا التمسك بمنهج السلف الصالح ، ليتوصل بذلك إلى الحاق السلفيين بالخوارج» [ " النصر العزيز " بواسطة " مجموعة الكتب و الرسائل "(10/246) ] .
    *4- وصف المشايخ الواضحين الذابِّين عن حياض الدعوة، و المحاربين للتمييع و الاحتواء، بالمفرِّقين، و هي سُنة الحزبيين و المميعين، يسلكونها من قديمٍ مع من ينبري للتحذير منهم و بيان حالهم، و كشف عوارهم من علماء السنة، فمن قام لله لتصحيح مسار الدعوة، و تصفية الصَّف و تنقيته من الدخلاء، فهو عندهم مُفرِّقٌ و صاحب دعوة تفريق .
    و قد اتفقت كلمة الحزبيين و المميعين على رمي العلامة ربيع المدخلي بالمفرق، و الداعي إلى الفرقة، و الساعي فيها، لا لشيء إلا لقيامه بما أوجبه الله عليه من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الرد على المخالفين، و تحذير الناس من شرهم و باطلهم، و انظر على سبيل المثال سلسلة مقالات أبي الحسن المأربي التي بعنوان " حقًّا الذي يثير الفتن و الفرقة بين السلفيين هو الشيخ ربيع المدخلي "، و كذلك مقال الحلبي الذي بعنوان " لأهل الإنصاف- فقط- من المسؤول الأبرز عن تفرق كلمة السلفيين في العالم"، و قد حمَّلوا فيه العلامة ربيعا المسؤولية الكاملة عن كل ما هو حاصل من تفرق هنا و هناك، و مثله فعل عرعور، و عبد الرحمن عبد الخالق في كتابات و مقالات منشورة و غيرهم .
    فجاء الاحتوائيون فوجوها تهمة مطبوخة جاهزة، فرموا بها خصومهم، و قذفوا بها في وجوههم، و لكلِّ قومٍ وارث .
    و الفرقة في الحقيقة إنما نشأت عن مخالفاتهم و إصرارهم عليها، و بسبب عنادهم، و مُقابلتهم للناصحين و الناقدين بالطعون و الحروب الظالمة الشعواء، و بالتحريش بينهم و بين العلماء، و تشويه صورتهم عندهم، و سعيهم للظفر بتزكيات لهم لستر فضائحهم، و استخراج صوتيات تجريحية في خصومهم، و نحو ذلك من الأفاعيل، كما بيَّنَّاه بالتفصيل في غير هذا الموضع .
    و ما يدعيه الاحتوائيون من وقوع الفرقة بين السلفيين، على الوجه الذي يُصورونه و ينقلونه للعلماء - لكسب مواقفهم و تأييدهم- إلى درجة أنها تسببت في تعطيل الدعوة، و التأثير على مسارها كما يزعمون، فكله كذبٌ و دعايات باطلة! و هو من إعلامهم الفاجر، القائم على قلب الحقائق لتثبيت قلوب الاتباع، و تسليتهم!
    و الذي وقع حقًّا هو أن الناس افترقوا عنهم، و انفضوا من حولهم، بعدما فارقوا إخوانهم و أصروا على مخالفاتهم المنتقدة عليهم، و أما أهل الحق فلا يزالون مجتمعين كما كانوا لم يحصل عليهم نقص، بل زاد خيرهم، و لا يزال السلفيون و معهم جمهور العوام الطيبين في التفاف حول مشايخهم و على رأسهم العلامة فركوس حفظه الله، و لا تزال مجالس مشايخنا و إخوانهم الدعاة أينما كانت عامرة مزدحمة بأهل السنة و العوام لا تسعها المساحات الشاسعة، و القاعات الواسعة، و المساجد الجامعة، و حتى مجالس مشايخنا عند نزولهم إلى بلاد الحرمين لا تزال عامرة مزدحمة كما كانت، و هذه مجالس شيخنا عبد المجيد جمعة حفظه الله كانت تُسبب حالة طوارئ في الحرمين و خارجهما، تستدعي في كل مرة تدخل الشرطة لتسهيل انصراف الشيخ من بين الجموع الغفيرة من عديد الجنسيات، فلم يتغيَّر شيء، و الحمد لله، و الفضل في ذلك لله وحده، و ما ذلك إلا لارتياح الناس و طمأنينتهم و قناعتهم و انشراح صدورهم للحق الذي بيَّنه مشايخنا بأدلته، فلم يجدوا بُدًّا من تأييدهم فيه، و نصرتهم عليه، و تعاونهم معهم على بيانه و الدعوة إليه، و نحن إن شاء الله على ذلك ماضون، و لمن خالفه مُجانبون، و بمن حاربه مُنكِّلون، بتوفيق الله تعالى و معونته، نسأله سبحانه الثبات على الحق حتى نلقاه .
    فالتغير إنما حصل على من شذُّوا عن الجماعة، و فارقوا إخوانهم، فحسبوها فرقة حصلت، و إنما هو فراق!
    * 5- اتِّهام من نصحهم و نقدَهم في أباطيلهم، و أنكر منكراتهم، و ردَّ عليهم و بيَّن حالَهم، من المشايخ السلفيين بأنهم أصحاب فتنة، و أهل فتن، و هي نفس الفرية التي افتراها الحزبيون على من كشف عوَارَهم من علماء و مشايخ السنة، سيما العلامة ربيع حفظه الله، فقد رماه الحزبيون المميعون بهذه الفرية عن قوس واحدة، و ما نقموا منه إلا نقده لأخطائهم، و إنكاره لمخالفاتهم .
    فها هو الحلبي يكتب مقالًا كاملًا في تثبيت هذه الفرية في حقِّ العلامة ربيع حفظه، مستشهدا لها من ردوده على المخالفين ممن هم على شاكلة الحلبي، و جعل عنوانه " السبب الأساس وراء إثارة الشيخ ربيع المدخلي للفتن بين السلفيين "، و لعبد الرحمن عبد الخالق كلام طويل نحو هذا في كتابه " الرَّد الوجيز"، و مثله في كتابات المأربي و العرعور، و الحربي و غيرهم .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله:« ولما بين خصوم المغراوي مخالفته هب المغراوي وأنصاره على هؤلاء الخصوم وهم أهل حق وصدق هبوا عليهم بالطعن الشديد ورميهم بأنهم أصحاب فتنة »[ " مجموع كتب الشيخ ربيع "(13/287-288)] .
    و قال الإمام ابن القيم رحمه الله، في كتابه " طريق الهجرتين "(ص499) و هو يُعدِّد صفات المنافقين:« ومن صفاتهم: كتمان الحق، والتلبيس على أهله، ورميهم له بأدوائهم: فيرمونهم- إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ودعوا إلى الله ورسوله- بأنهم أهل فتن مفسدون في الأرض، وقد علم الله ورسوله والمؤمنون بأنهم أهل الفتن المفسدون في الأرض »انتهى .
    و إذا أردنا أن نُناقش الاحتوائيين في فريتهم، نقول: يلزمكم الحكم على كل جرح بأنه فتنة! إذ لا يخلو جرحٌ حصل من الشيخ ربيع أو غيره من العلماء للمخالفين من نزاع و اختلاف، و شرورٍ و مفاسد، و هجرٍ، و تقاطع، و تدابر، بين الحق و أهله من جهة، و بين الباطل و أصحابه من جهة أخرى، لأن هذا من اختلاف التضاد، و كل هذه الأمور من آثار الفتنة و توابعها و إفرازاتها! و هي موجودة في كلِّ جرح، تزيد هنا و تنقص هناك، تكثر هنا و تقلُّ هناك، تعظم هنا و تصغر هناك .
    لكن هذه التبعات إنما يتحملها المخالفون، فعَن انحرافاتهم، نشأت، و من إصرارهم و تماديهم في باطلهم، تولدت، فعليهم غُنم ذلك و وِزرُه، كما بيَّنته في الحلقة الأولى من مقالي " دحض شبهات الاحتوائيين " .
    * 6- من طعونات أهل التمييع في علماء و مشايخ السنة القائمين بالردِّ على المخالف: وصفهم إياهم بالمتشددين و بغلاة التجريح و بأصحاب المنهج الإقصائي، و هكذا فعل الاحتوائيون مع من بيَّن حالهم من مشايخ السنة، فوصفوهم بالغلاة، و بالإقصائيين، و نحو ذلك من العبارات التي تلتقي و تتحد و تتوافق مع هذه العبارات في معناها، تشبُّهًا منهم بهؤلاء المخالفين، و الله المستعان .
    قال الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله في سياق كلامه على ضلالات أهل التمييع من حلبيين و غيرهم:« ولم يقفوا عند هذه الفواقر و ما يترتب عليها من تضييع للحق و محاربة لمنهج السلف و تفلت منه، بل أضافوا إلى ذلك التشمير عن ساعد الجد لحرب السلفية و السلفيين .
    فوصفوا السلفيين الذابين عن دين الله و منهج السلف بأنهم غلاة و شواذ، و التزموا هذا في حروبهم الفاجرة، القائمة على الفجور و الكذب، فلا يصفونهم إلا بالغلاة، و أحيانًا بالخوارج، و أحيانا غلاة التجريح »[ " عمدة الأبي "(ص 132)] .
    فانظر إلى مدى التطابق بين ما ينبز به أولئك أهل السنة، و بين ما ينبز به هؤلاء خصومه السلفيين .
    و قال الشيخ ربيع حفظه الله: « يقذف الحلبي السلفيين المحاربين للغلو و التمييع بأنهم غلاة، و لا يدرك أنه في أحط دركات الغلو، و المداهنة، و التمييع .
    و يصف هو و حزبه السلفيين الصادقين بأنهم غلاة التجريح، و هم من أشد الناس غلاة التجريح بالبغي و الباطل »[ " عمدة الأبي "(ص193)] .
    و قال حفظه الله في سياق كلامه عن الإمام يحي بن سعيد القطان:« و احتج به الأئمة كلهم، و قالوا: من تركه يحي و لم يرو عنه نتركه بلا شك.. .
    و لا يطالبونه بالتفسير، و لم يُشغبوا عليه، و لم يرموه بالغلو في التجريح و الشذوذ، ولو كان من تركهم من أهل السنة، و إذا قال فلان مبتدع، لا يُعارضونه و لا يرمونه بالغلو، الأمر الذي تُدندن به هذه الفئة الباغية على أهل السنة لإسقاطهم، كما فعل أسلافهم من أهل البدع »[ " عمدة الأبي "(ص 525-526) ] .

