<بسملة1>
« أحشفًا وسُوءَ كيْلٍ؟ »
هذه بِضاعةُ صاحبِ المقالينِ اللّذَينِ رَوَّج لهما الصَّعافقةُ في اتِّهامِهم ريحانة البِلاد بِالسَّرقات العلميَّة.
-الحلقة الثانية-
-الحلقة الثانية-
الفصلُ الثَّاني: هل نَقْلُ الفَقَراتِ دُونمَا عَزوٍ لا يشمَلُهُ مصطلحُ السَّرقاتِ العلميَّة، وهل السَّرقة محصورةٌ في انتحال التَّصانيفِ؟
لقد ذكر صَاحِبُ المقَالَيْنِ أنَّه بعد بحْثٍ طويل لم يَجِدْ من قام بتعريف وشرح معنى السَّرقات العلميَّة، ثمَّ بيَّن الظَّفَر الذي ظفر به على فَهْمِه، ليجعله مُتَّكأه في جميع ما يخُطُّ من طَعْنٍ ويزعُم أنَّه القَوْلُ الفَصْلُ في هذا الباب.
قال صاحبُ المقالين: «لم أجد بعد بحث طويلٍ من قام من العلماء بتعريف وشرح معنى السَّرقات العلميَّة، ولكنِّي ظفرت بقولٍ بعد هذا البحث للسيوطي-رحمه الله- يذكر فيها أنواع سُرَّاق العلم وهو متضمن-بداهة- لأنواع السَّرقات العلمية وهو بإذن الله قول فصل في هذا الباب»، فهذا كما ترى- أيُّها المنصف هو القول الفصل المرضيّ عنده لتكون المحاكمة إليه، وبتزييف هذا الفهم يَسْقطُ جميع ما ادَّعاهُ ضرورةً، هذا النَّقلُ الذي ظفر به بعد طُول بحثٍ هو قولُ السيوطي في كتابه: البارق في قطع السَّارق، والكتابُ عند من يكتبُ في السَّرقات من الشُّهرة بمكان هو وأخوه- الفارق بين المصنِّف والسَّارق-، وأوَّلُ ما يتبادر إلى الأذهان إذا طُرِق هذا الموضوع مَسطُورُ ما في هذينِ الكتابَين، فانظر هذا البحث الطويل وما أسْفَر من عظيمِ نتائج.
ويَزيدُك إحساسًا بشدَّة التَّعب والتَّحري فيما قام به صاحبُ البحث؛ أنَّ هذا التَّقسيم المظفورَ به؛ مُشاعٌ مُذاعٌ قد تَداوَلَهُ من قَبْلَهُ ممَّن تداولَ، وأنَّه هو التَّقسيم الوحيد في رسالة البارقِ؛ التي لا تتجاوَز صفحاتُ صُلْب مَتْنِ صاحبِها – مع ما ذكره بآخرها من مقامة تعلُّق الشص- السَّبعين صفحةً، والمعنيُّ في الباب من الكلام عن سُرَّاق التَّصانيفِ ثمانُ صفحاتٍ لا غَيْر.
أقُول هذا الكلام لنَنظُر سَوِيًّا في القول الفصل الذي خلص إليه صاحبُ المقالين من كلام السيوطي إذ قال: «السَّارقون في العلم ثلاثة أقسامٍ»، وعَدَّهُم واحدًا تِلو الآخر بعد ذكر نماذج من كل قسمٍ، فأوَّلهم: «سراق الحديث وهم مجروحون بذلك بإجماع أهل الحديث وطبقتُهم تلي طبقة الوضاعين»، وثاني القسمين: «سراق التصانيف، وهم مذمومون أيضاً ، وما زالت العلماءُ ينبِّهون عليهم في تصانيفهم، ويذكرون أنَّ ذلك من أسباب عدم الانتفاع بذلك المصنَّف المسروق»، وثالثة الأثافي فيهم: «سُرَّاق الشعر، وأكثرهم يسرق المعاني التي سُبق إليها ويصوغها في نظم له، وقليل منهم من يسرق الشعر بلفظه، وما زالت الناسُ قديمًا وحديثا ينبِّهون على ذلك، ويصنِّفون فيه، وعقد أهل البيان في كتبهم بابا للسرقات الشعرية».
