إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أَحْكَامُ السِّقْطِ.. بِحُلَّةٍ جَدِيدَةٍ وَ زِيَادَاتٍ نَافِعَةٍ مُفِيدَة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أَحْكَامُ السِّقْطِ.. بِحُلَّةٍ جَدِيدَةٍ وَ زِيَادَاتٍ نَافِعَةٍ مُفِيدَة

    أَحْكَامُ السِّقْطِ..بِحُلَّةٍ جَدِيدَةٍ وَ زِيَادَاتٍ نَافِعَةٍ مُفِيدَة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .
    ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ[آل عمران: ١٠2] ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ [ النساء: ١]
    ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، أمَّا بعد :
    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، و بعد :
    فلمَّا رأيتُ مسألة السِّقط و ما يتعلَّقُ بها من أحكامٍ، من المسائل التي عمَّت بها البلوى، و اشتدَّت الحاجة إلى معرفة أحكامها الشرعية سواءٌ منها المتعلِّقة بالسِّقط نفسه، أو المتعلِّقة بأُمِّه، عزمت أمري على كتابة هذه الرِّسالة مُجتهدًا في تجليةِ بعض ما خفي من هذه الأحكام مُقتصرًا على الأهمِّ فالمهمِّ من ذلك، مستفيدًا ذلك من كلام علماء الأمة و فقهاء الملة و أرباب المذاهب المتبوعة الذين اعتمدَت الأمة أقوالهم في مسائل الإجماع و الخلاف، عسى أن يجد فيها الباحث بغيته، و المسترشد حاجته .
    و لقد بذلتُ فيه جُهدًا متواضعًا بحسب علمي القاصر و بضاعتي المزجاة .
    كما حرِصت على نقل أقوال أصحاب المذاهب بألفاظها، معزوَّةً إلى مصادرها، في أغلب المسائل، تسهيلًا على القارئ أمر الوقوف عليها، مُعتمدًا على أمهات المصادر الفقهية في كلِّ مذهب، كما أني في كثير من المواضع لا أذكر إلا أدلة القول الذي أراه راجحًا طلبًا للاختصار، و خشية التَّطويل الذي لا تحتمله هذه الرسالة مُستفيدًا من ترجيحات المُحقِّقين من الفقهاء و علماء السنة المعاصرين كالعلامة العثيمين و العلامة ابن باز و العلامة الألباني و العلامة الفوزان و غيرهم .
    هذا؛ و قد أعرَضتُ عن ذكرِ بعض التفريعات و التفاصيل الدَّقيقة للعلَّة السابقة .
    فأرجو أن أكون قد وُفِّقت لشيءٍ ينتفع به أهل الإسلام أجد ثوابه مُدخرًا لي يوم لقاء ربي .
    و قد جعلت الرسالة في ثلاثة مباحث أساسيَّة، يشتمل المبحث الثاني و الثالث منها على عددٍ من المسائل المهمة، على النَّحو التَّالي:
    المبحث الأول: تعريفُ السِّقط .
    المبحث الثاني: أحكام تتعلق بالسِّقط نفسه، و فيه ستُّ مسائل .
    المسألة الأول: تسمية السِّقط .
    المسألة الثانية: تغسيل السِّقط و تكفينه .
    المسألة الثالثة: الصَّلاة على السِّقط .
    المسألة الرَّابعة: العقيقة عن السِّقط .
    المسألة الخامسة: إذا أُسقِط الجنين بسبب الجناية على أُمِّه، و فيها ثلاثة فروع:
    الفرع الأوَّل: على من تجب دية الجنين ؟
    الفرع الثَّاني: لمن تكون ديَّة الجنين ؟
    الفرع الثالث: هل تجبُ على الجاني مع ديَّة الجنين كفارة؟
    المسألة السادسة: ميراث السِّقط .
    المبحث الثالث: أحكام تتعلق بأمِّ السِّقط، و فيه ثلاث مسائل:
    المسألة الأولى: حكم الدَّم النَّازل من المرأة بعد الإسقاط .
    المسألة الثَّانية: هل تنقضي عدَّة الحامل بوضع السِّقط.
    المسألة الثالثة: حكم إجهاض المرأة .
    أسأل الله تعالى العليَّ القدير بمنِّه و كرمه أن يتقبَّل منِّي هذا العمل، و أن يُبارك فيه و ينفع به، و أن يُوفِّقني للمواصلة و الجدِّ و الاجتهاد في طلب علم الكتاب و السنة، إنه وليُّ ذلك و القادر عليه .
    كتبه: أبو بسطام إبراهيم بويران الأخضري الجزائري
    عفا الله عنه و غفر له و لوالديه و لمشايخه و لجميع المسلمين .
    بودربالة- الأخضرية- الجزائر .







    المبحث الأول
    * تعريفُ السِّقط *
    السِّقط لغة: من سَقَطَ الولد من بطن أمه سُقُوطاً فهو سِقْطٌ بالكسر والتثليث لغة، ولا يقال وقع، و يُقال: أَسْقَطَتِ الحامل بالألف: ألقت سِقْطًا([1]).
    و أمَّا السِّقط في الاصطلاح: فهو الولد تضعه المرأة ميتًا أو لغير تمام ([2])
    وقد ورد ذكرُ السِّقط في القرآن الكريم في موضعين، على خلاف بين المفسِّرين في كونِه هو المراد .
    أما الموضع الأوَّل: ففي سورة « الرَّعد » و ذلك في قوله تعالى: ﭐﱣﭐ [الرعد:8] .
    قال ابن العربي في " أحكام القرآن " (5/94):« وَقَدْ تَبَايَنَ النَّاسُ فِيهَا فِرَقًا ، أَظْهَرُهَا تِسْعَةُ أَقْوَالٍ..» فذكر الأول ثم قال:
    « الثَّانِي : ﭐﱣﭐ : مَا تُسْقِطُ ، وَمَا تَزْدَادُ ، يَعْنِي عَلَيْهِ إلَى التِّسْعَةِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ ..» ثم ذكر بقية الأقوال .
    وذكر نحوًا من هذه الأقوال السُّيوطي في " الدُّر المنثور " (4/609) وعزا تفسير غيض الأرحام بالسٍّقط إلى ابن عباس و كذا الحسن، و نقلها عنه العلامة الشنقيطي رحمه الله في " أضواء البيان " (3/94-97) قائلًا:« اختلف العلماء في المراد بقوله: ﭐﱣﭐ ، وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل صاحب " الدر المنثور في التفسير بالمأثور "، فذكرها، وزاد عليها ثلاثة أقوال، ثم قال رحمه الله: « قال مقيده عفا الله عنه: مرجع هذه الأقوالِ كلِّها إلى شيءٍ واحدٍ، وهو أنه تعالى عالمٌ بما تُنقصه الأرحام وما تزيده؛ لأنَّ معنى تغيض: تنقص، وتزداد أي: تأخذه زائدًا، فيشمل النَّقص المذكور، نقص العدد، ونقص العضو من الجنين، ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلَّص، ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد.. »انتهى .
    و قال العلامة ابن القيم رحمه الله بعد أن ساق أقوال المفسرين في معنى الآية كما في " تحفة المودود " (ص381-382): « و التَّحقيق في معنى الآية: أنه يعلم مدة الحمل وما يعرض فيها من الزِّيادة والنقصان.. فهو سبحانه المنفرد بعلم ما في الرَّحم، وعلم وقت إقامته فيه، وما يزيد من بدنه وما ينقص .
    وما عدا هذا القول، فهو من توابعه ولوازمه، كالسِّقط والتَّام..»انتهى .
    الموضع الثاني: في سورة « الحج » وذلك في قوله تعالى: ﭐﱣ ﭐ ﱿ [الحج:4-5] .
    قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية: « اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﭐﱣ ﭐ ، فقال بعضهم: هي من صفة النطفة، قال: ومعنى ذلك: فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخلَّقة وغير مخلقة قالوا: فأما المخلقة فما كان خلقًا سَوِيًّا وأمَّا غيرُ مخلَّقة، فما دفعته الأرحام، من النُّطف، وألقته قبل أن يكون خلقًا.. .
    وقال آخرون: معنى ذلك: تامَّة وغير تامَّة.. .
    وقال آخرون: معنى ذلك المضغة مصوَّرة إنسانًا وغير مصوَّرة، فإذا صُوِّرت فهي مخلَّقة وإذا لم تُصوَّر فهي غير مخلقة...
    و أسند إلى مجاهد قوله: ﱣ ﭐ السِّقط، مخلوق وغير
    مخلوق، و ذكر مثله عن أبي العالية، ثم قال:
    وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: المخلَّقة المصورة خلقًا تامًّا، وغير مخلَّقة: السِّقط قبل تمام خلقه، لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة والنطفة بعد مصيرها مضغة، لم يبق لها حتى تصير خلقا سويا إلا التصوير، وذلك هو المراد بقوله: ﭐﱣ ) خلقًا سويًّا، ﭐﱣ ﭐ بأن تلقيه الأم مضغةً ولا تُصوَّر ولا ينفخ فيها الروح »([3]) .
    و إلى هذا القول ذهب ابن كثير في " تفسيره" فقال في قوله تعالى:« ﭐﱣ ﭐ ذلك أنه إذا استقرَّت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يومًا كذلك، يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقةً حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير مضغة -قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط-ثم يشرع في التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس ويدان، وصدر وبطن، وفخذان ورجلان، وسائر الأعضاء، فتارة تُسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط؛ ولهذا قال تعالى: ﭐﱣ ﭐ أي: كما تشاهدونها، ﱣﭐ [الحج:5] أي: وتارة تستقرُّ في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﭐﱣ ﭐ قال: هو السِّقط مخلوق وغير مخلوق »انتهى .
    و بوَّب البخاري في كتاب الحيض من « صحيحه » باب" مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ "
    ثم قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:« إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ يَا رَبِّ عَلَقَةٌ يَا رَبِّ مُضْغَةٌ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ وَالْأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ » .
    قال الحافظ ابن حجر:« قوله باب « مخلقة وغير مخلقة » رويناه بالإضافة أي: باب
    تفسير قوله تعالى: «مخلقة وغير مخلقة...ومناسبة الحديث للترجمة من جهة أن المذكور مفسر للآية .
    وأوضح منه سياقًا ما رواه الطبري من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن بن مسعود قال: « إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا فقال: يا
    رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال غير مخلقة مجها الرحم دمًا، وإن قال
    مخلقة، قال: يا رب فما صفة هذه النطفة؟ » فذكر الحديث وإسناده صحيح وهو
    موقوفٌ لفظًا مرفوعٌ حكمًا .
    وحكى الطبري لأهل التفسير في ذلك أقوالًا وقال: الصواب قول من قال: المخلقة المصورة خلقًا تامًا، وغير المخلقة السِّقط قبل تمام خلقه، وهو قول مجاهد والشعبي و غيرهما »([4]) .

    المبحث الثاني
    الأحكام المتعلقة بالسِّقط نفسه
    و فيه ستُّ مسائل .
    المسألة الأول: تسمية السِّقط .
    المسألة الثانية: تغسيل السِّقط و تكفينه .
    المسألة الثالثة: الصَّلاة على السِّقط .
    المسألة الرَّابعة: العقيقة عن السِّقط .
    المسألة الخامسة: إذا أُسقِط الجنين بسبب الجناية على أُمِّه، و فيها ثلاثة فروع:
    الفرع الأوَّل: على من تجب دية الجنين ؟
    الفرع الثَّاني: لمن تكون ديَّة الجنين ؟
    الفرع الثالث: هل تجبُ على الجاني مع ديَّة الجنين كفارة؟
    المسألة السادسة: ميراث السِّقط .








    المسألة الأولى
    * تسمية السِّقط *
    اختلف الفقهاء في حكم تسمية السِّقط، فذهب الشَّافعية و الحنابلة إلى مشروعيتها بل إلى استحبابها، قال الشِّرْبِينِيُّ الشافعي في "مغني المحتاج" (18/159):« وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ اُسْتُحِبَّ تَسْمِيَتُهُ ، بَلْ يُسَنُّ تَسْمِيَةُ السَّقْطِ »انتهى .
    و صرَّح النووي في " المجموع" (8/435) بأنَّه مذهب الأصحاب، فقال:« مذهب أصحابنا استحباب تسمية السقط وبه قال ابن سيرين وقتادة والأوزاعي » انتهى.
    و قال ابن قدامة في " المغني " مُبيِّنًا مذهب الحنابلة (2/393): « هذا على سبيل الاستحباب..» ثم علَّل ذلك بقوله:« إنهم إنَّما يُسمَّون ليُدعوا يوم القيامة بأسمائهم »انتهى .
    و عزا النووي في تتمة كلامه السابق من " المجموع" (8/435) القول بمنع تسمية السِّقط إلى مالك، فقال: « وقال مالك لا يسمى ما لم يستهل صارخاً ».
    ومذهب مالكٍ في المنع من تسمية السِّقط الذي عزاه إليه النوويُّ نصَّ عليه في " المدونة " (1/255) حيث قال:« لا يصلى على الصَّبي ولا يرث ولا يورث، ولا يسمَّى ولا يغسَّل ولا يحنَّط حتى يستهلَّ صارخًا وهو بمنزلة من خرج ميتا » .
    و حُمل هذا النهي عند المالكية على الكراهة بقيد عدم الاستهلال([5]) .
    و نصَّ في " كفاية الطالب الرَّباني([6]) "على أنَّ هذا هو المشهور في المذهب .
    و اختلف الحنفية في حكم تسمية السِّقط بين مانعٍ و مجيز كما نصَّ عليه فخر الدين الزيلعي في "تبيين الحقائق "(1/243) فقال:« وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْجُزْءِ وَلِهَذَا لَمْ يَرِثْ وَاخْتَلَفُوا فِي غُسْلِهِ وَتَسْمِيَتِهِ، فَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُسَمَّ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُسَمَّى..»انتهى .
    وقد ورد في الباب حديثٌ صريحٌ في مشروعية تسمية السِّقط إلا أنَّه لا يثبت، ولفظه: « سَمُّوا أَسقَاطَكُم فإِنَّهم من أَفرَاطِكُم » .
    قال العلامة الألباني في " السلسلة الضعيفة " برقم (206):« موضوع ».
    و الصحيح إن شاء الله تعالى قول من استحب تسمية السِّقط و إن لم يصحَّ فيه الحديث المتقدٍّم، لما علَّل به ابن قدامة من أنهم يُدعَون يوم القيامة بأسمائهم، إلا أنَّ هذا مقيَّدٌ بما إذا نُفِخَت فيه الرُّوح، لأنَّه بذلك يُلحق بالآدميين، و يُبعث مع من يُبعث يوم القيامة .
    و يبقى الإشكال فيما إذا لم يتبيَّن حال السِّقط من كونه ذكرًا أو أنثى، ففي مثل هذه الحال يسمى باسم صالح للذكر و الأنثى، قال ابن قدامة في " المغني " (2/393): « فإذا لم يعلم هل السِّقط ذكر أو أنثى سُمِّي اسمًا يصلح لهما جميعًا كسلمة وقتادة وسعادة وهند وعتبة وهبة الله ونحو ذلك »، والله أعلم .