    فوصفُ السلفيين بالغلاة، و رميهم بالشذوذ و الغلو في الجرح، -و هي الصفات اللازمة لجماعة الإقصاء كما لا يخفى-، من دندنة أهل الضلال و البغي، و هي مع الأسف الشديد- دندنة الاحتوائيين التي نسمعهم يُردِّدونها في خصومهم، و الله المستعان .
    و إذا كان أئمة الإسلام و الجرح و التعديل لا يُشغبون على يحي بن سعيد القطان، و لا يرمونه بالغلُّو، لأجل شدته في الجرح، حتى ولو كان من جرحهم و تركهم من أهل السنة! كما أفاد ذلك العلامة ربيع حفظه الله! فمال هؤلاء القوم يُشغبون على مشايخنا و يرمونهم بالغلو و يسمونهم بالإقصائيين ، بسبب تركهم و جرحهم لجماعة يعتقد فيهم هؤلاء أنهم من أهل السنة، و هم دون من تركهم يحي بن سعيد بمراحل و مراحل و مراحل؟!
    و قال الشيخ ربيع حفظه الله « لما ترك الإمام أحمد و من وافقه الرواية عن معلى بن منصور، لم يَثُر من خالفهم، فلم يقولوا :إنهم غلاة تجريح، و لم يسعوا في إسقاطهم و إسقاط منهجهم، كما يفعل بعض الطغام في هذا العصر »[ " عمدة الأبي " (ص499-500)] .
    فالثورة على العلماء بسبب تركهم لبعض من يرونه يستحقُّ الترك، و وصفهم بالغلاة، و السعي في إسقاطهم و إسقاط منهجهم، إنما هو فعل الطغام و المميعة الذين تشبه بهم الاحتوائيون في هذه الخصلة، و الله المستعان .
    * 7 - و من رزايا و بلايا أهل الأهواء وصفهم السلفيين بالحدادية، و هي فرية متولِّدة من وصفهم إياهم بالغلو، إذ الحدادية نتاج الغلو! و هذا كله من دندنة أهل التمييع و التحزُّب، و من أسلحتهم في حروبهم الإعلامية ضدَّ أهل السنة و مشايخهم منذ ظهرت فِتَنُهم في الأمة، و إلى اليوم، و مع الأسف الشديد فقد كان للاحتوائيين النصيب الوافر من هذه التركة الحزبية، فلا تكاد تجدهم يصفون السلفيين الواضحين إلا بالحدادية .
    بل بلغ الأمر ببعضهم إلى أن اخترع أوصافًا و أصولًا للحدادية ليُلحق بها خصومه! لما رآى عدم انطباق صفات الحدادية الحقيقية عليهم، و بعدهم عنها!! فكانوا بذلك أقرب إلى الحدادية التي يصفون بها خصومهم عدوانًا و ظلمًا! .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في سياق ردِّه على المأربي: « انظر إلى نقد السلف من الصحابة إلى أئمة الجرح والتعديل ، هل تجد فيهم من حارب من ينتقد أهل الباطل؟!، هل تجد فيهم من يصف الناقدين للباطل من أهل الحق والسنة بأقبح الصفات التي هم منها برآء كالهدامين، والمفسدين، والغلاة والحدادية؟»[ " مجموعة الكتب و الرسائل"(13/374)] .
    و الجواب: نعم وجدنا، بعد المأربي و أصناف أهل التمييع، جماعة الاحتواء عندنا، فقد أسرفوا في وصف خصومهم السلفيين بهذه الأوصاف الشنيعة، و بالغوا في حربهم لمن انتقد باطلهم و بين أخطاءهم، و رميهم إياهم بالحدادية، و الله المستعان .
    و قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « يريد أبو الحسن أن يُحارب السلفيين بأقبح و أشدِّ ألوان الحرب الكلامية، و يُخرجهم من السلفية، و يصفُهم بالحدادية » [" مجموعة الكتب و الرسائل"(13/287) ] .
    و هكذا يفعل الاحتوائيون، و الله المستعان .
    هذا و قد كتبت في تفنيد فرية الحدادية التي رمى بها الاحتوائيون خصومهم ظلمًا و عدوانًا، و أبطلت ذرائعهم التي تذرعوا بها إلى وصفهم بذلك في مقالي " دَحضُ شُبُهَاتِ الاحتِوَائِيِّين عَن مَوَاقِفِ السَّلَفِيِّينَ الثَّابِتِين الوَاضِحِين " فليراجعه من شاء .
    *8- التهوين من جرم المخالفات المنهجية، التي ثبتت في حقهم بأدلتها، و ادعاؤهم بأنها لا تستدعي هذه المعاملة التي قوبلوا بها، وذلك قصد التوصل إلى تثبيت فرية الغلو في خصومهم، و إلباسهم ثوب الحدادية، و التشكيك في أحكامهم الصائبة و إسقاطها!
    مع أنَّ كثيرًا من المؤاخذات التي عليهم هي زلات منهجية بحتة، و بعضها يمسُّ أصول أهل السنة و يخدشها حتى لا أقول: ينقضها، و مثل هذا التهوين لا يُعرف إلا عن المميعة، بل هو أحد ميزات منهج التَّمييع، التي شابههم فيها هؤلاء، و الله المستعان.
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله تعليقًا على طعونات الحلبي في السلفيين و اتهامه لهم:( بالأخذ بالزلات، و الهفوات، و سبق اللسان ) هكذا يُهوِّن الحلبي من الضلالات الكبرى، فيصفها بالزلات، و الهفوات، و سبق اللسان..، إلى أن قال: فهو يرى الموبقات حقًّا و حقيقة، مثل الشعرات، و مثل الذباب، يقول بيده هكذا فيطير »انتهى .
    و هذا المسلك الحلبي في النظرة إلى البوائق و الطامات، و استصغارها و التهوين منها، مسلك تمييعيٌّ ورثه أهل التمييع كابرا عن كابر، و قد تلقفه الحلبي عن سلفه العرعور .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في رسالته " انقضاض الشهب السلفية على أوكار عدنان الخلفية " : « وتراجعه دعاوى كاذبة، وإذا أتى ببعض الألفاظ المجملة أتبعها بما يميّعها، ويرفقها بالطعن والتشويه والافتراءات بما لا يصدر إلا من أمثاله، فليس هنا رجوع إلا ما ذكرناه، يرافقه التبجح والتعالي والتهوين من أخطائه الجسيمة حتى كأنها ذباب يمر بأنفه، فيقول بيده، هكذا.. . »انتهى .
