<بسملة1>
التَّعلِيقَاتُ الملِيحَة عَلى «بَيَانِ مَنهَجِ السَّلَفِ في النَّصِيحَة»
(تَعليقٌ عَلى مَقطَعٍ صَوتيٍّ لِشَيخِنا لزهر سنِيقرَة حفِظَه الله)
التَّعلِيقَاتُ الملِيحَة عَلى «بَيَانِ مَنهَجِ السَّلَفِ في النَّصِيحَة»
(تَعليقٌ عَلى مَقطَعٍ صَوتيٍّ لِشَيخِنا لزهر سنِيقرَة حفِظَه الله)
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فهذا مقطع منهجيٌّ في غاية النَّفعِ و النَّفاسة جادت به قريحة شيخنا المفضال لزهر سنيقرة حفظه الله، وذلك في معرض سؤالٍ وُجِّه إليه بعد درسه في مسجده العامر، حول أخينا الشيخ الفاضل محمد بن يحي وفقه الله، فرأيت تفريغه و التعليق عليه و نشره لما رأيت من شدَّة حاجتنا جميعًا إلى ما جاء فيه من توجيهات و تأصيلات سلفية في باب النصح و نقد الأخطاء، و كيفية تعامل أهل السنة مع بعضهم البعض في مثل هذه المسائل المهمة، فكم من فتنة أضرمت نيرانها بسبب الجهل بمثل هذه الضوابط، وكم من مريد للخير و الإصلاح لم يصبه بل زاد الطين بلَّة، و الخرق اتِّساعًا لغفلته عن منهج أهل السنة في هذا الباب .
فلمَّا استمعت إلى صوتية شيخنا وقفت فيها على علاجٍ فعَّالٍ يساعد في القضاء على كثير من الفتن التي تنشب بين أهل المنهج الواحد، وسدِّ ينابيعها و إقفال الأبواب في وجوه أهل الشَّغب الذين يتصيَّدون في الماء العكر، و يحاولون نشر البلابل و القلاقل على الدعاة السَّلفيين، مع ما في الصوتية من تنوير الدرب و الطريق لمن أحبَّ التعاون على الخير، و أراد النصح الذي تتحقق به مصلحة الدعوة السلفية .
فإلى المقصود بدون إطالة:
سُئل شيخنا لزهر حفظه الله و رعاه و أمد في عمره على طاعته: سؤالًا من أحد الإخوة مفاده: أنه يحضر مجالس الشيخ محمد بن يحي في منطقة برج منايل و أن بعض الإخوة يطعنون فيه .
فكان مما أجاب به الشيخ حفظه الله قوله: و الله هذا الذي يطعن في إخواننا ممن نعرفهم على خيرٍ و على جادَّة و استقامة هذا ليس على سبيل؛ لأنَّ أهل السنة الأصل أنهم لا يطعنون في إخوانهم، ينصحون و يُبيِّنون، و إذا ما أجدى نصحهم نفعًا يرفعون هذا إلى كبارهم، و لا ينبغي أن يتصرفوا مثل هذه التصرفات التي تُحدِث الفتنة و الفساد..
وهذه الادعاءات تقع كثيرا بسبب التَّسرع، ..ثم ذكر الشيخ قصة حدثت له مع بعض الإخوة من منطقة برج بوعريريج، حيث جاءه رجلان يطلبان منه نصيحة إخوانهم في تلك المنطقة لكونهم استضافوا الشيخ عن طريق جمعية إخوانية، فما كان من الشيخ إلا أن طلب منهم الرجوع لنصح إخوانهم مباشرة إن كانوا صادقين في ادعائهم هذا، قبل أن يأتوا إليه أو إلى أحد المشايخ لإخبارهم بذلك، ثم لما تثبَّت الشيخ مما أخبره به الرجلان تفاجأ بعدم صدقهما فيما ادَّعياه، و اتَّهما به إخوانهم فالله المستعان .
ثم رجع الشيخ لسؤال السائل فقال: هؤلاء الإخوان الذين أخطئوا في حقِّ أخينا محمد، ونحن نحسبه على خير و نحسبه رجَّاعًا إلى الحق، إذا رآى فيه أحدكم زيغًا أو خللًا أو خطأً ينصحه مباشرة فإذا نصحه بالحجة و الدليل و البرهان و لم يرجع فحينها نحن نحذِّر منه في مثل هذه المجالس .
و لكن ظنُّنا بأخينا أنه على خير و له جهد نسأل الله أن يرزقه الإخلاص فيه و أن يثبتنا و إياه عليه..و أثنى عليه خيرا. .
ثم قال: فلا ينبغي يا إخوان أن تتصرَّفوا بمثل هذه التَّصرفات أبدًا، الذي عُرف فينا و بين إخواننا و يعرفه مشايخنا هؤلاء لا نسارع إلى الطعن فيهم، وما من أحدٍ أبدًا ممن كان يُعرف على السنة أن النَّاس طعنوا فيه مباشرة، أبدًا..
