إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تخريج حديث مساءلة عمر رضي الله عنه لمنكر ونكير!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تخريج حديث مساءلة عمر رضي الله عنه لمنكر ونكير!

    تخريج حديث مساءلة عمر رضي الله عنه لمنكر ونكير!

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
    أما بعد: فهذا تخريج لحديث انتشر بين بعض الوعاظ والقصاص، الذين ابتلاهم الله بتتبع غرائب القصص، دون تمحيص وتثبت من صحة القصة أو ضعفها، و لم يكتف أكثر هؤلاء بنشرها فقط، بل زادوا الطين بلة، وحثوا من أرسلوا إليه بتلكم القصص أن يعيد نشرها إلى من يحب رجاء الثواب والمغفرة! وإن لم يفعل فيتوعدونه بقولهم "انشر وإن لم تفعل فلتعلم أن الشيطان منعك!" وما علم هؤلاء أن الشياطين هي من تؤزهم إلى هذه الطرق لتشويه الشريعة وإدخال فيها ما ليس منها ولكن هيهات ..هيهات!
    وأذكر هؤلاء بآية وحديث :
    أما الآية فقوله تعالى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]
    وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 10 رقم: 5) .

    نص الحديث :
    رُوِي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا وضع الرجل في قبره أتاه منكر ونكير، وهما ملكان فظان غليظان أسودان أزرقان، ألوانهما كالليل الدامس، أصواتهما كالرعد القاصف، عيونهما كالشهب الثواقب، أسنانهما كالرماح، يسحبان بشعورهما على الأرض، بيد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع الثقلان الجن والإنس لم يقدروا على حملها، يسألان الرجل عن ربه وعن نبيه وعن دينه»
    فقال عمر بن الخطاب: أيأتيانني وأنا ثابت كما أنا؟ قال: «نعم» قال: فسأكفيكهما يا رسول الله.
    فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي بعثني بالحق نبيًّا، لقد أخبرني جبريل أنهما يأتيانك فتقول أنت: الله ربي فمن ربكما؟ ومحمد نبيي فمن نبيكما؟ والإسلام ديني فما دينكما؟ فيقولان: وا عجباه!! ما ندري نحن أرسلنا إليك، أم أنت أرسلت إلينا؟»
    التخريج:
    هذا الحديث روي مرفوعا ومرسلا:
    - روي مرفوعا من حديث عمر بن الخطاب وابن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم
    - وروي مرسلا من حديث عطاء بن يسار وعمرو بن دينار
    أولا: تخريج روايات الرفع:
    1- حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
    أخرجه ابن أبي داود في «البعث» (7) ومن طريقه قوام السنة في «الحجة في بيان المحجة» [1477 رقم: 324-325] من طريق مفضل يعني ابن صالح أبا جميلة( ) عن مفضل بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي شهر –وفي رواية عن أبي سهل، وفي أخرى: عن أبي شهم- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كيف أنت إذا كنت في أربعة أذرع في ذراعين، ورأيت منكرا ونكيرا؟» قال: قلت: يا رسول الله، وما منكر ونكير؟ قال:
    «فتانا القبر، يبحثان الأرض بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، أصواتهم كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى، لم يطيقوا رفعها، هي أيسر عليهما من عصاتي هذه» قال: قلت: يا رسول الله، وأنا على حالي هذه؟ قال: «نعم» ، قلت: إذن أكفيكهما» دون زيادة قصة مساءلة عمر للملكين!
    وأخرجه البيهقي في «إثبات عذاب القبر» برقم (105) وفي «الاعتقاد» له (ص:222) من طريق مفضل بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي سهيل –وفي رواية: عن أبي سهل- عن أبيه عن عمر بن الخطاب به
    قال البيهقي في «الاعتقاد» بعد إيراد حديث عمر رضي الله عنه: غريب بهذا الإسناد، تفرد به مفضل.
    وقال ابن كثير في مسند الفاروق (1/351) هذا حديث مشهور وهو غريب الإسناد.
    قلت: الحديث بهذا الإسناد منكر؛ فيه المفضل بن صالح الأسدي أبو جميلة وهو منكر الحديث
    قال الدارقطني: «صالح»
    وذكر ابن عدي عليه حديث الحسن بن علي حيث قال له «اكشف عن بطنك» ثم قال: «وسائره غير ذلك أرجو أن يكون مستقيما»
    وقال الترمذي «ليس عند أهل الحديث بذاك الحافظ»
    وقال البخاري وأبو حاتم الرازي وابن حبان: منكر الحديث
    وزاد ابن حبان في المجروحين « كَانَ مِمَّن يروي المقلوبات عَن الثِّقَات حَتَّى يسْبق إِلَى الْقلب أَنَّهُ كَانَ الْمُتَعَمد لَهَا من كثرته فَوَجَبَ ترك الِاحْتِجَاج بِهِ»
    انظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي (8/154) والتاريخ الأوسط للبخاري (2/263) والضعفاء للعقيلي (4/241) و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (8/ 317)وسنن الترمذي [4/292 رقم: 2592] والمجروحين لابن حبان (3/22) وعلل الدارقطني (5/328)
    تنبيه: يطلق البخاري «منكر الحديث» على من لا تحل الرواية عنه!
    وفيه أبو شهر وهو مجهول
    قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (4/ 537) : «أبو شهر عن عمر، وعنه ابن أبي خالد بخبر منكر: في منكر ونكير، مر في مفضل بن صالح.
    لا يعرف، وقيل: مصحف أبو شهم، وقيل أبو شمر، وقيل أبو سهيل».
    وكذلك حديث اضطراب في الإسناد فوق اسماعيل بن أبي خالد :
    فوقع في رواية البيهقي في «إثبات عذاب القبر» (ص: 82) :
    «عن أبي سهيل، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه» بإثبات الواسطة بين أبي سهيل وعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
    وفي «البعث» لابن أبي داود (ص: 19) :
    «إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي شهر، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه» دون واسطة !
    2- حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
    أخرجه البيهقي في «إثبات عذاب القبر» برقم(104) من طريق محمد بن عمر ثنا عبد الله بن الفضيل بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أبي غطفان، عن ابن عباس به مرفوعا بنحوه. دون زيادة قصة مساءلة عمر للملكين!
    قلت: هذا الحديث بهذا الإسناد منكر فيه «محمد بن عمر بن واقدٍ الأسلميُّ، الواقدي» وهو « متروكٌ مع سَعَةِ عِلمِه» كما قال الحافظ ابن حجر في "التقريب"
    وفيه عبد الله بن الفضيل بن أبي عبد الله شيخ الواقدي مجهول العين، لم يرو عنه سوى الواقدي.


