البيان الحازم في الرد على يوسف أبي حاتم الحلقة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
و لازلنا بصدد بيان ما جاء به هذا المتعالم من تأصيلات باطلة، وتقعيدات عاطلة، فمن أمعن النظر وجد كلامه ينقض بعضه بعضا، فهو يأصل ويقعد، وما هي إلاّ دقائق فإذا هو ينقض ويهدم ما أصله من قواعد وحقائق، وسبب هذا التخبط هو التعالم، والتصدر قبل التحصيل، و التزبب قبل التحصرم، وهذا قد جاء النهي عنه كثيرا في كلام السلف، وقد ألف فيه الشيخ بكر أبو زيد كتابا مفردا سمّاه ( التعالم )، وهو كتاب قيّم عظيم الفائدة في بابه، ومن علم و عمل بما جاء عن السلف من وصايا وآداب، فإنّ هذا من أعظم ما يستعان به على الثبات على دين الله جل وعلا، ومن وفقه الله عز وجل بأن جعله من طلبة العلم أو الدعاة إلى الله فعليه أن يراقب الله سبحانه، وأن يخلص له الدين، وأن يتحرى الصدق في القول والعمل، وأن يجتنب الظلم والكذب والرياء، فإنّ ذلك مهلكة، و استمع إلى ما جاء في وصية العالم الجليل إبراهيم ابن مسعود الأندلسي رحمه الله يحث ابنه أبا بكر على طلب العلم والعمل به، ونبذ التعالم والخيلاء، فقال:
فواضبه وخذ بالجدّ فيـــــــــــه *** فإن أعطــــــــــاكه الله أخذتا
و إن أوتيت فيه طويـــــــــل باع *** وقــال الناس إنّك قـد سـبقــتا
فــــــــــلا تأمن سؤال الله عــنه *** بتوبيخ علمت فهـل عـملـــــتا
فرأس العلم تقوى الله حــــــــقا *** وليس بأن يقال لقـد رأســـــتا
و ضافي ثوبك الإحسان لا أن *** تُرى ثوب الإساءة قــــد لبستا
إذاما لم يفـدك العلـم خيـــــــــــرا *** فخير منه أن لو قـد جهـــــلتا
و إن ألـقاك فهمـك فــي مــــهاوٍ*** فليتك ثــم ليتك مـــــــــا فهمتا
ستجني من ثمار العجـز جــهلا *** و تصغر في العيون إذا كبرتا
وتفـقـد إن جهلت وأنت بــــــاق *** وتـــوجد إن علمت وقد فقدتا
وبعد هذا ندخل في صلب الموضوع:
قال أبو حاتم:{الأمر الثالث الذي يرد به على هذا الكلام ( أي الكلام الذي نسبه للشيخ رحيل ).
قاعدة معلومة عند أهل العلم وهي: أنّ العلماء لا تموت أقوالهم بموتهم، فإذا قال العالم قولا وخالف غيره في هذا القول، ثم بعد ذلك، يعني أتى من بعده، في هذه المسألة بعينها ومثلا ادعى الإجماع، أو ادعى غير ذلك، يقال له لا لماذا، لأنّه في هذا العصر و إن لم يكن قد خالفك أحد، لكن هذه المسألة قد سبق فيها الخلاف، وقد خالف العالم الفلاني أو العالم الفلاني والأقوال لا تموت بموت أصحابها، ولذلك من المعلوم في أصول الفقه أنّ المسألة إذا كانت خلافية بين السلف مثلا لا يجوز لمن بعدهم أنهم يعني مثلا إذا كانت هذه المسألة أختلف فيها على قولين أن يأتي من بعدهم ويفصلها في قول،
لماذا؟ لأنّه ما وسعه ما وسع السلف، لأنّ السلف وسعهم أنّهم اختلفوا في هذه المسألة، و إن كان المخالف في هذه المسألة واحد وقد خالف الجمهور يبقى قوله ناقضا لهذا الإجماع، لماذا؟ لكونه عالما، فكونه مات لا يموت قوله، فإذا جاء من بعدهم و قال المسألة مجمع عليها، يرد عليه إجماعه، لماذا لأنّ الأقوال لا تموت بموت قائليها }ا.هـ
والجواب عن كلام أبي حاتم:أن يقال:كلامك خارج عن محل النزاع,الشيخ رحيل ما أتى بقول بين قولين,حتى تحتج عليه بما سبق من كلامك,بل أنت الذي نقلت الإجماع على أن أهل الجرح والتعديل لا يعتبرون الكلام المتقدم من المتأخر,ولم نسلم لك ما ادعيت لأنك لست من أهل الإحاطة,ولا من الحفاظ أهل الضباطة, وقد يسر الله جل وعلا أن نقلنا في الحلقة الأولى كلام الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في إثبات الخلاف في ذلك، وها أنت لم يسعك ما وسع السلف، ولو كان كلامك حقا لشد بعضه بعضا، ولكن لمّا كان باطلا كان متناقضا يضرب بعضه بعضا.