    المسألة الثانية
    * تغسيلُ السِّقط و تكفينه *
    اختلف أهل العلم في حكم تكفين السِّقط و تغسيله إذا لم يستهل صارخًا، بعد أن اتَّفقوا على مشروعية ذلك إذا استهلَّ و عُلِمت حياته.
    إلا أنهم اختلفوا في ما يكون به الاستهلال اختلافًا كثيرًا، ومرجع أقوالهم كلها إلى ما يثبت حياته وخروجه حيًّا، كالبكاء والعطاس، أو التثاؤب، أو مصِّ الثدي، أو فتح العينين، ونحو ذلك؛ لأنَّ المقصود بالاستهلال معرفة حياته والتأكد من خروجه حيًّا، وكلُّ ما ذُكر يدل على ذلك على الصحيح ([7]) .
    و لهذه المسألة ارتباطٌ بسابقتها، من حيث إنَّ سبب الخلاف مرجعه إلى استهلال الجنين من عدمه .
    فمذهب المالكية كراهة تغسيله و تكفينه، و كذا تسميته ما لم يستهل و تظهر عليه علامات تدلُّ على خروجه حيًّا، فإن استهلَّ و عُلِمت حياته بعد خروجه و انفصاله من أمِّه، عومل معاملة غيره من الموتى، في جميع أموره، من تسميةٍ وتغسيلٍ و تكفينٍ، و نحو ذلك، و إلًّا فلا .
    قال في " كفاية الطالب الرباني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني" ([8]) وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ صَارِخًا وَلَا يُغَسَّلُ وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ بَالَ أَوْ عَطَسَ أَوْ رَضَعَ يَسِيرًا، وَ هَذَا النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، أَمَّا مَنْ اسْتَهَلَّ فَلَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ »انتهى .
    وسبق في المبحث السابق الإشارة إلى اختلاف الحنفية في المسألة ، كما أفاده صاحبُ " تبيين الحقائق " في قوله:« وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْجُزْءِ وَلِهَذَا لَمْ يَرِثْ وَاخْتَلَفُوا فِي غُسْلِهِ.. » .
    إلَّا أنَّ ابن عابدين نقل في حاشيته " رد المحتار على الدُّر المختار " (2/228) عن صاحب الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قوله:« يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ مَنْ نَفَى غُسْلَهُ أَرَادَ غُسْلَ الْمُرَاعَى فِيهِ وَجْهُ السُّنَّةِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ الْغُسْلَ فِي الْجُمْلَةِ كَصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَتَرْتِيبٍ لِفِعْلِهِ كَغُسْلِهِ ابْتِدَاءً بِسِدْرٍ وَحُرْضٍ »..قال: « وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ حَيْثُ لَمْ يُرَاعُوا فِي تَكْفِينِهِ السُّنَّةَ فَكَذَا غُسْلُهُ »انتهى .
    و ذهب الشافعية و الحنابلة إلى أن السِّقط إذا بلغ أربعة أشهرٍ فما فوق فإنَّه يُغسَّل ويُكفَّن ويُدفَن، إلا أنَّ الشَّافعية قالوا: لا يُصلَّى عليه، لكون باب الغسل و التجهيز عندهم أو سع من باب الصلاة .
    قال النووي في " المجموع " (5/258):« أَنْ يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ.
    الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَمُعْظَمِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ: يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَا تَجُوزُ أَيْضًا لِأَنَّ بَابَ الْغُسْلِ أَوْسَعُ وَلِهَذَا يُغَسَّلُ الذِّمِّيُّ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.. » إلى أن قال: « وَأَمَّا الْمَحَامِلِيُّ فَذَكَرَ مَسْأَلَةَ السِّقْطِ فِي التَّجْرِيدِ خِلَافَ الْأَصْحَابِ وَخِلَافَ مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ " الْمَجْمُوعِ " فَقَالَ: إنْ سَقَطَ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ بِأَنْ سَقَطَ لِفَوْقِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَوْلَانِ: قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ: يُصَلَّى عَلَيْهِ .
    قَالَ: وَلَا خِلَافَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَ يُدْفَنُ »انتهى.
    و في بيان مذهب الحنابلة في المسألة يقول ابن قدامة في " المغني " (2/328 ): « أما إذا لم يستهل: قال الإمام أحمد رحمه الله: « إذا أتى له أربعة أشهر غُسِّل وصلي عليه، وهذا قول سعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، و إسحاق..»انتهى .
    و الأحوط و الله أعلم، أن يُغسَّل و يُكفَّن إذا استكمل أربعة أشهرٍ؛ لأنَّه بذلك يكون إنسانًا يعامل معاملة الكبير، اعتمادًا في ذلك على حديث الصادق المصدوق من أن نفخ الرُّوح فيه يكون بعد الأربعين الثالثة، و على ذلك اتَّفق الفقهاء،
    قال النووي في " شرح مسلم " (16/ 191):« اتَّفق العلماءُ على أنَّ نفخَ الرُّوح لا يكونُ إلَّا بعدَ أربعةِ أشهر »انتهى .
    و يبقى بيانُ مقدارِ كفنِ السِّقط الذي استكمَل الأربعة أشهر، فذهب الغزالي و إمام الحرمين فيما نقله عنهما النوويُّ في " المجموع " (5/256) إلى أنَّه ككَفنِ الكبير و أنَّ ذلك هو لازمُ مذهبِ من أوجب الصلاة عليه، فقال: « قال إمام الحرمين والغزالي في " البسيط ": إن أوجبنا في هذه الأحوال الصلاة فالكفن التَّام واجبٌ كما سبق، يعني يُكفَّن كفن البالغ في ثلاثة أثواب، و إن لم نوجب الصلاة وجب دفنه بالاتفاق والخرقة التي تواريه وهي لفافةٌ، قالا: والدفن واجب حينئذ قولًا واحدًا.
    قالا: ثم تمام الكفن يتبع وجوب الصلاة »انتهى .
    وفي كلام الغزالي و إمام الحرمين إشارة كذلك إلى الجنين الذي يسقط قبل أربعة أشهر، أنه لا يُكفَّن كفن الكبير كما أنَّه لا يُصلَّى عليه، فيُلفُّ في خرقة و يُدفن من غير غسلٍ .
    قال ابن قدامة في " المغني " (2/393):« فأما من لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يُغسَّل.. ويُلفُّ في خِرقةٍ ويُدفنُ » .
    المسألة الثالثة
    * الصَّلاة على السِّقط *
    أجمع الفقهاء من جميع المذاهب على أن المولود إذا استهل صارخًا يُصلَّى عليه([9])، ثم اختلفوا بعد ذلك فيما إذا سقط بعد مضي أربعة أشهر من غير استهلال، فقال بمشروعية الصلاة عليه فقهاء المحدثين وبعض السلف، إذا مضى عليه أربعة أشهر، ومنعها جمهور الفقهاء حتى يستهلَّ وتُعرف حياته بغير ذلك([10]) .
    قال ابن قدامة في " المغني " (2/328 ): « أجمع أهل العلم على أنَّ الطِّفل إذا عُرفت حياته واستهلَّ يُصلَّى عليه، أمَّا إذا لم يستهل: قال الإمام أحمد رحمه الله: « إذا أتى له أربعة أشهر غُسِّل وصلي عليه، وهذا قول سعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، و إسحاق..»انتهى .
    إلَّا أنَّ إسحاق بن راهويه فرَّق بين ميراث السِّقط و بين الصلاة عليه، فاشترط الاستهلال لثبوت الميراث بينما أجاز الصلاة على السِّقط بعد أربعة أشهر ولو لم يستهل، فقال:« إنما الميراث بالاستهلال، فأما الصلاة فإنه يصلى عليه؛ لأنَّه نسمة تامة قد كتب عليها الشَّقاوة و السَّعادة، فلأيِّ شيء تترك الصلاة عليه؟ »([11]) .
    و ذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم مشروعية الصلاة على السِّقط ما لم يستهل .
    قال ابن عبد البر:« فإن لم يستهل صارخًا، لم يصلَّ عليه عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهما »([12]) .
    و احتج من منع الصلاة على السِّقط الذي لم يستهل بحديث جابر رضي الله عنه، و فيه قوله صلى الله عليه وسلم: « إذا استهلَّ السِّقط صُلي عليه و وَرِث »، و مفهومه عندهم أنه إذا لم يستهل لم يصلَّ عليه .
    و الحديث أخرجه الترمذي في " جامعه " (1032) في « كتاب الجنائز » باب( ما جاء في ترك الصلاة على الجنين حتى يستهل ) بلفظ:« الطِّفل لا يُصلَّى عليهِ ولَا يرِث ولا يُورَث حتى يَستَهِل »، وقال عقبه:« هذا حديثٌ قد اضطرب الناس فيه، فرواه بعضهم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، وروى أشعث بن سوار وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر موقوفا، وروى محمد بن إسحاق عن عطاء بن أبي رباح عن جابر موقوفًا، وكأنَّ هذا أصح من الحديث المرفوع »انتهى .
    وقال الشوكاني في « نيل الأوطار »(4/65):« ويدلُّ على اعتبارِ الاستهلال حديث جابرٍ عند الترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ : « إذا استَهَلَّ السِّقط صُلِّي عليه وَ وَرِث »، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي عن أبي الزبير عنه وهو ضعيف، قال الترمذي: رواه أشعث بن سوار وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر . ورواه النسائي أيضًا وابن حبان في صحيحه والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر، وصححه الحاكم على شرط الشيخين .
    قال الحافظ: و وهِم لأنَّ أبا الزُّبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن فهو علَّة هذا الخبر إن كان محفوظًا عن سفيان، قال: و رواه الحاكم أيضًا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير مرفوعًا، وقال: لا أعلم أحدًا رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة وقد وقفه ابن جريج وغيره »انتهى .
    وسيأتي بيان ضعف حديث جابر من كلام العلامة الألباني رحمه الله تعالى .
    ثم قال الشوكاني مرجِّحًا قول من ذهب إلى اشتراط الاستهلال للصلاة على السِّقط:« ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يُصلى عليه وهو الحق؛ لأنَّ الاستهلال يدلُّ على وجود الحياة قبل خروج السِّقط، كما يدلُّ على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل وأنه لا يكتفي بمجرد العلم بحياته في البطن فقط »انتهى.
    و أمَّا من قال بمشروعية الصلاة على السِّقط إذا تم له أربعة أشهر و لو لم يستهل فاستدلُّوا بما رواه أبو داود ( 3180 ) والترمذي ( 1 / 192 ) وغيرهما من حديث المغيرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:« السِّقط يُصلَّى عَلَيه و يُدعَى لوالِدَيه بالمغفِرَة والرَّحمة »، والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله في « أحكام الجنائز » (ص80) وقال معلقًا عليه: « وتشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم: الأول: الطفل، ولو كان سِقطًا، وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه، وفي ذلك حديثان:
    1 - «...و « الطفل » و في رواية: « السِّقط » يُصَلىَّ عَلَيه، وَ يُدعَى لِوَالِدَيه بالمغفِرَة والرَّحمة » رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح ..ثم ذكر الحديث الثاني ثم قال:« والظاهر أن السِّقط إنما يُصلَّى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح، وذلك إذا استكمل أربعة أشهر، ثم مات، فأما إذا سقط قبل ذلك فلا ، لأنه ليس بميت كما لا يخفى.
    وأصل ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: « إنَّ خلق أحدكم يُجمع في بطن أمِّه أَربَعين، يومًا، ثم يَكونُ عَلقةً مثل ذَلك، ثُمَّ يَكون مُضغةً مثل ذلك، ثُمَّ يُبعَثُ إِلَيه مَلكًا...يَنفُخُ فِيه الرُّوح »متفق عليه([13]).
    واشترط بعضهم أن يسقط حيًّا، لحديث: « إذَا استَهَلَّ السِّقط صُليِّ عَلَيهِ وَ وَرِث ».
    ولكنه حديث ضعيف لا يحتج به، كما بينه العلماء » ([14]).
    و أفاد العلامة الشنقيطي رحمه الله في " أضواء البيان "(5/39) أنَّ اختلاف العلماء في هذه المسألة من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط، لأنَّ مناط الأمر بالصلاة عليه، هو أن يعلم أنه تقدمت له حياة، ومناط عدم الصلاة عليه: هو أن يعلم أنه لم تتقدم له حياة، فمالكٌ ومن وافقه رأوا أنَّه إن استهلَّ صارخًا، أو طالت مدته حيًّا عُلم بذلك أنه مات بعد حياة، فيُغسَّل ويُصلى عليه، وقالوا: إن مطلق الحركة لا يدلُّ على الحياة، لأن المذبوح قد يتحرك حركة قوية..
    والذين خالفوا هؤلاء قالوا: لا نسلِّم ذلك فكلُّ حركةٍ قويَّةٍ تدلُّ على الحياة..
    والذين قالوا: يُغسَّل إن سقط بعد أربعة أشهر، استندوا في ذلك إلى حديث ابن مسعود المتفق عليه..، فإنه يدلُّ على أنه بعد الأربعين الثالثة، ينفخ فيه الروح .
    وانتهاء الأربعين الثالثة: هو انتهاء أربعة أشهر، فقد دلَّ الحديث على نفخ الروح فيه بعد انتهاء الأشهر الأربعة، ونفخ الروح فيه، في ذلك الحين مشعرٌ بأنه مات بعد حياة »انتهى .
    وهذا القول هو الذي يظهر صوابه في هذه المسألة إن شاء الله تعالى، سيما إذا علمنا ضعف الحديث الذي احتج به من منع الصلاة على السِّقط ما لم يستهل، كما بيَّناه آنفًا من كلام العلماء، و تبقى العمدة في هذه المسألة على حديث الصادق المصدوق، الذي يدلُّ بمنطوقه على أنَّ نفخ الرُّوح في الجنين يكون بعد الأشهر الأربعة الأولى، وهذا يدلُّ كما أفاده العلامة الشنقيطي رحمه الله على أنَّ السِّقط مات بعد حياة .
    ويعضد حديث الصادق المصدوق في ترجيح هذا القول حديث المغيرة رضي الله عنه السابق ذكره و فيه:« السِّقط يُصلَّى عَلَيه »، وسبق كلام العلامة الألباني عليه رواية و دراية، و الله أعلم .
    و يبقى حكم السِّقط الذي يسقط قبل أن يتم له أربعة أشهر: فإنَّه لا يغسَّل ولا يصلى عليه، حتى عند من قال بمشروعية الصلاة عليه بعد مرور أربعة أشهر ولو لم يستهل، لأنه لم تنفخ فيه الروح، فليس بإنسانٍ، و ليس هو بميِّتٍ أيضًا، فيجعل في خرقة ويدفن بأي مكان من الأرض .
    قال ابن قدامة في " المغني " (2/393):« فأما من لم يأت له أربعة أشهرٍ فإنه لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه ويُلفُّ في خِرقةٍ ويُدفنُ ولا نعلمُ فيه خلافًا إلَّا عن ابن سيرين فإنه قال : يُصلى عليه إذا عُلم أنه نُفخ فيه الروح وحديث الصادق المصدوق يدل على أنه لا يُنفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر وقبل ذلك فلا يكون نسمة فلا يصلى عليه كالجمادات والدم »انتهى .
    و قال النووي في " المجموع " (5/258):« قال العبدري: إن كان له دون أربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف »، والله أعلم .














