بسم الله الرحمان الرحيم
قال العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في سفره النفيس الموسوم بالسلسلة الصحيحة
تحت حديث رقم :160 الا وهو :
عن أنس بن مالك قال : قال رجل : يا رسول الله ! أحدنا يلقى صديقه ؛ أينحني له ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا . قال : فيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا . قال : فيصافحه ؟ قال : نعم ؛ إن شاء . والسياق لأحمد وكذا الترمذي ؛ لكن ليس عنده : إن شاء ولفظ ابن ماجه نحوه وفيه ؛ ولكن تصافحوا . ( حسن )
قال رحمه الله :رواه الترمذي ( 2 / 121 ) و ابن ماجه ( 3702 ) و البيهقي ( 7 / 100 ) و أحمد
الى ان قال :و منه تعلم أن قول البيهقي :
" تفرد به حنظلة " فليس بصواب و الله أعلم .
إذا عرفت ذلك ففيه رد على بعض المعاصرين من المشتغلين بالحديث ، فقد ألف جزءا
صغيرا أسماه " إعلام النبيل بجواز التقبيل " حشد فيه كل ما وقف عليه من أحاديث
التقبيل ما صح منها و ما لم يصح ، ثم أورد هذا الحديث و ضعفه بحنظلة و لعله لم
يقف على هذه المتابعات التي تشهد له ، ثم تأوله بحمله على ما إذا كان الباعث
على التقبيل مصلحة دنيوية كغنى أو جاه أو رياسة مثلا ! و هذا تأويل باطل ، لأن
الصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن التقبيل ، لا يعنون به قطعا
التقبيل المزعوم ، بل تقبيل تحية كما سألوه عن الانحناء و الالتزام و المصافحة
فكل ذلك إنما عنوا به التحية فلم يسمح لهم من ذلك بشيء إلا المصافحة ، فهل هي
المصافحة لمصلحة دنيوية ؟ ! اللهم لا .
فالحق أن الحديث نص صريح في عدم مشروعية التقبيل عند اللقاء ، و لا يدخل في ذلك
تقبيل الأولاد و الزوجات ، كما هو ظاهر ، و أما الأحاديث التي فيها أن النبي
صلى الله عليه وسلم قبل بعض الصحابة في وقائع مختلفة ، مثل تقبيله و اعتناقه
لزيد بن حارثة عند قدومه المدينة ، و تقبيله و اعتناقه لأبي الهيثم ابن التيهان
و غيرهما ، فالجواب عنها من وجوه :
الأول : أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة . و لعلنا نتفرغ للكلام عليها ،
و بيان عللها إن شاء الله تعالى .
الثاني : أنه لو صح شيء منها ، لم يجز أن يعارض بها هذا الحديث الصحيح ، لأنها
فعل من النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل الخصوصية ، أو غيرها من الاحتمالات التي
توهن الاحتجاج بها على خلاف هذا الحديث ، لأنه حديث قولي و خطاب عام موجه إلى
الأمة فهو حجة عليها ، لما تقرر في علم الأصول أن القول مقدم على الفعل عند
التعارض ، و الحاظر مقدم على المبيح ، و هذا الحديث قول و حاظر ، فهو المقدم
على الأحاديث المذكورة لو صحت .
و كذلك نقول بالنسبة للالتزام و المعانقة ، أنها لا تشرع لنهي الحديث عنها ،
لكن قال أنس رضي الله عنه :
" كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، و إذا قدموا من سفر
تعانقوا " .
رواه الطبراني في الأوسط ، و رجاله رجال الصحيح كما قال المنذري ( 3 / 270 )
و الهيثمي ( 8 / 36 ) و روى البيهقي ( 7 / 100 ) بسند صحيح عن الشعبي قال :
" كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا التقوا صافحوا ، فإذا قدموا من سفر
عانق بعضهم بعضا " .
و روى البخاري في " الأدب المفرد " ( 970 ) و أحمد ( 3 / 495 ) عن جابر بن
عبد الله قال :
" بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ، ثم
شددت عليه رحلي ، فسرت إليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس ،
فقلت للبواب : قل له : جابر على الباب ، فقال : ابن عبد الله ؟ قلت : نعم ،
فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني و اعتنقته " الحديث ، و إسناده حسن كما قال الحافظ
( 1 / 195 ) و علقه البخاري .
فيمكن أن يقال : إن المعانقة في السفر مستثنى من النهي لفعل الصحابة ذلك ،
و عليه يحمل بعض الأحاديث المتقدمة إن صحت . و الله أعلم .
و أما تقبيل اليد ، ففي الباب أحاديث و آثار كثيرة ، يدل مجموعها على ثبوت ذلك
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط
الآتية :
1 - أن لا يتخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته ، و يتطبع هؤلاء
على التبرك بذلك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم و إن قبلت يده فإنما كان ذلك
على الندرة ، و ما كان كذلك فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة ، كما هو معلوم من
القواعد الفقهية .
2 - أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره ، و رؤيته لنفسه ، كما هو الواقع
مع بعض المشايخ اليوم .
3 - أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة ، كسنة المصافحة ، فإنها مشروعة بفعله
صلى الله عليه وسلم و قوله ، و هي سبب تساقط ذنوب المتصافحين كما روي في غير ما
حديث واحد ، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر ، أحسن أحواله أنه جائز .