أبو حاتم يقعد قاعدة باطلة.
قال أبو حاتم:فكون الشبخ مقبل والشيخ النجمي مثلا، يعني أثنوا على الشيخ يحي وكذلك عدّلوه ومدحوه، نعم بتلكم الأقوال التي سبق ذكرها وغيرها كثير ثم بعد ذلك كونهم ماتوا، إذا أتى من بعدهم ومسح أقوالهم فهو بذلك طاعن فيهم وليس بمعتبر لقولهم، وهذا طعن في هؤلاء الأئمة، أنّهم يميتون أقوالهم بموتهم، وكفى بهذا جرماً وإبطالا لكلام أهل العلم، ويلزم من ذلك يعني أنّنا لا نعتبر كتب الجرح والتعديل ا.هـ
والجواب أن يقال:قد اشتمل هذا الكلام على باطل عظيم، لا يصدر عن صغار طلبة العلم فضلا عمن نصب نفسه ليرد على كبار مشايخ الدعوة السلفية، من أمثال الشيخ عبيد حفظه الله، والشيخ فركوس، والشيخ عبد الغني، و الشيخ محمد بن عبد الله الإمام،وغيرهم كثير، والذي يقول هذا الكلام له حالتان لا ثالث لهما:
ـ1ـ الأولى: إمّا أن يكون جاهلا بما جاء عن العلماء الفحول في هذا الباب، فحريّ به أن يستغفر ربه من ذنبه، ويرجع إلى رشده، ويجّد في سؤال أهل العلم، و ينبغي أن لا يقول على الله إلا الحق، فإنّ العبد مسؤول عن كل ما يصدر عنه من قول وعمل.
ـ2ـ الثانية: أن يكون قد تعمد هذا لينصر ما ذهب إليه من غلوٍ أو إفراطٍ في مدح الرجال، فهذا من التعصب للرجال، وكما قيل:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ـ1ـ أنّ هذه قاعدة وهي: أنّ العلماء لا تموت أقوالهم بموتهم، ليست على إطلاقها بل لابد من التفصيل، إذ إطلاقها هكذا بلا قيد فيه لبس للحق بالباطل كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ـ2ـ لو أخذنا بكلام هذا الغر لصار أبو الحسن المأربي سلفيا، لأنّ الشيخ مقبل مات وهو يثني عليه، وعلي حسن الحلبي سلفيا، لأنّ الشيخ الألباني مات وهو يمدحه، وغيرهم كثير،و يوسف هذا يهذي بما لا يدري ويحرف ما يدري، فقد جعل ثناء العلماء كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه ( ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم )، ألم يسمع قوله تعالى ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله علىصراط مستقيم )، أليست (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيفيشاء)؟ أليس النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر دعاءه (اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)؟ أليس هو القائل: (يصبح الرجل مؤمناويمسي كافرا)؟ وهو القائل: (إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنةحتى ما يبقى بينه وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). فاللهم ثبت قلوبنا على دينك.