لا تسمعوا لتلك الأراجيف و الأقوال الفاسدة، قبل قليل جائني أحدهم فقال لي بأن جماعة عبد المالك رمضاني يقولون بأن الشيخ العباد زكَّاه و أنَّ هذه التزكية جديدة و متأخرة، فقلت له: و الذين تكلموا فيه لأيِّ شيءٍ تكلَّموا فيه؟ هل بينهم و بينه حسابات؟ أو أن القضيَّة قضيَّة منهج و انحراف!؟..
هذا رجلٌ كان على شيءٍ من الخير ثم بدأت تصدر منه انحرافات و زلَّات و ُنصِح و تابعه إخوانه بالنَّصيحة بل نصحه المشايخ الكبار إلا أنَّه ركِب رأسه و أبى إلا المخالفة، فهل مثله تنفعه تزكية العباد أو غيره؟ أبدًا، الشيخ العباد شهِد بما يعلم عن الرَّجل ومن علِم حجة على من لم يعلم، و غيره عنده عليه أمور مثبتة من كلامه هو..» إلى أن قال الشيخ حفظه الله: و ما من زمان إلا و الله يبتلي فيه الناس بأمثال هؤلاء..» انتهى كلام شيخنا باختصارٍ .
و الصوتية قد نُشِرت على صفحات هذا المنتدى فمن ابتغاها وجدها بكاملها .
التعليق
وقبله أشكر شيخنا على حسن نصحه و توجيهه لإخوانه و أبنائه و إرادة الخير لهم جميعًا، فلله درُّه من حريصٍ على الدعوة، و على ما يعود بالنفع لها و لأهلها، ونشر منهج السلف في جميع المجالات ومنها طريقة التعامل مع الموافق و المخالف في باب النصح و النقد، و التحذير من مسالك أهل الأهواء، وسنقف مع كلام شيخنا هذا بعض الوقفات المهمة.
الوقفة الأولى
في قول شيخنا:« و الله هذا الذي يطعن في إخواننا ممن نعرفهم على خيرٍ و على جادَّة و استقامة هذا ليس على سبيل » .
وهذه الجملة من كلام شيخنا تضمنت أمرين:
الأمر الأول: الطعن في إخواننا ممن عُرفوا عند المشايخ بالخير و الاستقامة و لزوم الجادة الصحيحة .
الأمر الثاني: أن من فعل ذلك فليس على سبيل .
أمَّا الأمر الأوَّل: فنلاحظ أن شيخنا قصَر الطَّعن المنكر في من وصفهم بإخواننا، وهو يريد بذلك من ينتهجون منهج أهل السنة و الجماعة، و يسلكون سبيل السلف الصالح، في عقيدتهم ومنهجهم ودعوتهم، و يسيرون بسير المشايخ السلفيين بدليل قوله:« عُرفوا عند المشايخ بالخير و الاستقامة و لزوم الجادَّة» .
والاستقامة إنما المراد بها على الكتاب و السنة، و الجادة: هي جادَّة السَّلف الصالح .
فهذا هو نهج مشايخنا الذي يسيرون عليه و يدعون إليه و يُربُّون عليه طلابهم، فمن كان على هذا النهج سائرًا و إليه داعيًا فهو من إخوانهم .
و يبقى التَّنبيه على لطيفةٍ غاليةٍ أشار إليها شيخنا في كلامه قد لا يتفطن لها الكثير أو القليل، مع عظيم أهميتها، وهي قول شيخنا:« و الله هذا الذي يطعن في إخواننا ممن نعرفهم على خيرٍ.. »، فقيَّد من وصفهم بأنهم إخواننا بكونهم ممن يعرفهم المشايخ، وذلك إمَّا باشتهارهم بالسلفية و الدعوة إليها عند المشايخ، و إمَّا بتنصيص المشايخ أو بعضهم على تعديلهم و تزكيتهم وتوثيقهم .
و بمثل هذه الطرق تثبت عدالة الرجل، قال ابن كثير كما في «الباعث الحثيث» (ص132): « و تثبت عدالة الرَّاوي باشتهاره بالخير والثناء الجميل عليه، أو بتعديل الأئمة، أو باثنين منهم له، أو واحدٍ على الصحيح.. »انتهى .
و اشتهار الرَّجل أو طالب العلم و الداعية بين المشايخ و العلماء بالسنة و الاستقامة عليها، و الدعوة إليها، أو تنصيصهم أو بعضهم على كونه كذلك و نصحهم به، إن دلَّ على شيءٍ فإنَّما يدلُّ على أنَّ الرَّجل على منهج العلماء الربانيين موافقًا لهم في سيرهم الصحيح، كما أفاده شيخنا لزهر بقوله:« الذي يطعن في إخواننا ممن نعرفهم على خيرٍ و على جادَّة و استقامة » .
الأمر الثاني: قول شيخنا: « بأن من فعل ذلك فليس على سبيل »، وهو يقصد بذلك كلامه السَّابق: « أنَّ الذي يطعن في إخواننا ممن نعرفهم على خيرٍ و على جادَّة و استقامة » فهذا ليس على سبيل كما أفاده شيخنا .
