بسم الله الرحمن الرحيم.
جمع ما صدّره العلامة البسام في توضيح الأحكام من بلوغ المرام بقوله: "فائدة".
[الجزء السابع والأخير].
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
جمع ما صدّره العلامة البسام في توضيح الأحكام من بلوغ المرام بقوله: "فائدة".
[الجزء السابع والأخير].
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فهذا جمع لما قال فيه العلامة البسام "فائدة" - أو فوائد أو فائدتان- في شرحه على بلوغ المرام الموسوم بـ : توضيح الأحكام، وهي فوائد عظيمة جليلة تشد إليها الرحال، أردت إتحاف إخواني بها مجموعة في موطن واحد لتسهل الإستفادة منها، وسأنشرها إن شاء الله تعالى على أجزاء في كل جزء منها نحوٌ من عشرين فائدة، وذلك حتى لا يستثقل كثرتها المطلع عليها، والله المستعان.
وقد جعلت في آخر كل فائدة: الكتاب والباب الذي وُضِعت تحته وكذا الصفحة، واعتمدت على طبعة: مكتبة الأسدي بمكة المكرمة.
الفائدة190: فيه أن بعض المكروهات إلى الله تعالى تكون مشروعة، فمن ذلك: الطلاق، ومنها: الصلوات المفروضة في البيوت، وبغض الطلاق جاء من أمور كثيرة، تقدم بعضها، ومنها أن من أحب الأشياء إلى الشيطان التفريق بين الزوجين؛ فينبغي أن يكون أبغض الأشياء عند الله تعالى. [كتاب النكاح ، باب الطلاق، 5/481].
الفائدة191: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن رجل ترك زوجته ست سنين، ولم يترك لها نفقة، ثم بعد ذلك تزوجت رجلا، ودخل بها، ثم حضر الزوج. فأجاب: إن كان النكاح الأول فسخ؛ لتعذر النفقة من جهة الزوج، وانقضت عدتها، ثم تزوجت الثاني، فنكاحه صحيح، وإن كانت زوجت الثاني قبل فسخ النكاح الأول، فنكاحه باطل. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/565].
الفائدة192: اختلف العلماء في جواز نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي منها، فأجمعوا على تحريمه إذا كان نظرها إليه لشهوة، واختلفوا فيما إذا كان نظرها بدون شهوة.
فذهب بعضهم: إلى التحريم.
وجمهور العلماء: على الإباحة والجواز. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/566].
الفائدة193: قال ابن القيم: الإحداد من محاسن هذه الشريعة، وحكمتها، ورعايتها للمصالح على أكمل وجه؛ فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت، التي لابد أن تحدث للمصاب من الجزع، والألم، والحزن، ما هو مقتضى الطباع، فسمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك، وما زاد فمفسدته راجحة، فمنع منه.
وأما الإحداد على الزوج: فإنه تابع للعدة بالشهور أو بوضع الحمل، وهو من مقتضيات العدة ومكملاتها. فالمرأة إنما تحتاج إلى التزين إلى زوجها، فإذا مات، وهي لم تصل إلى آخر، فاقتضى تمام حق الأول أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن، مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/576-577].
الفائدة194: قال الشيخ تقي الدين: تلزم المحدة منزلها، فلا تخرج بالنهار إلا لحاجة، ولا بالليل إلا لضرورة.
ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة، مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت متسترة، وهذا هو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن، وإن كانت خرجت لغير حاجة، أو باتت في غير منزلها لغير حاجة، أو تركت الإحداد، فتستغفر الله وتتوب إليه، ولا إعادة عليها، وإن كان بقي منها شيء، فلتتمه في بيتها.
ولها أن تجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدة. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/577].
الفائدة195: قال الشيخ عبد الله بن محمد: الذي يظهر من كلام أهل العلم: أن كلام المحدة مع الصديق والقريب وغيرهما إن كانت ممنوعة منه قبل الإحداد، فهو في الإحداد أشد منعا، وما كان مباحا لها فهو فيه مباح أيضا. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/577].
الفائدة196: أن الزوج الذي بقي وفيا معاشرا لزوجته، ولم يفرق بينهما إلا الموت، له حق أكبر من حق غيره؛ كما أنه الآن أصبح في حال لا يستطيع صيانة فراشه، ولا حفظ نسب أولاده؛ فصارت عناية الله تعالى بحقه نحو صون زوجته، ما دامت في عدته أعظم. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/577].
الفائدة197: أجمع العلماء على وجوب إحداد المرأة على زوجها، وإن اختلفوا في تفصيله وبعض أحكامه:
فالجمهور: على استواء المدخول بها وغيرها، وعلى الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، وعلى الحرة والأمة، والمسلمة والكتابية؛ هذا هو مذهب الجمهور.
وعند أبي حنيفة: لا تجب على الكتابية، ولا على الصغيرة، ولا على الأمة. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/577].