    فعرعور الذي يُعتبر أحد رؤوس التمييع كان يرى مخالفاته المنهجية الجسيمة التي انتقدها عليه العلامة ربيع، كأنها ذباب يمر بأنفه، كما يراها الحلبيُّ كذلك، تهوينا منهما من جرمها و خطرها، في وقت كان يراها العلامة ربيع و غيره من العلماء بأنها من الأخطاء الجسيمة التي استحقوا بها ما قوبلوا به من معاملة .
    و قد كان هذا الحلبي صاحب لواء التمييع، يطعن في العلامة ربيع حفظه الله، و يتهمه بتفريق كلمة السلفيين، و كان يزعم بأن السبب الأساس وراء هذا التفريق المُدعى! هو تعظيم العلامة ربيع لمسائل الخلاف التي بينه و بين خصومه! تهوينًا من شأنها، مع أنها مسائل و خلافات منهجية بحتة، كما لا يخفى، و قد كتب الحلبيُّ في ذلك مقالًا فاجرًا، بعنوان " السبب الأساس وراء إثارة الدكتور ربيع للفتن بين السلفيين " .
    قال في مطلعه: « و قد ذكرنا في مقالنا " لأهل الإنصاف فقط (من/ما ) المسؤول عن تفرق كلمة السلفيين في العالم"، أمثلة عديدة لما قام به الدكتور ربيع المدخلي، فكانت من أبرز أسباب تفرق السلفيين في العالم، و ذكرنا في المقال نفسه- وجوهًا عدة دالة على النتيجة التي خرجنا بها، و كان أولها قولنا: تعظيم الدكتور ربيع لمسائل الخلاف( السائغ ) الكائنة بينه و بين غيره من العلماء و الدعاة السلفيين » .
    قال الحلبي: و هذا غلط بيِّن، ذلكم أن طريقة أهل العلم السلفيين في مسائل الخلاف السائغ- إعطاء هذه المسائل حجمها الحقيقي من غير غلو و لا تفريط، فالغلو في تصورها يفضي إلى الغلو في التعامل مع طرفي النزاع، مما يُولد تشنجا في المواقف و الأحكام التي تفضي إلى الفرقة و الخصام »انتهى كلام الحلبي .
    فانظروا رحمكم الله إلى مدى التشابه بل التطابق بين دعوى الاحتوائيين و دعوى الحلبي، و إلى مدى التوافق في تشخيص أسباب الخلاف و نتائجه؟؟
    فالحلبي يرى بأن السبب الأساس في الخلافات و الفرقة التي حصلت بين السلفيين ، هو غلو الشيخ ربيع في تصوُّر المسائل الخلافية، و تعظيمه لمسائل الخلاف الذي يصفه الحلبيُّ بالسائغ! تلبيسًا منه على الناس، و تهوينًا من شأنه، و شأن الأخطاء المنهجية، الأمر الذي أدى في نظره إلى غلو الشيخ في التعامل مع خصومه من أصحاب الأخطاء و المخالفات، و الذي نتج عنه الفرقة و الخصام!!
    و هكذا الاحتوائيون! يرون بأن السبب الأساس في الفرقة الحاصلة هو تعظيم العلامة فركوس و من معه من المشايخ- لمسائل الخلاف التي بينهم و بين خصومهم، و غلوهم في تصورها! -تهوينا منهم من شأن مخالفاتهم المنهجية على طريقة الحلبي و عرعور- الأمر الذي أدى في نظرهم -القاصر- إلى غلو مشايخنا في التعامل معهم، و الذي نتج عنه الفرقة و الخصام! فمقدمات تمييعية باطلة، و نتائج أشد بطلانًا ! و ما بُني على فاسد فهو فاسد .
    فالحاصل؛ أن التهوين من شأن المخالفات المنهجية، إنما هو ديدن أهل التحزب و التمييع، و قد سلك الاحتوائيون هذا المسلك في خلافهم مع خصومهم، متشبهين بأهل التمييع، متنكبين طريقة السلف، فقد كان الرجل زمن السلف يزل زلة واحدة في العقيدة أو المنهج، فيسقطه أئمة السنة .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في رسالته " قاعدة نصحح و لا نهدم عند أبي الحسن": « انظر إلى هذا التهوين من البدع و الضلالات، فيسميها زلة أو زلات، فهل هذا منطق السلف؟!
    و لقد كان الرجل يزل زلة واحدة في العقيدة على عهد السلف، فيسقطه أئمة السلف و الحديث »انتهى .
    فالتهوين من الزلات و المؤاخذات، مخالف لمنهج السلف .
    و قال الشيخ ربيع حفظه الله: « وقال إسماعيل ابن علية وهو من كبار أهل السنة والحديث كلمةً فُهِم منها أنه يقول بخلقِ القرآن، فضلَّله بعضُ الأئمَّة، وشنَّ عليه الغارة كل أهل الحديث أو جلهم حتى رجع عن قوله ولو لم يرجع لأسقطوه» [ " مجموعة الكتب الرسائل"(13/93)] .
    سبحان الله! مجرد كلمة! و ليست صريحة في الضلال! بل فُهم منها القول بخلق القرآن، ضلله بها الأئمة، و شنوا عليه الغارة، حتى رجع عنها، ولو لم يرجع لأسقطوه! هذا هو منهج السلف؟!
    فاستعمال الألفاظ المجملة المحتملة للحق و الباطل جرمٌ عند السلف، و مخالفة يستحق صاحبها التشنيع، و الإسقاط! بل و التبديع، لكن ما محلها من الإعراب في ميزان المميعة و الاحتوائية؟
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله وسدده:« وقد حذر السلف من استعمال الألفاظ المتشابهة ، والتزموا الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة ، وبدَّعوا من يستخدم الألفاظ المتشابهة في المعاني الشرعية »["مجموعة كتب الشيخ ربيع " (9/554) ] .
    وإذا كانت هذه المعاملة الشديدة من قِبلِ أئمة السلف لأجل لفظ مجمل، محتمل للحق و الباطل فكيف بالألفاظ الصريحة في الباطل، و الواضحة في الضلال؟
    * كالثناء على المبتدعة و الأشاعرة، و تزكيتهم و حث الشباب على الاستفادة منهم و من علمهم! كما حصل من عز الدين رمضاني، و غيره .