و ما المراد بقول شيخنا: « فهذا ليس على سبيل »؟ السَّبيل كما في « معاجم اللغة » هو الطريق، و ما وضح منه، فيكون معنى قول شيخنا فيمن يطعن في إخواننا الدعاة السلفيين: « فهذا ليس على سبيل » أي: ليس على طريق صحيح، و لا هو على منهج السلف في هذا الباب، و إذا لم يكن على منهج السلف فهو إذا مخالفٌ لهديهم متبعٌ لغير سبيلهم، سالكٌ لغير طريقتهم، وكفى بهذا انحرافًا و زيغًا و انغماسًا في الضَّلال .
ثم إنَّ من يطعن في الدعاة السَّلفيين الذين يعرفهم المشايخ، ويُزكيهم المشايخ و يقلقل عليهم ويثير عليهم الفتن، كما أنَّه ليس على سبيل السلف كما قال شيخنا، فلسان حاله كذلك يدلُّ على استهتاره بالمشايخ، وعدم احترامه لهم، و تقدُّمه بين أيديهم، و إظهاره لمخالفتهم، برفضه لتزكية من زكَّوه و ردِّها، وعدم اعتبارها، و الضَّرب بها عرض الحائط، و في هذا طعنٌ مبطَّنٌ في المشايخ؟ فإنَّ ردَّ التزكية و رفض التعديل الصَّادر من المشايخ السَّلفيين، بالطرق الملتوية و بدون حجة و لا برهان، لا يقلُّ خطورةً عن رفضِ جرحِ من جرحه المشايخ بالحجة و البرهان؟ ، فكيف إذا انضاف إلى ذلك كون الطَّاعن فيمن زكَّاه المشايخ ليس من طلبة العلم، و لا ممن يفقه منهج السَّلف في أبواب النقد و الجرح و التعديل، فغالبهم يؤتى من سوء فهمه، أو سوء قصده، أو منهما معًا، فهل مثل هؤلاء تُعارِضُ تشغيباتهم و طعوناتهم تزكية أفاضل المشايخ المشهود لهم بالعلم و سلامة المنهج و المعتقد، من قبل أئمة السنة في هذا الزمان!؟ لا أظنُّ عاقلًا يُقدِّم هذا على هذا اللهم إلا إذا غلبته سكرة الهوى الذي يُعمي و يصم .
فهذه أصولٌ أشار إليها شيخنا في كلامه ينبغي علينا جميعًا أن نَعِيَها ونفقهها، و أن نسير عليها، فليحذر السَّلفي من أن يجعل مرجعه في أمور الدين لا سيما مسائل الجرح و التعديل و بيان أحوال الرٍّجال، إلى النَّكرات و المجاهيل، ومن لم يُعرف بالعلم .
الوقفة الثانية
و نقِفُها مع قول شيخنا مُعلِّلًا ما سبق من كلامه:« لأنَّ أهل السنة الأصل أنَّهم لا يطعنون في إخوانهم، ينصحون و يُبيِّنون، و إذا ما أجدى نصحهم نفعًا يرفعون هذا إلى كبارهم، و لا ينبغي أن يتصرَّفوا مثل هذه التصرفات التي تُحدِث الفتنة والفساد» انتهى .
تضمَّنت هذه الجُملُ من كلام شيخنا عددًا من النٍّقاط .
النُّقطة الأولى: الأصل في أهل السنة أنهم لا يطعنون في إخوانهم .
النقطة الثانية: أنهم ينصحون و يُبيِّنون .
النقطة الثالثة: أنَّ نصحهم إذا لم يُجدِ نفعًا يرفعون الأمر إلى كبارهم .
النقطة الرَّابعة: أنَّه لا ينبغي للسَّلفيِّين أن يتصرَّفوا مثل هذه التصرفات التي تُحدِث الفتنة و الفساد .
ونبدأ في التَّعليق على كلام شيخنا:
بالنُّقطة الأولى: وهي قول شيخنا: « بأنَّ الأصل في أهل السنة أنهم لا يطعنون في إخوانهم » .
وهذا حقٌّ من شيخنا لا غبار عليه، فإنَّ أهل السنَّة يُحبُّون إخوانهم و يوالونهم، و ينصرونهم، ويذبُّون عنهم وعن أعراضهم كما يفعلون هذا مع أئمتهم و علمائهم، لا أنهم يطعنون فيهم أو ينتقصوهم أو يُثيرون عليهم الفتن و القلائل التي تشغلهم عن الدَّعوة .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « فإن حبَّ المؤمنين المخلصين الصادقين في إيمانهم من الأنبياء والصالحين، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعدهم أئمة الهدى وأهل الحديث في كل زمان ومكان: أمر يحتمه الإسلام، ودان به أهل السنة والجماعة؛ كما أن ذكر محاسنهم والذب عنهم وعن منهجهم أمر يحتمه الإسلام »["مجموعة الكتب و الرسائل " ( 10/529 ) ] .
فأهل السنة كما أفاده العلامة ربيع المدخلي حفظه الله يدينون ، بمحبَّة إخوانهم في الله و ذكر محاسنهم والذب عنهم وعن منهجهم، وهذا أمر يحتمه الإسلام .