الفائدة198: قال الدكتور محمد بن علي البار في كتابه "خلق الإنسان بين الطب والقرآن": تفرز المرأة كل شهر بيضة واحدة، وتبقى منتظرة رفيقها الحيوان المنوي، فإذا جاءها موعد القدر، ولقح الحيوان المنوي في البيضة، فاتحدت النطفتان، ثم قفلت بابها، فلا يدخل حيوان آخر، وهاتان النطفتان المتحدتان تسمى: "نطفة الأمشاج".
فالتصقت بجدار الرحم، وانضم الرحم عليها أشد انضمام، وقفلت الباب، فلا يمكن أن يدخل حيوان آخر.
وصار الجنين يتغذى بواسطة الحبل السري، المتصل بسرة الجنين من طرف، ومن طرف آخر يتغذى بواسطة المشيمة؛ فيأخذ خلاصة الغذاء من أمه.
قال الطبيب البار: إذا لقح حيوان منوي بيضته صنعت حولها جدارا مقفلا، لا يستطيع أن يخترقه أي حيوان آخر، لا من هذا الوطء، ولا من وطء بعده، ولا من هذا الرجل، ولا من رجل آخر، فلو دخل البيضة حيوانان اثنان، فيعناه موت اللقيحة، وقذفها خارج الرحم.
وأما التوأمان فهما نوعان:
أحدهما: يحدث من حيوان واحد وبيضتين، فإذا تكونت اللقيحة، وانقسمت، وانفصلت، وتكون منها توأم متشابهة تمام التشابه.
النوع الثاني: توأم غير متشابهة، فهذا يلقح حيوانان منويان بيضتين، كل واحد منهما يلقح بيضة، وهما بذلك يشبهان الإخوة من أب وأم. اهـ.
قلت: أما القول بأن الرحم ينقفل بعد التلقيح، فغير صحيح، ففتحة الرحم تبقى كما هي، ويمكن وصول المني إلى الرحم، وإلى قناة فالوب ... ولعل هذا -والله أعلم- سقي الإنسان زرع غيره. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/592-593].
فائدة199: قال ابن القيم: قد وردت السنة على استبراء الحامل بوضع الحمل، وعلى استبراء الحائض بحيضة، فكيف سكت عن استبراء الآيسة، والتي لم تحض، ولم يسكت عنهما في العدة؟
قيل: لم يسكت عنهما -بحمد الله- بل بينهما بطريق الإيماء والتنبيه؛ فإن الله تعالى جعل عله الحرة ثلاثة قروء، ثم جعل عده الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فعلم أنه تعالى جعل في مقابلة كل قرء شهرا، ولهذا أجرى الله عادته الغالبة في النساء: أن المرأة تحيض كل شهر حيضة، وبينت السنة: أن استبراء الأمة الحائض بحيضة، فيكون الشهر قائما مقام الحيضة. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/603-604].
فائدة200: كل هذه الاحتياطات والصيانة محافظة على الأنساب، وتثبيتا للأعراق؛ لئلا تختلط المياه، فيضيع النسب، وتفقد الأصول؛ فقد لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- من انتسب إلى غير أبيه، وقال تعالى: {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب: 5]: وقال تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75]. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/604].
الفائدة201: قال ابن حزم في المحلى: ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر، ولا أقل من ستة أشهر؛ لقوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف] وقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233]، ولما ذكر كلام الفقهاء في أقله وأكثره، والحكايات التي تنقل في هذا، قال: "وكل هذه أخبار مكذوبة، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا".
قلت: وما قاله ابن حزم هو ما يؤيده الطب الحديث.
قال الطبيب محمد علي البار: مدة الحمل الطبيعي (280) يوما، ولا يزيد عن شهر بعد موعده، وإلا لمات الجنين في بطن أمه، وينبغي أن يتنبه من يدرسون الفقه على استحالة حدوث هذا الحمل الطويل الممتد سنينا. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/607-608].
الفائدة202: قال الشيخ محمد بن إبراهيم: يجوز إلقاء النطفة بدواء مباح، فقد قال في الإنصاف: يجوز شرب الدواء، لإلقاء النطفة.
قال في الفروع: ظاهر كلام ابن عقيل: أنه يجوز إسقاطه قبل أن تنفخ فيه الروح.
قال ابن رجب: وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها، ما لم تنفخ فيه الروح، وهو قول ضعيف. اهـ كلام ابن رجب.
وكلام الأصحاب صريح في جواز إلقاء النطفة. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/608].
الفائدة203: قال الشيخ تقي الدين: لو شربت المرأة دواء لقطع الحيض، أو لطول فترة الطهر، كان طهرا. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: يجوز أخذ حبوب الحمل لتنظيم فترات الحمل؛ لظروف عائلية أو صحية، وأما إن كان القصد قطع الحمل بالكلية، فهذا لا يجوز. [كتاب النكاح ، باب العدة، 5/608].
الفائدة204: ذهب الإمام الشافعي، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد، واختيار ابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن السعدي وغيرهم: إلى أن الرضعة لا تحتسب رضعة؛ حتى تكون وجبة للطفل تامة، كالأكلة من الأكلات، والشربة من الشربات.