    * و الثناء على بعض المخالفين كبن حنفية و على علمه و مؤلفاته، و على حمرون، و طايبي و موافقة عبد المالك و طلب المسامحة منه، و الاعتذار منه.....
    * و إظهار الفرح و السرور و الابتهاج بالاجتماع ببن حنفية عبدين كما حصل من عز الدين رمضاني، و التصريح بأن ذلك مما يُكسب المودة و التآخي، و يزداد به الإيمان، ناهيك عن ثنائه عليه في ذلك المجلس و إحالة الأسئلة إليه، و الانبساط معه و مع من هم على شاكلته إلى حد التنكيت لإضحاكهم و تسليتهم! كل ذلك بالألفاظ الصريحة التي لا احتمال فيها و لا إجمال و الله المستعان .
    * و الثناء على قصيدة البردة، و وصفها بالقصيدة الجميلة جدًّا، و أن فيها أبيات لائقة جيِّدة يحسن حفظها! كما ثبت عن عز الدين رمضاني بصوته باللفظ الصريح .
    * و النصيحة بالدراسة عند المخالفين الشناقطة مع الوصية بالتستر على ذلك و الحذر من إشهاره و إذاعته، و الطعن الخطير في السلفيين و وصفهم بمرضى القلوب لا لشيء إلا لكونهم يحذرون من الدراسة عند المخالفين الشناقطة و غيرهم من أهل البدع، كما فعلها عبد الخالق ماضي، و كل هذا بصريح العبارة، لا بألفاظ مجملة و لا محتملة!
    * و تقرير القاعدة الحزبية التمييعية: « حمل المجمل على المفصل » باللفظ الصريح، كما حصل من عز الدين، و هو ثابتٌ عنه بصوته في أحد دروسه في شرح الطحاوية، و لم تعلم له توبة من هذا إلى الآن مع كثرة ترداد هذه المؤاخذة عليه!
    و لا يخفى الحروب الطاحنة التي خاضها العلامة ربيع حفظه الله مع أهل التحزُّب السائرين على درب هذه القاعدة الباطلة!
    * و من ذلك: رفض أخبار الثقات و ردِّها على طريقة المميعة، كما نطق بذلك عبد الخالق ماضي باللفظ الصريح الذي لا إجمال فيه، حيث قال: « ما نقبَلْ شهادةْ حتَّى واحد، تكفيني شهادة الله!! » و معلوم أن ديننا يقوم على أخبار العدول، و قبولها و العمل بها يُعتبر من أصول هذا المنهج، و رفضها و ردها هو من سبيل أهل الهوى و التحزُّب، كما قرَّره العلامة ربيع حفظه الله في مواضع كثيرة من كتاباته .
    و كل هذه المؤاخذات المنهجية، و غيرها مما ذُكر في موضعه، ثابت عن القوم بالألفاظ الصريحة، و الأدلة الصحيحة، التي لا لبس فيها و لا إجمال .
    فإذا كان السلف يُبدعون بالألفاظ المجملة و المحتملة للحق و الباطل، فبماذا يُحكم على هؤلاء؟!
    *9- افتعال المخالفات لخصومهم لشغل الناس عن محل النزاع معهم، و للتستُّر على أخطائهم، و ادعاؤهم بأنها أخطر من مخالفاتهم، إصرارًا منهم على أخطائهم و إيذانًا بعدم الرجوع عنها، متشبهين في ذلك بأهل التمييع و التضييع .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في رسالته " انقضاض الشهب السلفية على أوكار عدنان الخلفية ": « وتراجعه دعاوى كاذبة، وإذا أتى ببعض الألفاظ المجملة أتبعها بما يميّعها، ويرفقها بالطعن والتشويه والافتراءات بما لا يصدر إلا من أمثاله، فليس هنا رجوع إلا ما ذكرناه، يرافقه التبجح والتعالي والتهوين من أخطائه الجسيمة حتى كأنها ذباب يمر بأنفه، فيقول بيده هكذا، ويفتعل خلال ما يدعيه من رجوعه المزيف للأبرياء ذنوباً من لا شيء، ويجعلها عظائم تتضاءل أمامها العظائم ».
    و ما أشبه مسلك هؤلاء بمسلك الحزبي المتستر صاحب المعيار، الذي بذل جهده في استخراج عدد من الأخطاء بالمناقيش، و افتعال بعض المؤاخذات على العلامة ربيع حفظه الله ليصرف بها وجوه الناس عن ضلالات شيوخه و متبوعيه .
    فهؤلاء القوم عِوَض أن يتوبوا إلى الله من أخطائهم، و يتراجعوا عن زلاتهم، ذهبوا يُنقبون في جنح الظلام الدامس عساهم أن يظفروا ببعض الهفوات لخصومهم فيشغبوا بها عليهم و على الناس، شغلًا لهم عن محل النزاع، و عن السبب الأساس في الخصومة و الفرقة و الخلاف، و هيهات .
    * 10- زجُّهم بغلمان السوء لمناطحة و مقارعة عالم الجزائر محمد علي فركوس حفظه الله، حيث أعطوهم الضوء الأخضر للقيام بمهمتهم القذرة و إنفاذ مشروعهم الخسيس ، المتمثل في سلسلة مقالات في تتَبُّع أخطائه زعموا و إذاعتها، و التشنيع عليه بها، و التذرع بذلك إلى النيل من علمه و مكانته و حتى من منهجه، مع ما تضمنه صنيعهم الخبيث من طعن غادر في الشيخ حفظه الله، منهم و من المطبلين و المصفقين، و قد صرح غلمان السوء بأن عملهم كان باستشارة(تحريض) من بعض المشايخ .
    و من هؤلاء: عبد الغني عوسات، فها هو المدعو مهدي البجائي يُغرِّد قائلًا: سألت شيخنا عبد الغني عوسات حفظه الله- عمن يستعظم سلسلة نقد الشيخ فركوس بدعوى أنها من الصغار؟
    فقال: حتى عرفًا لا يصح أن يقال عنهم صغار، فضلا عن الشرع، و ذكر من شأن ابن عباس رضي الله عنه.
    ثم قال: السلف في سنهم قاموا بأعمال كبيرة »انتهى بحروفه .
    و هذا النفخ ما هو إلا شحنة من الرجل لهؤلاء الغلمان قصد تعبئتهم و تهيئتهم للقيام بمهمتهم القذرة، و لا ننسى تزكيته لهم أول مرة في تلك الصوتية التي كان يُظهره ندمه عليه، و يعد بالتراجع عنها ولم يف .
