إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

في طُرُق تنصيب إمام المسلمين وتقرير وجوب الطاعة وبذل النصيحة لفضيلة الشيخ العلامة الدكتور محمد علي فركوس حفظه الله

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في طُرُق تنصيب إمام المسلمين وتقرير وجوب الطاعة وبذل النصيحة لفضيلة الشيخ العلامة الدكتور محمد علي فركوس حفظه الله

    في طُرُق تنصيب إمام المسلمين
    وتقرير وجوب الطاعة وبذل النصيحة
    الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

    فلا يخفى أنَّ إمامة المسلمين أمانةٌ عُظْمَى ومسؤوليَّةٌ كُبْرَى، لا قِيامَ للدِّين إلَّا بها، ولا تَنْتظِمُ مَصالِحُ الأمَّةِ إلَّا بسلطانٍ مُطاعٍ، ولا يَسْتطيعُ القيامَ بها إلَّا مَنْ كان على درجةٍ مِنَ التأهُّلِ تُمكِّنُه مِنْ حَمْلِها؛ فمَنْ قام بهذه المسؤوليَّةِ ـ في حدود القدرة والطاقة ـ على خيرِ وجهٍ، وأدَّى هذه الأمانةَ بصدقٍ وإخلاصٍ؛ كان في عِدادِ مَنْ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه(١).

    وسياسةُ الناسِ وَفْق شَرْعِ الله تعالى مِنْ أَعْظَمِ واجباتِ إمامِ المسلمين، وهو مَطْلَبٌ جوهريٌّ أساسيٌّ، لا تَتحقَّقُ مُتَطَلَّباتُ الرَّعيَّةِ وما تَنْشُدُهُ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ وإقامةِ العدل وإزالةِ الظلم إلَّا تَبَعًا لتحقيقِ ذاك المَطْلَبِ العزيز، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١﴾ [الحج]، وصلاحُ الرعيَّةِ وفسادُها مُتوقِّفٌ على أولي الأمر، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وأولو الأمرِ: أصحابُ الأمرِ وذَوُوهُ؛ وهُمُ الذين يأمرون الناسَ؛ وذلك يَشْتَرِكُ فيه أهلُ اليد والقدرةِ وأهلُ العلمِ والكلام؛ فلهذا كان أولو الأمرِ صنفين: العُلَماءَ والأُمَراءَ؛ فإذا صَلَحوا صَلَحَ الناسُ، وإذا فَسَدُوا فَسَدَ الناسُ»(٢).

    هذا، وإنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأدلَّةِ على وجوبِ نَصْبِ الإمامِ الأَعْظَمِ وبَذْلِ البَيْعةِ له قولَه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَامُ جَمَاعَةٍ فَإِنَّ مَوْتَتَهُ مَوْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ»(٣)، وقولَه: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٤)، «وذلك أنَّ أهل الجاهليةِ لم يكن لهم إمامٌ يجمعهم على دِينٍ ويتألَّفُهم على رأيٍ واحدٍ، بل كانوا طوائفَ شتَّى وفِرَقًا مُخْتَلِفين، آراؤُهم مُتناقِضةٌ وأديانُهم مُتبايِنةٌ؛ وذلك الذي دَعَا كثيرًا منهم إلى عبادةِ الأصنامِ وطاعةِ الأزلام»(٥)، ولأنَّ المقصود مِنْ نَصْبِ الإمام الأَعْظَمِ هو اجتماعُ الكلمةِ ولَمُّ الشمل، وإقامةُ الدِّينِ وتنفيذُ أحكام الله تعالى، ورَفْعُ الظلمِ ونَشْرُ العدل، وصيانةُ الأعراضِ واستتبابُ الأمن، وفضُّ المُنازَعات، والأخذُ على يَدِ الظَّالم وإنصافُ المظلوم، وجهادُ أعداءِ الإسلام، وحمايةُ حوزة البلاد وحِفْظُ بَيْضةِ المسلمين، وقَمْعُ الشَّرِّ والفساد، وأَخْذُ الحقوقِ الواجبةِ على ما اقتضاهُ الشرعُ، ووَضْعُها في مَواضِعِها الشرعية، قال الجُوَيْنيُّ ـ رحمه الله ـ: «ولا يَرْتابُ مَنْ معه مَسْكةٌ مِنْ عقلٍ أنَّ الذبَّ عن الحَوْزةِ والنِّضالَ دون حِفْظِ البَيْضةِ محتومٌ شرعًا، ولو تُرِكَ الناسُ فَوْضَى لا يجمعهم على الحقِّ جامعٌ، ولا يَزَعُهم وازعٌ، ولا يَرْدَعُهم عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطان رادعٌ، مع تفنُّنِ الآراء وتفرُّقِ الأهواء؛ لَانْتَثَرَ النظامُ، وهَلَكَ العِظامُ، وتَوثَّبَتِ الطَّغامُ(٦) والعوامُّ، وتحزَّبَتِ الآراءُ المُتناقِضةُ، وتفرَّقَتِ الإراداتُ المُتعارِضةُ، ومَلَكَ الأرذلون سَرَاةَ الناسِ، وفُضَّتِ المَجامِعُ، واتَّسَعَ الخَرْقُ على الراقع، وفَشَتِ الخصوماتُ، واستحوذ على أهل الدِّينِ ذَوُو العَرَامات(٧)، وتَبدَّدَتِ الجماعاتُ، ولا حاجةَ إلى الإطناب بعد حصول البيان، وما يَزَعُ اللهُ بالسلطان أَكْثَرُ ممَّا يَزَعُ بالقرآن»(٨)؛ لذلك كانَتِ الإمامةُ موضوعةً لخلافةِ النُّبُوَّةِ في حِفْظِ الدِّين وسياسةِ الدنيا، قال ابنُ خلدون ـ رحمه الله ـ: «إنَّ نَصْبَ الإمامِ واجبٌ قد عُرِفَ وجوبُه في الشرع بإجماعِ الصحابة والتابعين؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند وفاتِه بادَرُوا إلى بَيْعةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه وتسليمِ النظرِ إليه في أمورهم، وكذا في كُلِّ عصرٍ مِنْ بعدِ ذلك، ولم تُتْرَكِ الناسُ فَوْضَى في عصرٍ مِنَ الأعصار، واستقرَّ ذلك إجماعًا دالًّا على وجوبِ نَصْبِ الإمام»(٩).

    هذا، وانعقادُ الإمامةِ الكبرى يتمُّ بإحدى الطُّرُق التَّالية:

    * الطريق الأوَّل: الاختيار والبيعة مِنْ أهل الحلِّ والعقد:
    أهل الحَلِّ والعقد مِنْ قادةِ الأمَّةِ الذين يَتَّصِفُون بالعلم والرَّأي والمشورة والتوجيه مخوَّلٌ لهم اختيارُ إمامِ المسلمين ـ نيابةً عن الأُمَّة ـ وَفْقَ شروطِ ومَعاييرِ الإمامةِ الكبرى؛ فإذا ما بايَعَهُ أهلُ الحَلِّ والعقدِ ثَبَتَتْ له بذلك ولايةُ الإمامِ الأَعْظَمِ، ولَزِمَتْ طاعتُه، وحَرُمَتْ مُخالَفتُه فيما يأمر به وينهى بالمعروف، وليس مِنْ شروطِ ثبوتِ الإمامةِ والطاعةِ أَنْ يكون كُلُّ مسلمٍ مِنْ جملةِ المُبايِعين له، وإنما تَلْزَمُ بيعةُ أهلِ الحَلِّ والعقدِ كُلَّ واحدٍ ممَّنْ تَنْفُذُ فيه أوامِرُه ونواهيه؛ لأنَّ المسلمين أمَّةٌ واحدةٌ وجسدٌ واحدٌ، تجمعهم الأُخُوَّةُ الإيمانيةُ وتربطهم العقيدةُ الإسلامية، وهُمْ في الحقوقِ والحُرُمات سواءٌ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ»(١٠).

    قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «طريقُها أَنْ يجتمع جماعةٌ مِنْ أهلِ الحَلِّ والعقد فيعقدون له البَيْعةَ ويقبل ذلك، سواءٌ تَقَدَّمَ منه الطلبُ لذلك أم لا، لكنَّه إذا تَقَدَّمَ منه الطلبُ فقَدْ وَقَعَ النهيُ الثابتُ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم عن طَلَبِ الإمارة(١١)؛ فإذا بُويِعَ بعد هذا الطلبِ انعقدَتْ ولايتُه وإِنْ أَثِمَ بالطلب، هكذا ينبغي أَنْ يُقالَ على مقتضى ما تَدُلُّ عليه السنَّةُ المطهَّرة، ... والحاصلُ: أنَّ المُعْتَبَرَ هو وقوعُ البَيْعةِ له مِنْ أهلِ الحَلِّ والعقد؛ فإنها هي الأمرُ الذي يجب بَعْدَه الطاعةُ ويَثْبُتُ به الولايةُ وتَحْرُمُ معه المُخالَفةُ، وقد قامَتْ على ذلك الأدلَّةُ وثَبَتَتْ به الحجَّةُ...»، ثمَّ قال: «قد أَغْنَى اللهُ عن هذا النهوضِ وتَجَشُّمِ السفر وقَطْعِ المَفاوِزِ ببَيْعةِ مَنْ بايَعَ الإمامَ مِنْ أهل الحَلِّ والعقد؛ فإنها قد ثَبَتَتْ إمامتُه بذلك ووَجَبَتْ على المسلمين طاعتُه، وليس مِنْ شرطِ ثبوتِ الإمامةِ أَنْ يُبايِعَهُ كُلُّ مَنْ يصلح للمُبايَعة، ولا مِنْ شرطِ الطاعةِ على الرجل أَنْ يكون مِنْ جملةِ المُبايِعِين؛ فإنَّ هذا الاشتراطَ في الأمرين مردودٌ بإجماع المسلمين: أوَّلِهم وآخِرِهم، سابِقِهم ولاحِقِهم»(١٢).

    وبهذا الطريقِ تمَّتْ مُبايَعةُ أبي بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه؛ فثَبَتَتْ خلافتُه بالبَيْعة والاختيار(١٣) في سقيفةِ بني ساعِدَةَ، قال القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «وأجمعَتِ الصحابةُ على تقديمِ الصدِّيق بعد اختلافٍ وَقَعَ بين المُهاجِرين والأنصارِ في سقيفةِ بني ساعِدَةَ في التعيين»(١٤).