    3- حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
    أخرجه أبو عبد الله الثقفي في «الأربعين» (ص:177) من طريق غسان بن مالك حدثنا سلام بن سليمان أخبرنا إسماعيل المكي حدثني أبو الزبير وعمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب . فذكره دون زيادة قصة مساءلة عمر للملكين!
    قلت: هذا الإسناد ضعيف جدا.
    فيه «إسماعيل بن مسلم المكي» اتفق الأئمة على ضعفه ووصفه بالغلط وكثيرة الخطأ «النكت» (1/391) وذهب أحمد بن حنبل والبخاري إلى أنه منكر الحديث
    ووقال علي بن المديني والنسائي والدارقطني: متروك الحديث
    يُنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/203) والتاريخ الكبير للبخاري (1/372) وسؤالات أبي داود للإمام أحمد (ص: 171) والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 91) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/669) والكامل في الضعفاء لابن عدي (1/455) وتهذيب الكمال للمزي (3/198) وإكمال التهذيب (2/205) وتجريد الأسماء والكنى (1/78) وميزان الاعتدال للذهبي (1/248) وديوان الضعفاء له (ص: 37) والاغتباط لسبط بن العجمي (ص: 61) واتحاف المهرة لابن حجر (4/92) و(7/288) .
    وفيه «غسان بن مالك بن عباد أبو عبد الرحمن السلمي» وهو ضعيف لينه أبو حاتم الرازي قال في «الجرح والتعديل» (7/ 50) : «ليس بقوي، بَيِّنٌ في حديثه الإنكار»اهـ
    ثانيا: تخريج روايات الإرسال:
    1- حديث عطاء بن يسار رحمه الله:
    أخرجه الحارث في «مسنده» [1/379 رقم: 281] والآجري في «الشريعة» [3/1291 رقم: 861] والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» برقم (103) من طريق إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فذكره. دون زيادة قصة مساءلة عمر للملكين!
    قلت: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات إلا أنه مرسل!
    قال البوصيري «إتحاف الخيرة» (2/ 492) : «رواه الحارث بن أبي أسامة مرسلا ورجاله ثقات».
    وقال الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (18/481 رقم: 4531] «رجاله ثقات مع إرساله»
    2- حديث عمرو بن دينار رحمه الله:
    أخرجه عبد الرزاق في مصنفه [3/582 رقم: 6738] عن معمر عن عمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «كيف بك يا عمر بفتاني القبر إذا أتياك يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، أعينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما مزربة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها» قال عمر: وأنا على ما أنا عليه اليوم؟ قال: «وأنت على ما أنت عليه اليوم» قال: «إذا أكفيهما إن شاء الله» قال: وكان عبيد بن عمير يقول: نعم، ذلك منكر ونكير» دون زيادة قصة مساءلة عمر للملكين !
    قلت: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات إلا أنه مرسل!
    وتابع معمراً محمدٌ بن مسلم الطائفي
    أخرجه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» برقم (80) عن عبد الملك قال: وحدثني أسد بن موسى، عن محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر فذكره بنحوه.
    قلت: إسناده ضعيف جدا
    فيه عبد الملك بن حبيب الأندلسي المالكي الفقيه المشهور صاحب التصانيف الكثيرة، فهو وإن كان موصوفا بالحذق في الفقه إلا أنه في باب الرواية «شديد الضعف» كما قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" لم تكن الرواية من شأنه رحمه الله.
    فهو ليس بمتقن بل يحمل الحديث تهورا كيف اتفق، وينقله وجادة وإجازة ولا يتعانى تحرير أصحاب الحديث، ولا يعرف صحيحه من سقيمه ولا يفهم طرقه، ولا يعرف الرجال ويصحف الأسماء، ويحتج بالمناكير، بل اتُّهم بسرقة الأحاديث وتخليط الأسانيد كما نقل ذلك ابن الفرضي.
    انظر «سير أعلام النبلاء» (12/103 إلى 106) و «تاريخ الإسلام» (5/874) و«ذيل ديوان الضعفاء» (ص:44) والرد على ابن القطان (ص: 64) كلها للذهبي، وانظر تهذيب التهذيب لابن حجر (6/390) ذكره (تمييزا) والتلخيص الحبير له كذلك (1/256) وفي (2/85) والتنكيل للمعلمي اليماني (2/551).