    فما أشبه حال القوم بحال الحجوري؛ الذي رفع من شأن بعض أشباه طلبة العلم الذين أيَّدوه في ضلالاته، و انتصروا لمواقفه الباطلة، و انبروا للمحاماة عنه، ومنهم النكرة يوسف العنابي، فشيَّخهم و رفع من عقيرتهم، لقصد توظيفهم في فتنته، و استخدامهم في حربه على خصومه، فكانت هذه التزكيات المجانية منه لغلمانه، كالمقابل لهم على أعمالهم الخسيسة، و مهامهم القذرة الخبيثة، و تشجيع منه لهم للمزيد من الشر و الفساد، فما أشبه الليلة بالبارحة.
    * 11- التشنيع على السلفيين الثابتين الواضحين و اتِّهامهم بمخالفة الكبار، و الترويج لذلك بين الناس في العالم الحقيقي و الافتراضي، للتنفير عنهم، و تأليب الناس عليهم، و التبجُّح أمام الناس بأنهم مع الكبار، و أن الكبار معهم، و هو من الإرهاب الفكري و الإعلام الخبيث الذي يستخدمونه ضدَّهم ، و يُخوِّفون به خصومهم، كما كان يفعل ذلك أسلافهم من المميعة، الذين كانوا يردون جرح بعض مشايخ السنة -كالشيخ ربيع- لبعض متبوعيهم و يرفضونه و يسقطونه بدعوى تزكية الكبار لشيوخهم، فهم مع الكبار! و ليس ببعيد صنيع أهل التحزب الذين أسقطوا جرح العلامة ربيع لعدد من كبرائهم، و استمروا في الدفاع عنهم و الجلوس إليهم بحجة: تزكية العلامة العباد لهم، و قل مثل ذلك في أتباع سلمان العودة و سفر و غيرهما من الحزبيين الذين تذرعوا بمجالسة هؤلاء و الدفاع عنهم بثناء بعض كبار العلماء عليهم آنذاك، و أنهم مع الكبار .
    و كم من شخص عرف ما عليه الاحتوائيون، و وقف على حقيقة ما عليه القوم من مؤاخذات منهجية صحيحة، ثم تصيَّده القوم بهذه الشبهة، التي صارت سلاحا لهم، و مصيدة بها يتصيدون ضعاف النفوس، فترى الرجل يتنازل عن الحق الذي يعلمه يقينا لقول فلان من العلماء، بدعوى: أنه أعلم، و نحو ذلك، و هذا حال جماعة ممن انحازوا إلى الاحتوائيين، فلم يكن بهم براءة الاحتوائيين من المؤاخذات المنسوبة إليهم، و لا اعتقادهم انحراف مشايخنا عن الجادة، و لكن تعظيم الرجال، و شبهة: مع الكبار .
    فتركوا الأدلة و جنحوا إلى التقليد، فبئس ما فعلوا، إذ الحق أحق أن يُتبع، و هو أكبر من الرجال، و أولى بالأخذ من أقوالهم المخالفة له، فليتق الله امرؤ وقف على الحقائق و البينات و اعتذر لعدم الأخذ بها بكونه مع الكبار، فإن الله تعبَّدنا بالحق لا بقول فلان أو علان، فكلٌّ يؤخذ من قوله و يُرد، مع احترامنا لعلماء السنة و حفظ كرامتهم .
    فالحاصل أن دعوى مخالفة الكبار،-للدفاع عن المخالفين-دعوى تمييعية قديمة استخدمها المميعة ترسًا يستخفون من ورائه، و سلاحًا يضربون به في وجه مشايخ السنة، لإسقاط جرحهم القائم على الحجج و البراهين، و التشكيك في مصداقيتهم و عدالتهم، كما كان يفعله من ذكرنا من المخالفين، و منهم الحلبي و زمرته، فقد
    عقدوا في كتابهم " الحق المنجلي " فصولًا عدَّة في تقرير هذه الفرية عن العلامة ربيع حفظه الله، محاولة منهم لتثبيتها في حقه ليتم لهم التشنيع بذلك عليه، بدعوى مخالفته للعلماء، و تنكبه لهديهم و نكوله عن طريقتهم.
    فمن ذلك على سبيل الحصر فصلٌ بعنوان " مفارقة الدكتور ربيع لكبار العلماء نشأة و أثرًا- ماضيًا و حاضرًا" ( انظر: ص 55) .
    كما عقدوا فصولًا أخرى في بيان مخالفات العلماء لبعض تقريرات العلامة ربيع، و نقده فيها، سواء المتعلقة بمسائل الإيمان، أو غيرها من المسائل المنهجية، أو المتعلقة بالجرح و التعديل، و حتى العقيدة .
    و هو السبيل الذي يسلكه الاحتوائيون مع شيخنا فركوس و إخوانه .
    *12- تكذيب العدول لإسقاط شهاداتهم و إبطال ما تضمنته من أدلة و حقائق، جريا على طريقة أهل التحزب و التمييع، من أمثال الحلبي و غيره .
    قال العلامة ربيع حفظه الله:« يا حلبي، قف عند حدِّك، و اعرف قدر نفسك، و لا تُكذِّب الصادقين.. .»[ " عمدة الأبي "(ص577-578)] .
    و خاطب الشيخ ربيع الحلبيَّ بهذا الكلام لتكذيبه الشهود الذين شهدوا عليه اشتراطه الإجماع في قبول الجرح .
    حيث قال الحلبي:« مع التنبيه و التوكيد على عدم اشتراطي الإجماع على قبول الجرح-كما افتراه المفترون! و لا يزالون يفترون! » .
    فردَّ عليه العلامة ربيع بكلامه السابق، وزاد عليه بعد أن ذكر نصَّ كلام الحلبي، فقال:« فكلامك واضح كل الوضوح في اشتراط إجماع أهل العلم على تبديع المبتدع، فلا تصف الصادقين بالافتراء »انتهى .
    فوصفُ الصادقين بالافتراء، و تكذيبهم إنما هو سبيل أهل التمييع، من طراز الحلبي و زمرته، كما أنه سبيل أهل البدع و الأهواء السابقين، ففي كتاب " الشريعة " للآجري رحمه الله: أنَّ أبا الزبير كان مع طاوس يطوف بالبيت، فمر معبد الجهني، فقال قائل لطاوس: هذا معبد الجهني، فعدل إليه، فقال: أنت المفتري على الله؟ القائل ما لا يعلم؟ فقال معبد: إنه يُكذب عليَّ » .
    و فيه: عن الإمام الزهري رحمه الله أنه قال: دعا عمر بن عبد العزيز رحمه الله غيلان، فقال: يا غيلان، بلغني أنك تتكلم في القدر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنهم يكذبون عليَّ .