قال صاحبُ القول الفصلِ: «ومما سبق يتبين لكل عاقل منصف أن العلم المقصود في قولهم: "السرقات العلمية" هو: "الحديث والتصانيف والشعر" أما ما قرره عمار من أن كتابة فقرة قالها أو كتبها أحد العلماء مع عدم نسبتها إليه؛ تعتبر من السرقات العلمية فهذه بدعة عمارية لم أجد من قالها من العلماء، وقد قال الإمامُ أحمدُ: «إياك أن تتكلم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام»، فانظُر كيفَ يكون التَّبديعُ من أسهل ما يكون وهو قائل ٌكما ترى: «لم أجد من قالها»، فهَلَّا وجدَ هُوَ من حكم ببدعيَّةِ ما عدَّهُ بدعة ليُرىَ أيُّ الفريقين أولى أن يُناط به كلام الإمام أحمد <رحمه الله>، ومن أَجْرَأُ على الكلام فيما لم يُسبقْ إليه؟
أمَّا الحديث والشِّعرُ فليسَا هُما موطنَ ما نُصب فيه النِّزاع، إذ الكلام مُتَمحِّضُ في شأنِ سُرَّاق الحديث وقَصْدِ السيوطي بِهِم، وما قرَّرهُ صاحبُ المقالين من أنَّ الفقرة ونحوَها ليس يدخلُها ألبتَّة باب السَّرقات بل مثلُ هذا الإدخالِ مَعْدُودٌ عندهُ في باب البدعِ، فهل هذا هو الذي عليه العلماءُ بما فيهم السيوطي صاحب التَّقسيم الذي أُخرج كلامه في قالب هذا الفهمِ؟
يقولُ الشيخ ابن عثيمين <رحمه الله>: «أحيانا تجد الكاتب الذي كتب هذا المنسك، تجده نقل العبارة برُمَّتها وشكلها ونقطها وإعرابها من كتاب آخر ولا يقول: قال فلان في كتاب الفلاني. وهذه سرقة»(1)، فاحفَظْ قوله: «نقل العبارة»، وقَارِن بينها وبين الفقرة والمصنَّفِ بأيِّ ذلك هي أقربُ لتعرِفَ الحكم بالسَّرقة علامَ وقعَ؟ هذه إشارةٌ نرجِعُ بعدهَا لنماذج من كلامِ السيوطيِّ وهل صنيعُه فيها لنفس كلام ابن عثيمين يَرجعُ أم أنَّه لا يتحمَّلُ إلاَّ ما حمَّلَه صاحبُ المقالَيْنِ إيَّاهُ؟
يقولُ السيوطي: «ولهذا ذكر قوم من الخصائص ما لم يُورد في الكتب الفقهية غير معزُوَّة إلى من استخرجها من الأئمة قائلا: إنما موجودة في ضمن الأحاديث، فلا ينسب إلى من يتبع ذلك، معاذ الله بل حتى يعزُوَ كل فائدة إلى من عدَّها، ويُعطي كل مسألة من العلم حقَّها وحدّها. كذلك فعل الأئمة ونالوا بذلك المراتب العليّة الجمّةَ»(2).
وقال بشأنِ سارقِ مُصنَّفاتِه الذي عقد كتابَهُ لأجله: «ولَقَد أغار على كتاب رابع وهو -مسالك الحُنفا في والدي المصطفى- إلا أنَّه أخذ منه القليل، ولم يستَوْفِ ما فيه من تقرير ودليل»(3)، فانظُر وَصْفَ الإغارةِ وكيف أَرْجعَهُ إلى القليل من الكتاب، واربطه بالنَّقل السَّابق في تحتُّمِ عَزْوِ كل فائدة إلى من عدَّها، فإن قال قائل: لقد أشار صَاحِبُ المقَالَيْنِ إلى أنَّ الفوائد المستغربة تدخل كذلك في السَّرقات، وقد تنتهِضُ لتكون قسمًا رابعًا؟
قيل جوابًا: ليست كلُّ نَقْلٍ أوردهُ عَالِمٌ في فَقْرةٍ ونحوِها-ممَّا ليس بمُصنَّفٍ- يَصْدُقُ عليه أن يُوصفَ بكونِه فائدةً مُستغرَبَةً، ومع ذلك فقد وصف السيوطي تارك العزوِ في نحو هذا أيضًا بالأوصاف التي ترَاها في قوله :«وكان الحافظ ابن حجر يُعلِّمُ طَلَبته إذا نقلوا حديثًا أورده لهم أو أثرا أن يقولوا: رواه فلان، أو خرّج فلان بإفادة شيخنا ابن حجر، كل ذلك حرصا على أداء الأمانة وتجنب الخيانة...وتحرزا عن الكذب وتوفية لحقِّ التتبُّع»(4)، وليس هذَا ضِمن سُرَّاق الحديث فتنبَّه.