أما قطع الطفل الثدي لعارض كالتنفس، أو نقله من ثدي لآخر، فهذه لا يعتبر رضعة، وإن كان هو المشهور من المذهب الحنبلي. [كتاب النكاح ، باب الرضاع، 6/16].
الفائدة205: قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: "أخذ الدم من الرجل للمرأة، وحقنها به لا ينشر به حرمة، ولو كثر، كما تنتشر الحرمة بالرضاع، وكذا الحكم لو حقن الرجل بدم المرأة، فيجوز لكل منهما أن يتزوج بالآخر".
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: نقل الدم من رجل إلى امرأة، أو بالعكس لا يسمى رضاعا، لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا، ولا تثبت له أحكام الرضاع".[كتاب النكاح ، باب الرضاع، 6/16].
الفائدة206: أما المحرمات من الرضاع: فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
قال شيخ الإسلام: "مما اتفق عليه أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فإذا ارتضع الطفل من امرأة خمس رضعات في الحولين قبل الفطام، صار ولدها باتفاق، وابن صاحب اللبن باتفاق الأئمة المشهورين، وصار كل من أولادهما إخوة للمرتضع؛ سواء أكانوا من الأب فقط، أم من الأم فقط، أو منهما.
ولا فرق بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل، وبين من ولد لها قبل الرضاعة، أو بعد الرضاعة، باتفاق المسلمين.
وعلى هذا فجميع أقارب المرأة للمرتضع من الرضاعة أقاربه: فأولادها إخوته، وأولاد أولادها أولاد إخوته، وآباؤها وأمهاتها أجداده وجداته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وكل هؤلاء حرام عليه.
وأما بنات أخواله وخالاته من الرضاع فحلال، كما يحل له ذلك من النسب، وأقارب الرجل، وأقاربه من الرضاعة هكذا، وأولاد المرتضع بمنزلته.
وأما إخوة المرتضع من النسب، أو من الرضاع غير رضاع هذه المرضعة فهم أجانب من أقاربه، يجوز لإخوة هؤلاء أن يتزوجوا أولاد المرضعة وهذا كله متفق عليه بين العلماء".
واختار الشيخ تقي الدين: أن تحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته من الرضاع، ولا بنت زوجته من الرضاع، إذا كان بلبن غيره، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها من الرضاع.
ولكن قد حكي الإجماع على خلاف قول الشيخ. [كتاب النكاح ، باب الرضاع، 6/16-17].
الفائدة207: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الصحيح أنه إذا رضي الزوج بحضانة ولد الزوج الأول أن الحضانة لا تسقط، فهي باقية؛ وهذا قياس المذهب في جميع الحقوق".[كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/60].
الفائدة208: قال شيخ الإسلام: "إذا أخذت الأم الولد على أن تنفق عليه، ولا ترجع على أبيه بما أنفقته مدة الحضانة، ثم أرادت أن تطالب بالنفقة في المستقبل، فللأب أن يأخذ الولد منها".
قال في شرح الإقناع: "ومن أسقط حقه من الحضانة، سقط لإعراضه عنه، وله العود في حقه متى شاء؛ لأنه يتجدد بتجدد الزمان؛ كالنفقة".[كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/60].
الفائدة209: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الصحيح الذي ذكره الفقهاء فيما إذا كان يحقق مصلحة الطفل، فإن لم يحقق كان الواجب اتباع مصلحة الطفل، ويدل على هذا أن الباب كله مقصود به القيام بمصالح المحضون، ودفع المضار عنه، فمن تحققت فيه فهو أولى من غيره، وإن كان أبعد ممن لا يقوم بواجب الحضانة".[كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/60].
الفائدة210: قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالرجل راع في بيته، ومسؤل عن رعيته"
وحضانة الطفل لم تشرع إلا من أجل تربيته الطفل، وحفظه عما يضره، وأعظم ضرر يلحقه هو ذهاب دينه وخلقه، وإذا كان المحققون من العلماء لم يجعلوا للأم الشفيقة حظا من الحضانة إذا كانت كافرة، وإذا جعل بعضهم لها حظا، فهي تحت المراقبة؛ إذا علمت هذا علمت كيف تساهل المسلمون بأطفالهم، حينما جعلوهم في حضانة الشغالات، اللاتي يجلبونهن من خارج البلاد، بعضهن غير مسلمات، والمسلمات منهن إنما هو إسلام بالاسم، فينشأ هؤلاء الأطفال الأبرياء، الذي يقبلون كل ما يلقى عليهم، ويحتذون بكل ما يفعل أمامهم، وأعظم من ذلك الذين يدخلون أطفالهم في دور الحضانة، ورياض الأطفال، التي يشرف عليها نصارى أو ملاحدة، إنهم بهذا يجنون على أطفالهم جناية كبرى، وإن الله تعالى سيسألهم عن هذا الإهمال، وهذا التفريط في أولادهم. [كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/65].