ـ3ـ ويلزم من كلام يوسف هذا أن من عدّله شيخه ومات, فهو عدل ما دامت السماوات والأرض وإن ألحد و كفر!.
فليعلم أبو حاتم وأمثاله أنّ العلماء لا يعلمون خائنة الأعين وما تخفي الصدور، بل هذا مما تفرد به الله وحده، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يقال له يوم القيامة - كما جاء في حديث الحوض:)إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فكيف يقال هذا طعن فيهم، ولماذا يلحقهم الطعن؟ أليسوا قد شهدوا بما علموا من ظاهر حال الرجل؟ وأهل السنة يحكمون على الظاهر وربك يعلم ما تكنّ السرائر.
ـ 4ـ أنّ قوله {يلزم من هذا الكلام إبطال كتب الجرح والتعديل}، و كذالك قوله: {إن العلماء لا تموت أقوالهم بموتهم}،، بل يرد على ضلال الرجل ولو مدحه من مدحه ، لأنّه دفاع عن الشريعة الغرّاء، ومما تقرر في علم الحديث، أنّ أقوال العلماء إن كانت في تعديل رجل ما، ثم جاء من بعدهم من العلماء العدول العارفين، وجرح ذلكم الرجل جرحا مفسرا،فالجرح مقدم على التعديل، وإن كثر عدد المعدّلين،كما تقدم ذلك في كلام الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، في الحلقة الأولى.
أبو حاتم يرمي الشيخ رحيل بأنّه يأخذ عن المجاهيل.
قال أبو حاتم:{و أنّه لمّا سأله هذا الأخ، لمّا سأل هذا المعسكري عن تلكم الرسالة التي كتبها أبو سعيد الحنبلي، قال أخونا محمد: ولمّا سألته عن تلك الرسالة التي كتبها أو سعيد الحنبلي وبين له أنّ صاحب هذه الرسالة مجهول، قال هذا المعسكري: لا بأس بالأخذ بها لأنّ فيها فائدة }ا.هـ
قال الشيخ رحيل: أبو سعيد الحنبلي هو (صاحب البيان الفوري) وهو عندنا غير مجهول فهذه الرسالة قدّم له فيها الشيخ عبيد الجابري، وزيادة على تقديم الشيخ عبيد فهو نقل الأخبار موثقة عن أصحابها من كتبهم و أشرطتهم، وأما الأخذ عن المجاهيل فهذا معروف عند صغار طلبة العلم أنه غير مقبول ومن خلل المنهج ا.هـ
وكان مما أذكره في هذه المسألة: أن اتصل عليّ بعض الإخوة من مدينة تيسمسيلت وسألوا عن مطويات لرجل اسمه {...}، فسألت الشيخ رحيلا عنه فقال:لا أعرفه، ولا ينشر له حتى تتبين عدالته، لأنّ الأصل عدم الأخذ عن المجهول ا.هـ
يوسف يزعم أنّ عبد الله المسالمي ليس له وجود في الدنيا.
قال أبو حاتم :{ كرسالة ذلك المسمى الذي يسمّي اسمه كذبا عبد الله المسالمي وهم الآن ينشرون هذه الرسالة مع أنّ هذا عبد الله المسالمي ليس له وجود في الدنيا وإنّما هو حزبي من الحزبين، طرده شيخنا حفظه الله، واسمه عبد الرزاق التبسي} ا.هـ
الجواب:أين بيّنتك على هذا الإدعاء؟ ثم إنّ هذه الرسالة لم تحتو إلاّ على ما قلته في مجموع ردودك المزعومة على أئمّة الدعوة السلفية بالجزائر، من أمثال الشيخ فركوس والشيخ لزهر والشيخ عبد المجيد والشيخ عبد الغني، حفظ الله الجميع، بنقل موثق برقم الصحيفة وعنوان الرسالة بلا زيادة فيه ولا نقص.