وقال في نفس الكتاب الذي استُمِدَّ منه ذلك الفهمُ الذي بدأ يظهرُ لك زَيْفُهُ: «وبلغه- يعني: الحافظ ابن حجرٍ- أنَّ قاضيَ القُضاة بدر الدِّين العينيَّ ينقُل أشياء من شرح البخاري له في شرحه هو، فألَّف كتابًا في مجلَّدٍ الانتقاض أورد فيه جميع ما أخذه العيني من شرحه ويقول: من هُنا إلى هُنا سَرَقَه من شرحي وأغار عليه»(5)، فافْهَم الوَصْفَ بالسَّرقة والإغارة من بداية غايتِها إلى مُنتَهَاهَا هل أُسقِطَ الحُكمُ فيه على الفقرات أم هي مُصنَّفاتٌ داخلَ مُصنَّفٍ؟ أُكْثِرت النُّقولُ عن السُّيوطي، ولكن ما باليَدِ حيلةٌ فإنَّ القول الذي كان بالأمس فَصْلاً قد نُسبِ بالفهم السَّقيم إليه، وهو قَبْل ما مضى بفصل قضائه منه براء.
يقولُ السُّيوطي مُتابِعًا: «ولقد عَرَضْنَا على هذا السارق أن يرجع إلى أداء الأمانة فأبَى، وألقَيْنَا إليه من كلِّ قول رغباً ورهبًا، حتَّى اجتمع به رجُل صدق من أهل القُربِ، ووقف على بعض ما سرقه من كُتُبنا من هذا الضَّربِ، فقال له: ما أنْصَفْتَ ولا اعترفْتَ، حيثُ لم تَعْزُ إلى كتابه ما منه اغْتَرفْتَ، فلمَّا حقَّقَ معه المناط، وعلم أنَّه لا مناص له عن الارتباط، عَزَا إليَّ ما نقلهُ من كتاب من كتاب (المسالك) وكتاب (الطَّيلسان)، وطوى عن باقي المسروقِ القلم واللِّسان، فاقتصر على عَزْوِ مَوْضِعين من غير زيادة، وسكت عن عَزْوِ ما نقله من كتابيَّ (المعجزات) و(الخصائص)، وهما عينُ القلادة، واعتذَرَ عن ذلك بأنَّه يخشى أن يفسد عليه المكتوب، وما صدق بانتظامه على هذا الأسلوب، وذلك أنَّ غالب كتابه مسروقٌ من كتابيَّ المذكورين، ومسلوخ من تأليفيَّ هذين المشهورين، فخشي أن يُصرِّح بعَزْوِ كلِّ ما نقل عنهما، ويؤدِّي الأمانة في جميع ما سرق منهما، فلا يَبْقَى من الكتاب إلاَّ قليل جمل، فإنَّهُ ليس فيه كبيرُ عملٍ، وهذا من تقديم العُلوِّ على أداء السُّنة والفَرْض»(6)، فانظر هذه العبارات:
«ووقف على بعض ما سرقه»،«وطوى عن باقي المسروقِ القلم واللِّسان، فاقتصر على عَزْوِ مَوْضِعين من غير زيادة»، «غالب كتابه مسروقٌ من كتابيَّ المذكورين»، «فخشي أن يُصرِّح بعَزْوِ كلِّ ما نقل عنهما» إلى أين رجع فعل السَّرقة فيها واسم المفعول منها؟ وهل بعضُ الذي سرَقَه وباقِي المسروق لا يكون سرقةً إلاَّ باجتماع البعضِ الآخر وبَاقِيه ليُوصفَ به تَمامُ المصنَّف أنَّه مسروقٌ وإلاَّ فلا؟ وهل تعْرِفُ الفَرْقَ بين قوله:«ويؤدِّي الأمانة في جميع ما سرق منهما» وبين ما لو قال: «مجموع ما سرق» لتُدْرِك هل الوصف ذو شمولٍ واستغراقٍ أم الحُكم من قبيلِ «الكل» لا «الكلية» أم يا سائلاً عن العَوْصَاءِ ما لك من جوابٍ فقد أَوْغَلت في المعسُورِ إِيغَالًا؟