    المسألة الرَّابعة
    * العقيقة عن السِّقط *
    العقيقة هي الذبيحة التي تُذبح عن المولود، وهي سنة مؤكدة عند جمهور أهل العلم، و ذهب بعضهم ومنهم الظاهرية إلى وجوبها على المولود له إذا كان قادرًا .
    بينما ذهب الحنفية إلى أنها ليست بسنَّة أصلًا، و أغرب بعضهم فقال بأنها من عمل الجاهلية! .
    كما نُسب إلى أبي حنيفة القول بأنَّها بدعة! قال العراقي في " طرح التثريب " (5/176):« اختلف العلماء في حكمها على أقوال:
    أحدها: أنها مستحبة استحبابا متأكدًا، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور..
    القول الرابع إنكارها وأنَّها بدعة: قاله أبو حنيفة، قال الشافعي: أفرط في العقيقة رجلان: رجلٌ قال: إنها واجبة، ورجلٌ قال: إنها بدعة .
    وقال محمد بن الحسن: هي تطوُّع كان المسلمون يفعلونها فنسخها ذبح الأضحى فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل، قال ابن عبد البر: ولا وجه له .
    وحكى ابن المنذر عن أصحاب الرَّأي: إنكار أن تكون سنَّة قال: وخالفوا في ذلك الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه والتابعين »انتهى .
    و الذي نبتغيه من هذا المبحث هو بيان حكم العقيقة عن السِّقط، وهل تشرع في حقِّه أم لا؟
    فذهب المالكية إلى أنَّ السِّقط لا يُعقُّ عنه، لكون العقيقة إنما يُسنُّ فعلها في اليوم السابع من ولادة الجنين فقط .
    قال في " منح الجليل شرح مختصر خليل " (2/490): « و شرطها استمرار حياة المولود، فإن مات قبل السابع أو فيه قبل العق عنه فلا تندب »، و لازم مذهبهم كما هو ظاهرٌ، أنَّه إذا ولد ميتًا أو سقط قبل تمامه فالعقيقة لا تُشرع في تلك الحالة من بابٍ أولى .
    واستدلَّ هؤلاء بالمنقول و المعقول .
    أمَّا المنقول: فبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: « كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ »([15]) .
    قالوا: وفي الحديث تحديدٌ لوقت فعلها فلا تشرع قبله، كما لا تُشرع في حقٍّ من مات قبل اليوم السابع .
    قال النفراوي في " الفواكه الدواني "(2/875):« قَالَ خَلِيلٌ: وَأَلْغَى يَوْمَهَا إنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ ، وَأَمَّا لَوْ وُلِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حُسِبَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ، وَيُشْتَرَطُ حَيَاةُ الْوَلَدِ فِي السَّابِعِ لَا إنْ مَاتَ يَوْمَ السَّابِعِ قَبْلَ فِعْلِهَا »انتهى .
    وأمَّا المعقول الذي احتجَّ به هؤلاء على عدم مشروعية العقيقة في حقِّ السِّقط فهو قولهم بأنَّ العقيقة تجري مجرى الفداء، ولذلك استُحب أن لا يُكسر عظمها، تفاؤلًا بسلامة أعضاء المولود وقوتها وصحتها، حتى يكون كل عضوٍ منها فداءَ كل عضو منه تخليصًا للمولود في الظاهر والباطن .
    قالوا: وهذا المعنى يغيب في المولود الميت وكذا السِّقط، فلا يُعقُّ عنه([16]) .

    وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنَّه يُعقُّ عن السِّقط بشرط أن يبلغ أربعة أشهر فما فوق و احتجُّوا بعموم قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث المتقدِّم: « كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ » .
    سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة العلامة ابن باز رحمه الله:
    السقط المتبين أنه ذكر أو أنثى هل له عقيقة أو لا؟
    فكان الجواب: « لا عقيقة عن السقط، ولو تبين أنه ذكر أو أنثى إذا سقط قبل نفخ الروح فيه؛ لأنَّه لا يُسمَّى غلامًا ولا مولودًا »([17]).
    ومفهومه أنَّه إذا سقط بعد نفخ الرُّوح فيه فإنَّه يُسمَّى غلامًا و مولودًا فيدخل في عموم الحديث المتقدم أنَّه مرهونٌ بعقيقته .
    و احتجُّوا كذلك بكون السِّقط الذي نُفخت فيه الرُّوح نسمةٌ يبعث يوم القيامة، و يشفع، و لا يُنتفع بشفاعته إلَّا بالعقِّ عنه، على تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: « كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ » بأنَّ المراد به: مرهونٌ بشفاعته لوالديه .
    قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (9/594) نقلًا عن الخطابي قوله:
    « اخْتَلفَ النَّاس في هذا، وأجودُ ما قيل فيه: ما ذَهَب إليه أحمد بن حنبل، قال: هذا في الشفاعة؛ يريد: أنه إذا لم يُعقَّ عنه فمات طِفلاً، لم يشفعْ في أبويه » اهـ .
    و قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي كما في " الفتاوى الفقهية الكبرى " (4/257):
    « العقيقة إنما تُسنُّ عن سقطٍ نُفخت فيه الرُّوح، وأمَّا ما لم تنفخ فيه الروح فهو جماد لا يبعث ولا ينتفع به في الآخرة، فلا تسن له عقيقة، بخلاف ما نفخت فيه فإنَّه حيٌّ يُبعث في الآخرة، و يُنتفع بشفاعته، وقد قال جماعة من السلف: من لم يعقَّ عن ولده لا يشفع له يوم القيامة، فأفهمَ ما ذَكَرتُه من أنَّ العقيقة تابعةٌ للولد الذي يشفع، وهو من نفخت فيه الروح، فكذلك يُقيَّد ندبها بمن نُفخت فيه الروح »انتهى .
    و الذي يتحصَّل من هذه المسألة، أنَّ مرجع الخلاف فيها يعود إلى معرفة الحكمة من مشروعية العقيقة، و لا يتأتَّى ذلك إلَّا بمعرفة المراد من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدِّم: « كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ »، و في لفظ: « مُرتَهنٌ بعَقِيقَتِه » ..
    فمن أرجع المعنى إلى فكاك المولود من الشَّيطان و عدم تسلُّطه عليه، و إلى التَّفاؤل بسلامة أعضاء المولود وقوَّتها وصِحَّتها، حتى يكون كل عضوٍ منها فداءَ كل عضو منه، قالوا: هذا المعنى يغيب في المولود الميت وكذا السِّقط، و بالتَّالي فلا تُشرع العقيقة في حقِّهما .
    ومن فسَّر الرَّهن بالشَّفاعة و قال بأنَّ معنى الحديث: مرهون بالشَّفاعة لوالديه، بحيث لا يشفع لهما إلَّا إذا عُقَّ عنه، ذهب إلى مشروعية العقيقة عن السِّقط .
    و احتجُّوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه:« وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَىْ الجَنَّةِ إِذَا احْتَسَبَتْهُ »([18]) .
    قال النووي رحمهُ الله في "المجموع" (5/287): « موتُ الواحدِ من الأولادِ حجابٌ منَ النار ، وكذا السِّقطُ » انتهى .
    والذي يظهر أنَّ المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: « كُلُّ غُلَامٍ مُرتَهنٌ بِعَقِيقَتِهِ »، شاملٌ للمعنَيين معًا، إلَّا أنَّه لا يلزم من انتفاء الأوَّل عدم الثاني .
    فلذلك يترجَّح القول بمشروعية العقيقة عن السِّقط الذي نفخت فيه الرُّوح و الله أعلم بالصَّواب، و إليه المرجع و المآب .
