    * الطريق الثاني: ثبوت البيعة بتعيين وليِّ العهد:
    وذلك بأَنْ يَعْهَدَ وليُّ الأمرِ إلى مَنْ يَرَاهُ أَقْدَرَ على مَهَمَّةِ حمايةِ الدِّين وسياسةِ الدنيا فيَخْلُفَه مِنْ بَعْدِه؛ فإنَّ بَيْعَته على الإمامةِ تَلْزَمُ بعهدِ مَنْ قَبْلَه، كمِثْلِ ما وَقَعَ مِنْ عهدِ أبي بكرٍ لعُمَرَ رضي الله عنهما؛ فإنَّ الصدِّيقَ رضي الله عنه لَمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ عَهِدَ إلى عُمَرَ رضي الله عنه في الإمامة، ولم يُنْكِرْ ذلك الصحابةُ رضي الله عنهم، وقَدِ اتَّفَقَتِ الأمَّةُ على انعقادِ الإمامة بولايةِ العهد، وقد عَهِدَ مُعاويةُ رضي الله عنه إلى ابنه يَزيدَ كما عَهِدَ غيرُهم، ويدلُّ عليه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعطى الرايةَ يوم مُؤْتَةَ زيد بنَ حارثةَ وقال: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ ـ أَوِ اسْتُشْهِدَ ـ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ ـ أَوِ اسْتُشْهِدَ ـ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(١٥)، فاسْتُشْهِدُوا جميعًا، ثمَّ أَخَذَها خالدُ بنُ الوليدِ ولم يكن رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم تَقَدَّمَ إليه في ذلك، والحديثُ دلَّ على وجوبِ نَصْبِ الإمامِ والاستخلافِ، قال الخطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ: «فالاستخلافُ سنَّةٌ اتَّفَقَ عليها المَلَأُ مِنَ الصحابة، وهو اتِّفاقُ الأمَّة، لم يُخالِفْ فيه إلَّا الخوارجُ والمارقةُ الذين شَقُّوا العَصَا وخَلَعُوا رِبْقَةَ الطاعة»(١٦).

    * الطريق الثالث: ثبوت البيعة بتعيين جماعةٍ تختار وليَّ العهد:
    وذلك بأَنْ يَعْهَدَ ولِيُّ الأمرِ الأوَّلُ إلى جماعةٍ معدودةٍ تَتوفَّرُ فيها شروطُ الإمامةِ العُظْمى؛ لِتقومَ باختيارِ وليِّ العهدِ المُناسِبِ فيما بينهم يَتوالَوْن عليه ويُبايِعونه، كمِثْلِ ما فَعَلَ عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه، حيث عَهِدَ إلى نَفَرٍ مِنْ أهل الشورى لاختيارِ واحدٍ منهم، قال الخطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ: «ثمَّ إنَّ عُمَرَ لم يُهْمِلِ الأمرَ ولم يُبْطِلِ الاستخلاف، ولكِنْ جَعَلَهُ شُورَى في قومٍ معدودين لا يَعْدُوهم؛ فكُلُّ مَنْ أقامَ بها كان رِضًا ولها أهلًا؛ فاختاروا عثمانَ وعَقَدوا له البَيْعةَ»(١٧)، ثمَّ لَمَّا اسْتُشْهِدَ عثمانُ رضي الله عنه بايَعُوا عليًّا رضي الله عنه.

    * الطريق الرابع: ثبوت البيعة بالقوَّة والغلبة والقهر:
    إذا غَلَبَ على الناسِ حاكمٌ بالقوَّة والسيف حتَّى أَذْعَنُوا له واستقرَّ له الأمرُ في الحكمِ وتمَّ له التمكينُ؛ صارَ المتغلِّبُ إمامًا للمسلمين وإِنْ لم يَسْتَجْمِعْ شروطَ الإمامة، وأحكامُه نافذةٌ، بل تجب طاعتُه في المعروف وتَحْرُمُ مُنازَعتُه ومعصيتُه والخروجُ عليه قولًا واحدًا عند أهلِ السنَّة؛ ذلك لأنَّ طاعته خيرٌ مِنَ الخروج عليه؛ لِمَا في ذلك مِنْ حَقْنِ الدماءِ وتسكينِ الدَّهْماء، ولِمَا في الخروجِ عليه مِنْ شَقِّ عَصَا المسلمين وإراقةِ دمائهم، وذهابِ أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم، قال الإمامُ أحمد ـ رحمه الله ـ: «ومَنْ خَرَجَ على إمامٍ مِنْ أئمَّةِ المسلمين وقد كان الناسُ اجتمعوا عليه وأَقَرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرِّضَا أو الغَلَبة؛ فقَدْ شَقَّ هذا الخارجُ عَصَا المسلمين، وخالَفَ الآثارَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإِنْ مات الخارجُ ماتَ مِيتةً جاهليَّةً، ولا يَحِلُّ قتالُ السلطانِ ولا الخروجُ عليه لأَحَدٍ مِنَ الناس؛ فمَنْ فَعَلَ ذلك فهو مُبْتَدِعٌ على غيرِ السنَّةِ والطريق»(١٨).

    وقد حَكَى الإجماعَ على وجوبِ طاعةِ الحاكمِ المُتغلِّبِ الحافظُ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «الفتح»(١٩)، والشيخُ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب ـ رحمه الله ـ كما في «الدُّرَر السنيَّة»(٢٠).

    قلت: ومِنَ الإمامة التي انعقدَتْ بالغَلَبةِ والقوَّة: ولايةُ عبد الملك بنِ مروان؛ حيث تَغَلَّبَ على الناسِ بسيفه واستتبَّ له الأمرُ في الحكم، وصارَ إمامًا حاكمًا بالغَلَبة، ومِنْ ذلك: ولايةُ بني أُمَيَّةَ في الأندلس: انعقدَتْ لهم بالاستيلاء والغَلَبة، مع أنَّ الخلافة كانَتْ قائمةً في بغداد للعبَّاسيِّين.

    فهذه هي الطُّرُقُ التي تَثْبُتُ بها الإمامةُ الكبرى: فتنعقدُ بالاختيار والاستخلاف سواءٌ بتعيينِ وليِّ عهدٍ مُسْتَخْلَفٍ أو بتعيينِ جماعةٍ تختار مِنْ بينِها وليَّ عهدٍ، وهُمَا طريقان شرعيَّان مُتَّفَقٌ عليهما؛ فإذا بايَعَهُ أهلُ الحَلِّ والعقد بالاختيار لَزِمَتْ بيعتُهم سائِرَ مَنْ كان تحت ولايته، كما تَلْزَمُهم البيعةُ الحاصلةُ بالاستخلاف، وكذا المُنْعَقِدةُ عن طريقِ القهر والغَلَبة؛ فالبَيْعةُ حاصلةٌ على كُلِّ أهل القطر الذي تَوَلَّى فيه الحاكمُ المُسْتَخْلَفُ أو المُتغلِّبُ ممَّنْ يدخلون تحت ولايته أو سلطانه.

    أمَّا انعقادُ الولايةِ أو الإمامةِ العُظْمى بأساليبِ النُّظُمِ المُسْتَوْرَدَةِ الفاقدةِ للشرعية الدينية ـ فبغضِّ النظر عن فسادِ هذه الأنظمةِ وخَطَرِ العملِ بها على دِينِ المسلم وعقيدتِه ـ فإنَّ مَنْصِبَ الإمامةِ أو الولايةِ يَثْبُتُ بها ويجري مجرى طريقِ الغَلَبةِ والاستيلاءِ والقهر، وتنعقدُ إمامةُ الحاكمِ وإِنْ لم يكن مُسْتَجْمِعًا لشرائطِ الإمامة، ولو تَمَكَّنَ لها دون اختيارٍ أو استخلافٍ ولا بَيْعةٍ.

    قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا الطريقُ الثالثُ فهو القهرُ والاستيلاء: فإذا ماتَ الإمامُ فتَصَدَّى للإمامة مَنْ جَمَعَ شرائطَها مِنْ غيرِ استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقَهَرَ الناسَ بشوكته وجنوده؛ انعقدَتْ خلافتُه ليَنْتَظِمَ شَمْلُ المسلمين، فإِنْ لم يكن جامعًا للشرائط بأَنْ كان فاسقًا أو جاهلًا فوجهانِ: أَصَحُّهما: انعقادُها لِمَا ذَكَرْناهُ وإِنْ كان عاصيًا بفِعْلِه»(٢١)؛ وعليه، تَلْزَمُ طاعتُه ولو حَصَلَ منه ظلمٌ وجَوْرٌ، ولا يُطاعُ إلَّا في المعروف دون المعصية؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(٢٢)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(٢٣).

    قال أبو الحسنِ الأشعريُّ ـ رحمه الله ـ ـ وهو يُعدِّدُ ما أَجْمَعَ عليه السلفُ مِنَ الأصول ـ: «وأجمعوا على السَّمْعِ والطَّاعةِ لأئمَّةِ المسلمين، وعلى أنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ شيئًا مِنْ أمورهم عن رِضًى أو غَلَبةٍ وامتدَّتْ طاعتُه مِنْ بَرٍّ وفاجرٍ لا يَلْزَمُ الخروجُ عليهم بالسيف، جارَ أو عَدَلَ»(٢٤).

    وقال الصابونيُّ ـ رحمه الله ـ: «ويرى أصحابُ الحديثِ: الجمعةَ والعيدين وغيرَهما مِنَ الصلوات خَلْفَ كُلِّ إمامٍ مسلمٍ بَرًّا كان أو فاجرًا، ويَرَوْنَ جهادَ الكَفَرَةِ معهم وإِنْ كانوا جَوَرَةً فَجَرَةً، ويَرَوْنَ الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبَسْطِ العدل في الرعيَّة، ولا يَرَوْنَ الخروجَ عليهم وإِنْ رَأَوْا منهم العدولَ عن العدل إلى الجَوْرِ والحيف، ويَرَوْنَ قتالَ الفِئَةِ الباغية حتَّى ترجع إلى طاعةِ الإمام العَدْل»(٢٥).

    وقال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «فأهلُ السنَّةِ لا يُطيعون وُلَاةَ الأمورِ مطلقًا، إنما يُطيعونهم في ضِمْنِ طاعةِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾ [النساء: ٥٩]»(٢٦)، وقال ـ رحمه الله ـ ـ أيضًا ـ: «ولهذا كان مذهبُ أهلِ الحديث: تَرْكَ الخروجِ بالقتال على الملوك البُغَاة، والصبرَ على ظُلْمِهم إلى أَنْ يَسْتريحَ بَرٌّ أو يُسْتراحَ مِنْ فاجرٍ»(٢٧).

    وقال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «لا تُنازِعوا وُلَاةَ الأمورِ في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلَّا أَنْ تَرَوْا منهم مُنْكَرًا مُحقَّقًا تعلمونه مِنْ قواعدِ الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأَنْكِروه عليهم وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأمَّا الخروجُ عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماعِ المسلمين وإِنْ كانوا فَسَقَةً ظالمين، وقد تَظاهَرَتِ الأحاديثُ بمَعْنَى ما ذَكَرْتُه، وأَجْمَعَ أهلُ السنَّة أنه لا يَنْعَزِلُ السلطانُ بالفسق»(٢٨).

    أمَّا إِنْ تَوَلَّى الكافرُ الحُكْمَ: فإِنْ تَوفَّرَتِ القدرةُ والاستطاعةُ على تنحيته وتبديلِه بمسلمٍ كُفْءٍ للإمامة مع أَمْنِ الوقوعِ في المَفاسِدِ وَجَبَتْ إزالتُه إجماعًا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾ [النساء: ٥٩]، والكافرُ لا يُعَدُّ مِنَ المسلمين، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ»(٢٩)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»(٣٠)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا، مَا صَلَّوْا»(٣١)، قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «ومُلخَّصُه أنَّه يَنْعَزِلُ بالكفر إجماعًا؛ فيجبُ على كُلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك: فمَنْ قَوِيَ على ذلك فله الثَّوابُ، ومَنْ داهَنَ فعليه الإثمُ»(٣٢).