أمَّا الطعن فيهم و إثارة الفتن عليهم فليس من دين أهل السنة، كما أنه ليس من هدي الإسلام، ، و إنَّما هو ديدن أهل الأهواء مع أهل السنة، فليتنبَّه من كان غافلًا عن هذا .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله: « فإذا رأيت إنسانًا يطعن في أهل السنة؛ فهذا دليل على أنه مبتدع، وقد يكون زنديقًا؛ إذا رأيت إنسانًا يطعن في أهل السنة وفي أهل الحديث؛ فما يطعن فيهم إلا وهو مخالفٌ لهم محتقرٌ لما عندهم، لا شك في ذلك، وإلَّا فما الذي يدفعه إلى الطعن في أهل السنة وأهلها؟! ما يدفعه إلا أنه ضال وينطوي على زيغ وخبث وشر! فهذا من علاماتهم؛ هذا من علامات أهل الشر، وعلامات أهل البدع، ولو قال: إنِّي من أهل السنة فلا تصدِّقه؛ لأنَّه كذَّاب!
وكثيرٌ من هؤلاء المزيفين الكذابين؛ يقول لك: أنا سلفيٌّ وهو كذَّاب، ما قال هذا إلا مكيدة؛ مثل المنافق يقول: أنا مؤمن، أنا مسلم؛ يقول: أنا مسلم! المنافق لا يقول: أنا كافر، وأنا منافق وأنا أكره الإسلام؛ بل يقول: أنا مسلم ويصلي ويتصدق ويفعل وكذا، وهو يحارب الإسلام ويبغض أهله .
فكثير من الناس- الآن- من يقول: أنا سلفي، ولا تراه إلا يبغض أهل الحديث ويطعن فيهم!! فهؤلاء لا شك أنهم مبتدعة ولو سموا أنفسهم ما سموا، ووصفوا أنفسهم ما وصفوا؛ فهذه من العلامات التي تُبين حالهم » ["المرجع السابق " ( 2/310-312 ) ] .
النقطة الثانية: « أنهم ينصحون و يُبيِّنون » .
فأهل السنَّة كما قال شيخنا ينصحون و يُبيِّنون، فينصحون من أخطأ من إخوانهم، ويُبيِّنون له خطأه بالحجة و البرهان وبالتي هي أحسن .
فإذا لم يقبل النصيحة من إخوانه و ركِبَ رأسه و عاند و تكبَّر فلهم معه شأنٌ آخر سيأتي بيانه من كلام شيخنا .
لكن مع الأسف الشَّديد فإنَّنا في زمان قلَّ فيه الناصحون المخلصون الذين يريدون الخير للمنصوح .
و أتذكَّر في هذا المقام كلمة قالها شيخنا لزهر حفظه الله في أحد دروسه الماتعة، و كان ذلك في درس شرح صحيح البخاري، حيث استرسل شيخنا في الكلام حول الحديث منكرًا تبرج النساء و خروجهن من بيوتهم متعطرات متجملات مُظهرات لمفاتنهن، و هو يتأسف على هذه الحالة المزرية التي آلت إليها بنات المسلمين.
ثم ذكر حفظه الله ما كان عليه نساء السلف من الحشمة و الستر، وفي سياق ذلك ذكر حديث أم عطية في الصحيحين: و فيه الأمر بإخراج :« العواتق و ذوات الخدور » لصلاة العيد، وذات الخذر هي البنت الشابة التي اتُّخذ لها خدرٌ و سترٌ يحجبها عن الرجال، كأنها خُبِّئت في خدرها فلا ترى الرجال و لا يرونها .
ثم قال شيخنا: « و هذا الصنف من النِّساء انقرض أو أوشك على الانقراض!!» .
و لعلنا نقول مثل ذلك في النَّاصح الصَّادق حيث صار من أنواع البشر المهدَّدة بالانقراض!!! ، فكم هو عزيزٌ وجود مثل هؤلاء في هذه الأزمنة المتأخرة، والسنين الخدَّاعة التي يُخوَّن فيها الأمين ويُؤتمن فيها الخائن، مع شدَّة الحاجة إليهم .
فما أقلَّ من ينصح و يواجه بالنصيحة، و يجرؤ على مصارحة أخيه بما يلاحظه عنه من أخطاء و زلات، لكن ما أكثر من يشاغب و يثير الفتن و القلاقل، فهل هذا هو منهج السَّلف!؟ كلَّا والله! و إنَّما منهج السَّلف و أهل السنَّة كما قال شيخنا لزهر أنهم: « ينصحون و يُبيِّنون » .
النُّقطة الثَّالثة: التي تضمَّنها كلام شيخنا: « أنَّ نصح أهل السنَّة بعضهم لبعض إذا لم يُجدِ نفعًا يرفعون الأمر إلى كبارهم ».
فمتى يكون رفع الأمر إلى المشايخ؟ قال شيخنا: إذا لم يُجد نصحُ السَّلفيِّ لأخيه نفعًا لسببٍ من الأسباب، ولم يحصل حلٌّ للنِّزاع، و لا زوالٌ للخلاف فحينئذٍ ترفع المسألة إلى المشايخ .