    قال الإمام الآجري: كان غيلان مُصرًّا على الكفر بقوله في القدر، فإذا حضر عند عمر رحمه الله نافق، و أنكر أنه يقول بالقدر » .
    فانظروا إلى جرأة هاذين المبتدعين على تكذيب الثقات و العلماء، و ردِّ شهاداتهم التي تدينهم و تثبت ما نُقل عنهم من انحرافات .
    و مع الأسف الشديد فقد شابههم الاحتوائيون في هذا المسلك المشين، كما شابهوا المميعة المعاصرين، حيث كذَّبوا الصادقين من إخواننا، و اتهموهم بالافتراء عليهم، و وصفوهم بالمفترين، و النمامين، و المحرشين، و نحو ذلك من ألقاب السوء، لإبطال ما تضمنته شهاداتهم من أدلة دامغة، و حقائق جلية واضحة، و الطيور على أشكالها تقع .
    و أقول للقوم ما قاله العلامة ربيع حفظه الله للحلبي:« اتق الله إن كنت تخشاه..، من هذا التلاعب و التكذيب للصادقين، و رميهم بالغلو »[ " عمدة الأبي "(223)] .
    * 13- طعنهم في السلفيينَ الواضحين بأنهم مُتعصِّبة و مُقلِّدة، فكم دندن الاحتوائيون و تغنوا بهذه الفرية، و كم و هو يعلكون فيها، من أول أيام فتنتهم على الدعوة السلفية، و إلى اليوم، لا يكلُّون و لا يملُّون من تلقيب السلفيين بالمقلدة، و المتعصبة، أي لشيوخهم الذين يزعم القوم بأنهم تكلموا فيهم بغير برهان، و ما نقموا من السلفيين إلا اتباع مشايخهم في الحق الذي بينوه و بان بحججه و براهينه .
    و قد سلك الاحتوائيون في ذلك مسلك أهل الأهواء، و تشبهوا بأهل التحزب و التمييع، الذين طعنوا في السلفيين المتبعين للعلامة ربيع في جرحه للمخالفين، و نبزوهم بالمقلدة و المتعصبة، و بمريدي الشيخ ربيع! فهذه تركتهم، و هؤلاء ورثتهم .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في سياق ذكره لصفات الحدادية و أصولهم: « 7- التقليد المقيت و التعصب الأعمى لأشخاص معروفين عند أهل السنة بالكذب و الخيانة..، و مع هذا الخزي يرمون أهل السنة و الحق بالتعصب و التقليد، وكذبوا ، فأهل السنة يسيرون على منهج السلف في الاحتكام إلى الكتاب والسنة والتمسك بهما ، ووزن أقوال الرجال بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ؛ فما كان حقًا وموافقًا للكتاب والسنة قبلوه وأيدوه ونصروه ، وما كان مخالفًا ردوه » [ " مجموع كتب و رسائل الشيخ ربيع "(9/553)] .
    نعم؛ كذبوا، و إلا فخصوم الاحتوائيين من السلفيين الثابتين الواضحين، يسيرون كما قال الشيخ ربيع: على منهج السلف في الاحتكام إلى الكتاب والسنة والتمسك بهما ، ووزن أقوال الرجال بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ؛ فما كان حقًا وموافقًا للكتاب والسنة قبلوه وأيدوه ونصروه ، وما كان مخالفًا ردوه، و هم على هذا ثابتون إن شاء الله .
    و قال الشيخ ربيعٌ حفظه الله في ردِّه على بوق الحلبي المسمى بالطيباوي: « إنك لترمي زورًا أهل السنة و الحق المتمسكين بكتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بتقليد ربيع، و هذا من أعظم أنواع الظلم و الإفك، و هذا و الله داؤكم: رمتني بدائها و انسلت..»، إلى أن قال:« و إذا رأيتم أهل السنة يحترمون الحق، و يحترمون الحجج و البراهين، و يتعاونون على البرِّ و التقوى، و نصرة الحقِّ و ردِّ الأباطيل و الضلالات رميتموهم بالتقليد.. . »[ " عمدة الأبي"(ص417-419)] .
    و قال حفظه الله:« لا أسفه و أشد غلوًّا و أقبح تعصُّبًا ممن يعظم المهازيل المدافعين عن الضلالات الكبرى و أهلها.. .
    و يحارب أهل السنة و يصفهم بالأوصاف القبيحة، و منها: التعصب و التقليد و الغلو »[ " عمدة الأبي "(ص420)] .
    و بكل واحدة من هذه الخصال نبز الاحتوائيون السلفيينَ الواضحين! مُتَّبعين سنَنَ من قبلهم من المميعة حذو القُذَّة بالقُذَّة، فاعتبروا يا أولي الأبصار .
    فنعيذكم بالله معشر الاحتوائيين، أن تكونوا من طراز هؤلاء الذين لا أسفه و لا أشد غلوًّا منهم، و نحثكم على أن ترقوا بأنفسكم فإن القاع قد ازدحم!
    * 14- المكابرة بإنكار و تكذيب الأمور الثابتة و الانتفاء منها .
    لقد انتفى القوم من كثير من المؤاخذات التي انتُقدت عليهم، بل من جميعها، سيما في أول الأمر، كما في بيانهم الذي قرأه نيابة عنهم عبد الخالق الماضي، و الذي جاء فيه قولهم: إن الرجوع فرع الإقرار و أنهم لا يُقرون مشايخنا على شيء من المؤاخذات التي آخذوها عليهم جملة و تفصيلًا! و كذبوا من نسبها إليهم من المشايخ، و اتهموهم بناء على ذلك بالظلم، و الجهالة!
    فسارع إخواننا إلى نصرة صاحب الحق، و ردع المبطل الكاذب، بالإدلاء بشهاداتهم التي فيها تصديق ما نسبه مشايخنا إلى القوم
    من مؤاخذات، و تأكيد ما اتُّهموا به من انحرافات، و هي جادة مسلوكة عند العلماء، في بيان كذب المفترين، و نصرة أهل الحق، فهذا العلامة ربيع حفظه الله استشهد بشهادات العدول على كذب عدنان عرعور في ادعاءاته أنه ممن لازم العلامة ابن باز و العلامة الألباني رحمهما الله السنين الطويلة، فقال حفظه الله:« فهذا الادعاء العظيم الذي يدعيه عدنان، بالنسبة لدراسته على الشيخين، كل العقلاء يعرفون أنه كذب، و سمعتم شهادات هؤلاء في تكذيبهم له »[ " مجموع كتب و رسائل الشيخ ربيع "(11/175)] .