    فإِنْ عَجَزُوا عن إزالتِه وإقامةِ البديل، أو لا تنتظمُ أمورُ السِّياسة والحكمِ بإزالتِه في الحالِ خشيةَ الاضطراب والفوضى وسُوءِ المآل؛ فالواجبُ الصَّبرُ عليه وهُمْ معذورون؛ لقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: ١٦]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(٣٣)، وهذا أحَقُّ موقفًا مِنَ الخروج عليه؛ لأنَّ «دَرْءَ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].

    قال العلَّامةُ ابنُ بازٍ ـ رحمه الله ـ: «إذا رأى المسلمون كفرًا بَواحًا عندهم مِنَ اللهِ فيه برهانٌ فلا بَأْسَ أَنْ يخرجوا على هذا السلطانِ لإزالته إذا كان عندهم قدرةٌ، أمَّا إذا لم تكن عندهم قدرةٌ فلا يخرجون، أو كان الخروجُ يُسبِّبُ شرًّا أَكْثَرَ فليس لهم الخروجُ؛ رعايةً للمَصالِحِ العامَّة، والقاعدةِ الشرعية المُجْمَعِ عليها أنه: لا يجوز إزالةُ الشرِّ بما هو أَشَرُّ منه، بل يجب دَرْءُ الشرِّ بما يُزيلُه أو يُخفِّفُه، أمَّا دَرْءُ الشرِّ بشرٍّ أَكْثَرَ فلا يجوز بإجماعِ المسلمين»(٣٤).

    قلت: وتُلْحَقُ هذه الصورةُ بالمرحلة المكِّيَّة التي كان عليها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابُه قبل الهجرة؛ فقَدْ كانوا تحت ولايةِ الكُفَّار، وقد أُمِرُوا فيها بالدعوة إلى الله تعالى، وكَفِّ الأيدي عن القتال، والصبرِ حتَّى يفتح اللهُ عليهم أَمْرَهم ويُفرِّجَ كَرْبَهم وهو خيرُ الفاتحين، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [النساء: ٧٧].

    هذا، وجديرٌ بالتَّنبيهِ أنَّه إذا تَعَدَّدَ الأئمَّةُ والسلاطينُ فالطاعةُ بالمعروف إنَّما تجب لكُلِّ واحدٍ منهم بعد البَيْعةِ له على أهل القطر الذي تَنْفُذُ فيه أوامِرُه ونواهيه، وضِمْنَ هذا السياقِ يقول الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا بعد انتشارِ الإسلام واتِّساعِ رقعته وتَباعُدِ أطرافه، فمعلومٌ أنه قد صارَ في كُلِّ قطرٍ أو أقطارٍ الولايةُ إلى إمامٍ أو سلطانٍ، وفي القطر الآخَرِ أو الأقطار كذلك، ولا يَنْفُذُ لبَعْضِهم أمرٌ ولا نهيٌ في قُطْرِ الآخَرِ وأقطاره التي رجعَتْ إلى ولايته؛ فلا بأسَ بتَعَدُّدِ الأئمَّةِ والسلاطين، ويجب الطاعةُ لكُلِّ واحدٍ منهم بعد البَيْعةِ له على أهل القُطْر الذي ينفذ فيه أوامرُه ونواهيه، وكذلك صاحِبُ القطر الآخَر، فإذا قامَ مَنْ يُنازِعُه في القطر الذي قد ثَبَتَتْ فيه ولايتُه وبايَعَهُ أهلُه كان الحكمُ فيه أَنْ يُقْتَلَ إذا لم يَتُبْ، ولا تجب على أهل القطر الآخَرِ طاعتُه ولا الدخولُ تحت ولايته لِتَباعُدِ الأقطار، ...

    فاعْرِفْ هذا فإنه المُناسِبُ للقواعد الشرعية، والمُطابِقُ لِمَا تدلُّ عليه الأدلَّةُ، ودَعْ عنك ما يُقالُ في مُخالَفته؛ فإنَّ الفرق بين ما كانَتْ عليه الولايةُ الإسلاميةُ في أوَّلِ الإسلامِ وما هي عليه الآنَ أَوْضَحُ مِنْ شمس النهار، ومَنْ أَنْكَرَ هذا فهو مُباهِتٌ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُخَاطَبَ بالحجَّة لأنه لا يَعْقِلُها»(٣٥).

    والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

    الجزائر في: ٠٤ ربيع الثاني ١٤٣٢ﻫ
    الموافق ﻟ: ٠٩ مارس ٢٠١١م



    (١) للحديث المُتَّفَقِ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «الحدود» بابُ فضلِ مَنْ تَرَك الفواحشَ (٦٨٠٦)، ومسلمٌ في «الزكاة» (١٠٣١)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظُه: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ».

    (٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ١٧٠).

    (٣) أخرجه الحاكمُ في «مُسْتَدْرَكه» (٢٥٩، ٤٠٣) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٦٧٧) رقم: (٩٨٤).

    (٤) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٥١) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

    (٥) «العزلة» للخطَّابي (٥٧ ـ ٥٨).

    (٦) الطَّغام: أَرَاذِلُ الناسِ وأوغادُهم، ويُطْلَقُ ـ أيضًا ـ على الأحمق، [انظر: «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (١٤٦٣)].

    (٧) العَرامة: الشِّدَّةُ والشراسةُ والقوَّةُ والجهلُ والأذى، [انظر: «لسان العرب» لابن منظور (١٢/ ٣٩٥)، «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (١٤٦٧)].

    (٨) «غِياث الأُمَم» للجُوَيْني (٢٣ ـ ٢٤).

    (٩) «المقدِّمة» لابن خلدون (١٧١).

    (١٠) أخرجه أبو داود في «الجهاد» بابٌ في السريَّة تَرُدُّ على أهل العسكر (٢٧٥١) مِنْ حديثِ عَمْرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبد الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٦٦) رقم: (٢٢٠٨).

    (١١) وذلك في حديثِ عبد الرحمن بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا...» الحديث [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ مَن لم يَسْألِ الإمارةَ أعانَهُ اللهُ عليها (٧١٤٦)، ومسلمٌ في «الأيمان» (١٦٥٢)].

    (١٢) «السيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٥١١ ـ ٥١٣).

    (١٣) ومِنَ العُلَماءِ مَنْ يرى أنَّ خلافتَه ثَبَتَتْ بالنصِّ والإشارةِ مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، [انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ الحنفي (٥٣٣)].

    (١٤) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (١/ ٢٦٤).

    (١٥) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٧٥٠) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ جعفرٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٣/ ١٩٢)، والألبانيُّ في «أحكام الجنائز» (٢٠٩).

    (١٦) «مَعالِم السنن» للخطَّابي مع «سنن أبي داود» (٣/ ٣٥١).

    (١٧) المصدر السابق، الجزء والصفحة نَفْسُهما.

    (١٨) «المسائل والرسائل» للأحمدي (٢/ ٥).

    (١٩) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٧)، وقد حكاهُ عن ابنِ بطَّالٍ ـ رحمه الله ـ.

    (٢٠) انظر: «الدُّرَر السنيَّة في الأجوبة النجدية» لعبد الرحمن بنِ محمَّد بنِ قاسم (٧/ ٢٣٩).

    (٢١) «روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٤٦).

    (٢٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ السمعِ والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

    (٢٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٠٩٥) مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٢/ ٢٤٨)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠).

    (٢٤) «رسالةٌ إلى أهل الثغر» للأشعري (٢٩٦).

    (٢٥) «عقيدة السلف» للصابوني (٩٢).

    (٢٦) «منهاج السنَّة» لابن تيمية (٢/ ٧٦).

    (٢٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٤٤).

    (٢٨) «شرح النووي على مسلم» (١٢/ ٢٢٩).

    وللمَزيدِ يمكن مُراجَعةُ المَصادِرِ التالية: «مقالات الإسلاميِّين» (١/ ٣٤٨) و«الإبانة» (٦١) كلاهما للأشعري، «الشريعة» للآجُرِّي (٣٨ ـ ٤١)، «اعتقاد أئمَّة الحديث» للإسماعيلي (٧٥ ـ ٧٦)، «الشرح والإبانة» لابن بطَّة (٢٧٦ ـ ٢٧٨)، «الاعتقاد» للبيهقي (٢٤٢ ـ ٢٤٦)، «العقيدة الواسطية» مع شرحها للهرَّاس (٢٥٧ ـ ٢٥٩)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٢/ ٥٤٠ ـ ٥٤٤).

    (٢٩) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٥٥) مِنْ حديثِ عوف بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

    (٣٠) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الفِتَن» بابُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» (٧٠٥٦)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٧٠٩)، مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصامت رضي الله عنه.

    (٣١) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٥٤) مِنْ حديثِ أمِّ سَلَمة رضي الله عنها.

    (٣٢) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ١٢٣).

    (٣٣) هو جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» باب الاقتداء بسنن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (٧٢٨٨)، ومسلمٌ ـ واللفظُ له ـ في «الحجِّ» (١٣٣٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

    (٣٤) انظر: «مُراجَعات في فقه الواقع السياسيِّ والفكري» للرفاعي (٢٤). وللشيخ ابنِ عثيمين ـ رحمه الله ـ كلامٌ نفيسٌ في «الشرح المُمْتِع على زاد المُسْتَقْنِع» (١١/ ٣٢٣).

    (٣٥) «السيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٥١٢).

    رابط المقال : http://ferkous.com/home/?q=art-mois-61

  • #2
    مقال للشيخ العلامة محمد علي فركوس حفظه الله:
    المنهج القويم في معاملة الحكام
    إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضّلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

    فاعلمْ أنّ العلماءَ أجمعوا على وجوبِ طاعةِ الحاكمِ المتغلِّبِ، وأنّ طاعتَه خيرٌ من الخروجِ عليه، لما في ذلك من حقنِ الدّماءِ وتسكينِ الدّهماءِ، ولِمَا في الخروجِ عليه من شقِّ عصا المسلمين وإراقةِ دمائِهم وذهابِ أموالِهم، فإذا استتبّ له الأمرُ، وتمّ له التّمكينُ -وإن لم يستجمعْ شروطَ الإمامةِ- صحّتْ إمامتُه ووجبتْ بيعتُه وطاعتُه في المعروفِ، وحَرُمَتْ منازعتُه ومعصيتُه، فأحكامُه نافذةٌ، ولا يجوز الخروجُ عليه قولاً واحدًا، وقد حكى إجماع ذلك الحافظُ ابن حجرٍ في«الفتح»(١) والنّوويُّ في «شرح مسلم»(٢) والشّيخُ محمّدُ بنُ عبدِ الوهّابِ في «الدّرر السّنيّة»(٣)، فمن خرج عن طاعةِ الحاكمِ الذي وقع الاجتماعُ عليه فارق الجماعةَ الذين اتّفقوا على طاعةِ الإمامِ الذي انتظم به شملُهم، واجتمعتْ به كلمتُهم، وحاطهم من عدوِّهم، فمات ميتةً جاهليّةً؛ فقد أخرج البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهما عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : قال رسولُ الله صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإٍنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٤)، وفي لفظٍ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمٍيرٍهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإٍنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إلاَّ مَاتَ مِيتةً جَاهِلِيَّةً»(٥)، ذلك أنّ أهلَ الجاهليّةِ لم يكنْ لهم إمامٌ يجمعهم على دينٍ، ويتألّفُهم على رأيٍ واحدٍ -كما ذكر الخطّابيُّ- بل كانوا طوائفَ شتّى وفرقًا مختلفين، آراؤُهم متناقضةٌ، وأديانُهم متباينةٌ، وذلك الذي دعا كثيرًا منهم إلى عبادةِ الأصنامِ، وطاعةِ الأزلامِ، رأيًا فاسدًا اعتقدوه في أنّ عندها خيرًا، وأنّها تملك لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا(٦).