وهذا الذي جعل شيخنا ينكر على الأخوين البرجيين الذَين أتياه فأخبراه بما أخبراه من شأن الجمعية التي استضاف إخوانهم شيخنا لزهر تحت غطائها، حيث استفهم منهم هل نصحوا إخوانهم قبل المجيئ إليه؟ فقالوا: اللهم لا! ونحن أردنا أن نعلمك حتى تقوم أنت بإبلاغهم ونصحهم! فاندهش شيخنا لهذا التصرف و الصنيع واستغرب منه! وحُقَّ له ذلك، و أمرهم بأن ينصحوا لإخوانهم مباشرةً إذا رأوا منهم ما يخالف السنة، فليس ثمة فجوة بين الأخ و أخيه .
و لذلك قال شيخنا في سياق جوابه على السؤال السابق: « هؤلاء الإخوان الذين أخطئوا في حقِّ أخينا محمد، ونحن نحسبه على خير و نحسبه رجَّاعًا إلى الحق، إذا رآى فيه أحدكم زيغًا أو خللًا أو خطأً ينصحه مباشرة..» .
إلَّا أن الغالب على من يتعجَّل هكذا و يسارع إلى المشايخ بنقل الأخبار، ونشر الطعون قبل النصح و البيان تجد بأنَّ فعله هذا مسبوقٌ بمقاصد و نوايا مُرادًا به نتائج لا يحبها الله و لا يرضاها، ولا تخدم مصلحة الدَّعوة السلفية، وإنَّما تصفية حسابات و مقاضاة أغراض، و محاولة لاستخدام المشايخ كأداة لضرب من خاصموهم من إخوانهم، وهذا لا يليق بتاتًا فعله لمن يدَّعي السلفية والسير على منهج السلف .
قال شيخنا لزهر حفظه الله في تغريدة له على حسابه في تويتر:« عجبتُ ممَّن يُهدِّد محسودَه بالمشايخ وكأنَّهم أداةٌ بيده أو سوطٌ يسلِّطه على أعدائه، ولم يدر الجاهل أن مشايخنا يُوجِّهون ولا يُوَجَّهون وينَصحُون ولا يحقِدون » .
فهكذا هم مشايخنا فأنعِم بهم و أكرِم، يُوجٍّهون إخوانهم و أبناءهم وينصحون لهم و يأخذون بأيديهم ويصبرون عليهم، و لا يُوجِّهُهم أحدٌ و لا مطمع لأحدٍ في استغلالهم و استخدامهم لنيل مآربه، بل يُوجِّهُهم دينهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم فنِعمَ المشايخ، وسيأتي بيان حقيقة هذا الواقع الذي عليه مشايخنا من كلام شيخنا لزهر نفسه في قضية عبد المالك رمضاني .
وكمثال على ذلك: ما صنعه شيخنا لزهر مع الأخوين البرجيين الذَين أتياه فأخبراه بما سبق ذكره عنهما، حيث أمرهم بأن ينصحوا لإخوانهم إذا رأوا منهم ما يخالف السنة، و لا يترك نصحهم ثم يأتي إلى الشيخ من مكانٍ بعيدٍ و يدَّعي أنه إنَّما جاء لإخباره بما حصل من فلانٍ وفلانٍ لأجل أن ينصح لهم الشيخ! فما المانع لك من نصحهم وهم إخوانك إن كنت صادقًا؟ فهذا الصنيع قد يدلُّ على أنَّ فاعله يريد أن يستخرج كلمةً من الشيخ يطير بها كما تطير مردة الشياطين بالكلمة التي يسترقونها من السماء، فيلقونها على ألسنة أخدانهم ومن على شاكلتهم، فيثيرون بها الفتن و القلاقل .
إلَّا أنَّ شيخنا تفطَّن لذلك و أمرهم بما يجب عليهم و وجَّههم بما ينبغي عليهم فِعله إن كانوا صادقين في محبة الخير لإخوانهم، و مع كلِّ هذا اتَّصل شيخنا بإخوانه الذين استضافوه في تلك الجمعية لاستفسارهم عن الأمر، فأكَّدوا له عدم صدق ادِّعاءات الأخوين عنها من كونها إخوانية! و زاد رئيس الجمعية الأمر تأكيدًا بإصدار بيان ينتفي فيه من هذه التهمة، فيا ليتهم صدقوا و فقط! فيكون خطؤهم من جهة واحدة، و لكنهم لم ينصحوا ولم يصدقوا، و غالب من لا ينصح لا يكون صادقًا لأنَّ النُّصح من شِيم الصَّادقين المحبِّين للخير، و أما غيرهم فلا يجرؤ على الكلام إلا في الظُّهور، كما لا يقصدون به غالبًا إلا الفتنة و الطَّعن .
وكم من ادِّعاءٍ و اتِّهامٍ لما تُحُقٍّق في أمره لم يكن إلا كسرابٍ بقيعة، لا زِمام له و لا خِطام، نتج عن عجلةٍ مسبوقةٍ بمقاصد مُبيَّتة يعلمها الله .