أبو حاتم يرمي الشيخ رحيل بأنّه مقلد.
قال أبو حاتم:{ومما نقله الإخوة عن هذا المعسكري، أنّه يجوز التقليد، كما هو في شريط مسجل بصوته، قال لمّا سئل وقيل له بعض الإخوة يقولون أنّ الشيخ يحي حدادي، قال محمد رحيل لا بأس بأن يقولوا ذلك و يقلدوا الشيخ ربيع في ذلك،يجوز التقليد نعم يجوز تقليد الشيخ ربيع في هذه المسألة، ومعلوم أنّ التقليد أمر باطل }ا.هـ
الجواب:تفصيل شيخنا رحيل في التقليد مشهور,وقد سمعت منه التفصيل في مدينة تموشنت,فكان مما قال :الناس أمام أقسام الشرع ثلاثة أصناف :
1-مقلد وهذا مذهبه من يفتيه,ممن يثق فيه.
2-متبع وهذا هو الذي يتبع الدليل بفهم العلماء لا بفهمه.
3-مجتهد:وهو الذي يأخذ من الكتاب والسنة مباشرة.
فالأول يجوز في حقه التقليد,وقد يجب,وهذا بالنسبة لمن لا علم عنده ولا أهلية النظر في العلم لقوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }.
والثاني الأصل فيه عدم التقليد,لكن قد يقلد في بعض المسائل قال ابن القيم-رحمه الله-:{وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله,وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه,فهذا محمود غير مذموم,ومأجور غير مأزور}إعلام الموقعين[2/169].
والثالث يحرم في حقه التقليد لاستكماله أدوات الإجهاد.إلا عند الضرورة كالميتة.
هذا هو تفصيل الشيخ رحيل في التقليد وهو تفصيل أهل العلم.
واتباع الشيخ ربيع في الجرح والتعديل إذا كان عن نظر واستدلال ليس تقليدا وإنما هو اتباع,وإن سماه أبو حاتم وأصحابه تقليدا.
أبو حاتم يكذب على الشيخ رحيل.
قال أبو حاتم:{الذي قال هذا هو محمد رحيل، قال: قال الشيخ ربيع حدادي، خلاص، قال لا دليل لاوالو، قال الشيخ ربيع حدادي، خلاص، يعني كيف كلام الشيخ ربيع حفظه الله وحي منزل؟ و إذا قال كلاما يعني خلاص؟ يعني لا يتكلم بعد ذلك؟}
الجواب:أبا حاتم إن الشيخ رحيل لم يستدل بالشيخ ربيع وحده,بل ذكر مشايخ آخرين وسماهم وهذا المكالمة :
قال الشيخ رحيل:أجرحه الشيخ ربيع فقط؟ ومحمد بن هادي المدخلي جرحه أيضا؟ والشيخ عبيد تكلم فيه من قبل، زد الشيخ عبد المجيد جمعة، الشيخ لزهر، زد الشيخ عز الدين مكالماتهم موجودة ومسجلة وكل شيء.
السائل: سمعناها يا شيخ.
الشيخ:وكيف؟ لماذا تتعصبون ليحي الحجوري؟ ا.هـ
هل صاحب هذا النقل الموثق مقلد؟ بل عدد المتكلمين أكثر من ثلاثين شيخا من أهل السنة، يوم قال الشيخ رحيل هذا الكلام، وكلامهم محفوظ، منه ما هو مكتوب ومنه ما هو مسموع، فهل يقال أنّ الشيخ مقلد؟ أم يقال أنتم متعصبة؟
ألم تقل بأنّك استمعت إلى كلام الشيخ فلماذا تكذب؟ معذرةً، يا أبا حاتم مثلك نقله ليس بشيء.
هذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله و صحبه وسلم.
يتبع...
وكتبه أبو عبد الرحمن عمر مكي يوم
الخميس 18رجب 1433من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
بواد التاغية حرسها الله وبلاد المسلمين
تعليق