    الخلاصــة:
    أن هذا المتن من الحديث: ضعيف، ولا يصح تقوية مرسل عطاء بمرسل عمرو بن دينار إذ أن عمرو ممن روى عن عطاء بن يسار فيحتمل أنه أخذه منه! وحينئذ يكون مخرج الحديث واحداً! والله أعلم

    وأما قصة مساءلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للملكين، التي يُحكى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: «والذي بعثني بالحق نبيًّا، لقد أخبرني جبريل أنهما يأتيانك فتقول أنت: الله ربي فمن ربكما؟ ومحمد نبيي فمن نبيكما؟ والإسلام ديني فما دينكما؟ فيقولان: وا عجباه!! ما ندري نحن أرسلنا إليك، أم أنت أرسلت إلينا؟»
    فهي قصة باطلة لا أصل لها! ولا زمام لها ولا خطام! وإنما ذكرها محب الدين الطبري (ت: 694هـ) في الرياض النضرة في مناقب العشرة (2/ 346) بلا إسناد وقال:
    «خرجه عبد الواحد بن محمد بن علي المقدسي في كتابه التبصير، وخرج الحافظ أبو عبد الله القاسم الثقفي عن جابر من أوله إلى ذكر السؤال وقال: فقال عمر: يا رسول الله أية حال أنا يومئذ؟ قال: "على حالك" قال: إذن أكفيكهما، ولم يذكر ما بعده».
    قلت: هذا مع أنه من المعلوم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهيد، والشهداء لا يفتنون في قبورهم! كما صح بذلك الخبر.
    فعلى المسلم الضنين بدينه، الحريص على مرضاة ربه، أن يتحرى في نقل الأخبار والقصص، وأن لا يمكن سمعه إلا لأهل العلم المعروفين بالاتقان والتحري، والتقوى والورع، وليحذر من القصاص الذين لا يتورعون من نقل الأكاذيب ونشرها بين الناس! وهذه القصة المتداولة على (مواقع الإنترنت) إنما ينشرها القُصَّاص هنا وهنالك، طلبا للشهرة، ولصرف وجوه الناس إليهم! فبدل أن يجدوا ويجتهدوا في التعلم ثم تعليم الناس دينهم، من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، على فهم سلف الأمة، إذ بهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير! عاكفين على تتبع القصص الغرائب والمكذوبة! ولَا يتحرون الصَّوَاب وَلَا يحترزون من الْخَطَأ لقلَّة علمهمْ وتقواهم.
    وهذه من خصالهم المعروفة كما ذكر ابن الجوزي –رحمه الله- في كتابه القُصَّاص والـمُذَكِّرِين (ص: 161).
    وأختم بكلام ابن قتيبة (ت: 276هـ) في كتاب «تأويل مختلف الحديث» (ص: 404) وهو يبين إحدى طرق أولائك القصاص، فقال رحمه الله :
    «الْقُصَّاصُ عَلَى قَدِيمِ الْأَيَّامِ، فَإِنَّهُمْ يُمِيلُونَ وُجُوهَ العَوَامِّ إِلَيْهِمْ وَيَستَدِرُّونَ مَا عِندَهُم: بِالْمَناكِيرِ، وَالْغَرِيبِ، وَالْأَكَاذِيبِ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
    وَمِنْ شَأنِ الْعَوَامِّ، القُعودُ عِنْدَ الْقَاصِّ، مَا كانَ حَدِيثُهُ عَجِيبًا، خَارِجًا عَنْ فِطَرِ الْعُقُولِ، أَو كانَ رَقِيقًا يُحزِنُ الْقُلوبَ، وَيَستَغزِرُ الْعُيونَ»اهـ.

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    وكتب: طارق بن محمد الجزائري
    بتاريخ: الأحد 11 ربيع الآخر 1441 هـ
    الموافق لـ 08 ديسمبر 2019 م
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 0 زوار)
يعمل...
X