    ففي حديثِ ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما المتقدّمِ، دليلٌ على تركِ الخروجِ على السّلطانِ ولو جار، فإنّ المفارِقَ للجماعةِ مفارقةَ الألفةِ وزوالِ العصمةِ والخروجِ عن كنفِ الطّاعةِ والأمانِ، لا يُسْأَلُ عنه لعظيمِ هلكتِه، وقد أمر الشّرعُ بلزومِ الجماعةِ ونهى عن التّفرُّقِ -وإن وقع من ولاةِ الأمورِ الظُّلمُ والحيفُ- بقولِه تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ في «منهاج السّنّة»: «وقدّ فُسِّر «حبلُه» بكتابِه، وبدينِه، وبالإسلامِ، وبالإخلاصِ، وبأمرِه، وبعهدِه، وبطاعتِه، وبالجماعِة، وهذه كلُّها منقولةٌ عن الصّحابةِ والتّابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدّينِ، وكلُّها صحيحةٌ، فإنّ القرآنَ يأمر بدينِ الإسلامِ، وذلك هو عهدُه وأمرُه وطاعتُه، والاعتصامُ به جميعًا إنّما يكون في الجماعةِ، ودينُ الإسلامِ حقيقتُه الإخلاصُ للهِ»(٧).

    ولقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، و(أولو الأمرِ) هم الأمراءُ والولاةُ، لصحّةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم بالأمرِ بطاعةِ الأئمّةِ والولاةِ فيما كان طاعةً وللمسلمين مصلحةً(٨)، منها: قولُه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم في حديثِ حذيفةَ بنِ اليمانِ رضي الله عنهما: «يَكُونُ بَعْدي أئِمّةٌ لا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، ولاَ يَسْتَنّونَ بسُنَّتِي، وسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إنْسٍ» -قَالَ: قُلْتُ: «كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟» قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ الأَمِيرَ، وَإنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ»(٩). والطّاعةُ لهم في المنشطِ والمكرهِ، والعسرِ واليسرِ، مشروطةٌ بِما ليس معصيةً للهِ تعالى لدلالةِ حديثِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عن النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم أنّه قال: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أحَبَّ وَكَرِهَ إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بمَعْصِيَةٍ، فَِإنْ أُمِرَ بمَِعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلا طَاعَةَ»(١٠)، ولحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنّ النّبيَّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم قال: «لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»(١١).

    لذلك كان إحسانُ الظّنِّ بولاةِ الأمرِ مُتَحَتِّمًا.

    ومِنْ لوازمِ طاعتِهم: متابعتُهم في الصّومِ والفطرِ والتّضحيةِ، فيصومُ بصيامِهم في رمضانَ، ويُفْطِرُ بفطرِهم في شوّالٍ، ويضحّي بتضحيتِهم في عيدِ الأضحى.

    ومن لوازمِ طاعتِهم -أيضًا- عدمُ إهانتِهم، وتركُ سَبِّهم أو لعنِهم، والامتناعُ عنِ التّشهيرِ بعيوبِهم، سواء في الكتبِ والمصنَّفاتِ والمجلاّتِ، أو في الدّروسِ والخطبِ أو بين العامّةِ، كما ينبغي تجنُّبُ كلِّ ما يُسيءُ إليهم من قريبٍ أو من بعيدٍ، ذلك أنّ علّةَ المنعِ: تفادي الفوضى، وتركِ السّمعِ والطّاعةِ في المعروفِ، والخوضِ فيما يضرّ نتيجةَ سبِّهم وإهانتِهم، الأمرُ الذي يفتح بابَ التّأليبِ عليهم، ويجرّ من الفسادِ ولا يعود على النّاسِ إلاّ بالشّرِّ المستطيرِ، ولهذا جعل النّبيُّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»(١٢)، و«سِبَابُهُ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»(١٣)، وبيّن خُلُقَ المؤمنِ بأنَّه «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ، وَلاَ الْفَاحِشِ، وَلاَ الْبَذِيءِ»(١٤)، ولا شكَّ أنّ الاتّصافَ بهذا الخُلُقِ الذّميمِ مع ولاةِ الأمورِ والأئمّةِ من علاماتِ الخوارجِ، وقد جاء على لسانِ رجلٍ منهم قولُه للنّبيِّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «اِعْدِلْ»(١٥)، وقال آخَرُ منهم لعثمانَ رضي الله عنه عندما دخل عليه لِيَقْتُلَه: «يَا نَعْثَلْ»(١٦)، وإنّما أُمِرْنَا أنْ نَدْعُوَ لهم بالصّلاحِ، ونُعِينَهم عليه، ولم نُؤْمَرْ أن نَدْعُوَ عليهم -وإنْ وقع منهم الْجَوْرُ والظّلمُ- كما يفعلُه فينا من لم يتّضحْ له مذهبُ السّلفِ في معاملةِ ولاةِ الأمورِ، ذلك لأنّ ظُلْمَهم وجَوْرَهم على أنْفُسِهم، أمّا صلاحُهم فلأنْفُسِهم وللأمّةِ كلِّها، العبادِ والبلادِ، وقد جاء عن بعضِ علماءِ السّلفِ قولُه: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْعُو عَلَى السُّلْطَانِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ هَوَى، وَإِذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَدْعُو لِلسُّلْطَانِ بِالصَّلاَحِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ -إِنْ شَاءَ اللهُ-»(١٧).

    هذا، وإذا كنّا قد أُمِرْنَا بأن نَدْعُوَ لهم؛ فقدْ أُمِرْنَا -أيضاً- بنصيحتهم -بقدْرِ الاستطاعة والإمكان- من غير تعنيفٍ، ولا بأسلوبِ الفجاجةِ والغلظةِ وبكلماتِ السّوءِ والمنكرِ، وإنّما يكون نصحُهم مبنيًّا على الوعظِ والتّخويفِ، تذكيرًا لهم باللهِ تعالى، وتحذيرًا لهم من الآخرةِ، وترغيبًا لهم في الصّالحاتِ، فإنّ مناصَحَةَ أئمّةِ المسلمين منافيةٌ للغِلِّ والغشِّ، كما أخبر به النّبيُّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم فيما أخرجه التّرمذيُّ وغيرُه من حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «ثَلاَثٌ لاَ يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قلْبُ الْمُؤمِنِ: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوَلِيِّ الأَمْرِ -وفي لَفْظِ: طَاعَةُ ذَوِي الأَمْرِ-، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»(١٨).

    وقد شرح الإمامُ ابنُ القيّمِ في «مفتاح دارِ السّعادةِ» هذا النّصَّ شرحًا دقيقًا قيّمًا بقولِه: «إنّ قولَه: «ثَلاَثٌ لاَ يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قلْبُ مُسْلِمٍ ...» أي لا يحمل الغِلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاث، فإنّها تنفي الغِلَّ والغشَّ وهو فسادُ القلبِ وسَخَائِمُه (والسّخيمةُ الحقدُ والضّغينةُ).

    فالمخلصُ للهِ إخلاصُه يمنع غِلَّ قلبِه، ويُخْرِجُه ويزيلُه جملةً، لأنّه قد انصرفتْ دواعي قلبِه وإرادتِه إلى مرضاةِ ربِّه، فلم يَبْقَ فيه موضعٌ للغِلِّ والغشِّ، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فلمّا أخلص لربِّه صرف عنه دواعِيَ السّوءِ والفحشاءِ، فانصرفَ عنه السّوءُ والفحشاءُ، ولهذا لمّا علم إبليسُ أنّه لا سبيلَ له على أهلِ الإخلاصِ استثناهم من شَرْطَته التي اشترطها للغوايةِ والإهلاكِ، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: ٨٢-٨٣]، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فالإخلاصُ هو سبيلُ الخلاصِ، والإسلامُ هو مركبُ السّلامةِ، والإيمانُ خاتَمُ الأمانِ.

    وقولُه: «وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ» هذا - أيضاً - منافٍ للغِلِّ والغشِّ، فإنّ النّصيحةَ لا تجامع الغِلَّ، إذْ هي ضدُّه، فمن نصح الأئمّةَ والأمّةَ فقد بَرِئَ من الغِلِّ.

    وقولُه:«وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ» هذا -أيضًا- ممّا يُطَهِّرُ القلبَ من الغِلِّ والغشِّ، فإنّ صاحبَه لِلُزومِه جماعةَ المسلمين يحبّ لهم ما يحبّ لنفسِه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوءه ما يسوءهم ، ويسرّه ما يسرّهم.

    وهذا بخلافِ من انحاز عنهم واشتغل بالطّعنِ عليهم والعيبِ والذّمِّ لهم، كفعلِ الرّافضةِ والخوارجِ والمعتزلةِ وغيرِهم، فإنّ قلوبَهم ممتلئةٌ غِلاًّ وغشًّا، ولهذا تجدُ الرّافضةَ أبعدَ النّاسِ من الإخلاصِ، أغشَّهم للأئمّةِ والأمّةِ، وأشدَّهم بعدًا عن جماعةِ المسلمين.

    فهؤلاء أشدُّ النّاسِ غِلاًّ وغشًّا بشهادةِ الرسولِ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم والأمّةِ عليهم، وشهادتِهم على أنْفُسِهم بذلك، فإنّهم لا يكونون قطُّ إلاّ أعوانًا وظهرًا على أهلِ الإسلامِ، فأيُّ عدوٍّ قام للمسلمين كانوا أعوانَ ذلك العدوِّ وبطانتَه.

    وهذا أمرٌ قد شاهدَتْه الأمّةُ منهم، ومن لم يشاهدْ فقدْ سمع منه ما يُصِمُّ الآذانَ، ويُشْجِي القلوبَ.

    وقولُه: «فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» هذا من أحسنِ الكلامِ وأوجزِه، وأفخمِه معنىً، شبّه دعوةَ المسلمين بالسّورِ والسّياجِ المحيطِ بهم، المانعِ من دخولِ عدوِّهم عليهم، فتلك الدّعوةُ التي هي دعوةُ الإسلامِ وهم داخِلُونَها ، لمّا كانت سورًا وسياجًا عليهم أخبر أنّ من لزم جماعةَ المسلمين أحاطت به تلك الدّعوةُ التي هي دعوةُ الإسلامِ كما أحاطتْ بهم، فالدّعوةُ تجمع شَمْلَ الأمّةِ وتلمّ شعثَها وتحيط بها، فمَنْ دخل في جماعتِها أحاطتْ به وشَمِلَتْهُ»، اﻫ(١٩).

    وعليه، فإنّ مذكوراتِ الحديثِ الثّلاثَ -يعني : إخلاصَ العملِ، ومناصحةَ أولي الأمرِ، ولزومَ جماعةِ المسلمين- تجمع أصولَ الدّينِ وقواعدَه، وتجمع الحقوقَ التي للهِ ولعبادِه، وتنتظم بها مصالِحُ الدّنيا والآخرةِ على ما أوضح شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ -رحمه الله تعالى- بقولِه: «وبيانُ ذلك أنّ الحقوقَ قسمان: حقٌّ لله، وحقٌّ لعبادِه:

    • فحقُّ اللهِ أن نعبدَه ولا نشركَ به شيئًا...