قال الشيخ الألباني <رحمه الله>: «وتحقيقُ محمد علي الصَّابونِي- يعني: لتفسير ابن كثير- فيه العجبُ العُجابُ من السَّرقة باسم الاختصار والتحقيق وليس فيه من التحقيق شيء؛ لأن الرَّجلَ ابتدع أسلوبا في ادِّعاء العلم وما ليس له»(7)، فهل هذا الوصفُ من الشيخِ أيْضًا: «العجبُ العجابُ من السَّرقة» الدَّالُّ على كثرة السَّرقات العجيبة، قد فسَّر الشيخُ طَرَفًا من صنيعهِ فيها بعد ذلك، هل يحسُنُ في اللُّغَة أن يُوصفَ مجموعُ المصنَّف بمثل هذا أم أنَّه راجِعٌ بوُضوح لكلِّ ما يَفْهمُه سَليمُ الفِطْرة وهو أوَّل ما يتبادرُ ذهنُه إليه دون مُريدِ الأغاليط؟
يقول الشَّيخُ بكر أبو زيد <رحمه الله>:«الاقتباسُ مشروط بأداء أمانته وهو نقله بأمانة منسوباً إلى قائله دونما غموض أو تدليس أو إخلال، ومباحث هذه منتشرة في آداب التأليف وغيرها»(8)، فهل يقول عاقلٌ أنَّه يتحدَّث عن اقتباسٍ ليسَ يَرْجِعُ للفقرات؟
ويقولُ محمود شاكر-رحمةُ اللهِ عليه-: «أمَّا الإشارةُ إلى الاقتباساتِ من المراجع الأخرى، فقد أصبحَت تقليدًا ثابتا لا يخالف فيه أحد، وفي هذه الحالة بدورها، نجِدُ أن هذا التَّقليد الجليل لم يستقر في بلادنا تمام الاستقرار، بل إنَّ مُخالفتَه قد تتَّخِذُ في بعض الأحيان أبعادًا مُؤسِفَةً، كما يحدث في حالاتِ السَّطْوِ على أعمال الآخرين التي يَنسبها المرء إلى نفسه دون وازع من ضمير»(9)، فهَا قَدْ أجاب عن السؤالِ السَّابقِ وبيَّن أنَّ ما نتحدَّثُ عنهُ هو ذُو مراتب وليسَ هُو مَحصُورًا في السَّطْوِ على التَّصانيفِ بل السَّطوُ من آخرِ أبعاده التي يصلُ إليها.
وسيأتي بمزيدِ تَفصيل قولُ الشيخِ سُليمان الرحيلي -حفظه الله-: «فإنَّه من عُرفِنَا في هذا الزَّمان أنَّه لا يجوز لطالب العلم أن يَنقُل شيئاً في كتابٍ أو رسالةٍ من كتابٍ آخرَ بدون أن يذكر المصدر وأن يَنْسِبَ الكلامَ إليه، وأنَّ هذا يُعَدُّ من السَّرقة ويُعَدُّ من الجرائم التي يُعاقب عليها النِّظامُ».
أَخِي المنصِف إنَّ مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ وَآدَابِهِ الْإِنْصَاف فِيهِ وَمَنْ لَمْ يُنْصِفْ لَمْ يَفْهَمْ وَلَمْ يَتَفَهَّمْ، وَقد قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «لَيْسَ مَعِي مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ أَعْلَمُ»(10)، وهَا قد أدركت إدْراكًا بيِّنًا-إن شاء الله- حقيقة ذلك القول الفصلِ وما سُمِّي بالبدعة العمَّارية، فالرُّجوعُ إلى الحقِّ -وقد لاحَ للنَّاظرين عيانًا- خَيْرٌ مِن الغَرْبِ(11)، وألْيقُ مِن سُلوكِ حَالِ مَن لَجَّ بِهِمُ الْمِرَاءُ، فأبوا إلاَّ تماديًا:
(تمادَتْ ولو كانَ التمادي إلى مَدًى *** فَتَسْلُو ولكنَّ التمادي قُسُوبُها)
وأيْقَنَ من تأمَّل تلك الأمثلة على كثرتِها أنَّ الوَصفَ بالسَّرقة – بعد انتهاء قضيَّة الإناطة بالمصَنَّف فحَسْبُ لم يكُن راجعًا في جميع ذلك إلى ما يُستغربُ من الفوائد ليسَ إلاَّ، فهل العجبُ العجابُ من السَّرقة باسم الاختصار لتفسير ابن كثيرٍ كُلُّه ممَّا يُستغربُ من الفوائد؟ وهلُمَّ جرًّا إلى سائر ما سِيقَ، وانظُر إلى ما التزَمَهُ المرداوي في إنصافِه حيثُ قال: «تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ وَفَّقَك اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا أَنَّ طَرِيقَتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ: النَّقْلُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ، أَعْزُو إلَى كُلِّ كِتَابٍ مَا نَقَلْت مِنْهُ، وَأُضِيفُ إلَى كُلِّ عَالِمٍ مَا أَرْوِي عَنْهُ»(12).