الفائدة211: قال الشيخ تقي الدين: "كل من قدمناه في الحضانة من الأبوين، إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها، أو اندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فسادها مع أحدهما، فالآخر أولا بها بلا ريب".
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "والصحيح في مسألة الحضانة أن الترتيب الذي ذكره الفقهاء فيها، إذا كان يحقق مصلحة الطفل، فإن لم يحققها، كان الواجب اتباع مصلحة الطفل، ويدل على هذا الباب كله مقصود القيام بمصالح المحضون، ودفع مضاره ممن تحققت فيه، فهو أولى من غيره، وإن كان أبعد ممن لا يقوم بالواجب".[كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/65-66].
الفائدة212: الحضانة للمقيم من الأبوين، فإذا كان الأب في بلد، والأم في بلد، فالحضانة تكون للأب، خشية أن يضيع نسب الطفل ببعده عن والده.
قال ابن القيم: "لكن لو أراد الأب الإضرار، فاحتال على إسقاط حضانة الأم، فسافر، ليتبعه الولد، فهذه حيلة مناقضة لما قصده الشارع، فلا يجوز هذا التحايل على التفريق بينها وبين ولدها، تفريقا تعز معه رؤيته، ولقاؤه، ويعز عليها الصبر عنه وفقده، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
قال في "المبدع": وهو مراد الأصحاب".
وقال في "الإنصاف": سورة المضارة لا شك فيها، وأنه لا يوافق على ذلك".[كتاب النكاح، باب الحضانة، 6/66].
الفائدة213: قال فقهاء الحنابلة: "إذا أتمت البنت سبع سنين، صارت حضانتها لأبيها، حتى يتسلمها زوجها؛ لأنه أحفظ لها، فإن كان الأب عاجزا عن حفظها، أو يهملها لاشتغاله عنها، أو قلة دينه، والأم قائمة بحفظها قدمت".[كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/68].
الفائدة214: قال الشيخ تقي الدين: "إذا قدر أن الأب تزوج بضرة، وتركها عند هذه الضرة لا تعمل لمصلحتها، بل ربما تؤذيها وتقصر في مصالحها، وأمها تعمل لمصلحتها ولا تؤذيها -فالحضانة للأم قطعا؛ نظرا لمصلحة المحضون؛ إذ هو المقصود من الحضانة".[كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/69].
الفائدة215: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "المشهور من المذهب: أن حضانة البنت بعد تمام سبع سنين لأبيها، والرواية الثانية: أنها لأمها.
وهذان القولان مع قيام كل منهما بما يجب ويلزم، فأما إذا أهمل أحدهما ما يجب عليه، فإن ولايته تسقط، ويتعين الآخر".[كتاب النكاح ، باب الحضانة، 6/69].
الفائدة216: قال ابن القيم: أتباع الأئمة الأربعة لا قصاص عندهم في اللطمة والضربة، وحكى بعضهم الإجماع.
وخرجوا عن محض القياس، وموجب النصوص، وإجماع الصحابة، قال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126]
فالواجب للمظلوم أن يفعل بالجاني عليه كما فعل به، فلطمة بلطمة، وضربة بضربة في محلها، بالآلة التي لطم بها، أو مثلها، أقرب إلى المماثلة المأمور بها شرعا من تعزيره بغير جنس اعتدائه، وصفته.
وهذا هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه، ومحض القياس، ونصوص أحمد. [كتاب الجنايات، 6/110].
الفائدة217: أجمع العلماء على: أن الغاصب، والمختلس، والمنتهب لا يقطعون، وليس ذلك لأنهم غير مجرمين أو مفسدين، فهم مفسدون معتدون، يجب تعزيرهم بما يردعهم.
ولما جاء في السنن من حديث جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع".
وإنما لم يقطعوا أيضا، لما قدمنا في أول الباب عن القاضي عياض، ولحكم أخر لا يعملها إلا الذي شرع للناس ما يصلح حالهم. [كتاب الجنايات، باب حد السرقة، 6/277].
الفائدة218: نلخصها من رسالة للشيخ عبد الرحمن حبنكة في "الجهاد":
قال حفظه الله: "اتخذ أعداء الإسلام محاولات ذكية ماكرة لإلغاء الجهاد في سبيل الله من واقع المسلمين، عن طريق تحريف مفاهيم الإسلام، ونزع سند قوته، فوجهوا جهودهم لإزالة قوة الإيمان بالله من نفوس المسلمين، فوضعوا مكان ذلك قوى صورية مدوية، فكان بدل الاعتماد على الله الغرور بالنفس، والاعتماد على إمدادات الدول الطامعة، ذات المصالح الشخصية، وأحلوا محل ذكر الله تعالى عبارات الإلحاد والعنصرية والطبقية، وفرقوا صفوف المسلمين، وأفسدوا بين قادتهم، ففقدت الجيوش المسلمة بذلك عناصر قوتها الحقيقية، فكيف يتم لها النصر على أعدائها؟!.