    • وحقوقُ العبادِ قسمان: خاصٌّ وعامٌّ:

    - أمّا الخاصُّ فمثلُ برِّ كلِّ إنسانٍ والديه، وحقِّ زوجتِه، وَجَارِهِ، فهذه من فروعِ الدّينِ، لأنّ المكلَّفَ قد يخلو عن وجوبِها عليه، ولأنّ مصلحتَها خاصّةٌ فرديّةٌ.

    - وأمّا الحقوقُ العامّةُ فالنّاسُ نوعان: رعاةٌ ورعيّةٌ، فحقوقُ الرّعاةِ: مناصحتُهم، وحقوقُ الرّعيّةِ: لزومُ جماعتِهم، فإنّ مصلحتَهم لا تتمّ إلاّ باجتماعِهم وهم لا يجتمعون على ضلالةٍ، بل مصلحةُ دينِهم ودنياهم في اجتماعِهم واعتصامِهم بحبلِ اللهِ جميعًا. فهذه الخصالُ تجمع أصولَ الدّينِ»، اﻫ(٢٠).

    لذلك كان الخروجُ على الأئمّةِ -وإن جاروا- مُحْدَثاً ومنكرًا، قد نطقتِ الأحاديثُ بوجوبِ لزومِ جماعةِ المسلمين وإمامِهم، فإنّ الخروجَ عليهم والافتياتَ عليهم معصيةٌ ومشاقّةٌ للهِ ورسولِه، ومخالفةٌ لما عليه أهلُ السّنّةِ والجماعةِ.

    قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ -رحمه الله- في «مجموع فتاويه»: «وأمّا أهلُ العلمِ والدّينِ والفضلِ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى اللهُ عنه من معصيةِ ولاةِ الأمورِ، وغشِّهم، والخروجِ عليهم بوجهٍ من الوجوهِ، كما قد عُرِفَ من عاداتِ أهلِ السّنّةِ والدّينِ قديمًا وحديثًا، ومن سيرةِ غيرِهم»(٢١).

    هذا، والطّريقُ الأسلمُ والمنهجُ الأوفقُ الذي يُحَقَّقُ به معنى التّغييرِ يكمن في السّيرِ بالدّعوةِ إلى اللهِ على منهاجِ النّبوّةِ بتصحيحِ العقيدةِ وتصفيتِها من كلِّ الشّوائبِ العالقةِ بها والمنافِيةِ لعقيدةِ أهلِ الحقِّ وترسيخِها بتربيةِ الأنفسِ والأهلِ على هذا الدّينِ، والدّعوةِ للعملِ بأحكامِه بالأسلوبِ الذي أمرنا تعالى أن نَدْعُوَ به في قولِه عزّ وجلّ: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ذلك لأنّ اللّينَ في الأسلوبِ والموعظةَ الحسنةَ في مجالِ الدّعوةِ والتّعليمِ والإعلامِ والنّصحِ(٢٢) من أهمِّ أسبابِ حصولِ انتفاعِ العوامِّ بدعوةِ الدّعاةِ وتعليمِهم وإرشادِهم، بخلافِ التّغليظِ في القولِ، والزّجرِ في الأسلوبِ، والتّبكيتِ في الدّعوةِ والتّعليمِ، فلا نتائجَ وافرةَ ومفيدةَ من ورائِه مرجوّةٌ، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، كما أنّ المطلوبَ الاتّصافُ بأخلاقِ هذا الدّينِ والتّحلّي بآدابِه عملاً بقولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وبقولِه تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، وبقولِه عزّ وجلّ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فإنّ تكريسَ هذه الدّعوةِ سلوكًا ومنهجًا يؤدّي - بطريقٍ أو بآخَرَ- إلى تحقيقِ تغييرِ ما بالأنْفُسِ على نحوِ ما يوافقُ الشّرعَ ليحصلَ مع المطلوبِ ما وعد به اللهُ تعالى في قولِه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، هذا الأمرُ الذي كان عليه سبيلُ الدّعوةِ أيّامَ الرّسالةِ، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].

    ومِن هنا يُدرَك أنّ طريقَ الدّعوةِ إلى اللهِ إنّما يكون بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ والصّبرِ على مشاقِّها دون عجلةٍ مورطةٍ في الفسادِ والإفسادِ، التي مآلُها الحرمانُ على ما تقرّر في القواعدِ أنّ «مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ»(٢٣)، فيحتاج الأمرُ إلى ثباتٍ وتضحيةٍ واستقامةٍ وأملٍ باللهِ ويقينٍ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، فالإمامةُ في الدّينِ إنّما تُنَالُ بالصّبرِ واليقينِ، فإنّ تحمُّلَ الأمانةِ بالوجهِ المطلوبِ شرعًا نصرةٌ لدينِ اللهِ، مع الثّقةِ الكاملةِ بأنّ نصْرَ اللهِ آتٍ لمن نصر دينَه يقينًا على الوجهِ الذي أمَرَ به الشّرعُ، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، كما أنّه يؤّدي إلى تمكينِ الدّينِ المرتضى لعبادِه الصّالحين، كما وعد المولى عزّ وجلّ عليه غايةَ العزّةِ، قال تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥].

    أمّا نزعُ اليدِ عن الطّاعةِ بالخروجِ عليهم إذا لم نَرَ كفرًا بواحًا عندنا فيه من اللهِ برهانٌ، مع لزومِ الأخذِ بعينِ الاعتبارِ قاعدةَ «دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ»، فإنّه فضلاً عن كونِه يخالفُ النّصوصَ الشّرعيّةَ الكثيرةَ الآمرةَ بالطّاعةِ وعدمِ نزعِ اليدِ عن طاعتِهم وإن جاروا، والآمرةِ -أيضًا- بتغييرِ ما بالأنفسِ، فإنّ هذا العملَ يجرُّ مَفَاسِدَ شتّى، وهي أعظمُ ممّا يحصلُ من جَوْرِ ولاةِ الأمرِ وظُلْمِهم على ما هو ظاهرٌ للعيانِ، كما أنّ هذا الطّريقَ -من جهةٍ ثالثةٍ- ينعكس سلبًا على سيرِ الدّعوةِ إلى اللهِ تعالى، وهو معطّلٌ لسبيلِها، ويزيد على الأمّةِ همومًا أخرى وفتنًا وشرورًا ومصائبَ تهدم شوكتَها وتُضْعِفُ قوّتَها وتخدم أعداءَها، والتّاريخُ يشهد على هذه الفتنِ قديمًا وحديثًا و«السّعيدُ من وُعِظَ بغيرِه». كلُّ ذلك يرجع إمّا إلى الغلوِّ والإفراطِ، أو إلى التّقصيرِ والتّفريطِ، كما أفصح عنه ابنُ القيّمِ -رحمه الله- بقوله: «إنّ الحقَّ واسطةٌ بين الإفراطِ والتّفريطِ، وبين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسطِ بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافِيَ والمقصِّرَ عن الأمرِ مضيّعٌ له، فالغالي فيه مضيّعٌ له، فهذا بتقصيرِه عن الحدِّ، وهذا بتجاوزِه الحدَّ»(٢٤).

    وليس معنى عدمِ نزعِ اليدِ عن طاعتِهم إقرارَهم على الباطلِ والرّضا بما هم فيه من المنكرِ، فالباطلُ يبقى مذمومًا، والمنكرُ يبقى على صفتِه بغضِّ النّظرِ عن فاعلِه محكومًا كان أم حاكمًا، لا نرضى عنِ الأفعالِ المستقبَحةِ شرعًا ولا نحبّها، كما نُبْغِضُ الصّنائعَ المستبشَعةَ، ذلك لأنّ الرّضا بالفعلِ كالفعلِ إثابةً وعقابًا وإنْ تجرّدَ عنِ العملِ والقصدِ، ويدلّ عليه قولُه تعالى في شأنِ اليهودِ: ﴿وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١]، أي: ونكتب قَتْلَهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ، أي: رضاهم بالقتلِ، والمرادُ قتلُ أسلافِهم الأنبياءَ، لكنْ لمَّا رَضُوا بذلك صحّتِ الإضافةُ إليهم، وحسّن رجلٌ عند الإمامِ الشّعبيِّ قَتْلَ عثمانَ بنِ عفّانَ رضي الله عنه، فقال الإمامُ الشّعبيُّ: «شَرِكْتَ فِي دَمِهِ»(٢٥)، فجعل الرّضا بالقتلِ قتلاً.

    وليس ذلك إلاّ لأنّ الرّضا بالمعصيةِ معصيةٌ، ويؤيّد ذلك قولُه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم: «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهدَهَا فكَرِهَهَا -وَقالَ مَرَةً: فَنَكِرَهَا-، كَمَنْ غاَبَ عَنْهَا، وَمَنْ غاَبَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٢٦)، وهذا يدلّ على أنّ الرّاضِيَ بالفعلِ كالفاعلِ وإنّ لم يُرِدْهُ أو يعملْه.

    وعليه، فإنّ النّصحَ آكد في وجوبِ عودةِ الْمُفارِقِ للجماعةِ إلى رحابِ الجماعةِ، باستئنافِ الحياةِ العاديّةِ وتركِ ما كان عليه من الفسادِ والإفسادِ، فإنّ ذلك من أوجبِ الواجباتِ وأسمى المهمّاتِ، وإفسادُ الدّينِ أقوى وأعظمُ من إفسادِ النّفسِ.

    علمًا أنّ البقاءَ على ما هم عليه يُفْضِي إلى مفاسدَ أخرى نخشى عواقِبَها، منها خشيةُ التّراجع عن التّوبةِ والعودةُ إلى القتالِ، وذلك مخالفٌ لقواعدِ الدّينِ وأصولِ الشّريعةِ -كما تقدّم-، ومن المخاوفِ -أيضاً- اغترارُ بعضِ النّاسِ ممّن تأذّى ولم يصبرْ على الأذى فيلتحق بهم، ففي الحديثِ: «مَنْ دَعَا إلى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»(٢٧)، ومن المخاوفِ الحاصلةِ -حقًّا-: انتقالُهم من أهلِ البغيِ إلى محارِبين، ذلك لأنّ شأنَ أهلِ البغيِ تجمع فيهم صفةُ الخروجِ عن طاعةِ الحاكمِ ويرومون خَلْعَه وتنحيتَه عن منصبِ الإمامةِ لتأويلٍ سائغٍ مع ما هم فيه من مَنَعَةٍ وشوكةٍ وقوّةٍ يحتاج الحاكمُ في ردِّهم إلى الطّاعةِ إلى إعدادِ رجالٍ ومالٍ وقتالٍ، فأهلُ البغيِ هم مسلمون مخالِفون لإمامِ الجماعةِ، ودليلُه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فقد اتّفق العلماءُ على أنّ الفئةَ الباغيةَ لا تخرجُ عنِ الإسلامِ ببغيِها، لأنّ القرآنَ وصفها بالإيمانِ مع مقاتلتِها للطّائفةِ العادلةِ، وحكمُها أنْ لا ضمانَ على البغاةِ فيما أتلفوه خلالَ القتالِ والحربِ من نفسٍ أو مالٍ فلا يُقْتَلُ مُدْبِرُهُمْ، ولا يُجْهَزُ على جريحهم، ولا تُغْنَمُ أموالُهم ولا تُسْبَى نساؤهم وذراريهم، وأنّ من قُتِلَ منهم غُسِّلَ وكُفِّنَ وصُلِّيَ عليه.