    فما كان من القوم إلا أن قابلوا هذه الشهادات بالتكذيب، و القدح في الصادقين، و اتهامهم بالافتراء عليهم!
    فخرجت صوتيات للقوم و فيديوهات و صور لهم فيها تصديق ذلك كلِّه وزيادة، فبهت القوم!
    على أن انتفاءهم و إنكارهم لما ثبت في حقهم من مؤاخذات لا قيمة له! بعدما ثبت بأدلته و براهينه المعتبرة، و ذلك أنه لا يشترط في منهج السلف اعتراف المخالف بمخالفاته حتى يُعامَل بما يليق به، بل مرد ذلك إلى الأدلة و البراهين، فمتى ما ثبتت المؤاخذة بإحدى الطرق الشرعية الصحيحة المعتبرة، فلا عبرة بإنكار المخالف و انتفائه، بل يكون إنكاره و الحالة هذه من باب الكذب و المكابرة و المغالطة، و من هنا لم يقبل الإمام أحمد رحمه الله انتفاء داود الأصبهاني من بدعته التي أخبره الإمام الثقة محمد بن يحي الذهلي أنه تلبس بها، لأن المؤاخذة ثبتت في حقه بطريق صحيحة، و هي خبر الثقة، فلم يرفع رأسًا بإنكاره، و لم يقبل منه .
    ففي " تاريخ بغداد "(9/342):« أن داود الأصبهاني قدم بغداد ، وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسن، فكلَّم صالحا أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه، فأتى صالحًا أباه فقال له: رجلٌ سألني أن يأتيك، قال: ما اسمه؟ قال: داود، قال: من أين ؟ قال: من أهل أصبهان، قال: أيُّ شيء صناعته؟ قال: وكان صالح يروغ عن تعريفه إيَّاه، فما زال أبو عبد الله يفحص عنه حتى فطن، فقال: « هذا قد كتب إليّ محمد بن يحيى النيسابوري في أمره: أنه زعم أن القرآن محدث؛ فلا يقربني »، قال: يا أبت، ينتفي من هذا و ينكره!، فقال أبو عبد الله: « محمد بن يحيى أصدق منه، لا تأذن له في المصير إليَّ »انتهى .
    و الحقيقة أن الانتفاء من المخالفات و المؤاخذات، مع ثبوتها بعدد من طرق الإثبات المعتبرة لا يُعرف إلا عن أهل البدع و التحزب و التمييع، فهم سلف هؤلاء في هذا الصنيع الباطل، و السبيل المُعوج، الذي لا يغني شيئًا عن أهله، فبهم تشبهوا و لطريقتهم سلكوا، و الله المستعان .
    قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في رسالته " خطورة الحدادية الجديدة و أوجه الشبه بينها و بين الرافضة ":« الوجه الثاني عشر: المكابرة و العناد، و الإصرار على الباطل و التمادي فيه »[ " مجموع الكتب و رسائل الشيخ ربيع "(9/420)] .
    و قال حفظه الله بعد أن نقل كلامًا للحلبي ينتفي فيه من بعض الأمور التي أدانه بها الشيخ عبيد، حالفا بالله على أنها مجرد افتراءات عليه!
    قال:« إن كلام الشيخ عبيد حق كله، و ما نُسب إليك صدق و عدل، لا كذب فيه و لا ظلم، و نفيك له مكابرة مكشوفة و كذب مفضوح، و لو كررته في عشرات المناسبات، فلقد صرحت بهذا الكلام الذي تحلف بالله أنه افتراء عليك، و بما هو أسوء منه، و من فيك أدينك.. . »[ " عمدة الأبي "(ص209-210)] .
    فنفي الشيء الواضح الثابت بدليله المعتبر مكابرة مكشوفة و كذب مفضوح كما قال العلامة ربيع حفظه الله، و لو كرر المخالف انتفاءه و تكذيبه لذلك، بل و لو حلف على ذلك، فلا قيمة لتكذيبه ما دام أن الأدلة قد أثبتت ما أنكره و انتفى منه، و لذلك لم يقبل العلامة ربيع انتفاء الحلبي و لم يكترث به، و ليس هذا انطلاقا من أصل الحدادية الخبيث، في الإصرار على رمي الرجل بما أعلن براءته منه، و بما انتفى منه، كما يهذي هؤلاء و يفترون، تلبيسًا و تدليسًا، و لكن من باب أن الحكم في هذه المسائل للأدلة و البراهين، فإذا ثبتت انتهى كل شيء، و قُضي بالحق و خسر هنالك المبطلون، و افتضح الكذابون المفترون.
    و في الأخير: أُخاطب القوم بمثل ما خاطب به العلامة ربيع المدخلي حفظه الله عليًّا الحلبي و زمرته- إذ هو سلفهم في هذه السقطة و السفسطة- حيث قال:« لا تُنكروا هذه الأمور الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، و لا تخفى إلا على العميان، لا تُنكروا هذه الأمور الثابتة ثبوت الجبال .
    و لا يجديكم شيئًا هذا الجدال بالكذب و التكذيب، و لا يُغني عنكم شيئًا عند الله، الذي يعلم ما تقولون و تفعلون، و ما تسرون و ما تعلنون، كما لا يخفى على كل من عرف المنهج السلفي و آمن به .
    لا ينفعكم عند الله إلا أن تتوبوا إلى الله توبة نصوحًا من كل هذه الضلالات المهلكة باطنًا و ظاهرًا، و تعلنوا هذه التوبة و البراءة من هذه الضلالات » [ " عدة الأبي "(ص649-650)] .
    و بهذه النصيحة أختم هذه الحلقة الأولى من هذا الجمع، و العلم عند الله تعالى، لا حول و لا قوة لي إلا به، لا إله غيره و لا ربَّ سواه، هو حسبي و نعم الوكيل، و صلى الله وسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
    .............يتبع بمشيئة الله تعالى .