وإنْ كانَ ما يُسْتغْرَبُ ويظهَرُ جُهْدُ صَاحبِه فيه أَوْلَى بالعَزْوِ وآكَدَ، يقول الزَّركشي وهُو يَصِفُ عَمَلَهُ في بَحْرِه:«َوأَنَا أَرْغَبُ إلَى مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسِبَ فَوَائِدَهُ إلَيْهِ فَإِنِّي أَفْنَيْت الْعُمُرَ فِي اسْتِخْرَاجِهَا مِنْ الْمُخَبَّآتِ، وَاسْتِنْتَاجِهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ، وَاطَّلَعْت فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَحْسُرُ عَلَى غَيْرِي مَرَامُهُ، وَعَزَّ عَلَيْهِ اقْتِحَامُهُ، وَتَحَرَّزْت فِي النُّقُولِ مِنْ الْأُصُولِ بِالْمُشَافَهَةِ لَا بِالْوَاسِطَة»(13).
ومن ذلك ما أَوْرَدَهُ السُّيوطيُّ في بارقِهِ نَقلاً عن الصَّفدي في تاريخه، قال: «قال الإِمَام عفيفُ الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن عَدْلَانِ الْموصِلِي النَّحْوِيّ: كتب إِلَيّ بعضُ العُلماءِ قَول الْحُسَيْن بن عبد السَّلَام فِي المعمَّى:
(رُبمَا عالج القوافي رجالٌ *** فِي القوافي فتلتوي وتلينُ)
(طاوعْتُهم عين وَعين وَعين *** وعصتهم نونٌ وَنونٌ وَنونٌ)
ولا تنسَ أنَّ مِن أشدِّ ما يكونُ نكايةً في السَّرقة قصدَ السَّارقِ الإيهامَ والتَّشبُعَ بما لم يكُنْ إليه سَبيلٌ، قال النَّووي: «فأنا أنقل ما ذكره مُخْتَصرًا- يعني: ابن الصَّلاح- وأضمُّ إليه ما تيسَّرَ ممَّا لم يذكره فإنَّ الدينَ النصيحةُ، ومن النَّصيحة أن تضاف الفائدة التي تُستغربُ إلى قائلها، فمن فعل ذلك بورك له في علمه وحالِه، ومن أوْهَمَ ذلك وأَوْهَم فيما يأخذُه من كلام غَيْرِهِ أنَّهُ لَهُ فهو جَديرٌ أن لا ينتفع بعلمه ولا يُبارك له في حالٍ، ولم يزل أهل العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها»(16).
ويقولُ الحافظُ<رحمه الله> بشأن من أخذ من شرحه على البُخاري-: «ثمَّ ساق كلام الفتح بعينه من استلاب فوائد الذي سبقه كما هي موهمًا أنَّهَا من تصَرُّفِه وتحصيلِه واستنباطِه..ووجدته أحيانًا يذكر ما يستلبه في غير المكان الذي استلبه منه لظنِّه أنّه يخْفَى...وإذا تأمَّل من ينصِفُ هذه الأمثلة؛ عرف أنَّ الرَّجل هذا عريض الدعوى بغير موجب متشبع بما لم يعطه منتهب لمخترعات غيره ينسبها إلى نفسه من غير مراعاة عاتب عليه وطاعن ممَّن يقف على كلامه وكلام من أغار عليه..، حتَّى أنَّه يغْفُل فينقُل لفظةَ قلتُ الدالَّةَ على الاختراع له والاعتراض منه، ويكون ذلك كلُّه لمن سبقه»(17)، كما أنَّ التَّقديم والتَّأخير لمحاولةِ تَغْيِيرِ ظاهر المضمونِ والخفَّة في الاستلال، وما شابه ذلك وشاكَله من المهَارة البارعة في تغيير بعض معالم المتاعِ المسرُوقِ أو أكثره لم يكن ليُخرِجَهُ ولا سارقَهُ من حَدِّ السَّرقة(18).