    وبالمقابلِ، فإنّ الطّائفةَ المقاتِلَةَ مع الإمامِ لا يضمنون -في قتالِهم- ما يُتْلِفونه من نفسٍ أو مالٍ ولا ما يُصيبونه منهم من جراحاتٍ، قال الإمامُ الزّهريُّ(٢٨): «كانتِ الفتنةُ العظمى بين النّاسِ وأصحابُ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم متوافِرون، وفيهم البدريّون، فأجمعوا على أنْ لا يقام حدٌّ على رجلٍ من أهلِ البغيِ بسبب جنايتِه في قتالِه لأهلِ العدلِ، كما لا يضمن ما أتلفه من مال لهم»؛ ولأنّ البغاةَ طائفةٌ مُمتنِعةٌ بتأويلٍ سائغٍ، فلم تضْمَنْ ما أتلفتْ على الأخرى كما لا يضمنُ أهلُ العدلِ؛ ولأنّ تضمينَ أهلِ البغيِ يُفضي إلى تنفيرِهم عن الرّجوعِ إلى الطّاعةِ فلا يُشْرَعُ كتضمينِ أهلِ الحربِ(٢٩)، وعلى هذا انعقد إجماعُ الصّحابةِ كما دلّ عليه كلامُ الإمامِ الزّهريِ، والإجماعُ حجّةٌ واجبةُ الأخذِ بموجَبِها.

    أمّا إذا اختلّتْ صفاتُ أهلِ البغيِ كأنْ تضعفَ قوّتُهم ويتفرّقَ جمعُهم، أو انتفى تأويلُهم أو بقي عندهم تأويلٌ فاسدٌ، فإنّهم مؤاخَذون بما يفعلونه ويضمنون ما يُتْلِفونه من نفسٍ ومالٍ، لأنّ المَنَعَةَ والشّوكةَ إنّما تكون بتجمُّعِهم، فإذا انعدمتْ انعدمتِ الوَلايةُ، ويبقى مجرّدُ تأويلٍ فاسدٍ لا يُعْتَدّ به كالخروجِ من أجلِ الدّنيا أو للحصولِ على الرّئاسةِ ومنازعةِ أولي الأمرِ أو لعصبيّتِه، فهذا الخروجُ يُعتبر محاربةً ويكون للمحارِبين حكمٌ آخرُ يخالف حُكْمَ الباغين(٣٠) في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣-٣٤].

    فدلّ هذا على سقوطِ الحدِّ عنِ التّائبين منهم قبل القدرةِ عليهم -أي: قبل القبضِ عليهم- من هذه العقوبةِ، ذلك لأنّ هذا الحدَّ ثبت حقًّا للهِ تعالى، فيسقطُ بتوبتِهم قبل القدرةِ عليهم لا بعدها، غيرَ أنّ حقوقَ الآدميّين لا تسقط عنِ المحارِبين، كالقصاصِ وضمانِ الأموالِ إلاّ إذا عفا عنهم أصحابُ الحقِّ، وهذا لا خلافَ فيه بين أهلِ العلمِ، بخلافِ أهلِ البغيِ فإنّهم لا يضمنون ما أتلفوه من مالٍ أو نفسٍ على ما تقدّم.

    فهذا موقفُ أهلِ السّنّةِ والجماعةِ يقابِلون جَوْرَ السّلطانِ بالصّبرِ والاحتسابِ، ولا يُقْدِمون على شيءٍ من المنهيّاتِ من حملِ السّلاحِ أو إثارةِ فتنةٍ أو نزعِ يدٍ عنِ الطّاعةِ، تحكيمًا للنّصوصِ والآثارِ لئلاّ تتخطّفَهم الشُّبَهُ ويستزلَّهم الشّيطانُ، بل يَعْزون ما حلّ بهم من جَوْرٍ إلى فسادِ أعمالِهم، و«الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ»(٣١)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].

    فيجتهدون في الاستغفارِ والتّوبةِ وإصلاحِ العملِ، ويسألون اللهَ عزّ وجلّ كشْفَ ما بهم من ضرٍّ، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].

    وأمّا الاستدلالُ بحديثِ أبي واقدٍ اللّيثيِّ في قصّةِ النّفرِ الذين سألوا رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم أنْ يجعلَ لهم ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ(٣٢) على عدمِ اشتراطِ أن يكونَ كلُّ المجاهدين عارفين بدينِهم وعقيدتِهم، فغيرُ ناهضٍ من وجوهٍ:

    • الوجهُ الأوّلُ: لا يظهر من هذه القصّةِ أنّ الصّحابةَ أرادوا عبادةَ هذه الشّجرةِ من دونِ اللهِ، ولكنْ لحداثةِ عهدِهم بالإسلامِ ظنّوا أنّ اتّخاذَ شجرةٍ لِيُعلِّقوا عليها أسلحتَهم ولِيتبرّكوا بها لا يُنافي التّوحيدَ فلم يكنْ قصدُهم عبادةَ الشّجرةِ -كما يفعلُه القبوريّون- لذلك بيّن لهم أنّ طلبَهم يضادُّ التّوحيدَ، فهو بمنزلةِ الشّركِ الصّريحِ، وإن خلا طلبُهم من صلاةٍ أو صيامٍ أو صدقةٍ.

    فالقصّةُ تُفيد -إذن- لزومَ التّعلُّمِ والتّحرّزِ في السّفرِ والحضرِ، لئلاّ يقعَ الموحِّدُ العالِمُ -فضلاً عن العامّيِّ- في أنواعِ الشّركِ من حيث لا يدري.

    • الوجهُ الثّاني: أنّ الحديثَ يدلّ على أنّ بقيّةَ الصّحابةِ الذين كانوا مع النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم في غزوتِه -وهم الغالبُ- لم يتعلّقوا بهذه العادةِ الشّركيّةِ الباطلةِ، وإن وُجِدَ عند نفرٍ منهم على ظنِّ أنّ ذلك حَسَنٌ فلكونِهم حدثاءَ عهدٍ بالكفرِ وقريبِي عهدٍ بالشّركِ، ولا يخفى أنّ المتنقّل من عاداتٍ قبيحةٍ أو باطلةٍ اعتاد عليها وتعلّق بها قلبُه لا يأمن أن يستصحبَ بقاياها، ومع ذلك فوجودُه في آحادِهم لا يضرّ لعدمِ اتّساعِه بقيامِ داعي تصفيةِ ما عَلِقَ بهم من عادةٍ شركيّةٍ بسدِّ الذّرائعِ إليها، فضلاً عن تعليمِهم لدينِهم وتربيتِهم على التّوحيدِ السّليمِ.

    • الوجهُ الثّالثُ: ولأنّ غزوةَ حُنَيْنٍ إنّما كانتْ في أُخْرَيَاتِ غزواتِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم، وبالضّبطِ في شوالٍ من سنةِ ثمانٍ من الهجرةِ قبل وفاتِه صلّى الله عليه وآلِه وسلّم بحوالَيْ ثلاثِ سنواتٍ تقريبًا، ومعلومٌ في فقهِ السّيرةِ أنّ أسسَ المجتمعِ الإسلاميِّ الرّبانيِّ الرّاشدِ قدِ اكتملتْ دعائمُه وأُقِيمَ بناؤُه؛ ولو وُجِدَتْ بقايَا من عاداتٍ باطلةٍ فهي آيلةٌ إلى الزّهوقِ والزّوالِ، ولا تأثيرَ لها على صلاحِ القاعدةِ المؤسَّسةِ على تقوى من اللهِ والاعتصامِ بحبلِه المتينِ.

    • ومِن ناحيةٍ أخرى: فالقصّةُ تُفيد أنّ أمْرَ الجهادِ إنّما يكون مع أولي الأمرِ من المسلمين، كما هو واضحٌ من ذاتِ القصّةِ فضلاً عن وضوحِ الرّايةِ الشّرعيّةِ وسابقيّةِ التّربيةِ الرّبانيّةِ من العُدّةِ الإيمانيّةِ والماديّةِ لتحقيقِ إقامةِ شرعِ اللهِ تعالى ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩].

    وأخيرًا، فإنّ الصّبرَ على ولاةِ الأمورِ -وإن جاروا- من عزائمِ الدّينِ، ومن وصايا الأئمّةِ النّاصحين.

    وأسأل اللهَ عزّ وجلّ أن يُثَبِّتَ الصّالِحَ على ما هو عليه، وأن يَهْدِيَ الضالَّ إلى الرجوع عمَّا كان عليه، وأن يتقبّلَ توبةَ الفاسقِ ورجوعَ الضّائعِ، وأن يفتحَ علينا جميعًا بالاعتصامِ بحبلِه المتينِ، وأن يُقوّيَنا على طاعتِه، ويُعينَنا على التّعاونِ على البرِّ والتّقوى، والتّواصي بالحقِّ والصّبرِ، وسيجعلُ اللهُ بعد عسرٍ يسرًا، إنّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

    وصلّى اللهُ على محمّد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين.



    ١٤٢٤ﻫ / ٢٠٠٣م.


    (١) «فتح الباري» لابن حجر: (١٣/ ٧).

    (٢) «شرح مسلم» للنّووي: (١١/ ٢٢٩).

    (٣) «الدّرر السّنيّة في الأجوبة النّجديّة»: (٧/ ٢٣٩).

    (٤) أخرجه البخاريّ: (١٣/ ٥) في «الفتن»، باب قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»، وفي «الأحكام»، باب السّمع والطّاعة للإمام ما لم تكن معصية؛ ومسلم: (١٢/ ٢٣٩) في «الإمارة»، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.

    (٥) المصدران السابقان.

    (٦) انظر «العزلة» للخطاّبيّ: (٥٧).

    (٧) «منهاج السّنّة النّبويّة» لابن تيميّة: (٥/ ١٣٤).

    (٨) «تفسير الطّبريّ»: (٥/ ١٥٠).

    (٩) أخرجه مسلم: (١٢/ ٢٣٨) في «الإمارة»، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.

    (١٠) أخرجه البخاريّ: (١٣/ ١٢١) في «الأحكام»، باب السّمع والطّاعة للإمام، وفي «الجهاد»، باب السّمع والطّاعة للإمام، ومسلم: (١٢/ ٢٢٦) في «الإمارة»، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.

    (١١) أخرجه البخاريّ: (١٣/ ١٢٢) في «خبر الواحد»، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصّدوق، وفي «المغازي»، باب سريّة عبد الله بن حذافة السّهميّ وعلقمة بن مجزّز، وفي «الأحكام»، باب السّمع والطّاعة للإمام ما لم تكن معصية؛ ومسلم: (١٢/ ٢٢٦) في «الإمارة»، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.

    (١٢) أخرجه البخاريّ: (١٠/ ٤٦٥) في «الأدب»، باب ما ينهى من السّباب واللّعن، من حديث ثابت بن الضّحّاك رضي الله عنه.