    التعديل الأخير تم بواسطة إبراهيم بويران; الساعة 2019-06-13, 12:50 PM.

  • #2
    جزاك الله خيرا وبارك فيك أخي الفاضل على هذا المقال النافع.
    غفر الله له

    تعليق


    • #3
      جزاكم الله خيرا أخي إبراهيم، فالتشابه في المسلك والمسير مآله إلى التشابه في النتيجة والمصير، كما دلت عليه النصوص.

      قال العلّامة السعدي -رحمه الله-، -كما في تفسيره- عند قوله تعالى: {وخضتم كالذي خاضوا} الآية، قال: ( أي: وخضتم بالباطل والزور ، وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق . فهذه أعمالهم وعلومهم ، استمتاع بالخلاق ، وخوض بالباطل ، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ، ما استحق من قبلهم ، ممن فعلوا كفعلهم) إهـ.

      وقال العلّامة محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: ( وقوله : { وخضتم كالذي خاضوا } إشارة إلى الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرا ما يجتمعان . فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله . والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم ، ويخوض كخوضهم ، وأن لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم ) إهـ. (أضواء البيان. 188/4).
      فأين العرعور والمأربي والحلبي، ومَن قبلهم ومَن بعدهم. فاللهم سلّم سلّم.
      التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2019-06-12, 12:08 PM.

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا وأسأل الله أن يوفقك في تبين حال هؤلاء القوم و يرزقك الإخلاص في القول والعمل.

        تعليق


        • #5
          جزاك الله خيرا أحسن الله إليك على هذا المقال الطيب

          تعليق


          • #6
            مقال طيب، جزاكم الله خيرا و بارك فيكم.
            التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2019-06-12, 12:15 PM.

            تعليق


            • #7
              جزاك الله خيرا شيخنا على مقالك النافع الماتع.

              تعليق


              • #8
                جزاك الله خيرا ابا بسطام وبارك الله فيك وزادك علما ونفع بك

                تعليق


                • #9
                  بورك فيكم ونفع بكم أبا بسطام.

                  تعليق


                  • #10
                    ومن هؤلاء: عبد الغني عوسات، فها هو المدعو مهدي البجائي يُغرِّد قائلًا: سألت شيخنا عبد الغني عوسات*–حفظه الله- عمن يستعظم سلسلة نقد الشيخ فركوس بدعوى أنها من الصغار؟*
                    فقال: حتى عرفًا لا يصح أن يقال عنهم صغار، فضلا عن الشرع، و ذكر من شأن ابن عباس رضي الله عنه.
                    ثم قال: السلف في سنهم قاموا بأعمال كبيرة »انتهى بحروفه .
                    ومن بين هؤلاء أيضا عزالدين رمضاني، فهو يدفع ويأز البليد المجنون للنيل من عرض الشيخ فركوس، كما في مقال سوده الطائش البليد عنون له بــ:" حَقَائِقُ مُغَيَّبَة! وَبَيَانُ إِبطَالِ دَعوَى المُنَاصَحَةِ وَالصَّبر!".
                    ثم نبه تحت عنوان المقال قائلا: قرأه وأقر ما فيه وأذن بنشره عزالدين رمضاني!.

                    تعليق


                    • #11
                      جزاك الله خيراً، مقال ماتع شيخنا إبراهيم

                      تعليق


                      • #12
                        لله درّك يا شيخ إبراهيم، مقالاتك تنزل كالصواعق على رؤوس الصعافقة،جعل الله قلمك سيفا يقطع السنة الإحتوائيين وجعل ما تخطّه في ميزان حسناتك وبارك الله في علمك و عمرك وعملك واقرّ عينيك بما يسعدك في الدنيا والآخرة .

                        تعليق


                        • #13
                          الشيخ إبراهيم.
                          أقول لك جزاك الله خيرا وحفظك الله و جميع مشايخنا من كل سوء وبلاء على دكك لمعاقل التمييع و التصعفق.
                          نحن بالانتظار أخي الشيخ إبراهيم.
                          التعديل الأخير تم بواسطة أبوعبد الرحمن صدام حسين شبل; الساعة 2019-06-12, 10:25 AM.

                          تعليق


                          • #14
                            الحمد لله أن سخر لهذه الدعوة الحقة رجالا يذبون عنها و يبينون ضلال من ضل ، و يفندون افتراء المفترين ، و يكشفون بعون الله عوار المتلبسين ، جعلكم الله - شيخ ابراهيم - من هؤلاء ، و استعملكم في طاعته و ثبتكم على الحق البين .
                            مقال ماتع مفيد جدا ، في هذه الفتنة و في غيرها ، أثابكم الله .
                            التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله محمد بن عامر; الساعة 2019-06-12, 10:54 AM.

                            تعليق


                            • #15
                              قال الأمير الصنعاني في (توضيح الأفكار ( ٢٤١ / ٢ )

                              «واعلم أنه يلتحق بتعمّد الكذب في هذا الحكم من أخطأ ثم أصرّ على خطئه، وصمّم بعد بيان ذلك له مما يوثق بعلمه مجرّد عناد».

                              تعليق

                              الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                              يعمل...
                              X