ولمَّا بيَّنَ الشَّيخُ الألباني- رحمةُ الباري عليه- أنَّهُ ليسَ من أخلاق أهل العلم أن يستفيدُوا شيئًا من أهل العلم ثمَّ لا يعزُونَه إلى صاحبه، وأنَّ هذا فيما لهُ مَزِيَّةٌ وجُهْدٌ، قال: «لكن في العصر الحاضر وهذا يتكرَّرُ السّؤال عنه أنا أنصح كلَّ طالبٍ للعِلْمِ سُئل عن سؤال فيجيب بما عنده من علم تلقَّاه من غيره ولم يصل هو بنفسه إليه يعني: اجتهادًا واستنباطًا ما يقول الجواب كذا فقط؛ لأنَّ السَّامِعَ سيفْهَمُ أنَّ هذا الجواب نَابِعٌ من علمه ومن اجتهاده ومن كَسْبه، والأمرُ ليسَ كذلِكَ»(19).
يتبع......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1) من شرحه لحلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد العلامة ضمن الحديث عن الاشتغال بالتصنيف قبل استكمال أدواته (المحاذير)، من الشَّرح الصَّوتي، وليس بنصِّه هكذا في المطبوع، ولم يذكر الشَّيخُ- رحمه ربِّي- الشكل والنَّقط والإعراب في معرض الشَّرطية حتَّى يُقال بأنَّ مَا عُدِّل فيه وغُيِّر إلى الضِّمْنِيَّةِ ليست تَدْخُلُه السَّرقة، فقد يكون هذا في الاحتيال للانتحال أشدَّ. (2) انظر: الفارق بين المصنِّف والسَّارق (38).
(3) انظر: المرجع السَّابق (44).
(4) انظر: المرجع السَّابق (41).
(5) انظر: البارق في قطع السَّارق (54).
(6) انظر: الفارق بين المصنِّف والسَّارق (52).
(7) انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (4/ 7).
(8) انظر: فقه النوازل (2/ 162).
(9) انظر: جمهرة مقالات محمود شاكر (2/ 1118-1119)
(10) الكلُّ من كلام ابن عبد البرِّ من مستهلِّ قولهِ: «فَصْلٌ فِي الْإِنْصَافِ فِي الْعِلْمِ»، انظر: جامع بيان العلم وفضله (1/ 530)
(11) قَالَ الليثُ: يُقالُ: كُفَّ من غرْبكَ: أَي من حِدَّتِك، وَقيل: الغَرْبُ: التَّمادِي واللَّجاجَةُ في الشيء. انظر: العين (4/ 409)، تهذيب اللغة (8/ 116).
(12) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 16).
(13) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (8/ 384-385).
(14) انظر: البارق في قطع السَّارق (52-53).
(15) انظر: الوافي بالوفيات (21/ 207)، وذكر مَعْنَى الْبَيْتَيْنِ بعدَهُ فقال: «الْموَاد تكون حَاصِلَة وَلَا يَتَأَتَّى نَظْمٌ وَلَا نثرٌ وَلَا نقدٌ فالعين الأولى عين الْعَرَبيَّة وَهِي النَّحْو خَاصَّة، وَالثَّانيِة عين الْعرُوض، وَالثَّالِثَة إِمَّا عين الْعبارَة وَهِي الْأَلْفَاظ المتخيرة أَو الْعين الَّتِي هِيَ الذَّهَب فَإِنَّهَا تُعِين على نظم الشّعْر لرفاهية سر الشَّاعِر»، وأفاد الصَّفدي بأنَّ ابْن الْحَاجِب قد حلَّهما غير هَذَا الْحل وَحلُّه أَسدُّ وأدقُّ، فانظُره إن شِئْتَ في ترجمة ابن الحاجِبِ من هذا الموضِعِ: (19/ 323-324).
(16) انظر: بستان العارفين للنووي (16)
(17) انظر: انتقاض الاعتراض (1/ 24-26).
(18) انظر: جمهرة مقالات محمود شاكر (2/ 1120).
(19) من ابتداء هذا الكلام إلى مُنتهاه تَفْهَمُ ثانِي شطري عنوانِ الفصل الأوَّل: (والمُستوى اللُّغَوي لصاحبهِما).
تعليق