    (١٣) أخرجه البخاريّ: (١/ ١١٠) في «الإيمان»، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وفي «الأدب»: (١٠/ ٤٦٤)، باب ما ينهى من السّباب واللّعن؛ ومسلم في «الإيمان»: (٢/ ٥٤)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

    (١٤) أخرجه التّرمذيّ: (٤/ ٣٥٠) في «البرّ والصّلة»، باب ما جاء في اللّعنة؛ وصحّحه الحاكم: (١/ ١٢) والألبانيّ في «الصّحيحة»: (٣٢٠) وفي «صحيح التّرمذيّ»: (٢/ ٣٧٠)؛ وقوّى إسناده الأرناؤوط في «شرح السّنّة»: (١٣/ ١٣٤).

    (١٥) أخرجه ابن ماجه: (١/ ٦١) في «المقدّمة»، باب في ذكر الخوارج، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. والحديث صحّحه الألبانيّ في «صحيح ابن ماجه»: رقم (١٤٢)، وفي «صحيح الأدب المفرد»: (٥٩٩/ ٧٧٤)، وفي «ظلال الجنّة»: رقم (٩٤٣).

    (١٦) ذكره الهيثميّ في «مجمع الزّوائد» (٧/ ٢٢٨) وقال: «رجالهما رجال الصّحيح غيرُ عبّادِ بنِ زاهرٍ وهو ثقة»، وقال ابن الأثير في «النّهاية» (٥/ ٨٠): «كان أعداء عثمانَ رضي الله عنه يسمّونه نعثلا تشبيهًا برجلٍ من مصرَ، كان طويلَ اللّحيةِ اسمُه نعثل، وقيل: النّعثل الشّيخُ الأحمق وذكَرُ الضّباع».

    (١٧) «شرح السّنّة» للبربهاريّ: (٦٠).

    (١٨) هذا جزء من حديث أخرجه التّرمذيّ: (٥/ ٣٤) في «العلم»، باب في الحثّ على تبليغ السّماع، قال التّرمذيّ: «حديث حسن صحيح»، وروى هذا الأصلَ بضعةٌ وعشرون صحابيًّا وهو معدودٌ من المتواتر كما بيّنه الكتّانيّ في «نظم المتناثر»: (٢٤-٢٥). (انظر «سلسلة الأحاديث الصّحيحة» للألباني: رقم (٤٠٤).

    (١٩) «مفتاح دار السّعادة» لابن القيّم: (١/ ٢٧٧-٢٧٨).

    (٢٠) «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة: (١/ ١٨-١٩).

    (٢١) المصدر السّابق: (٣٥/ ١٢).

    (٢٢) هذا الأسلوب إنّما يُتوَخَّى في المجال الدّعويّ والتّعليميّ والإعلاميّ، أو في إطار النّصيحة، أمّا من ظهرتْ بدعتُه، واستقرّتْ، وقامت دعوتُه عليها، ونافح عنها؛ فالمعروفُ من مذهب السّلف أنّه يجب زجرُه بهجرِه، والتّحذيرُ منه حتمٌ لازمٌ.

    (٢٣) انظر هذه القاعدة في: «الأشباه والنّظائر» لابن الوكيل: (١/ ٣٥٠)، «المنثور» للزّركشيّ: (٢/ ٢٩٧)، «الأشباه والنّظائر» للسّيوطيّ: (١٥٢)، «إيضاح المسالك» للونشريسيّ: (٣١٥)، «قواعد ابن رجب»: (٢٣٠)، «الأشباه والنّظائر» لابن السّبكيّ: (١/ ١٧٠).

    (٢٤) «مدارج السّالكين» لابن القيّم: (٢/ ٤٩٦).

    (٢٥) انظر: «تفسير القرطبيّ»: (٤/ ٢٩٤).

    (٢٦) أخرجه أبو داود: (٤/ ٥١٥) في «الملاحم»، باب الأمر والنّهي، من حديث العرس بن عميرة الكنديّ رضي الله عنه، وحسّنه الألبانيّ في «صحيح سنن أبي داود»: (٣/ ٣٨)، وفي «المشكاة»: (٥١٤١).

    (٢٧) جزء من حديث أخرجه مسلم: (١٦/ ٢٢٧) في «العلم»، باب من سنّ سنّة حسنة أو سيّئة؛ وأبو داود، (٥/ ١٥) في «السنّة»، باب لزوم السنّة؛ والترمذي: (٥/ ٤٣) في «العلم»، باب فيمن دعا إلى هدى؛ وابن ماجه: (١/ ٧٥) في «المقدّمة»، باب من سنّة سنّة حسنة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    (٢٨) هو «أبو بكر محمّدُ بنُ مسلمِ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ شهابٍ الزّهريُّ القرشيُّ المدنيُّ، نزيل الشّام، أحد التّابعين الأعلام المشهورين بالإمامة والجلالة، كان حافظ زمانه، عالمًا في الدّين والسّياسة، انتهت إليه رئاسة العلم في وقته، له روايات كثيرة، تُوُفِّيَ سنة (١٢٤هـ/ ٧٤١م)». انظر ترجمته في المصادر المثبتة على هامش «مفتاح الوصول» للتّلمسانيّ بتحقيقي: (٣٢٥).

    (٢٩) انظر: «المغني» لابن قدامة: (٨/ ١١٣).

    (٣٠) انظر: «مغني المحتاج» للشّربينيّ: (٤/ ١٢٤)، و«حاشية الدّسوقيّ»: (٤/ ٣٠٠).

    (٣١) هي قاعدة مطّردة شهد لها القرآن والسّنّة في مواضعَ كثيرةٍ منها قولُه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشّورى: ٤٠] وقولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾[النحل ١٢٦] وقولُه تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾[النبأ ٢٦] أي: «وَفْقَ أعمالِهم». انظر: «إعلام الموقّعين» لابن القيّم: (١/ ١٩٦).

    (٣٢) أخرجه التّرمذيّ: (٤/ ٤٧٥) في «الفتن»، باب ما جاء «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»؛ وأحمد: (٥/ ٢١٨) من حديث أبي واقدٍ اللّيثيّ رضي الله عنه. قال التّرمذيّ : «حسن صحيح»، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح سنن التّرمذيّ»: (٢/ ٤٦٥)؛ وفي «المشكاة»: (٥٣٦٩).

    تعليق


    • #3
      مقال للشيخ العلامة فركوس حفظه الله:
      في حكم التشهير بالحكام والتشنيع عليهم
      الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

      فلا يخفى أنَّ مِنْ وراءِ نَصْبِ إمامِ المسلمين العدلِ القادرِ على تَحمُّلِ الأمانةِ العُظْمى فوائدَ عامَّةً ومَنافِعَ كُبْرَى على جميعِ مَناحي الحياةِ وكافَّةِ الأَصْعِدَة، ومِنْ أَعْظَمِ تلك المَنافِعِ وأَوْلاها على الإطلاقِ إقامةُ شَرْعِ اللهِ تعالى وأَمْرِه وجَعْلُه مُهَيْمِنًا على كافَّةِ الشرائع الوضعية والدساتيرِ القانونية ليَشْمَلَ جميعَ سُبُلِ الحياة؛ فإنَّ ذلك ـ بلا شكٍّ ـ مَطْلَبٌ أساسيٌّ وعزيزٌ تَأْمَلُه الرعيَّةُ وينشده كُلُّ مسلمٍ غيورٍ على دِينِه يُؤْمِنُ بالله ربًّا وبمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم نبيًّا وبالإسلام دِينًا؛ لِمَا في حُكْمِ الله تعالى وبَسْطِ أَمْرِه مِنْ تحقيقِ العبودية لله وَحْدَه، وحِفْظِ الدِّينِ والأخلاق والحقوق، وإقامةِ الحدود، وصيانةِ الأعراض، وإزالةِ الظلم بمُخْتَلَفِ مَظاهِرِه، ونَشْرِ الفضيلةِ وقَمْعِ الرذيلة، على أساسِ العدل والشورى والمُساواةِ وَفْقَ الشريعةالإسلامية؛ وذلك لأنَّ في صلاحِ الإمامِ صلاحَ العِبادِ والبلاد، قال تعالى:﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١﴾ [الحج]؛ فهذه مُنْيَةُ الرعيَّةِ المسلمةِ تَأْمَلُها وترجو تحقيقَها في حياةِ الناس؛ فكان مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ إمامٌ عدلٌ يجتمع عليه الناسُ ويرضَوْن عنه ويُحِبُّونه ويُحِبُّهم ويدخل في عِدَادِ مَنْ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه(١)، ولكِنْ قد تُعْقَدُ الإمامةُ ـ أيضًا ـ لِمَنْ تَلينُ لهم الجلودُ ولا تَطْمَئِنُّ إليهم القلوبُ، أو إلى حُكَّامٍ تَشْمئِزُّ منهم القلوبُ وتَقْشعِرُّ منهم الجلودُ(٢) مِنْ أهلِ الجَوْرِ والظلم والفساد، وأهلِ الغَلَبةِ والقهر والسلطان، تلك هي سنَّةُ اللهِ جاريةً في خَلْقه.

      وفي هذه الأحوال، ومِنْ مُقْتضَيَاتِ الإيمانِ وجوبُ طاعةِ وُلَاةِ الأمورِ على ما هُمْ عليه مِنْ عدلٍ أو جَوْرٍ كما نصَّتْ عليه الأحاديثُ الكثيرةُ في هذا الباب، وليس معنى ذلك أَنْ تكون الطاعةُ مُطْلَقةً، وإنما هي مُقيَّدةٌ بالمعروف دون معصيةٍ، فإِنْ كان وليُّ الأمرِ يأمر بالمَعاصي ومُحْدَثاتِ الأمورِ مِنَ البِدَعِ والضلالات والفساد، يُجيزُ إظهارَها والترويجَ لها؛ فإنه لا طاعةَ له في المعصيةلقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ»(٣)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(٤).

      وضِمْنَ موقفِ أهل السنَّة مِنَ الإمام الحاكم قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «أنهم لا يُوجِبون طاعةَ الإمامِ في كُلِّ ما يأمر به، بل لا يُوجِبون طاعتَه إلَّا فيما تَسوغُ طاعتُه فيه في الشريعة؛ فلا يُجوِّزون طاعتَه في معصيةِ الله وإِنْ كان إمامًا عادلًا، وإذا أَمَرَهم بطاعةِ الله فأطاعوه ـ مِثْلَ أَنْ يأمرهم بإقامةِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة والصدق والعدل والحجِّ والجهاد في سبيل الله ـ فهُمْ في الحقيقةِ إنما أطاعوا اللهَ، والكافرُ والفاسق إذا أَمَرَ بما هو طاعةٌ لله لم تَحْرُمْ طاعةُ اللهِ ولا يَسْقُطُ وجوبُها لأجلِ أَمْرِ ذلك الفاسقِ بها، كما أنه إذا تَكَلَّمَ بحقٍّ لم يَجُزْ تكذيبُه ولا يَسْقُطُ وجوبُ اتِّباعِ الحقِّ لكونه قد قالَهُ فاسقٌ؛ فأهلُ السنَّةِ لا يُطيعون وُلَاةَ الأمورِ مطلقًا، إنما يُطيعونهم في ضِمْنِ طاعةِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩]»(٥).