قال شيخنا عبد الغني عوسات حفظه الله في جوابٍ له على سؤال حول المدرسة القرآنية بخراطة بعد أن أثنى خيرًا على المدرسة و القائمين عليها:« قد يحصل و يأتي بعض الناس ويذكرون لنا شيء، و ذلك الشيء قد يكون غير صحيح وقد يكون ذلك الناقل غير مُتثبِّت أو غير صادقٍ، فلعلَّ الإنسان يحكم بذلك، ولكن من الجيِّد لما يأتيه مخبرٌ أو يأتيه ناقلٌ للخبر؛ لأنه كما قيل قديما: « وما آفة الأخبار إلا رواتها »[ (من مقطع صوتي مُفرَّغ في هذا المنتدى بعنوان:تزكية الشيخ عبد الغني عوسات حفظه الله للمدرسة القرآنية أجيون الكائنة بمدينة خراطة ولاية بجاية) ] .
و يبقى التَّنبيه في الأخير إلى أنَّ المقصود من رفع الخلافات إلى المشايخ إذا تعذَّر حلُّها بين الإخوان، هو الصُّلح و النُّصح و إخماد نيران الفتن، تحقيقًا لمصلحة الدَّعوة، لا من أجل انتصار فلانٍ على فلان، أو زيدٍ على عمرو .
و لابأس أن أذكر هنا كلمةً نيِّرةً قالها شيخنا المفضال عبد الغني عوسات حفظه الله في جلسة نصح وصلحٍ بين إخوانه وأبنائه من مدينة الأخضرية يوم الخميس جمادى الأولى عام [ 1436]، حيث قال: «لا خير فينا ولا بارك الله فينا إذا انتصرنا لأنفسنا على حساب هزيمة الحق وهزيمة الدَّعوة » .
وأفاد شيخنا في ذلك المجلس بأن الإنسان يحرص في مثل هذه المجالس على إظهار الحق و لو بالشهادة على نفسه، ولا يكتُم الحق انتصارًا لنفسه، بحيث يذكر ماله فقط و يُخفي الذي عليه، فإن هذا يُعتبر انتصارًا للنفس على حساب الحق .
والمتأمل في هذه الكلمات التي جادت بها قريحة شيخنا ليدرك مدى تعظيم مشايخنا للحق وتربيتهم لأبنائهم على ذلك وعدم التعصب للنفس العاصية المخطئة .
إن هذه الشيمة لعزيزٌ وجودها، وقلَّ المتصفون بها، ولا سيما في مجالس فضِّ الخصومات التي تحدث بين الإخوان، فهناك تشحُّ النفس أيَّما شحٍّ!، ويقلُّ الورع! ويعظمُ الحرج، فالكلُّ يريد الخروج منتصرًا! .
والمنتصر حقًا إنما هو الذي انتصر على نفسه وشيطانه، و ذلك باستفادته من نصائح المشايخ وتوجيهاتهم، وانتقادات إخوانه الصحيحة، فأخذ بها واستدرك بها على نفسه ليصفو بذلك منهجه و يزول عنه دَخَنه، والمهزوم صدقًا من طاوع نفسه، وقدَّم حظَّ نفسه، وتحاشى حرج الدنيا وهو أهون من حرج الآخرة .
إن الانتصار الحقيقي للنفس إنما يكون بردعها عن غيِّها، وعدم مجراتها في باطلها، وهذا يحتاج إلى قلب صادق يتعامل صاحبه مع ربِّه لا مع العباد، فلا يهُمُّه أن يُقال عنه أخطأ فلان، أو تاب فلان، أو تراجع فلان، فهمُّه أن يرضى عنه ربه ، وأن يستفيد من ملاحظات إخوانه ليقوِّم نفسه ويُزيل الدخن الذي أفرزته مخالفاته عن منهجه وذلك بتركها والتوبة منها وشكر من أهداها إليه .
إلَّا أنَّ التَّجرُّد للحقِّ و دفن حظِّ النفس ولو كان معاكسًا لهواها لا يكون إلا ممن يعظِّم الحق، فمثله لا يبالي بكلام الناس لا مدحًا و لا ذمًّا، قال الشافعي:« ما ناظرت أحدا قط إلا تمنيت أن يجري الله الحق على لسانه!!» .
النقطة الرَّابعة: و هي قول شيخنا: « إنَّه لا ينبغي للسَّلفيِّين أن يتصرَّفوا مثل هذه التصرفات التي تُحدِث الفتنة والفساد ».
ومقصود شيخنا بهذه التصرفات التي لا ينبغي للسَّلفيين أن يتصرَّفوها لما تفضي إليه و تحدثه من الفتنة و الفساد: ترك النُّصح و المسارعة إلى الطَّعن في من هو معروف عند المشايخ بالخير و السنة و الاستقامة عليها و الدَّعوة إليها، فالواجب مع أمثال هؤلاء إعانتهم على الخير و التعاون معهم على البرِّ و التَّقوى، لا إثارة الفتن عليهم التي تعيق سير الدَّعوة، و تفرح خصومها و تشفِّي أعداءها .