    المسألة الخامسة
    * إذا أُسقط الجنين بسبب الجناية على أمِّه *

    إذا اعتدى معتدٍ على امرأةٍ حاملٍ سواءٌ كان العدوان بالفعل أو بالقول فأسقطت جنينها ميتًا سواءٌ سقط في الحال، أو بعد مدة، بسبب العدوان، ففيه ديَّة مقدارها غُرَّة: عبدٌ أو أمة، و سواءٌ كان السِّقط ذكرًا أو أنثى، و لا فرق بين ما إذا كانت الجناية عمدًا أو خطأً، وهذا باتٍّفاق الفقهاء .
    لما رواه البخاري(6909) ومسلم (1681) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا » .
    قال النَّووي رحمه الله في " شرح مسلم " (11/176):« وقد فسَّر الغرَّة في الحديث بعبدٍ أو أمة، قال العلماء، و« أو » هنا للتقسيم لا للشَّك .
    والمراد بالغرَّة: عبد أو أمة، وهو اسم لكلِّ واحدٍ منهما .
    قال الجوهري: كأنه عبر بالغرَّة عن الجسم كلِّه، كما قالوا: أعتق رقبة.. .
    قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفس الشيء وأطلقت هنا على الإنسان لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم، وأما ما جاء في بعض الروايات في غير الصحيح « بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل » فرواية باطلة .. .
    واتَّفق العلماء على أن دية الجنين هي الغرَّة سواءٌ كان الجنين ذكرًا أو أنثى، قال العلماء: وإنما كان كذلك لأنه قد يخفى فيكثر فيه النزاع فضبطه الشرع بضابط يقطع النزاع، وسواء كان خلقه كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرَّة بالإجماع »انتهى .
    و أشار ابن قدامة في " المغني " (7/198) إلى وجود خلاف في المسألة نُقل عن بعضهم إلا أنَّه خلافٌ شاذٌّ لا يُلتفتُ إليه فقال: « وإذا ضُرب بطن حامل فأسقطت فعلى الضَّارب غرَّة موروثة عن الجنين كأنه سقط حيًّا، وبهذا قال مالك و أبو حنيفة و الشافعي وسائر الفقهاء، إلَّا شيئًا يُحكى عن ربيعة و اللَّيث وهو شذوذٌ لا يُعرَّج عليه »انتهى .
    وعلى قول الجمهور فأقلُّ ما يجزي من العبد أو الأمة ما سلِم من العيوب التي
    يثبت بها الرَّد في البيع؛ لأنَّ المعيب ليس من الخيار واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون مُنتَفعًا به، فشرَط أن لا ينقُص عن سبعِ سنين؛ لأنَّ من لم يبلغها لا يستقلُّ غالبًا بنفسه فيحتاج إلى التعهُّد بالتَّربية فلا يجبر المستحق على أخذه .
    وأخذ بعضهم من لفظ « الغلام » أن لا يزيد على خمس عشرة ولا تزيد الجارية على عشرين، ومنهم من جعل الحدَّ ما بين السبع، والعشرين .
    والرَّاجح كما قال بن دقيق العيد: أنه يجزئ ولو بلغ السِّتِّين وأكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم ([19]) .
    و تُقدَّر قيمة الغرَّة عند عدمها بخمسٍ من الإبل كما سبق و هو ما يُعادل عُشر دية الأم عند الجمهور.
    قال النووي رحمه الله: « وأصل الغرَّة بياضٌ في الوجه، ولهذا قال أبو عمرو: المراد بالغرَّة الأبيض منهما خاصة، قال: ولا يجزي الأسود...هذا قول أبي عمرو، وهو خلاف ما اتَّفق عليه الفقهاء أنه تجزي فيها السَّوداء ولا تتعيَّن البيضاء، وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب »([20]).
    و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في " مجموع الفتاوى "(34/160): « ولو قُدِّر أنَّ الشَّخص أسقط الحمل خطأ، مثل أن يضرب المرأة خطأ فتُسقط فعليه غرَّة عبد أو أمة، بنص النبي صلى الله عليه وسلم واتِّفاق الأئمة، وتكون قيمة الغرة بقدر عشر دية الأم، عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد »انتهى .
    و قيمة الغُرَّة عند الجمهور خمسون دينارًا ذهبيًّا([21]) .
    و الدِّينار الذَّهبي يعادل أربعة جرامات وربع الجرام، و ضربها في خمسين يساوي: ما يُقارب المئتين و ثلاثة عشر جرام .
    « فإن قيل: فكيف تُورِّثون منه وهو لا يرِث ؟ قلنا نُورِّث منه لأنَّ الواجب بدل عنه، فورثته ورثته كدية غير الجنين، وأما توريثه فمن شروطه كونه حيًّا حين موت موروثه ولا يتحقَّق ذلك فلا نورثه مع الشك في حياته »([22]).
    و حاصلُ هذا الاستفسار: أن السِّقط إذا انفصل ميتًا بسبب الجناية على أمه، فإنه و الحالة هذه لا يرث، لأنَّ من شروط الإرث تحقُّقُ حياة الوارث بعد المورِّث، وهو منتفٍ في هذه الحالة، فإذا كان الأمر كذلك من أنه لا يرث لكونه مات قبل مورِّثه، و انفصل ميتًا فكيف تورِّثون غيره منه؟
    و الجواب: أن هذا الميراث الذي يورث عنه إنَّما هو ما وجب من الدِّية بسبب الجناية وهو الغرَّة المقدَّرة بخمسٍ من الإبل كضمان بدل عنه .
    « و الجنين إنَّما يجب ضمانه إذا عُلم موته بسبَب الضَّربة، ويحصلُ ذلك بسقوطه في الحال و بقائه متألما إلى أن يموت، أو بقاء أمِّه متألمة إلى أن تسقطه، فيُعلم بذلك موته بالجناية، كما لو ضَرب رجلا فمات عقيب ضربِه، أو بقيَ ضمنا حتى مات .
    وإن ألقته حيًّا فجاء آخرٌ فقتله وكانت فيه حياة مستقرة فعلى الثاني القصاص إذا كان عمدًا أو الدِّية كاملة، وإن لم يكن فيه حياة مستقرة بل كانت حركته كحركة المذبوح فالقاتل هو الأول وعليه الدية كاملة وعلى الثاني الأدب .
    وإن وقع الجنين حيًّا ثم بَقِي زمنًا سالمًا لا ألم به لم يضمنه الضَّارب لأنَّ الظاهر أنه لم يمت من جنايته »([23]).
    * وأما إذا انفصل الجنين حيًّا بسبب العدوان على أمه في وقتٍ يعيش في مثله ثم مات ففي هذه الحالة تجب فيه الدية كاملة باتِّفاق العلماء .
    قال ابن قدامة في " المغني " (9/551): وإن ضُرب بطنها فألقت جنينًا حيًّا ثم مات من الضَّربة ففيه دية حرٍّ إن كان حرًّا، أو قيمته إن كان مملوكًا إذا كان سقوطه لوقت يعيش لمثله، وهو أن يكون لستَّة أشهرٍ فصاعدًا .
    هذا قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر : أجمع كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ في الجنين يسقط حيًّا من الضَّرب ديَّةٌ كاملة منهم زيد بن ثابت و عروة و الزهري و الشعبي و قتادة و ابن شبرمة و مالك و الشافعي و إسحاق و أبو ثور و أصحاب الرأي، وذلك لأنه مات من جنايته بعد ولادته في وقت يعيش لمثله فأشبه قتله بعد وضعه »انتهى .
    و قال النووي رحمه الله في " شرح مسلم " (11/176):« و اعلم أن المراد بهذا كلِّه إذا انفصل الجنين ميتًا أما إذا انفصل حيًّا ثم مات فيجب فيه كمال دية الكبير فإن كان ذكرًا وجب مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون، وهذا مجمعٌ عليه، وسواءٌ في هذا كلِّه العمد والخطأ »انتهى .
    و إذا ضُرب بطنُ امرأةٍ فألقت أجنَّة ففي كلِّ واحدٍ غرة، وبهذا قال الزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وقال ابن المنذر: ولا يُحفظ عن غيرهم خلافهم، وذلك لأنَّه ضمان آدمي، فتعدَّد بتعدُّده كالدِّيات، وإن ألقتهم أحياءً في وقتٍ يعيشون في مثله ثم ماتوا، ففي كلِّ واحد دية كاملة .
    وإن كان بعضهم حيًّا فمات وبعضهم ميتًا ففي الحي دية كاملة، وفي الميت غرة ([24]) .
    * فرع *
    على من تجب دية الجنين؟
    اختلف الفقهاء في ديَّة الجنين على من تجب، هل تجب على الجاني نفسه، أم على عاقلتة؟
    والعاقلة هي العصبة والأقارب من جهة الأب، وهم ورثة الإنسان، فكما جعل لهم الشرع غُنم الميراث، جعل عليهم غُرم الدية، في قتل الخطأ و شبه العمد .
    فيرى الحنفيَّة والشَّافعيَّة في الصَّحيح عندهم أنَّ الغرَّة تجب على عاقلة الجاني في سنة؛ لأنَّ الجناية على الجنين لا عمدَ فيها، سواءٌ أكانت الجناية على أمِّه عمدًا أم خطأً أم شبه عمد .
    وذهب المالكيَّة إلى أنَّها تجب في مال الجاني في العمد والخطأ، إلَّا أن تبلغ ثلث ديته فأكثر في الخطأ فعلى العاقلة، كما لو ضرب مجوسيٌّ حرَّةً حبلى فألقت جنينًا، فإنَّ الغرَّة الواجبة أكثر من ثلث دية الجاني .
    وفصَّل الحنابلة فقالوا: الغرَّة على العاقلة إذا مات الجنين مع أمِّه وكانت الجناية عليها خطأً أو شبه عمد، وإن كان قتلُ الأمِّ عمدًا أو مات الجنين وحده فالغرَّة في مال الجاني نفسه، ولا تحمله العاقلة ([25]) .
    قال النووي رحمه الله في " شرح مسلم " (11/176):« ومتى وجبت الغرَّة فهي على العاقلة لا على الجاني هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين رضي الله عنهم .
    وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني »انتهى.
    و قال ابن قدامة في " المغني " (9/545):« وتحمل العاقلة دية الحنين إذا مات مع أمه نص عليه أحمد إذا كانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد، لما روى المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم:« قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة على عصبة القاتلة »([26])، وإن كان قتل الأم عمدًا أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة . »انتهى .
    و احتج من أوجب الدية في مال الجاني بحديث أبي هريرة و كذا المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما و ما كان في بابهما .
    قال القرطبي في " أحكام القرآن " (7/23):« واحتج علماؤنا بقول الذي قضي عليه: كيف أغرم ؟ قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الذي قضي عليه معيَّنٌ وهو الجاني.
    ولو أن ديَّة الجنين قضى بها على العاقلة لقال: فقال الذي قُضي عليهم.
    و في القياس: أن كلَّ جانٍ جنايته عليه، إلَّا ما قام بخلافه الدليل الذي لا مُعارض له ؛ مثل إجماع لا يجوز خلافه، أو نصِّ سُنَّة من جهة نقل الآحاد العدول لا مُعارِض لها، فيجب الحكم بها، وقد قال الله تعالى: ﱣ ﭐ [الأنعام: 164] »انتهى .
    و احتجَّ من أوجب دية الجنين على عاقلة الجاني ، بنفس الأحاديث التي احتج بها من أوجبها في مال الجاني، و قالوا: هي نصٌّ في الدلالة على أن الدِّية إنما هي على العاقلة لا على الجاني، كما يدلُ عليه قول المغيرة: « قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة على عصبة القاتلة » .
    قالوا: ولما كانت دية المقتولة على العاقلة كما في الحديث، حيث جعل العقل على عصبتها كان الجنين أحرى بذلك في القياس .
    قال ابن عبد البر في "التمهيد"(6/486) :« وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما الغرة على العاقلة، ومن حجتهم: ما حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا الحسن بن سلام السواق، قال: حدثنا أبو عمر الحوضي عن شعبة عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضيلة عن المغيرة بن شعبة: أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بعمودٍ فقتلتها فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحد الرجلين: كيف نَدِي مَن لا صَاحَ ولا استهلَّ، ولا شَرِبَ ولا أَكَل، فقال: « أَسَجعٌ كَسَجعِ الأَعرَاب ؟» فقضى فيه بغرة، وجعله على عاقلة المرأة »([27]) .
    وهذا نصٌّ ثابتٌ صحيحٌ في موضع الخلاف يوجب الحكم، ولما كانت دية المضروبة على العاقلة كان الجنين أحرى بذلك في القياس والنظر » انتهى .
    ومن أهل العلم من فصَّل في المسألة، وقالوا: إن كانت الجناية خطأ أو شبه عمدٍ فإن الغرَّة في هذه الحالة تكون على العاقلة.
    و أمَّا إذا كانت الجناية عمدًا فإن الغرَّة تجب على الجاني نفسه، لا على العاقلة، لقوله تعالى: ﱣ ﭐ [الإسراء:15]، و لأن إيجاب الدية على العاقلة هو من قبيل المواساة والتعاون و التخفيف، والمتعمِّد في جنايته غير معذورٍ فلا يستحقُّ المواساة ولا التخفيف عنه .
    فالعاقلة لا تحمل العمد سواءٌ كان مما يجب القصاص فيه أو لا يجب، ولا خلاف في أنها لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص، وأكثر أهل العلم على أنها لا تحمل العمد بكل حال، وحُكي عن مالك أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها كالمأمومة والجائفة، وهذا قول قتادة لأنَّها جنايةٌ لا قصاصَ فيها أشبهت جناية الخطأ .
    ولنا حديث ابن عباس([28])، ولأنَّها جناية عمدٍ فلا تحملها العاقلة كالموجب للقصاص وجناية الأب على ابنه، ولأن حمل العاقلة إنما يثبت في الخطأ لكون الجاني معذورا تخفيفًا عنه ومواساةً له، والعامد غير معذور فلا يستحق التخفيف ولا المعاونة فلم يوجد فيه المقتضي وبهذا فارق العمد الخطأ([29]) .
    و لعلَّ التفصيل هو أقرب الأقوال إلى الصواب في هذه المسألة و الله أعلم .
    فرعٌ ثانٍ **
    لمن تكون دية الجنين ؟
    اختلف الفقهاء في مستحق دية الجنين، فمن قائلٍ: بأنها تكون للجنين تورث عنه، و من قائلٍ بأنها للأم المجني عليها؟ و قائلٍ بأنها تكون للأب أو للأبوين معًا.
    قال ابن عبد البر في " التمهيد " (6/487):« واختلفوا في كيفية ميراث الغرة في الجنين فقال مالك والشافعي وأصحابهما: الغرة في الجنين موروثة عن الجنين؛ لأنها ديته على كتاب الله عز وجل، واحتج الشافعي في ذلك بقوله في الحديث: « كيفَ أَغرَم مَن لَا أَكَلَ وَلَا شَرِب وَ لَا استَهَل » قال: فالمضمون الجنين؛ لأنَّ العضو لا يعترض فيه بهذا، وكان ابن هرمز يقول: ديته لأبويه خاصَّة، لأبيه ثلُثاها ولأمِّه ثلُثها من كان منهما حيًّا كان ذلك له، فإن كان أحدهما قد مات كانت للباقي منهما أبًا كان أو أمًّا، لا يرث الإخوة منها شيئا .
    وقال أبو حنيفة وأصحابه: الغرَّة للأم ليس لأحدٍ معها فيها شيء، وليست دية وإنما هي بمنزلة جناية جنى عليها فقُطع عضوٌ من أعضائها، وهو قول ربيعة بن أبي عبدالرحمن .
    ومن حجتهم في أنها ليست دية؛ لأنه لم يُعتبر فيها هل هو ذكرٌ أو أُنثى كما يلزم في الدِّيات فدلَّ على أنَّ ذلك كالعضو، و لهذا كانت ذكاةُ الشَّاةِ ذكاةً لما في بطنها من الأجنة ولولا ذلك كانت ميتة .
    وقول داود وأهل الظاهر في هذا كقول أبي حنيفة، واحتجَّ داود بأن الغرَّة لم يملكها الجنين فتورث عنه.
    قال أبو عمر: تدخل عليه دية المقتول خطأ هو لم يملكها وهي تورث عنه وقول مالك والشافعي في هذه المسألة أولى وبالله العصمة والهدى »انتهى .
    و إلى هذا ذهب الحنابلة أيضًا، قال ابن قدامة في " المغني " (9/536):« إن الغرة موروثة عن الجنين كأنَّه سقط حيًّا لأنَّها ديَّةٌ له وبدل عنه، فيرثها ورثته كما لو قتل بعد الولادة وبهذا قال مالك و الشافعي وأصحاب الرأي »انتهى .
    و عند التَّأمُّل نجد أنَّ اختلاف الفقهاء في من يرث دية الجنين، مرجعه إلى اختلافهم في ديته، هل هي بدل عن نفـس، أو بدل عن جزء؟ يعني: هل يُعتبر الجنين نفس آدمي قائمة بنفسها، أم هو عبارةٌ عن جزءٍ من أمِّه فهو كعضوٍ من أعضائها؟
    فمن قال بأنَّ دية الجنين بدلٌ عن نفس جعل ميراث الدِّية لورثة الجنين يقتسمونها بحسب أنصبائهم في الميراث .
    ومن قال بأنَّ ديَّة الجنين بدلٌ عن جزءٍ: جعلها لأمه، أو لأبويه .
    قال النووي في " شرح مسلم " (11/176):« ثم الغرَّة تكون لورَثتِه على مواريثهم الشَّرعية.. وهذا شخص يورث ولا يرث ولا يعرف له نظيرٌ إلا من بعضُه حرٌّ وبعضه رقيقٌ فإنَّه رقيقٌ لا يرِث عندنا، وهل يورث فيه قولان: أصحُّهما يورَث وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير، وحكى القاضي عن بعض العلماء أن الجنين كعضوٍ من أعضاء الأمِّ فتكون ديته لها خاصة »انتهى .
    و الذي يظهر و الله أعلم: أن دية الجنين بدلٌ عن نفس، و بالتالي فإنَّ ميراث الدِّية لورثة الجنين يقتسمونها على فرائض الله .
    قال ابن قدامة في " المغني " (9/537):« الغرة موروثة عن الجنين كأنه سقط حيًّا لأنَّها ديةٌ له وبدلٌ عنه، فيرِثُها ورثته، كما لو قُتل بعد الولادة، و بهذا قال مالك و الشافعي وأصحاب الرأي، وقال اللَّيث: لا تورَث، بل تكونُ بدله؛ لأَّنه لأمِّه كعضوٍ من أعضائها فأشبه يدها .
    ولنا أنها ديةُ آدميٍّ حرٍّ فوجب أن تكون موروثة عنه كما لو ولدته حيًّا ثم مات .
    وقوله: إنه عضوٌ من أعضائِها لا يصحُّ؛ لأنه لو كان عضوًا لدخل بدله في دية أمه كيدها، ولما منع من القصاص من أمِّه وإقامة الحدِّ عليها من أجله، ولما وجبت الكفارة بقتلِه، ولما صحَّ عِتقُه دونها ولا عِتقُها دونَه، ولا تُصور حياته بعد موتها، ولأنَّ كلَّ نفسٍ تُضمن بالدِّية تورَث كدِية الحيِّ .
    فعلى هذا؛ إذا أسقطت جنينًا ميتًا ثمَّ ماتت فإنَّها ترِث نصيبها من ديته ثم يرثها ورثته، وإن ماتت قبله ثم ألقته ميتًا لم يرث أحدهما صاحبه، وإن خرج حيًّا ثم مات قبلها ثم ماتت فإنها ترث نصيبها من ديته ثم يرثها ورثتها وإن ماتت قبله ثم ألقته ميتًا لم يرث أحدهما صاحبه، وإن خرج حيًّا ثم ماتت قبله ثم مات، أو ماتت ثم خرج حيًّا ثم مات ورِثها ثم يرِثُه وَرثَته، وإن اختَلَفَ وُرَّاثُهما في أوَّلهما موتًا فحُكمُهما حكم الغَرقى على ما ذُكِر في موضعه »انتهى .
    و يُؤيِّد ما ذهب إليه الجمهور من أنَّ دية الجنين لورثته يقتسمونها على فرائض الله،
    قوله تعالى: ﱣﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ [النساء: 92].
    و وجه الدِّلالة من الآية أنَّ الله تعالى جعل ديـة المقتول مُسلَّمةٌ إلى أهله، فكذلك دية الجنين سيما إذا عرفنا كما سبق أنها بدلٌ عن نفس .
    و يُنبَّه إلى أنَّ الجاني إذا كان من الورثة فإنه لا يرث من الغرَّة شيئًا، و لو كان أحد الأبوين و ذلك أن القتل مانعٌ من موانع الإرث .
    قال ابن قدامة رحمه الله في " المغني " (8/327): « وإذا شربتِ الحاملُ دواءً فألقت به جنينًا فعليها غرةٌ، لا ترِث منها شيئًا، وتعتق رقبة، ليس في هذه الجملة اختلاف بين أهل العلم نعلمه، إلَّا ما كان من قول من لم يوجب عتق الرقبة .
    وذلك لأنَّها أسقطتِ الجنينَ بفِعلها وجنايتِها فلزِمها ضمانه بالغرَّة، كما لو جنى عليه غيرها، ولا ترِث من الغرَّة شيئًا؛ لأنَّ القاتِل لا يرِث المقتول، وتكونُ الغرَّة لسائِر ورثته » انتهى .
    * فرعٌ ثالث *
    هل تَجبُ على الجاني معَ ديَّة الجنينِ كفَّارةٌ ؟
    اختلف الفقهاء في وجوب الكفَّارة مع الغرَّة، على من تسبب في موت الجنين .
    « والكفّارة هنا هي عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ».
    فالحنفيَّة والمالكيَّة يرون أنَّها مندوبة وليست واجبةً ، لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يقضِ إلَّا بالغرَّة، كما أنَّ الكفَّارة فيها معنى العقوبة؛ لأنَّها شُرعت زاجرةً، وفيها معنى العبادة؛ لأنَّها تتأدَّى بالصَّوم .
    وقد عُرف وجوبها في النُّفوس المطلقة فلا يتعدَّاها؛ لأنَّ العقوبة لا يجري فيها القياس، والجنين يعتبر نفسًا من وجهٍ دون وجهٍ لا مطلقًا؛ ولهذا لم يجب فيه كلُّ البدل، فكذا لا تجب فيه الكفَّارة لأنَّ الأعضاء لا كفَّارة فيها، وإذا تقرَّب بها إلى الله كان أفضل، وعلى هذا فإنَّها غير واجبة .
    ويرى الشَّافعيَّة والحنابلة وجوب الكفَّارة مع الغرَّة، لأنَّها إنَّما تجب حقًّا لله تعالى لا لحقِّ الآدميِّ؛ ولأنَّه نفسٌ مضمونةٌ بالدِّية ، فوجبت فيه الكفَّارة .
    وترك ذِكرِ الكفَّارةِ لا يمنعُ وجوبها، فقد ذكر الرَّسول صلى الله عليه وسلم في موضع آخر الدِّية، و لم يذكر الكفَّارة .
    وهذا الخلافُ إنِّما هو في الجنين المحكوم بإيمانه لإيمان أبويه أو أحدهما، أو المحكوم له بالذِّمَّة .
    كما نصَّ الشَّافعيَّة والحنابلةُ على أنَّه إذا اشترك أكثر من واحدٍ في جناية الإجهاض لزم كلُّ شريكٍ كفَّارةً، وهذا لأنَّ الغاية من الكفَّارة الزَّجر، أمَّا الغرَّة فواحدةٌ لأنَّها للبدليَّة([30]) .
    و رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجوب الكفارة مع الدية فقد سُئل كما في " مجموع الفتاوى " (34/159-161): عن رجلٍ قال لزوجته: أسقطي ما في بطنك والإثم عليَّ، فإذا فعلت هذا وسمعت منه: فما يجب عليهما من الكفارة ؟
    فأجاب رحمه الله: إن فعلت ذلك فعليهما كفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدا فصيام شهرين متتابعين، وعليهما غرة.. »انتهى .
    و نسبَ رحمه الله هذا القول إلى الجمهور، فقد سُئل كما في " نفس المصدر ":« عن امرأة حاملٍ تعمَّدت إسقاط الجنين إمَّا بضربٍ وإمَّا بشربِ دواءٍ: فما يجب عليها؟
    فأجاب رحمه الله: يجب عليها بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم واتِّفاق الأئمة غرَّة: عبد أو أمة تكون هذه الغرَّة لوَرَثة الجنين غير أمِّه، فإن كان له أبٌ كانت الغرَّة لأبيه، فإن أحبَّ أن يسقط عن المرأة فله ذلك، وتكون قيمة الغرَّة عشر دِية، أو خمسين دينارًا، وعليها أيضا عند أكثر العلماء عتق رقبة، فإن لم تجد صامت شهرينِ متتابعين، فإن لم تستطع أطعمت ستين مسكينا »انتهى .