وأشاعوا أن الإسلام لم ينتشر بالدعوة، وإنما انتشر بالقتال، وإكراه الناس عليه، فاضطر الغيورون من المسلمين إلى أن يعلنوا أن الحروب في الإسلام لم تكن إلا حروبا دفاعية فقط، وأنه "لا إكراه في الدين"، وبهذا صار الفهم المبتدع لحروب الإسلام، التي ترمي إلى نشر الدين، وإبلاغه للعالمين، وكسر الأسوار التي تحجب الحق عن أن يصل إلى أسماع الغافلين، المتعطشين إلى معرفة الحق من الشعوب المغلوبة على أمرها.
إن الضرورة في المجتمع البشري قد تدعو إلى القتال؛ انتصارا لحق المظلومين، ورفع حيف الطغاة عنهم؛ ليروا الحق والهداية، فيدينوا بالدين الذي يرتاحون إليه، وتؤمن به قلوبهم.
بعد هذا البيان لا يجد العقلاء المنصفون حاجة للاعتذار عن ركن الجهاد في سبيل الله بقتال الطغاة البغاة، الظلمة المستبدين، الذين يكرهون الناس على ما يريدون.
إن قضية الجهاد في سبيل الله بالقتال لتأمين رسالة الدعوة، وحمايتها، وإقامة العدل -قضية حق رباني، وإن غايته من أشرف الغايات، وأنبلها.
ومن عجيب المفارقات: أن كثيرا من الذين يشنعون على الإسلام في شأن هذا الواجب العظيم، يمارسون أقبح صور الإكراه في الدين، وأقبح صور التعصب ضد المسلمين، أو يستخدمون ضدهم كل وسائل العنف؛ لإلزامهم بأن يتركوا دينهم، وعقائدهم، ومفاهيمهم، ويوجهون ضدهم حروب إبادة جماعية، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
وللإسلام أعداء كثيرون، وأشد أعدائه المثلث، التي تلتقي أضلاعه بالشيوعية، والصهيونية، الممثلة بالمأسونية، والمنصرين، أبطل الله كيدهم، وأعلى كلمته، آمين" اهـ. [كتاب الجهاد، 6/340-341].
الفائدة219: قال الشيخ عبد الله أبا بطين: الفرق بين المعاهد، والمستأمن، والذمي: فالمعاهد هو من أخذ عليه العهد من الكفار، والمستأمن هو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي هو من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية، فبالجملة الفارق بين المعاهد والمستأمن، وبين الذمي أنهما لم يستوطنا دار الإسلام، والذمي هو من استوطن دارنا بالجزية، والله أعلم. [كتاب الجهاد، باب الجزية، 6/429].
الفائدة220: هذه الأمور يعامل بها الكفار؛ لقصدين:
الأول: أن الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه، ويجب أن يكون هو الدين الذي أراد الله تعالى أن يظهره على الدين كله، فنحن بعملنا ننفذ إرادة الله تعالى الشرعية.
الثاني: أن هذه المضايقة تسبب للكفار القلق من البقاء على دينهم، واعتناق دين الإسلام، لاسيما إذا رأوا عزة المسلم، وعلو قدره، والإسلام يعالج الأمور بالوسائل التي تكون كفيلة بتحقيق مقاصده، وإلا فالإسلام أحسن الأديان، وأفضلها في تحقيق العدالة والمساواة، والبعد عن الطبقية، والسيطرة على الآخرين، وفي دخولهم في الإسلام فلاحهم، وصلاحهم في الدنيا والآخرة. [كتاب الجهاد، باب الهدنة، 6/439].
الفائدة221: نحن نكتب الآن أحكام أهل الذمة التي ذكرنا بعضا من معاملة الإسلام لهم، وهي أمور وأحكام كانت سارية المفعول، قائمة التنفيذ يوم كانت الدولة دولة إسلام، والصوت هو صوت الحق.
أما الآن، فإن المسلمين ذلوا، وضعفوا أمام سيطرة أعداء الإسلام،
وصاروا هم الأتباع الرعاع، وأصبحوا يقلدون أعداء الإسلام في لباسهم، وزيهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وفجورهم، وانحلالهم، وصار الرجعي الغبي في نظر أدعياء الإسلام، وأذناب الكفار، هو الذي يكف نفسه، وبيته، وأهله عن مشابهتهم، ومحاكاتهم، فهذا هو المتخلف الذي يعيش بعقل قديم من عهد القرون الأولى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حتى صار مدعو الثقافة منا والعلم يخدمونهم في بث سمومهم في تحريف عقائد المسلمين، والطعن في الإسلام وأحكامه، وتوجيه النقد على مصادره، محاولين طمس معالم الإسلام، وانتزاع بقيته من صدور البقية من أهله، ووجه هؤلاء الملاحدة حربا شعواء ضد الإسلام، واستعانوا على إشعالها بذوي النفوس المريضة من أهله.
والطامة الكبرى أن توجد إعانة الملاحدة على الإطاحة بالإسلام من كثير من قادة المسلمين، وولاة أمرهم.