فمن جاءك بكلام عن أحدٍ ممن يعرفه المشايخ بالخير فبادر بسؤاله: هل نصحتَه؟ هل أخذتَ بيده و بيَّنتَ له؟ هل صبرتَ عليه؟ فإن قال نعم، لكنه لم يسمع، و لم يقبل بنصحي، و لا بنصح غيري من إخوانه، فقل له: ارفع أمره إلى المشايخ، فإن قال: لا لم أفعل معه ما ذكرتَ، فقل له: اتَّقِّ الله، و احذر أن يُجنِّدك إبليس في صفوف المفسدين فتكونَ بذلك من الغاوين .
الوقفة الثالثة
و نقِفُها مع قول شيخنا: « فلا ينبغي يا إخوان أن تتصرَّفوا بمثل هذه التَّصرفات أبدًا، الذي عُرف فينا و بين إخواننا و يعرفه مشايخنا هؤلاء لا نسارع إلى الطعن فيهم..» .
نلاحظ هنا كيف كرَّر شيخنا حفظه الله كلامه السَّابق لقصد التَّأكيد و مزيد التَّنبيه على ما أراد إفهامه لإخوانه: وذلك قوله حفظه الله: « لا ينبغي يا إخوان أن تتصرَّفوا بمثل هذه التَّصرفات أبدًا »، و سبق بيان المراد بهذه التصرفات، كما نلاحظ تأكيد شيخنا لهذا الأمر بمؤكِّدٍ آخر و هو لفظ التَّأبيد« أبدًا»، يعني إن كنتم سلفيِّين حقًّا فلا تتصرَّفوا بمثل هذه التَّصرُّفات أبدًا؛ لأنَّها تنافي السلفية، و تناقض أصولها، و كأنَّ شيخنا اقتبس هذا من قوله تعالى:{ يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، لأنَّ هذا مما يتنافى مع الأخوة الإيمانية .
وقول شيخنا: « الذي عُرف فينا و بين إخواننا و يعرفه مشايخنا هؤلاء لا نسارع إلى الطعن فيهم » تقريرٌ لأصلٍ سلفيٍّ، و قاعدةٍ سُنِّيَّة، مخالفتها تفضي إلى الشَّرِّ و الفساد، وكأنَّ الشيخ أدرك و لاشكَّ موطن الخلل و مورد الزَّلل في إخوانه و أبنائه، فلذلك تراه يُلقِّنهم مثل هذه الأصول العظام التي يعصمهم الله بها من الفتن .
كلمات يسيرة من جوامع الكلم يسهل حفظها، و مطلوب شيخِنا من أبنائه وَعيُها والعمل بها: «الذي عُرفَ فِينا وبينَ إِخوانِنَا و يعرِفُه مشَايِخُنا هؤلاء لا نُسارِع إلى الطَّعن فيهم».
الله أكبر! فأيُّ بيانٍ فوق هذا؟ و أيُّ تربيةٍ فوق هذه؟ ثم إذا حصل من أحدٍ ممن هو معروفٌ عند المشايخ زللٌ أو خطل، فما الواجب على إخوانه و الحالة هذه؟ الواجب عليهم قد سبق بيانه من كلام شيخنا، وهو البيان و المناصحة بالتي هي أحسن، فإذا لم يستجب رُفعت المسألة إلى المشايخ، لمعالجتها في ضوء المنهج السَّلفي بما تقتضيه الأدلة الشرعية .
فما حكم من يُخالف توجيهات المشايخ التي منها ما نصح به شيخنا هنا إذن؟ و يسارع إلى الطَّعن و إثارة الفتن و القلاقل على من زكاهم المشايخ و أثنوا عليهم خيرًا ونصحوا بهم؟ و الجواب: كما قال شيخنا: هذا ليس على سبيل، بل هو من أهل الشَّغب و الفتن و القال و القيل .
ووالله لو أنَّ النَّاس أخذوا بمثل هذه التوجيهات والنصائح الغالية من مشايخنا، لجنَّبهم الله شرَّا كثيرًا، ولخدموا بذلك دعوتهم، وانتفعوا نفعوا غيرهم .
الوقفة الرابعة
و نقِفُها مع قول شيخنا: « وما من أحدٍ أبدًا ممن كان يُعرف على السنة أن النَّاس طعنوا فيه مباشرة، أبدًا..لا تسمعوا لتلك الأراجيف و الأقوال الفاسدة، قبل قليل جائني أحدهم فقال لي بأن جماعة عبد المالك رمضاني يقولون بأن الشيخ العباد زكَّاه و أنَّ هذه التزكية جديدة و متأخرة، فقلت له: و الذين تكلموا فيه لأيِّ شيءٍ تكلَّموا فيه؟ هل بينهم و بينه حسابات؟ أو أن القضيَّة قضيَّة منهج و انحراف!؟..