    المسألة السَّادسة
    * ميراث السِّقط *
    من الأحكام المهمة المترتبطة بالسِّقط ما يتعلَّق بميراثه، وقد سبق في المبحث الذي بعنوان « إذا أُسقِط الجنين بسبب الجناية على أُمِّه » أن بيَّنَّا ما يتعلَّق بوِراثتِه و من يرِثه، و ما الذي يُورَث عنه، و في هذا الموضع نتكلَّم عن توريثه هو، من حيثُ مشروعية ذلك من عدمه، و بيان الحالات التي يرِث فيها من التي لا يرث فيها .
    و سنبدأ بِبَيان الصُّور التي اتَّفقوا عليها، فمن ذلك:
    الصورة الأولى: إذا انفصل الجنين مُستهِلًّا فإنَّه و الحالة هذه يرِث و يورث بالإجماع، لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: « إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ »([31]) .
    قال الإمام الشَّوكاني رحمه الله:« المولودُ إذَا وَقَع مِنه الاستِهلَال أَو مَا يَقومُ مَقامَه ثُمَّ مَات ورِثَه قَرَابتُه و وَرِث هو مِنهُم، وذلك ممَّا لا خلاف فيه »([32]).
    و قال أبو الخطَّاب الكلوذاني:« لا خلاف في أنَّ المولود إذا استهلَّ صارخًا ورِث، و اختلفوا فيما هو في معنى الاستهلال مِمَّا يدلُّ على الحياة .
    فقال أحمد رحمه الله في رواية يوسف بن موسى: استهلاله إذا صاح، أو عطس، أو بكى، فقد نصَّ على أنَّ الاستهلال هو الصَّوت، و هو قول الزُّهري، و القاسم بن محمد، و في معناه الارتضاع؛ لأنه دلالة على الحياة .
    فأمَّا الحركة و الاختلاج و النفس، فليس بمنزلة الاستهلال عنده ،فلا يرِث .
    و قال الثوري، و الأوزاعي، و أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمد، و الشَّافعي، و الحسن بن صالح، و زفر: جميع ذلك بمنزلة الاستهلال، و يرِث و إن لم يوجد منه إلَّا الحركة، و النَّفَس، و قال شريح، و النَّخعي، و أبو سلمة بن عبد الرحمن، و مالك: لا يرِث حتى يستهل صارخًا، و لم يقيموا مقام الصُّراخ غيره »([33]) .
    و قد سبق في مبحث « تغسيل السِّقط و تكفينه » بيان الرَّاجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة التي أشار الكلوذاني إلى اختلاف الفقهاء فيها، و أنَّ مرجع أقوالهم كلها إلى ما يُثبت حياة الجنين و خروجه حيًّا، فيشمل ذلك البكاء والعطاس، و التثاؤب، و مصِّ الثَّدي، و فتح العينين، ونحو ذلك؛ لأنَّ المقصود بالاستهلال معرفة حياته والتأكد من خروجه حيًّا، وكلُّ هذه الأمور تدلُّ على ذلك، فهي بمنزلة الاستهلال، و الله أعلم.
    الصورة الثانية: أن يسقط الجنين ميِّتًا، ففي هذه الحالة لا يرث إجماعًا .
    قال ابن قدامة في " المغني " (7/198): ولا يرث الحمل إلا بشرطين: أحدهما..» فذكر الأوَّل، ثمَّ قال:
    « و الثاني : أن تضعه حيًّا فإن وَضعَته ميتًا لم يرِث في قولهم جميعًا »انتهى .
    إلَّا أنَّ الحنفيَّة يُقيِّدون عدم إرثه بما إذا خرج ميتًا بنفسه، أمَّا لو خرج ميتًا بجناية فيرِث و يورَث ([34])
    فإن قال قائلٌ: لماذا اشترطتم الاستهلال في ثبوت ميراث السِّقط، و اكتفيتم في مشروعية تجهيزه و الصلاة عليه و العقِّ عنه بنفخ الرُّوح فيه و بلوغه أربعة أشهر؟ دون الاستهلال .
    فالجواب: هو ما سبق في تلك المباحث و نحوها، من أنَّه ببلوغه الأربعة أشهر تنفخ فيه الرُّوح كما دلَّ عليه حديث الصادق المصدوق المتقدِّم، و بذلك يصير نسمةً و آدميًّا فيُصلَّى عليه كالمستهل .
    وأمَّا الإرثُ؛ فلأنَّه لا تُعلم حياتُه حالَ موتِ موروثه، وذلك من شروط الإرث، والصَّلاةُ من شَرطِها أن تُصادِف من كانت فيه حياةٌ، وقد عُلمَ ذلك بما ذكرنا من الحديث؛ ولأنَّ الصَّلاة عليه دعاءٌ له ولوالديه وخير، فلا يحتاجُ فيها إلى الاحتِياطِ واليَقينِ لوجودِ الحياةِ بخلافِ الميراث([35]) .
    و من الصُّور التي اختلفوا فيها:
    أن ينفصِل بعضُ الجنين و هو حيٌّ فيستهل ثم يموتُ قبل تمام الانفصال .
    فهل يرِث في هذه الحالة؟ اختلفوا في ذلك على قولين:
    القول الأوَّل: أنَّه لا يرِث وهو قول الشَّافعية و الحنابلة و الجمهور، وعلَّلوا ذلك؛ بأنَّه لا يثبت له حكم الدُّنيا قبل انفصال جميعه، فأشبه ما لو مات قبل خروجه.
    قال ابن قدامة في " المغني "(7/201):« و إن خرج بعضُه حيًّا فاستهلَّ ثم انفصل باقيه ميتًا لم يرِث، وبهذا قال الشافعي رضي الله عنه .
    وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا خرج أكثره فاستهلَّ ثم مات ورِث لقوله عليه السلام: « إذَا استَهَلَّ المولودُ وَرِث » ولنا أنه لم يخرج جميعه فأشبه ما لو مات قبل خروج أكثره »انتهى .
    القول الثاني: وهو قول الحنفية، و قد أشار إليه ابن قدامة في كلامه السَّابق، و مُحصَّله: أنَّ الجنين إن انفصل أكثره فاستهلَّ ثمَّ مات قبل تمام انفصاله ورِث؛ لأنَّ الأكثر له حكم الكلِّ، فكأنَّه خرج حيًّا، و عكسه، إذا انفصل أقلُّه ثم مات قبل خروج باقيه لم يرث؛ لأنَّه لمَّا خرج أكثره ميتًا فكما لو خرج كله ميتًا ([36]) .
    و الذي يظهر صوابه في هذه المسألة، هو قول الجمهور من أنَّ الجنين إذا خرج بعضُه حيًّا فاستهلَّ ثم انفصل باقيه ميتًا لم يرِث، لكونه أشبه ما لو مات قبل خروج أكثره، و الله أعلم .








    المبحث الثالث
    أحكام تتعلق بأمِّ السِّقط
    و فيه ثلاث مسائل:
    المسألة الأولى: حكم الدَّم النَّازل من المرأة بعد الإسقاط .
    المسألة الثَّانية: هل تنقضي عِدَّة الحامل بوضع السِّقط.
    المسألة الثالثة: حكم إجهاض المرأة .