      ولذلك وَجَبَ التفريقُ بين أَنْ يكون وليُّ الأمرِ فاسقًا في ذاتِه ظالمًا جائرًا في نَفْسِه، وبين أَنْ يأمر بمَعْصيةٍ أو يَنْشُرَها ويُروِّجَ لها؛ فإنَّ طريقةَ أهلِ السنَّة السلفيِّين في الإنكار على وُلَاةِ الأمرِ ومَوْقِفَهم مِنْ إبداءِ النصيحةِ لهم هي وَسَطٌ بين الخوارجِ والروافض، حيث إنَّ الخوارج والمعتزلة يُجيزون الخروجَ على الحاكم إذا فَعَلَ مُنْكَرًا، بينما الروافضُ يَكْسُون حُكَّامَهم ثوبَ القداسة، ويُنْزِلونهم مرتبةَ العصمة؛ أمَّا سبيـلُ أهلِ السنَّة والجماعة السلفيِّين فوجوبُ الإنكار، لكِنْ بالضوابط الشرعية الواردةِ في السنَّة المطهَّرة التي كان عليها سَلَفُ الأُمَّة.

      فمَنْهَجُ أهلِ السنَّة والجماعة في مُناصَحةِ وُلَاةِ الأمر فيما صَدَرَ منهم مِنْ مُنْكَراتٍ أَنْ يُنـاصِحُوهم بالخطاب وعظًا وتخويفًا مِنْ مَقامِ الله تعالى وبالسرِّ وبالرِّفق لقوله تعالى ـ مُخاطِبًا موسى وهارون عليهما السلام حين أَرْسَلَهما إلى فرعون ـ: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤﴾ [طه]، هذا إِنْ وصلوا إليهم، أو بالكتابة والوساطة إِنْ تَعَذَّرَ الوصولُ إليهم؛ إذ الأصلُ في وَعْظِهم أَنْ يكون سِرًّا، وإذا طلبوا تقديمَ النصيحةِ أمامهم عَلَنًا وفَتَحوا على أَنْفُسهم بابَ إبداءِ الرأي والانتقادِ وأَذِنوا فيه؛ فيجوزُ نصيحتُهم بالحقِّ مِنْ غيرِ هَتْكٍ للأستار ولا تعييرٍ لمُنافاتِهما للجانب الأخلاقيِّ، ولا خروجٍ ـ بالقول أو الفعل ـ لمُخالَفتِه لمنهج الإسلام في الحكم والسياسة، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «وقال جماهيرُ أهلِ السنَّةِ مِنَ الفُقَهاءوالمُحدِّثين والمتكلِّمين: لا ينعزل بالفسق والظلمِ وتعطيلِ الحقوق، ولا يُخْلَعُ ولا يجوز الخروجُ عليه بذلك، بل يجب وَعْظُه وتخويفُه للأحاديثِ الواردةِ في ذلك»(٦)، مع تحذيرِ الناسِ مِنْ هذه المُنْكَراتِ والبِدَعِ والمَعاصي عمومًا دونتعيينِ الفاعل أو الإشارةِ إليه أو تخصيصِ بعضِ صفاته التي يُعْرَفُ بها، كالتحذير مِنَ الزِّنا والرِّبا والظلمِ وشُرْبِ الخمر ومُحْدَثات الأمور ونحوِها عمومًا مِنْ غيرِ تعيينٍ، أي: يكفي الإنكارُ على المَعاصي والبِدَعِ والتحذيرُ منها دون تعيينِ فاعِلِها بالسبِّ أو اللعن أو التقبيح؛ فإنه يُفْضي إلى الحرمان مِنَ الخير والعدل، قال بعضُ السلف: «ما سَبَّ قومٌ أميرَهم إلَّا حُرِموا خيرَه»(٧)، وقال آخَرُ: «مَنْ لَعَنَ إمامَه حُرِمَ عَدْلَه»(٨).

      ومعنى ذلك أنَّ أهل السنَّةِ السلفيِّين يُنْكِرون ما يأمر به الإمامُ مِنَ البِدَعِ والمَعاصي ويُحذِّرون الناسَ منها ويأمرونهم بالابتعاد عنها مِنْ غيرِ أَنْ يكون إنكارُهم على وُلَاةِ الأمور في مَجامِعِ الناسِ ومَحافِلِهم، ولا على رؤوسِ المَنابِرِ ومَجالِسِ الوعظ، ولا التشهيرِ بعيوبهم ولا التشنيعِ عليهم في وسائلِ الإعلام بأنواعها المُخْتَلِفةِ: المَرْئيَّةِ والمسموعةِ والمكتوبة، بالكتابة في الصُّحُف والمَجَلَّات أو بالصُّوَرِ الكاريكاتورية ونحوِ ذلك؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى تأليبِ العامَّة، وإثارةِ الرَّعاع، وإيغارٍ لصدور الرعيَّة على وُلَاةِ الأمور وإشعالِ الفتنة، ويُوجِبُ الفُرْقةَ بين الإخوان، وهذه النتائجُ الضارَّةُ يأباها الشرعُ وينهى عنها، و«كُلُّ مَا يُفْضِي إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، و«الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ»، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «إنَّ أوَّلَ نِفاقِ المرءِ طَعْنُه على إمامه»(٩)، وقال أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: «نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ وَلَا تَغِشُّوهُمْ(١٠) وَلَا تَبْغَضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الأَمْرَ قَرِيبٌ»»(١١)، وضِمْنَ هذا المعنى قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «مذهبُ أهلِ الحديث: تَرْكُ الخروجِ بالقتال على الملوك البُغاةِ والصبرُ على ظُلْمِهم إلى أَنْ يَسْتريحَ بَرٌّ أو يُسْتراحَ مِنْ فاجرٍ»(١٢).

      فكان منهجُ أهلِ السنَّةِ السلفيِّين: جَمْعَ قلوبِ الناسِ على وُلَاتهم، والأمرَ بالصبر على ما يَصْدُرُ عنهم مِنْ ظُلْمٍ للعباد أو استئثارٍ بالمال، والدعاءَ لهم بالصلاح والعافية؛ ففي ذلك لزومُ جماعةِ المسلمين وإمامِهم وعدمُ الشذوذِ عنهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩﴾ [الأنعام]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ»(١٣).

      ولزومُ الإمام والجماعةِ هو حَبْلُ اللهِ الذي أَمَرَ اللهُ بالاعتصام به كما جاء عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه(١٤) في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢ وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣﴾ [آل عمران]، وفي الحديث:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: «لِمَنْ؟» قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(١٥)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ المَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»(١٦).

      ويُشْتَرَطُ في الآمرِ بالمعروف والناهي عن المُنْكَرِ: أَنْ يكون على علمٍ بما يأمر به وما ينهى عنه، موضوعًا وزمنًا ومكانًا واستعدادًا، وأَنْ يكون رفيقًا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرًا على ما يَلْقاهُ مِنَ الأذى، سواءٌ مِنْ حاكمٍ أو محكومٍ، قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [العصر]، وقال تعالى ـ حاكيًا قولَ لقمانَ الحكيمِ لابنه وهو يَعِظُه ـ: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ﴾ [لقمان: ١٧].

      وأَخْتِمُ بقولِ عمرِو بنِ العاصِ لابنه رضي الله عنهما: «يا بُنَيَّ، احْفَظْ عنِّي ما أُوصِيكَ به: إمامٌ عدلٌ خيرٌ مِنْ مَطَرٍ وَبْلٍ، وأَسَدٌ حَطومٌ خيرٌ مِنْ إمامٍ ظَلومٍ، وإمامٌ ظَلومٌ غَشومٌ خيرٌ مِنْ فتنةٍ تدوم»(١٧).

      والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.



      الجزائر في: ٢٦ ربيع الأوَّل ١٤٣٤ﻫ
      الموافق ﻟ: ٠٧ فبراير ٢٠١٣م





      (١) للحديث المُتَّفَقِ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «الحدود» بابُ فضلِ مَنْ تَرَك الفواحشَ(٦٨٠٦)، ومسلمٌ في «الزكاة» (١٠٣١)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظُه: «سَبْعَةٌيُظِلُّهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍإِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ».

      (٢) انظر: «السنَّة» لابن أبي عاصم (١٠٧٧).

      (٣) أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ السمعِ والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٤)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٣٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنه.

      (٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ السمعِ والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

      (٥) «منهاج السنَّة النبوية» لابن تيمية (٣/ ٣٨٧).

      (٦) «شرح مسلم» للنووي (١٢/ ٢٢٩).

      (٧) انظر: «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٢١/ ٢٨٧).

      (٨) انظر: «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (٩/ ٣٤٢).

      (٩) «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٢١/ ٢٨٧).

      (١٠) غَشَّ صَدْرُه يَغِشُّ غِشًّا: غَلَّ مِنَ الغِلِّ، [انظر: «لسان العرب» لابن منظور (٦/ ٣٢٣)].

      (١١) «السنَّة» لابن أبي عاصم (١٠١٥)، «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٢١/ ٢٨٧).

      (١٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٤/ ٤٤٤).

      (١٣) أخرجه الترمذيُّ في «الفِتَن» بابُ ما جاء في لزوم الجماعة (٢١٦٥) مِنْ حديثِ عمر ابنِ الخطَّاب رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٥٤٦).

      (١٤) عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّهُمَا حَبْلُ اللهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الطَّاعَةِ وَالجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ» [أخرجه الطبرانيُّ في «الكبير» (٩/ ١٩٨)، والآجُرِّيُّ في «الشريعة» (١٧)، واللَّالَكائيُّ في «شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة» (١/ ١٢١)].

      والأثر ـ وإِنْ وَرَدَ ضعيفًا كما في «الضعيفة» للألباني (١٢/ ٧٤٢) ـ إلَّا أنَّ مَعْناهُ صحيحٌ لا يخرج مِنْ عمومِ تفسيرات السلف لمَعْنَى «حبل الله» منها: تفسيرُ «حبل الله» بالقرآنلِمَا روى مسلمٌ (٢٤٠٨) عن زيد بنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه مرفوعًا: «كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ»؛ ذلك لأنَّ القرآنَ الكريمَ يأمر بالاعتصام بالإسلام، وإنما يكون ذلك بلزومِ جماعة المسلمين وإمامِهم، قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«منهاج السنَّة النبوية» (٥/ ١٣٤)]: «وقد فُسِّر «حَبْلُه» بكتابه وبدِينِه وبالإسلام وبالإخلاص وبأمرِه وبعهده وبطاعته وبالجماعة؛ وهذه كُلُّها منقولةٌ عن الصحابةوالتابعين لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، وكُلُّها صحيحةٌ؛ فإنَّ القرآن يأمر بدِينِ الإسلام، وذلك هو عَهْدُه وأَمْرُه وطاعتُه، والاعتصامُ به جميعًا إنما يكون في الجماعة، ودِينُ الإسلام حقيقتُه الإخلاصُ لله».

      (١٥) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٥٥) مِنْ حديثِ تميمِ بنِ أوسٍ الداريِّ رضي الله عنه.

      (١٦) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٥)، وأحمد في «مسنده» (٨٧٩٩) واللفظُ له، مِنْحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. ولم تَرِدْ عند مسلمٍ جملةُ: «وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ».

      (١٧) انظر: «الآداب الشرعية» لابن مُفْلِح (١/ ١٧٦)

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا وبارك فيك أخي ناصر وحفظ الله شيخ شيوخنا وألبسه لباس الصحة والعافية.

        تعليق

        الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
        يعمل...
        X