ولكن أملنا في الله تعالى وحده، فهو الذي بيده التدبير، وله الخلق والأمر، وهو الذي وعد بحفظ دينه، وإظهاره على الدين كله، ولو كره الكافرون، وتباشير صباح الإسلام أخذت تظهر بهذا الشباب المؤمن الواعي المستيقظ، الذي نرجو الله تعالى بأن يحمل على عاتقه إعلاء كلمة الله، والسير بها في مشارق الأرض ومغاربها، ليبلغها إلى المتعطشين إلى دعوته، ويومئذ يتحقق النصر إن شاء الله تعالى، وتعلو كلمة الله، وترفع رايتها، فلله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. [كتاب الجهاد، باب الهدنة، 6/439-440].
فائدة222: قال ابن بطال في "غريب المهذب": الخف للإبل، والحافر للفرس، والبغل، والحمار، والظلف لسائر البهائم، والمخلب للطير، والظفر للإنسان. [كتاب الجهاد، باب السبق والرمى، 6/455].
الفائدة223: حيوانات البحر كلها حلال على الصحيح، فلا يستثنى منها شيء، ولا يحرم من الحيوانات البرية إلا ما كان خبيثا، وخبثه يعرف بأمور:
1 - إما أن ينص الشارع على خبثه؛ كالحمر الأهلية.
2 - أو على حده؛ كذي الناب من السباع.
3 - أو يكون معروف الخبث؛ كالحية.
4 - أو يأمر الشارع بقتله؛ كالفأرة.
5 - أو ينهى عن قتله؛ كالهدهد، والصرد.
6 - أو يكون معروفا بأكل الجيف؛ كالنسر.
7 - أو متولدا من حلال وحرام؛ كالبغل.
8 - أو يكون خبثه عارضا بسبب تولد النجاسة في بدنه؛ كالجلالة.
9 - أو يكون محرما لضرره البدني؛ كأنواع السموم، أو لضرره العقلي؛ كالخمر، والمخدرات.
10 - أو مذكى ذكاة شرعية، وقد تقدم في مقدمة الباب.
فهذه الأسباب كلها تجعله خبيثا. [كتاب الأطعمة، 7/07].
الفائدة224: قال الخطابي: "كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه؛ لحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". وقال شيخ الإسلام: "الفرق بين الورع والزهد: أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخاف ضرره في الآخرة".[كتاب الأطعمة، 7/07].
الفائدة: أهل السنة أثبتوا كل ما جاء به الكتاب والسنة من صفات الله تعالى، لا فرق عندهم بين صفات الذات، وصفات الأفعال المتعلقة بمشيئة الله تعالى.
فكلها قائمة بالله، والله تعالى موصوف بها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، وإنما أثبتوا حقيقة الصفة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، وأما كيفية الصفة؛ ففوضوا علمها إلى الله تعالى، وبهذا سلموا من تعطيل صفات الله تعالى، وسلموا من تشبيه الله بخلقه، حيث تورط فيهما طائفتان ضالتان ممن أسرفوا في النفي، أو في الإثبات.
فإثبات صفات الله تعالى إثباتا يليق بجلاله، وتفويض علم كيفية الصفة إلى الله تعالى: قاعدة مهمة اعتمدها السلف الصالح في فهم صفات الله، فأغنتهم عن تأويل آيات الصفات وأحاديثها، كما عصمتهم من أن يفهموا من الكتاب والسنة مستحيلا على الله تعالى من تشبيهه بخلقه؛ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11)} [الشورى: 11]. [كتاب الأيمان، 7/122].
الفائدة225: التحريف تغيير النص لفطا، أو معنى، فالتغيير اللفظي: يتغير معه المعنى، وأما التغيير المعنوي: فهو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل.
وأما التعطيل: فمعناه إنكار جميع صفات الله تعالى، أو إنكار بعضها.
وأما التمثيل: فهو إثبات مثيل له مما يقتضي المماثلة والمساواة.
وأما التكييف: فهو تكييف صفات الله تعالى بأن يحكي للصفة كيفية مطلقة.
وأما التشبيه: فهو أن يجعل لصفة الله شبها مقيدا بصفة خلقه. [كتاب الأيمان، 7/122-123].
الفائدة226: كما يجب تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته عن جميع النقائص والعيوب، فإنه -أيضا- يجب تنزيه الله في أسمائه تعالى عنها. [كتاب الأيمان، 7/123].
الفائدة227: أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فلا يصح أن يسمى الله تعالى، أو يوصف إلا بما سمى به نفسه، أو وصف به نفسه، أو سماه به أو وصفه نبيه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، مما جاء في كتابه، أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-. [كتاب الأيمان، 7/123].
الفائدة228: أسماء الله الحسنى يدل الاسم منها على ثلاثة أمور:
أحدها: دلالته على ذات الله تعالى.
الثاني: دلالته على صفة الله تعالى.
الثالث: دلالته على صفات أخرى بطريق الالتزام.