    المسأَلَة الأُولَى
    * حكمُ الدَّمِ النَّازِلِ مِنَ المرأَةِ بَعدَ الإسقَاط *
    يختلف حكم المرأة بعد سقوط حملها باختلاف السِّقط من حيث تمام خلقه أو ظهورِ شيءٍ من أعضائه من عدم ذلك، ولهذه المسألة عددٌ من الصُّورٌ كغيرها من المسائل السَّابقة، اختلفوا في بعضها و أجمعوا على بعضها الآخر، و سأحاول بيان ما أجمعوا عليه مما اختلفوا فيه من ذلك، مع ترجيح ما يظهر لي رجحانه و صوابه بدليله من أقوال الفقهاء، و سأبدأ بما اتفقوا عليه، من الحالات :
    الحالة الأولى: إذا أسقطتِ المرأةُ جنينها ميتًا و هو تامُّ الخلقِ فالدَّم النَّازلُ منها و الحالة هذه، دمُ نفاسٍ بالإجماع، فلا تصلي ولا تصوم حتى تطهر([37]) .
    الحالة الثانية: أجمعوا على أنَّ الأمَة تكونُ أم ولدٍ بما تُسقطه من ولدٍ تامِّ الخلق([38]).
    الحالة الثالثة: إذا مجَّتِ الرَّحم النُّطفة في طورِها الأوَّل، قبل أن تكون علقةً، فلا يترتَّب على ذلك حكمٌ من أحكامِ إسقاطِ الحمل، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء([39]).
    و من الحالات التي هي محلُّ خلافٍ بين الفقهاء .
    إذا أسقطتِ الحاملُ جنينًا غير تامِّ الخلق:
    ففي هذه الصورة فرَّق الحنفية و الحنابلة بين ما إذا تبين في السِّقط خُلُق الإنسان، أو ظهرت فيه بعض الأعضاء كالوجه، و اليد، والرِّجل، ولو كان ظهورها ليس بواضح، ففي هذه الحالة يعتبر الدم النازل من المرأة دم نفاس، يترتب عليه ما يترتب على المرأة النفساء من ترك الصلاة والصيام، وعدم معاشرة زوجها لها .
    وأما إذا لم يتبين في السِّقط شيءٌ من خلق الإنسان وأعضائه، فالدَّم النَّازل منها والحالة هذه لا يعتبر دم نفاسٍ، بل هو دم فسادٍ لا يمنعها من الصلاة والصيام، فتتحفظ منه المرأة بخرقة ونحوها وتتوضأ وتصلي وتصوم كغيرها من النساء الطاهرات .
    قال المرداوي في " الإنصاف "(1/387):« يثبت حكم النفاس بوضع شيء فيه خلق الإنسان، على الصحيح من المذهب، ونص عليه(يعني: الإمام أحمد )، قال ابن تميم، وابن حمدان وغيرهما: ومدَّة تبيُّن خلق الإنسان غالبًا ثلاثة أشهرٍ، وقد قال المصنف في هذا الكتاب في باب العدد: وأقلُّ ما يتبيَّن به الولد: واحدٌ وثمانون يومًا، فلو وضعت علقةً أو مضغةً لا تخطيطَ فيها، لم يثبت لها بذلك حكمُ النِّفاس»([40]) .
    وقال الإمام السرخسي من الحنفية في " المبسوط" ( 3/ 213): « فأمَّا إذا أسقطت سقطًا، فإن كان قد استبان شيءٌ من خلقه فهي نُفَساء فيما ترى من الدَّم بعد ذلك، وإن لم يَستَبِن شيءٌ من خلقِه فلا نِفاسَ لها »انتهى .
    و ذهب المالكيَّة إلى أنَّ كل ما تُسقِطه المرأةُ من دمٍ مجتمعٍ فما فوقه تُعتبر به نفساء، و لو لم يتبيَّن فيه شيءٌ من خلق الإنسان، بشرط أنه إذا صُبَّ عليه الماء الحار لم يذُب، قال النَّفراوي في " الفواكه الدواني "(2/197):« وَلَوْ كَانَ الْجَنِينُ دَمًا مُجْتَمِعًا بِحَيْثُ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ لَا يَذُوبُ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ عِنْدَنَا فِي بَابِ الْغُرَّةِ وَالْعِدَّةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْمُتَخَلِّقِ »انتهى .
    و وافقهم الشَّافعيَّة على عدم اشتراط ظهورٍ شيءٍ من أعضاء الجنين، لثبوت النِّفاس، و زادوا عليهم: شهادةُ القوابِل بأنَّ ما ألقته لحمُ آدميٍّ .
    قال النووي في " المجموع " ( 2/ 532): « قال أصحابنا: لا يُشترَط في ثُبوتِ حكمِ النِّفاس أن يكون الولدُ كاملَ الخِلقة ولا حيًّا، بل لو وضَعت ميتًا أو لحمًا تصوَّر فيه صورةُ آدميٍّ أو لم يتصوَّر، و قال القوابِل إنَّه لحمُ آدميٍّ، ثبتَ حكمُ النِّفاس، هكذا صرَّح به المتولي وآخرون »انتهى.
    و انتصر القرطبي في " تفسيره" (14/316) لقول المالكية و من وافقهم و احتجَّ له بقوله: « النُّطفة ليست بشيءٍ يقينًا، ولا يتعلَّق بها حكمٌ إذا ألقتها المرأةُ إذا لم تجتمع في الرَّحم، فهي كما لو كانت في صلبِ الرجل... فإذا طرحته علقةً فقد تحقَّقنا أنَّ النُّطفة قد استقرَّت واجتمعت واستحالت إلى أوَّل أحوال ما يتحقَّق به أنه ولد .
    وعلى هذا؛ فيكون وضعُ العلقةِ فما فوقها من المضغةِ وضعُ حملٍ تبرأُ به الرَّحم وتنقضي به العدة، وهذا مذهب مالك رضي الله عنه وأصحابه »انتهى .
    كما علَّل هؤلاء مذهبهم بقولهم: إنَّ الدَّم يجوز أن يفسُد، ولا ينشأ منه إِنسانٌ، فإذا صار إلى مضغةَ لحمٍ فقد تيقَّنَّا أنَّه إنسانٌ، فدمُها دمُ نِفاس([41]).
    و الذي يترجَّح من هذه الأقوال و الله أعلم هو ما ذهب إليه الحنابلة و الحنفية من أنَّ الجنين إذا كان قد تخلَّق و ظهرت فيه بعضُ الأعضاء فالدَّم النَّازل من المرأة يُعتبر دم نفاس، وإذا لم يكن الجنين قد تخلَّق بعدُ ولم يظهر شيءٌ من أعضائه و لم يشهد القوابل على أنه مبتدأ خلق الإنسان فالدَّم النَّازل من المرأة بعد إسقاطها و الحالة هذه يُعتبرُ دمُ فساد، و يكون حكم المرأة السَّاقطِ حملها حكم المستحاضة .
    و المستحاضة في حكم النِّساء الطاهرات فتتوضَّأ للصَّلاة وتصوم و يأتيها زوجها.
    و تَعليل ذلك عند من قال به: إنَّ الحمل إذا سقط و لم يُخلَّق، يحتمل أن يكون دمًا متجمِّدًا، أو قطعة لحمٍ ليس أصلها الإنسان، ومع الاحتمال لا يكون نِفاسًا؛ لأنَّ النِّفاس له أحكام منها: إِسقاط الصَّلاة والصَّوم، ومنع زوجها منها، فلا نرفع هذه الأشياء إِلا بشيء مُتيقَّنٍ، ولا نتيقَّن حتى نتبيَّن فيه خَلْقَ الإِنسان([42]).
    وأقلُّ مُدَّة يتبيَّن فيها خَلْقُ الإِنسان واحدٌ وثمانون يوماً؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه المتقدِّم وفيه: « أربعون يوماً نطفة، ثم علقة مثل ذلك ».
    فهذه ثمانون يومًا، قال: « ثم مضغة »، وهي أربعون يومًا، وتبتدئ من واحدٍ وثمانين، فإِذا سقط لأقلَّ من ثمانين يومًا، فلا نِفاس، والدَّمُ حكمُه حكمُ دم الاستحاضة.
    وإِذا ولدت لواحدٍ وثمانين يومًا فيجب التثبُّتُ، هل هو مخلَّق أم غير مخلق؛ لأن الله قسَّمَ المُضْغَة إِلى مخلَّقة، وغير مخلَّقة.. بقوله: ﭐﱣ ﭐ [الحج: 5]، فجائزٌ ألَّا تُخلَّق([43]) .
    قال الحافظ ابن حجر في " الفتح "(11/589): « ودلَّتِ الآية المذكورة على أنَّ التَّخليقَ يكونُ للمضغة، وبيَّن الحديثُ أنَّ ذلك يكون فيها إذا تكاملت الأربعين وهي المدة التي إذا انتهت سُمِّيت مضغةً »انتهى .
    المسألة الثانية
    * هل تنقضي عِدَّةُ الحاملِ بِوضعِ السِّقط *
    لم يختلف العلماء في أن عدَّة المرأة المطلَّقة الحامل أن تضع حملها، و أن عدَّة الحائض بمرور ثلاث حِيض، و التي لا تحيض بمرور ثلاثة أشهر، واختلفوا في المتوفى عنها زوجها وهي حامل .
    فقال جماهير العلماء من السلف و الخلف : عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع حملها، شأنها شأن المطلقة لعموم قوله تعالى: ﱣﭐ [الطلاق: 4] .
    و ذهب بعضهم: إلى أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، فلو وضعت قبل أربعة أشهر وعشر مثلًا بقيت معتدة إلى آخرها .
    ولو توفي عنها زوجها وهي حامل ثم لم تضع بعد مرور أربعة أشهر وعشرًا فإنها تبقى في عدتها إلى حين وضع الحمل .
    قال الإمام النووي رحمه الله: «فأخذ بهذا جماهير العلماء من السلف والخلف فقالوا: عدة المتوفى عنها بوضع الحمل حتى لو وضعت بعد موت زوجها بلحظة قبل غسله انقضت عدتها وحلت في الحال للأزواج، هذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا رواية عن علي وابن عباس وسحنون المالكي: أن عدتها بأقصى الأجلين » ([44]) .
    ويبقى الإشكال في المرأة التي أسقطت جنينها وهي مُعتدَّةٌ من طلاقٍ أو وفاة، هل تنقضي عدتها بهذا السِّقط أم لا؟
    و في ذلك تفصيلٌ على النَّحو الآتي:
    إذا ألقت حملها وهو في طور العلقة.
    فمذهب مالك رحمه الله: أنها تنقضي عدَّتها بإسقاط العلقة المذكورة.
    واحتجَّ المالكية: بأنَّ العلقةَ المذكورةَ يصدُقُ عليها أنَّها حملٌ، فتدخلُ في عمومِ قوله تعالى: ﱣﭐ [الطلاق: 4] .
    قال ابن العربي المالكي([45]): لا يرتبط بالجنين شيءٌ من هذه الأحكام إلَّا أن يكونَ مخلَّقًا يعني مصورًا، وذهب جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة وغيرهم: إلى أن وضع العلقة لا تنقضي به العدَّة، قالوا: لأنَّها دمٌ جامدٌ ولا يتحقَّقُ كونه جنينًا » ([46]).
    و قال ابن قدامة في " المغني " (9/114) مُنتصرًا لقول الجمهور:« فلا تنقضي العدة بوضع ما قبل المضغة بحال سواءٌ كان نطفةً أو علقةً، وسواءٌ قيل إنه مبتدأ خلق آدمي أو لم يقل، نصَّ عليه أحمد فقال : أما إذا كان علقةً فليس بشيء، إنما هي دم لا تنقضي به عدة ولا تعتق به أمة، ولا نعلم مخالفًا في هذا إلَّا الحسن فإنه قال : إذا علم أنها حمل انقضت به العدة وفيه الغرة، والأول أصح وعليه الجمهور »انتهى .
    و قال النووي رحمه الله في " شرح مسلم " (10/348-349):« قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: سواءٌ كان حملها ولدًا أو أكثر كامل الخلقة، أو ناقصها، أو علقةً أو مضغةً فتنقَضي العدَّة بوضعه إذا كان فيه صورةُ خلقِ آدميٍّ سواءٌ كانت صورةً خفيَّةً تختصُّ النِّساء بمعرِفَتها أم جليَّةً يعرفُها كلُّ أحدٍ، ودليله إطلاقُ سبيعة من غير سؤال عن صفةِ حملها([47]) »انتهى .
    إذا ألقت سِقطًا تبيَّن فيه خُلُق الإنسان .
    إذا و ضعتِ الحاملُ سقطًا تبيَّن فيه خلُق الإنسان، انقضت عدَّتها بالإجماع، نقله ابن المنذر في " الإشراف " ( ص 282 ) فقال:« أجمعَ كلُّ من نحفظُ عنه مِن أَهلِ العلمِ على أنَّ عِدَّة المرأة تَنقَضي بالسِّقط تُسقِطُه إذا عُلِم أنَّه ولد »انتهى .
    و قال شيخ الإسلام في " مجموع الفتاوى " (34/98): « وإذا ألقت سقطًا انقَضَت به العدَّة وسقَطت به النَّفقَة وسواءٌ كان قد نُفخَ فيه الرُّوح أم لا، إذا كان قد تبيَّن فيه خلق الإنسان »انتهى .
    إذا أسقطت المرأة النطفة في طورها الثالث: أعني كونها مضغة: فلذلك أربع حالات لخَّصها العلامة الشنقيطي رحمه الله في كتابه الماتع " أضواء البيان " (5/36-37) مستفيدًا أصلها من كتاب " المغني " لابن قدامة([48]) فقال:
    الأولى: أن يكون ظهرَ في تلكَ المضغةِ شيءٌ من صورةِ الإنسان، كاليدِ والرِّجل، والرَّأس ونحو ذلك، فهذا تَنقَضي به العدَّة، وتلزَمُ فيه الغُرَّة، وتَصيرُ به أمُّ ولدٍ، وهذا لا خلاف فيه بين من يُعتدُّ به من أهل العلم.
    الحالة الثانية: أن تكون المضغةُ المذكورةُ لم يتبيَّن فيها شيءٌ من خلقِ الإنسان، ولكن شهِدت ثقاتٌ من القوابلِ أنَّهنَّ اطَّلعن فيها على تخطيطٍ، وتصويرٍ خفيٍّ، والأظهر في هذه الحالة: أن حكمها كحكم التي قبلها([49]) لأنه قد تبيَّن بشهادة أهل المعرفة، أن تلكَ المضغة جنينٌ لما اطَّلعوا عليه فيها من الصُّورة الخفيَّة.
    الحالة الثالثة: هي أن تكون تلكَ المضغةُ المذكورةُ، ليس فيها تخطيطٌ، ولا تصويرٌ ظاهرٌ، ولا خفيٌّ، ولكن شهدت ثقاتٌ من القوابِلِ أنَّها مبدأُ خلقِ آدميٍّ.
    وهذه الصورة فيها للعلماء خلاف، فقال بعض أهل العلم: لا تنقضي عدتها بها، ولا تصيرُ أم ولدٍ، ولا يجبُ على الضَّارب المسقِط لها الغرَّة.
    قال ابن قدامة في " المغني "(12/501): وهذا ظاهرُ كلامُ الخرقي والشَّافعي، وظاهر ما نقله الأثرم عن الإمام أحمد رحمه الله، وظاهرُ كلامِ الحسنِ والشَّعبي، وسائرِ منِ اشتَرط أن يتبيَّن فيه شيءٌ من خلقِ الإنسان؛ لأنَّه لم يتبيَّن فيه شيءٌ من خلقِ الآدمي، فأَشبَه النُّطفة والعَلَقة.
    وقال بعض أهل العلم: تنقضي عدَّتها بِوضعِ المضغَة المذكورَة، وتصيرُ به أمُّ ولدٍ، وتجبُ فيها الغرة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
    وقال بعض أهل العلم([50]): لا تنقضي بها العدَّة، وتصير به أم ولد .
    قال مُقيِّدُه عفَا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أنه إذا شهد ثِقاتٌ من القوابِل العارفاتِ، بأنَّ تِلكَ المضغة مبدأُ جنينٍ، وأنَّها لو بَقِيت لتَخلَّقت إنسانًا، أنَّها تنقَضي بها العدَّة، وتصيرُ بها الأمة أمُّ ولدٍ.. .