السلسة الصحيحة حديث رقم 160
قال العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في سفره النفيس الموسوم بالسلسلة الصحيحة
تحت حديث رقم :160 الا وهو :
عن أنس بن مالك قال : قال رجل : يا رسول الله ! أحدنا يلقى صديقه ؛ أينحني له ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا . قال : فيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا . قال : فيصافحه ؟ قال : نعم ؛ إن شاء . والسياق لأحمد وكذا الترمذي ؛ لكن ليس عنده : إن شاء ولفظ ابن ماجه نحوه وفيه ؛ ولكن تصافحوا . ( حسن )
قال رحمه الله :رواه الترمذي ( 2 / 121 ) و ابن ماجه ( 3702 ) و البيهقي ( 7 / 100 ) و أحمد
الى ان قال :و منه تعلم أن قول البيهقي :
" تفرد به حنظلة " فليس بصواب و الله أعلم .
إذا عرفت ذلك ففيه رد على بعض المعاصرين من المشتغلين بالحديث ، فقد ألف جزءا
صغيرا أسماه " إعلام النبيل بجواز التقبيل " حشد فيه كل ما وقف عليه من أحاديث
التقبيل ما صح منها و ما لم يصح ، ثم أورد هذا الحديث و ضعفه بحنظلة و لعله لم
يقف على هذه المتابعات التي تشهد له ، ثم تأوله بحمله على ما إذا كان الباعث
على التقبيل مصلحة دنيوية كغنى أو جاه أو رياسة مثلا ! و هذا تأويل باطل ، لأن
الصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن التقبيل ، لا يعنون به قطعا
التقبيل المزعوم ، بل تقبيل تحية كما سألوه عن الانحناء و الالتزام و المصافحة
فكل ذلك إنما عنوا به التحية فلم يسمح لهم من ذلك بشيء إلا المصافحة ، فهل هي
المصافحة لمصلحة دنيوية ؟ ! اللهم لا .
فالحق أن الحديث نص صريح في عدم مشروعية التقبيل عند اللقاء ، و لا يدخل في ذلك
تقبيل الأولاد و الزوجات ، كما هو ظاهر ، و أما الأحاديث التي فيها أن النبي
صلى الله عليه وسلم قبل بعض الصحابة في وقائع مختلفة ، مثل تقبيله و اعتناقه
لزيد بن حارثة عند قدومه المدينة ، و تقبيله و اعتناقه لأبي الهيثم ابن التيهان
و غيرهما ، فالجواب عنها من وجوه :
الأول : أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة . و لعلنا نتفرغ للكلام عليها ،
و بيان عللها إن شاء الله تعالى .
الثاني : أنه لو صح شيء منها ، لم يجز أن يعارض بها هذا الحديث الصحيح ، لأنها
فعل من النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل الخصوصية ، أو غيرها من الاحتمالات التي
توهن الاحتجاج بها على خلاف هذا الحديث ، لأنه حديث قولي و خطاب عام موجه إلى
الأمة فهو حجة عليها ، لما تقرر في علم الأصول أن القول مقدم على الفعل عند
التعارض ، و الحاظر مقدم على المبيح ، و هذا الحديث قول و حاظر ، فهو المقدم
على الأحاديث المذكورة لو صحت .
و كذلك نقول بالنسبة للالتزام و المعانقة ، أنها لا تشرع لنهي الحديث عنها ،
لكن قال أنس رضي الله عنه :
" كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، و إذا قدموا من سفر
تعانقوا " .
رواه الطبراني في الأوسط ، و رجاله رجال الصحيح كما قال المنذري ( 3 / 270 )
و الهيثمي ( 8 / 36 ) و روى البيهقي ( 7 / 100 ) بسند صحيح عن الشعبي قال :
" كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا التقوا صافحوا ، فإذا قدموا من سفر
عانق بعضهم بعضا " .
و روى البخاري في " الأدب المفرد " ( 970 ) و أحمد ( 3 / 495 ) عن جابر بن
عبد الله قال :
" بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ، ثم
شددت عليه رحلي ، فسرت إليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس ،
فقلت للبواب : قل له : جابر على الباب ، فقال : ابن عبد الله ؟ قلت : نعم ،
فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني و اعتنقته " الحديث ، و إسناده حسن كما قال الحافظ
( 1 / 195 ) و علقه البخاري .
فيمكن أن يقال : إن المعانقة في السفر مستثنى من النهي لفعل الصحابة ذلك ،
و عليه يحمل بعض الأحاديث المتقدمة إن صحت . و الله أعلم .
و أما تقبيل اليد ، ففي الباب أحاديث و آثار كثيرة ، يدل مجموعها على ثبوت ذلك
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط
الآتية :
1 - أن لا يتخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته ، و يتطبع هؤلاء
على التبرك بذلك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم و إن قبلت يده فإنما كان ذلك
على الندرة ، و ما كان كذلك فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة ، كما هو معلوم من
القواعد الفقهية .
2 - أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره ، و رؤيته لنفسه ، كما هو الواقع
مع بعض المشايخ اليوم .
3 - أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة ، كسنة المصافحة ، فإنها مشروعة بفعله
صلى الله عليه وسلم و قوله ، و هي سبب تساقط ذنوب المتصافحين كما روي في غير ما
حديث واحد ، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر ، أحسن أحواله أنه جائز .
السلسة الصحيحة حديث رقم 160
تعليق