هذا رجلٌ كان على شيءٍ من الخير ثم بدأت تصدر منه انحرافات و زلَّات و ُنصِح و تابعه إخوانه بالنَّصيحة بل نصحه المشايخ الكبار إلا أنَّه ركِب رأسه و أبى إلا المخالفة، فهل مثله تنفعه تزكية العباد أو غيره؟ أبدًا، الشيخ العباد شهِد بما يعلم عن الرَّجل ومن علِم حجة على من لم يعلم، و غيره عنده عليه أمور مثبتة من كلامه هو..».
وفي كلام شيخنا هذا بيانٌ لأمورٍ مهمة بعضها سبق إشارته إليه، وهي:
الأمر الأوَّل: في قوله حفظه الله: « و ما من أحدٍ أبدًا ممن كان يُعرف على السنة أن النَّاس طعنوا فيه مباشرة، أبدًا » .
ومقصود شيخنا بكلامه هذا، أن المشايخ لا يسارعون إلى الطعن و الجرح في من كان يُظهر السنة، إلا بعد مناصحته و الصبر عليه، وذلك حفاظًا منهم على وحدة الصَّفِّ و الجماعة، وحِرصًا على جمع الكلمة، وشفقةً منهم على المخالف رجاء أوبته و رجوعه عن أخطائه، و سعيًا منهم في تجنيب الدَّعوة مزيدًا من الفتن و المهاترات التي تشغل أفرادها عن العلم و العمل .
ثم مثَّل شيخنا بقضية عبد المالك رمضاني و كيف أنَّ المشايخ ناصحوه و تابعوه بالنَّصيحة، وصبروا عليه، ولم يتسرَّعوا في الكلام فيه، بل ناصحه المشايخ الكبار، فلما لم يُجد نصحهم نفعًا و ركب رأسه، بل زاد على ذلك الطعن فيمن ناصحوه عند ذلك لم يجد المشايخ بدًّا من بيان حاله، و التحذير منه، فلجئوا إلى الكيِّ اضطرارًا بعد استنفاذ سبل العلاج، من باب قول الشَّاعر:
إذا لم تكن إلا الأسِنةُ مَركباً *** فَمَا حِيلةُ المضطرِّ إلا ركوبها.
و بمثل هذا النهج تعاملوا مع المدعو عبد الحميد العربي حتى يئسوا منه، كما صرَّحوا بذلك في مطلع بيانهم الذي حذَّروا فيه منه، و هم الثِّقات الأمناء، حيث جاء فيه:« بعد جملةٍ من النَّصائح الأخوية التي قدَّمها بعض المشايخ و الدُّعاة المعروفين على السَّاحة الدَّعوية للمسمَّى: أبي عبد الباري عبد الحميد العربي- هداه الله- لتقويم سلوكه الأخلاقي و الأدبي في عموم معاملاته مع الدُّعاة وغيرهم، و التي لم تلق استجابة ولم تجدِ نفعًا.. رآى الموقعون أدناه وإخوانهم من الأئمة والدعاة أن يُحذِّروا منه.. » .
فمتى حذَّر مشايخنا من العربي؟ بعد جملة من النَّصائح الأخوية التي قدَّمها له بعض المشايخ و الدُّعاة المعروفين، و بعد أن لم تلق استجابة ولم تجدِ نفعًا .
وهذا منهجٌ أخذه مشايخنا عن مشايخهم الكبار أئمة الجرح و التعديل و على رأسهم العلامة ربيع المدخلي الذي كان يصبر و ينصح حتى يطول صبره و لا يسارع إلى الرَّد و الجرح فيمن كان يُظهر السنة، فهو إذن منهج أخذه مشايخنا عن مشايخهم، كابرًا عن كابر، و تأسَّوا بهم فيه، فهلَّا اقتدينا نحن كذلك بمشايخنا فيه كما اقتدوا هم بأسلافهم الصالحين، أئمة هذا الدين؟ أمَّا السَّلفيُّ حقًّا فلا أظنُّه يخطر بباله إطلاقًا مخالفة سبيل العلماء السَّلفيين، بل لا تجده إلا لازمًا لغرزهم، متبعًا لسبيلهم، متأسِّيًا بهم، مُتعلِّمًا منهم .
وفي الأخير: أُكرِّر نصح نفسي و إخواني بالاستفادة العلمية والعملية من هذه التأصيلات السلفية، و الدُّرر المنهجية، و النَّصائح و التَّوجيهات الغالية، التي جادت بها قريحة هذا الشيخ السَّلفي الذي ما عرفنا قدر منزلته في الدين إلا من قبل كبار مشايخ السنة ورجالها، الذين شهدوا له بالعلم وصحيح الديانة والصلابة في السنة، والاستقامة على منهج السلف قولًا و عملًا ودعوة .
ثم ليَعلَم من أعرض عن مثل هذه التوجيهات ولم يرفع بها رأسًا أنَّه لا يضرُّ بذلك إلَّا نفسه .
هذا علمنا و هذا مصدره النَّقيُّ الصَّافي، ومن هذا المنهل رضعنا و لا نزال بإذن الله و فضله حتى نُفطَم و نرتَوي، من الصنوبر إلى المقبرة..!، و الله الموفق و الهادي إلى سواء السبيل .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
تعليق