    الحالة الرابعة: أن تكون تلك المضغة، ليس فيها تصويرٌ ظاهرٌ، ولا خفيٌّ، ولم تشهد القوابل بأنَّها مبدأُ إنسانٍ، فحُكمُ هذه كحُكمِ العَلَقة: وقد قدَّمناه قريبًا مستوفى »انتهى .
    و تبقى صورةٌ مهمة ينبغي معرفة حكمِها، وهي فيما إذا شكَّ القوابل و تردَّدوا و لم يتأكَّدوا من المضغة هل هي مبدأ خلقِ آدميٍّ أم لا؟ ففي هذه الحالة لا يثبت شيءٌ من الأحكام لعدم الجزم .
    قال النووي في " روضة الطالبين " (6/353): « و لو شكَّ القوابِلُ في أنه لحمُ آدميٍّ، أم لا، لم يثبت شيءٌ من هذه الأحكام، بلا خلاف »انتهى .
    المسألة الثالثة
    * حكم إجهاض المرأة *
    و نقصِد بالإجهاض في هذا الموضع إسقاط المرأة لجنينها عمدًا، إمَّا بنفسها أو بواسطة غيرها .
    و للإجهاض دوافع كثيرة، و أسباب مختلفة، و معاذير متنوعة، يتذرَّع بها أصحابها، لتبرير فعلتهم، منها: كون الجنين مُشوَّهًا مثلًا، أو بدافع خشية المشقة في تربية الأولاد و توفير نفقتهم، أو لأجل التَّخلُّص من الجنين إذا كان من سفاح و علاقة محرَّمة، أو لكونه يُشكِّلُ خطرًا على حياة الأم، و ما إلى ذلك من الدَّوافع و المُبرِّرات، التي يشملها ما سيذكر من أحكامٍ في هذا المبحث .
    و مسألة الإجهاض من المسائل التي تباينت فيها آراء العلماء و الفقهاء، و تعدَّدت فيها الأقوال، و اختلفت فيها الاجتهادات، و كثر فيها الكلام ، لاسيما في الوقت الرَّاهن، فكم كُتِب في بيان حكمها الشرعي من بحوثٍ و رسائل بل ومؤلفات، و كم عُقِد لأجلها من ندواتٍ و مؤتمرات، للهيئات العلمية، و المجامع الفقهية .
    و عند الكلام على مسألة الإجهاض عمومًا لابدَّ من التَّفريق بين مرحلتين أساسيتين عند العلماء:
    مرحلة ما بعد نفخ الرُّوح في الجنين .
    و مرحلة ما قبل نفخ الرُّوح فيه .
    فبالنِّسبة لمرحلة ما بعد نفخ الرُّوح في الجنين، فقد نقل غير واحد إجماع العلماء على تحريم الإجهاض في هذه المرحلة تحت أيِّ دافعٍ كان .
    قال ابن جُزَيٍّ في " القوانين الفقهية " (ص 235): « و إذا قبض الرَّحِم المني لم يجز التَّعرُّض له، وأشدُّ من ذلك إذا تخلَّق، وأشدُّ من ذلك إذا نُفخ فيه الرُّوح؛ فإنه قتل نفسٍ إجماعًا »انتهى .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في " مجموع الفتاوى " (34/ 160):« إسقاطُ الحملِ حرامٌ بإجماعِ المسلمين، وهو من الوأد..»انتهى .
    و قد سبق في المباحث المتقدمة بيان المدَّة التي يُنفَخُ فيها الرُّوح في الجنين، و أنَّ ذلك يكون بعد الأشهر الأربعة الأولى، كما دلَّ عليه حديث الصادق المصدوق، و غيره، وكذا إجماع العلماء .
    قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (11/ 588): « اتَّفق العلماءُ على أنَّ نفخَ الرُّوح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر »انتهى .
    و يبقى الكلام في حكم إجهاض الجنين بعد نفخِ الرُّوح فيه عند الضَّرورة، كأن يُقرٍّر الأطبَّاء أنَّ في بقاء الجنين خطر على حياةِ الأمِّ، ولا سبيلَ إلى إنقاذِهما معًا فإمَّا أن يسلم الجنين و تموت أمُّه، وإمَّا أن نُنقِذَ أمَّه و يهلك هو .
    وهذه صورةٌ اختلفت فيها أنظار العلماء([51]) .
    فمنهم من ذهب لعدم جواز الإجهاض ولو كان في بقاء الجنين خطر على حياة الأم، أو ثبت كونه مُشوَّهًا تشويهًا واضحًا.
    و علَّلوا ذلك: بأنَّه لا يجوز إحياء نفسٍ بقتلِ أُخرى، حيث لم يرد في الشَّرع .
    ولأنَّنا إذا أسقطناه فقد تعمَّدنا قتل نفسٍ مؤمنة، وإذا تركناه وماتت الأم لم يكن هذا من فعلنا، بل هو من تقدير الله سبحانه وتعالى.
    وقد يُقدِّر الأطبَّاء شيئًا، ويجزموا به، ولا يقع، وإذا كان كذلك، فلا يجوز دفع مفسدةٍ مُتوقَّعة بارتكاب مفسدةٍ مُحقَّقة، وقد نُسقِط الجنينَ ولا تسلم الأم .
    يقول ابن نُجيم من الحنفية في " البحر الرائق " (8/ 233): « و في النَّوادر امرأة حاملٌ اعترض الولد في بطنها، ولا يمكن إلا بقطعه أرباعًا، ولو لم يُفعل ذلك يُخاف على أمِّه من الموت، فإن كان الولدُ ميتًا فلا بأس به، وإن كان حيًّا، فلا يحوز؛ لأنَّ إحياءَ نفسٍ بقتل أخرى لم يرد في الشرع ».
    بينما ذهب آخرون إلى أنه لابأس بإجهاض الجنين في مثل هذه الحالة .
    وهذا الذي أفتت به « هيئة كبار العلماء » بالمملكة العربية السعودية في بيانها الصادر ( برقم 140 ) عن مجلسها المنعقد بتاريخ ( 20/6/1407)، فقد جاء فيه:
    « بعد الطَّور الثَّالِثِ، وبعد إكمالِ أربعةِ أشهرٍ للحمل لا يحلُّ إسقاطه حتىَّ يُقرِّر جمعٌ من الأطبَّاء المتَخصِّصين الموثوقين أنَّ بقاءَ الجنينِ في بطن أمِّه يُسبِّبُ موتها، وذلك بعد استنفادِ كافَّة الوسائِل لإنقاذِ حياتِه، وإنَّما رُخِّص في الإقدام على إسقاطه بهذه الشروط دفعًا لأعظَم الضَّررين وجلبًا لعُظمى المصلحتين »انتهى .
    و لعلَّ هذا الرَّأي هو الصواب إن شاء الله تعالى .
    يُؤيِّده ما قرَّره الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه " مفتاح دار السعادة " (2/17) في سياق كلامه على قاعدة: « العمل عند تعارض المصالح و المفاسد »، حيث قال: « إذا تترَّس الكُفَّار بأسرى من المسلمين بعدد المقاتِلة، فإنَّه لا يجوز رميُهم إلَّا أن يُخشى على جيشِ المسلمين، وتكون مصلحةُ حفظِ الجيشِ أعظمَ من مصلحةِ حفظِ الأَسرى، فحينئذٍ يكون رميُ الأسرى، ويكون من باب دفعِ المفسدتينِ باحتمالِ أدناهما، فلو انعكس الأمر، وكانت مصلحةُ الأسرى أعظم من رميِهم لم يجُز رميُهم.
    فهذا البابُ مبنيٌّ على دفعِ أعظمِ المفسدتينِ بأدناهما، وتحصيلِ أعظمِ المصلحتينِ بتفويتِ أدناهما، فإن فرض الشك، وتَساوى الأمران لم يجُز رميُ الأسرى »انتهى.
    وعلَّل من أجاز إسقاط الجنين عند الضَّرورة حفاظًا على حياة أمِّه، بقولهم: إنَّما رخَّصنا الإقدام على إسقاطِ الجنين دفعًا لأعظم الضَّررين، وجلبًا لعظمى المصلحتين؛ فإنَّ إنقاذَ الأم أعظمُ مصلحةً من إنقاذ الجنين للأسباب التالية:
    الأول: أنَّ الأمَّ هي أصل الجنين، فإنقاذها أولى.
    الثاني: أنَّ الأمَّ غالبًا ما يكون لها أطفال، ومن الممكنِ أن يتعرَّضوا لمتاعبَ كثيرةٍ بعد وفاة أمِّهم، والأُسرة كثيرًا ما تتمزَّق إذا فقَدَت أحدَ أعضَائها البارزين، فكم من طفلٍ تشرَّد، وساءت تربيته بسببِ فقدانِه لأُمِّه، وأهمية الأمِّ في الأسرة عظيمة؛ إذ إنها أصل المجتمع، بخلاف الجنين فلا تعلُّق به لأحد.
    ثالثًا: حياةُ الأمِّ قطعيةٌ، وحياةُ الجنينِ محتملة، والظَّني أو الاحتمالي لا يُعارِض القطعيَّ المعلوم، فإنقاذ الأمِّ أولى.
    رابعًا: الأمُّ أقلُّ خطرًا، وتعرُّضًا للهلاك من الجنين في مثل هذه الظروف، مما يجعل إنقاذها أكثر نجاحًا من إنقاذ جنينها؛ لذا تُعطى الأولوية في الإنقاذ كلُّ ذلك يؤكِّد أهميَّة إنقاذِ الأمِّ دون الجنين عند تساوي الأمر في إنقاذهما([52]) .
    * و أمَّا بالنسبة لحكم الإجهاض قبلَ نفخِ الرُّوح في الجنين ففيه الخلاف الطويل و العريض بين فقهاء المذاهب، فمن قائلٍ بالتَّحريم، و قائلٍ بالكراهة، و قائلٍ بالإباحة، على تفصيلاتٍ في ذلك عند بعضهم([53])، و هذا بعد اتِّفاقهم على أصل المنع إلَّا لمسوِّغٍ شرعيٍّ، و عذرٍ بيِّنٍ، و مصلحةٍ راجحة، عند من أفتى بإباحته مطلقًا أو مع الكراهة، و لعلَّ هذا هو الصحيح من أقوالهم و الله أعلم .
    و أمَّا اللُّجوء إلى الإجهاض في هذه الحالة إذا كان الدَّافع إليه هو تشوُّه الجنين ففيه تفصيلٌ، يُنظر فيه إلى:
    أوَّلًا: إثبات تشوُّه الجنين حقيقة، و يمكن تقسيم التشوُّهات الخلقية لدى الجنين إلى ثلاثة أقسام :
    1- تشوهات لا تؤثر على حياة الجنين .
    2- تشوهات يمكن للجنين أن يعيش معها بعد الولادة، فمثلًا الطفل الذي يولد مختلَّ العقل أو لديه شللٌ جزئيٌّ فإنَّه يمكن أن يعيش وكذلك الطفل الذي يولد بكليةٍ واحدة يمكنه أن يعيش بالكلية الأخرى .
    على أنَّ بعض هذه التشوهات يمكن إصلاحها بعد الولادة مثل تشوهات المعدة والأمعاء، و نحوها .
    وبعضها قد يتدرَّج في شدَّته وفي المدَّة الزَّمنية التي يعيشها الطفل بعد الولادة مثل استسقاء الرأس الذي قد يكون بسيطًا أو شديدًا، يولد معه الطفل حيًّا ويموت خلال أيام أو أشهر .
    3- وهناك تشوهات خطيرة لا يرجى معها للجنين حياة بعد الولادة، فهو سيموت قطعًا عند الولادة أو بعيدها مباشرة »([54]).
    و في مثل هذه الصورة الأخيرة حصل خلافٌ بين العلماء و كذا بين المجامع الفقهية، أي: في حكم إجهاض الجنين المشوَّه تشويهًا خطيرًا، قبل مرور أربعة أشهرٍ من الحمل .
    فذهب " مجمع الفقه الإسلامي " إلى جواز ذلك، بقيودٍ، فقد جاء في إحدى قراراته ما مفاده:
    « قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثِّقات وبناءً على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مشوَّه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيِّئة وآلامًا عليه وعلى أهله فعندئذٍ يجوز إسقاطه بناءً على طلب الوالدين .
    والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر » ([55]) .
    و إلى هذا القول ذهب العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين، فقد سئل رحمه الله: إذا قرَّر الأطباء بأنَّ هذا الطِّفل مشوَّهٌ خِلقةً في بطن أمه، وأشار الطبيب بإسقاط هذا الجنين ووافقت الأم على ذلك، وذكر بأن إسقاطه سيكون بالأشعة، فما حكم إسقاطه، وما هي الأحكام المترتبة على ذلك؟
    فكان مما أجاب به رحمه الله أن قال: « أما إذا كان الجنين قد نفخت فيه الروح، وتنفخ فيه الروح إذا تم له أربعة أشهر، فهذا لا يجوز إسقاطه بأيِّ حالٍ من الأحوال سواءٌ كان مشوهًا، أو أصيبت الأم بمرض لو بقي حتى الوضع لهلكت فإنه لا يجوز إسقاطه أبدًا.. .
    هذا إذا كان بعد نفخ الرُّوح فيه، وهو ما تمَّ له أربعة أشهر، أمَّا إذا كان قبل ذلك فالأمر فيه أهون.. إذا كان قبل ذلك فلا بأس، إذا قرَّر الأطباء أنه سيخرج مشوَّهًا و يَتعب هو و يُتعب أهله، أو قالوا: إنَّ بقاءه يكون سببًا لهلاك أمه فحينئذٍ لا حرج أن نُجهض هذا الحمل »([56])
    بينما ذهبت " اللجنة الدَّائمة للإفتاء "بالمملكة العربية السعودية إلى عدم جواز ذلك لاحتمال أنَّ الله يعافيه فيما بقي عليه من مدة الحمل وتزول عنه تشوُّهاته .
    فقد سئلت " اللجنة " برئاسة العلامة ابن باز رحمه الله عن امرأةٍ حامل في الأسبوع ، وأثناء مراجعتها في المستشفى.. اكتشف أن الجنين مشوه ، وذلك بعدم وجود الجزء العلوي من الجمجمة.. وعرضت على طبيبين استشاريِّين ، فأثبت فحصهما لها بالأشعة فوق الصوتية وجود نفس التشوه السابق، وقد ثبت علميًا بأنَّ هذه الحالات لا تكتب لها الحياة بعد الولادة إلا لدقائق معدودة، حيث لا يوجد للدِّماغ أي ساتر، وثبت كذلك أن مثل هذا الحمل إذا استمرَّ قد تتأخَّر الولادة، و يكبر حجم الجنين مما يسبب مضاعفات للأم الحامل، قد تؤدي إلى إجراء عملية كبرى وفتح بطن المريضة في بعض الأحيان، وما يصاحب ذلك من آثار و مضاعفات، بالإضافة إلى الحالة النفسية التي تعانيها المريضة طوال الفترة المتبقية من الحمل، مما يكون له الأثر السلبي على صحتها وعلى عائلتها وأولادها .
    فكان جواب اللجنة كما يلي: لا يجوز إسقاطه من أجل التشوه الذي ذكر في السؤال، مع العلم بأنه قد يشفيه الله بما بقي من المدة، ويولد سليما، كما قد وقع ذلك لكثير من الناس، و بالله التوفيق » ([57]) .
    و جاء في إحدى " فتاوي اللجنة " كذلك ما نصُّه:« لا يجوز إجهاض الحمل بحجة أنه مشوَّهٌ و ناقص الخِلقة، أو كبيرُ حجم الرأس، بل يترك أمره إلى الله سبحانه وتعالى »([58]) .
    هذا ما تيسَّر لي جمعه بحول الله و قوته في هذه المسألة فالحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، فإن كنت أصبتُ في عملي هذا فبتوفيق الله، و إن كنت أخطأت فيه أو في بعضه، فمن نفسي و من الشيطان و الله ورسوله و دين الإسلام من ذلك براء .
    أسأل الله أن يتقبَّل منِّي عملي، و أن ينفع به، و أن يدَّخر لي أجره ليوم لقائه .
    و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