فإن دل الاسم على الذات وحدها، أو دل على الصفة وحدها، فهي دلالة تضمن؛ لأن المعنى المراد بعض اللفظ، وداخل ضمنه.
وأما إن أريد بدلالته الذات والصفة معا، فهي دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ طابق معناه بالكامل.
مثال ذلك: "الرحمن":
فإنه يدل على الذات وحدها، وعلى الرحمة وحدها؛ فدلالته على واحد منهما دلالة تضمن.
أما دلالته على الذات والرحمة معا، فهي دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ طابق معناه.
أما دلالة الالتزام: فإن الذات المتصفة بالرحمة يلزم لها الحياة والعلم؛ فدلالته على هاتين الصفتين دلالة التزام.
والمتأمل للمعاني، وما يلزم لها يستفيد علما كثيرا تحصل له من الدليل الواحد. [كتاب الأيمان، 7/123-124].
الفائدة229: أن أسماء الله تعالى تدل على الذات، وعلى الصفة كما تقدم، والوصف الذي يدل عليه الاسم نوعان: متعد وغير متعد: فإن كان متعديا فهو يتضمن أمرين:
أحدهما: ثبوت الصفة.
الثاني: ثبوت حكمها.
مثال ذلك "الحكيم":
فهو يدل على ثبوت الحكمة من لله تعالى.
ويدل على حكمها ومقتضاها؛ وذلك بأن أفعال الله وتدابيره قائمة كلها على الحكمة الرشيدة، وذلك بوضع الأمور في مواضعها المناسبة لها واللائقة بها.
أما صفة الاسم التي لا تتعدى، فإنها تدل على مجرد ثبوت الصفة لله تعالى، بدون تعدية إلى حكم ومقتضى؛ كصفة الحياة. [كتاب الأيمان، 7/124].
الفائدة230: القضاء إلزام بالحكم الشرعي، وفصل للخصومات، فالحاكم له ثلاث صفات: فهو من جهة الإثبات شاهد، وهو من جهة تبيين الحكم مفت، وهو من جهة الإلزام بذلك ذو سلطان. [كتاب القضاء، 7/158].
الفائدة231: الأصل في القضاء قوله تعالى: {ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر" [رواه البخاري (6919) ومسلم (1716)].
قال شيخ الإسلام: الشارع نصوصه كلمات جوامع، وقضايا كلية، وقواعد عامة، يمتنع أن ينص على كل فرد من جزئيات العالم إلى يوم القيامة، فلابد من الاجتهاد في جزئيات، هل تدخل في كلماته الجامعة أو لا؟[كتاب القضاء، 7/158].
الفائدة232: القضاء فرض كفاية؛ كالإمامة العظمى، قال الإمام أحمد: لابد للناس من حاكم؛ لئلا تذهب حقوق الناس.
وقال شيخ الإسلام: قد أوجب النبي -صلى الله عليه وسلم- تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، وهو تنبيه على أنواع الاجتماع. [كتاب القضاء، 7/158].
الفائدة233: نصب الإمام للقاضي واجب؛ لفصل خصومات الناس، ولأن القضاء من مستلزمات الإمام الأعظم، فهو القائم بأمر الرعية، فينصب القضاة بقدر الحاجة، نوابا عنه في الأمصار والأقاليم. [كتاب القضاء، 7/158].
الفائدة234: قال مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في أحد قراراته: على قادة المسلمين أن يبادروا إلى تطبيق شريعة الله، لينعموا، وتنعم رعيتهم بالأمن والطمأنينة في ظل الشريعة الإسلامية، كما حصل ذلك لسلف هذه الأمة، الذين وفقهم الله لتطبيق شرعه، فجمع لهم بين النصر على الأعداء، والذكر الحسن في هذه الحياة الدنيا.
ولا شك أن الحالة التي وصل إليها العرب والمسلمون من ذلك أمام الأعداء: نتيجة حتمية لعدم تطبيق الشريعة الإسلامية.
والله المسؤول أن يوفق المسلمين جميعا إلى ما فيه عزهم وفلاحهم على أعدائهم؛ إنه سميع مجيب. [كتاب القضاء، 7/158-189].
الفائدة235: قال الشيخ محمد بن إبراهيم: بلغنا أن بعض القضاة يرد بعض القضايا إلى مكتب العمل، أو إلى غيره من الدوائر؛ بحجة أن ذلك من اختصاص جهة معينة، وغير خاف على أن الشريعة الإسلامية كفيلة بإصلاح الأحوال البشرية في كل المجالات، وفيها كفاية لحل النزاع، وفصل الخصومات، وإيضاح كل مشكل، وفي الإحالة إلى تلك الجهات إقرار للقوانين الوضعية، وإظهار للمحاكم بمظهر العجز؛ فاعتمدوا النظر في كل ما يرد إليكم، والحكم فيه بما يقتضيه الشرع الشريف. [كتاب القضاء، 7/159].