    ([1]) "القاموس المحيط"(ص671 ، مادة: سقط )، " المصباح المنير" (1/280) بتصرف يسير .

    ([2]) "المغني" لابن قدامة (2/393) .

    ([3]) "جامع البيان " (18/567) .


    ([4]) " فتح الباري " (2/210) .

    ([5]) " منح الجليل " (1/511) .

    ([6]) (4/419) مع « حاشية العدوي » .

    ([7]) انظر:" نيل الأوطار "(6/186)، و " المجموع "(16/110) .

    ([8]) (1/438) مع « حاشية العدوي » .

    ([9]) انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص30)، وسيأتي من كلام ابن قدامة في «المغني» .

    ([10]) شرح مسلم للنووي(7/51) .

    ([11]) "معالم السنن" للخطابي(1/308) .

    ([12]) "الاستذكار" (8/260) .

    ([13]) أخرجه البخاري(3208) ومواضع أخر، ومسلم (2643) .

    ([14]) قال العلامة الألباني رحمه الله في حاشية المصدر المذكور:« انظر « نصب الراية » (2 / 277) و « التلخيص » (5 / 146 - 147) و « المجموع » (5 / 255)، وكتابي " نقد التاج الجامع للأصول الخمسة " (رقم 293)، وإنما صح الحديث بدون ذكر الصلاة فيه، كما حققته في " إرواء الغليل " (1704) يسر الله طبعه .

    ([15]) من حديث سمرة رضي الله عنه، و صححه العلامة الألباني في " الإرواء "(4/385) .

    ([16]) انظر: " تحفة المودود " لابن القيم (ص70)، وكذا: رسالة شيخنا العلامة محمد علي فركوس « 40 سؤالًا في أحكام المولود » (ص59) .

    ([17]) فتاوى اللجنة الدائمة (11/447) ..

    ([18]) قال العلامة الألباني رحمه الله في " أحكام الجنائز " (ص40):« أخرجه أحمد (4 / 201 - 5 / 323)، والدارمي (2 / 208)، و الطيالسي (582) وإسناده صحيح .

    ([19]) "فتح الباري " لابن حجر (16/109) .

    ([20]) " شرح مسلم " للنووي (11/176) .

    ([21]) " المجموع " (19/60)، " المغني " (9/536)، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (34/160) .

    ([22]) " المغني " (7/198) .

    ([23]) " المغني " (9/552) .

    ([24]) " المغني " (11/521) .

    ([25]) " ابن عابدين " ( 5 / 377 )، و " الدسوقي " ( 4 / 268 )، و" أسنى المطالب " ( 4 / 94)، و " المغني " ( 7 / 806 )، بواسطة " الموسوعة الفقهية " (32/158) .

    ([26]) أخرجه البخاري (6905)، و مسلم(1682) .

    ([27]) انظر التخريج السابق .

    ([28]) و لفظه:« لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا »، و حسنه العلامة الألباني في "إرواء الغليل" برقم (2304) .

    ([29]) " المغني " (9/503) .

    ([30]) " الموسوعة الفقهية " (2/70).

    ([31]) أخرجه أبو داود ( 2920 )، و ابن ماجه ( 2751 ) وصححه العلامة الألباني في « السلسلة الصحيحة » (1/285) .

    ([32]) في " نيل الأوطار "(6/94) .

    ([33]) " التهذيب في الفرائض" (ص316) .

    ([34]) " التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" (ص220) .

    ([35]) " المغني " (2/393) .

    ([36]) " العذب الفائض" (2/122)، " التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية" (ص220) .

    ([37]) " أضواء البيان" (5/37)، " الشرح الممتع "(1/508) .

    ([38]) " الجامع لأحكام القرآن " (14/318 ) .

    ([39]) " أضواء البيان " (5/ 34 ) .

    ([40]) و قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: « و لا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان ، فلو وضعت سقطاً صغيراً لم يتبين فيه خلق إنسان فليس دمها دم نفاس ، بل هو دم عرق ، فيكون حكمها حكم الاستحاضة ، وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان ثمانون يوماً من ابتداء الحمل ، وغالبها تسعون يوماً» انتهى، من رسالة « الدماء الطبيعية للنساء » (ص40) .

    ([41]) " الشرح الممتع " (1/508) .

    ([42]) و يمكن إزالة هذا الاحتمال، و التَّيقُّن من حقيقة هذه المضغة أو القطعة من اللحم، أهي مبتدأ خلق الإنسان أم لا، وذلك بالرجوع إلى وسائل الطب الحديثة لمن تيسر لها ذلك، أو باستشارة بعض المختصِّين حتى يحصل اليقين الذي تندفع به الاحتمالات، لاسيما و أن المسألة تتعلق بها أحكام شرعية مهمة .

    ([43]) " الشرح الممتع " (1/509) .

    ([44]) « شرح مسلم » (10/348) .

    ([45]) « أحكام القرآن » (3/1261) .

    ([46]) « أضواء البيان» (5/35) .

    ([47]) يشير إلى حديث سُبيعة الأسلمية الذي أخرجه البخاري(3991)، ومسلم(3706) و فيه: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَهِيَ حَامِلٌ . فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا: تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا : مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً ؟ لَعَلَّكِ تُرَجِّينَ لِلنِّكَاحِ ، وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ .
    قَالَتْ سُبَيْعَةُ : فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ : جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي ، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي » .

    ([48]) (9/114) .

    ([49]) و هو قول الجمهور و الأئمة الأربعة، كما في "حاشية رد المحتار " (3/114) .

    ([50]) نقله ابن قدامة في " المغني"(12/501) عن الإمام أحمد، قال: وقد ذُكر هذا قولًا للشافعي: وهو اختيار أبي بكر، ونقل الأثرم عن أحمد: أن عدتها لا تنقضي به ولكن تصير أم ولد لأنه مشكوك في كونه ولدًا، فلم يحكم بانقضاء العدة المتيقنة بأمر مشكوك فيه، ولم يجز بيع الأمة الوالدة له مع الشك في رِقِّها، فيثبت كونها أم ولدٍ احتياطًا ولا تنقضي العدَّة احتياطا، ونقل حنبل أنها تصير أم ولد ولم يذكر العدة، فقال بعض أصحابنا: على هذا تنقضي به العدة وهو قول الحسن وظاهر مذهب الشافعي، لأنهم شهدوا بأنه خلقة آدمي أشبه ما لو تصور والصحيح أن هذا ليس برواية في العدة لأنه لم يذكرها ولم يتعرض لها »انتهى.
    .

    ([51]) " موسوعة أحكام الطهارة " (8/219) .

    ([52]) " المصدر السابق" (8/219) بتصرُّف .

    ([53]) و مُلخَّص أقوالهم في المسألة كما يلي: أئمَّة المذهب المالكي و معهم الغزالي الشافعي، مُتَّفِقون على تحريم الإجهاض مطلقًا، أي منذ أن يكون نطفة إلى مرحلة ما قبلَ نفخِ الرُّوح فيه، على أساس أن النُّطفة مستعدَّة لِقَبول الحياة، والجناية عليها ممنوعةٌ بأيِّ حالٍ من الأحوال؛ ففي إجهاضِ الجنينِ في مراحِلِه الأولى تعدٍّ على إنسانِيته وحقِّه في الحياة، حتى إنَّ الإمام الغزالي وصف إفساد التقاء النُّطفة مع البُويضة بالجناية، وإِفسادِ المضغَة والعلقَة جنايةٌ أفحَش من سابقتها، وهكذا، وهو القول الذي ذهب إليه بعض أئمة الأحناف، مثل الإمام السرخسي.
    أما الحنابلة والشافعية وبعض الفقهاء الحنفية فإنهم ذهبوا إلى أن منع التَّعدِّي على الجنينِ يكونُ من مرحلة المضغةِ فقط لا قبلها؛ لأنه لم يتصوَّر بعد، وأما في المرحلة الثانية من المضغة، وإن ظهر تصوُّرٌ قليلٌ فإن الرَّاجحَ أنَّه لا يعدُّ تعدِّيًا أو جنايةً، فأَسَاسُ التَّعدِّي هو بدأُ تخلُّق الجنين، وأما قبلها فإن المسألة مباحة، أي جواز إسقاط الجنين قبل الاثني والأربعين يومًا، و هي المرحلةُ التي يكونُ فيها الجنينُ وسطًا بين الوجودِ الإنسانيِّ وخلافه » .
    يُنظر " الإجهاض دراسة فقهية مقاصدية " بتصرُّفٍ يسير، و للمزيد يُنظر "الموسوعة الفقهية الكويتية" (2/70 و ما بعد )، و في المصدرين مراجع أقوال فقهاء المذاهب .

    ([54]) " قضايا طبية معاصرة في ضوء الشريعة الإسلامية "( ص 274-280 ) باختصار و تصرف يسير.

    ([55]) " قرارات مجمع الفقه الإسلامي " (ص 123 ).

    ([56]) " اللِّقاء الشَّهري" (ص 123 ).

    ([57]) " فتاوى اللجنة الدائمة" (21/440).

    ([58]) " المصدر السابق " (11/324).



  • #2
    جزاك الله خيرا بحث يحسن الاهتمام به ...بارك الله فيك

    تعليق


    • #3
      جزاكم الله خيرا أخي الشيخ ابراهيم وبارك الله فيكم ونفع بما تقدمون.

      تعليق


      • #4
        مقال وبحث طيب بارك الله فيكم
        اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
        وسيم بن أحمد قاسيمي -غفر الله له-

        تعليق


        • #5
          جزاك الله خيراً

          تعليق


          • #6
            جزاك الله خيرا على هذا البحث الماتع
            السقط مولود بلا كمال ونار قدح ومن الرمال
            منقطع وهو بكل حال في سينه التثليث بانتياب

            تعليق


            • #7
              جزاكم الله خيرا على مروركم الطيب إخواني الكرام، فقهنا الله و إياكم في الدين و علمنا ما ينفعنا و وفقنا للعمل بما علمنا و جعل علمنا حجة لنا لا علينا .

              تعليق


              • #8
                ..
                التعديل الأخير تم بواسطة إبراهيم بويران; الساعة 2019-01-23, 08:04 PM.

                تعليق

                الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 0 زوار)
                يعمل...
                X