الفائدة236: قال الشيخ تقي الدين: ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام، أو نائبه؛ لأن ولاية القضاء من المصالح العامة؛ فلم تجز إلا من جهة الإمام.
والولاية لها كفاية القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم والعدل في تنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى. [كتاب القضاء، 7/159].
الثامنة237: قال الشيخ تقي الدين -أيضا-: شروط القضاء تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل، فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى لعدم التقي أنفع الفاسقين، وأقفهم شرا، وأعدل المقلدين، وأعرفهم با لتقليد. [كتاب القضاء، 7/159].
الفائدة238: قال ابن القيم: معرفة الناس وأحوالهم أصل عظيم، يحتاج إليه الحاكم، فإن لم يكن فقيها فيه، وفقيها في الأمر والنهي، ثم يطبق أحدهما على الآخر، كان إفساده أكثر من إصلاحه.
وإذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي قرائن الحال، والمقال، كفقيه في كليات الأحكام، أضاع حقوقا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، اعتمادا منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه، وقرائن أحواله؛ فالرجوع إلى القرائن في الأحكام متفق عليه بين الفقهاء. [كتاب القضاء، 7/159-160].
الفائدة239: قال في التنوير: ينبغي أن يكون القاضي موثوقا به في عفافه، وعقله، وصلاحه، وفهمه، وعلمه بالسنة والآثار، ووجوه الفقه والاجتهاد، وألا يكون فظا غليظا.
وقال في رد المحتار للحنيفة، وشرح الإقناع للحنابلة: ينبغي أن يكون القاضي شديدا في غير عنف، لينا في غير ضعف، فكل من هو أعرف، وأقدر، وأوجه، وأهيب، وأصبر على ما يصيبه من الناس، كان أولى. [كتاب القضاء، 7/160].
الفائدة240: نختم هذه الفوائد بختام مسك، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر -رضي الله عنه-: "أوصيك بتقوى الله في سرك وعلانيتك، وإذا سألت فأحسن، ولا تسألن أحدا شيئا، وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين" [رواه أحمد (21063)]. [كتاب القضاء، 7/160].
الفائدة241: ذكروا للعزلة فوائد منها:
1 - التفرغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه.
2 - التخلص من المعاصي التي يتعرض لها الإنسان بالمخالطة؛ من الفتن، والرياء، ونحوهما.
3 - الخلاص من الفتن والخصومات.
4 - الخلاص من شر الناس. [كتاب الجامع، باب الزهد والورع، 7/373].
الفائدة242: الرياء جلي وخفي:
فالجلي: هو الذي يبعث على العمل، ويحمل عليه، ولو قصد العبد الثواب.
وأما الخفي: فهو لا يحمل على العمل؛ ولكنه بحضور الناس يخففه عليه، وقد يخفى؛ فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق، ولكن بالشمائل والهيئات. [كتاب الجامع، باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، 7/ 403-404].
الفائدة243: علمنا مما سبق أن الرياء محبط للأعمال، وسبب لمقت الله تعالى، وأنه من المهلكات، ومن هذا حاله، فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته ومعالجته؛ وذلك بقلع جذوره وأصوله من القلب إن كان موجودا، ومدافعة ما يخطر منه في الحال. [كتاب الجامع، باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، 7/404].
الفائدة244: لم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم.
كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم؛ ليجازيهم الله تعالى يوم القيامة بإخلاصهم. [كتاب الجامع، باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، 7/404].
الفائدة245: أن في إسرار الأعمال فائدة الإخلاص، والنجاة من الرياء.
قال الحسن: قد علم المسلمون أن السر فيه إحراز العمل، ولكن في الإظهار -أيضا- فائدة القدوة الحسنة؛ ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية؛ فقال تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271]. [كتاب الجامع، باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، 7/404].
الفائدة246: قد ينشط الإنسان على الطاعة إذا وجد من يتعبدون، فيظن أن هذا من الرياء، وليس كذلك على الإطلاق؛ لأن المؤمن يكون له رغبة في العبادة، ولكن قد تعوقه وتمنعه الأشغال، وغلبة الشهوات، وتستولى عليه الغفلة؛ فمبشاهدة الغير تزول الغفلة، أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع؛ فيبعث له النشاط.
وينبغي للمؤمن أن يوقن قلبه بعلم الله لجميع طاعاته. [كتاب الجامع، باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، 7/404].
هذا آخر الجمع وقد بلغت الفوائد 246 من نفائس الفوائد وفرائدها، فجزى الله الشيخ العلامة البسام خيرا على هذا الكنز الذي هو حري أن يعكف عليه طلاب العلم الشرعي. أقصد كتاب توضيح الأحكام من بلوغ المرام، وما زالت عدة درر سأقوم بعرضها بعد استخراجها وترتيبها من هذا الكنز العظيم يسر الله ذلك. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد سيّد المرسلين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
.أبو أمامة أسامة بن الساسي لعمارة.
عين الكبيرة . سطيف . الجزائر.
عين الكبيرة . سطيف . الجزائر.
تعليق