<بسملة1>
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه،أما بعد:فقد كثر المتربصون بهذا الوطن العزيز والذين يحاولون بجهد جهيد بكل ما أوتوا من الوسائل لزعزعة أمنه واستقراره، والمتأمل في هذا العدوان السافر،والتدخل الماكر في شؤون هذا الوطن ممن يريدون به سوءا يعلم أن من وراء ذلك أسبابا لا بد لأبناء هذا الوطن أن يعلموها لصد هذا العدوان ولا سيما في هذه الفترة العصيبة التي يراد تفريق شمل هذه الأمة وإحداث الفوضى والدمار وتقسيم البلاد وإضعاف الدين،و معاش الناس وأرزاقهم.
فمن أسباب هذا العدوان:
أولا:محاولة تفريق جماعة المسلمين في اجتماعها على ولاة أمرها.
روى الترمذي2658 وابن ماجه وابن ماجه 232 عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" ثَلاَثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاَصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ.
قال العلامة الإثيوبي في شرحه على سنن ابن ماجه4/377: ونصحية الأئمة أن يُطيعهم في الحقّ، ولا يَرى الخروج عليهم إذا جاروا، ونصيحة عامّة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم. انتهى (لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ) أي طاعتهم في الحقّ، وعدم الخروج عليهم (وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ) أي موافقتهم في الاعتقاد، والعمل الصالح، من صلاة الجمعة، والجماعة، وغير ذلك.
زاد في رواية أحمد والترمذيّ: "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم".
والمعنى أن دعوة المسلمين محيطةٌ بهم، فتحرسهم عن كيد الشياطين، وعن الضلالة، وفيه تنبيه على أن من خرج من جماعتهم لم يَنَل بركتهم، وبركة دعائهم؛ لأنه خارج عما أحاطت بهم من ورائهم.انتهى
فمن أعظم علامات خيانة القلوب وكيدها ومكرها وبغضها وتسلط الشيطان عليها هو عدم النصح لولاة الأمر والطعن فيه ومحاولة تأليب الناس عليه حتى لا يستقر الوضع وتبقى النزاعات والخلافات التي يثيرها الشيطان فيتفكك شمل المسلمين.
ثانيا:نتيجة انتشار الدين الصحيح المبني على التوحيد الخالص واتباع السنة المبارك،وسلوك منهج السلف الكرام ونبذ البدع والمحدثات والشرك والمخالفات.
فإن قوة الدين وتمسك الناس به مما يرعب أعداء دين الله ويعلمون أنه خطر على مصالحهم وشهواتهم ومراداتهم،فيحاولون بكل ما أوتوا تخريب البلد الذي ينتشر فيه التوحيد والسنة وهذا مما يزيد الحقد على الإسلام وأهله كلما علت مناراته،وظهرت حججه وبراهينه، وبرق نوره،وسطع نجمه،وأشرقت شمسه على هذه الديار قال العلامة الإبراهيمي في الآثار 4/357في بيان عداوة الكفار على الإسلام وحقدهم عليه: ولما كان مما ورثه الأوربيون عن أسلافهم وعن الكنيسة عداوة الإسلام، وكان من أعمال الكنيسة تعهّد تلك الشجرة الخبيثة، شجرة الحقد على الإسلام وأهله، بالسقيا والتنمية، كان من ثمرة ذلك الحمل على الإسلام وإلصاق النقائص كلها به كلّما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
ثالثا:لما علم من أعداء الدين من الثروات الهائلة لهذا البلد قصد استغلالها والانتفاع بها.
فهم يسعون لاستغلال خيراتها ويتحيون الفرص السانحة لهم للتدخل في شؤون هذا الوطن حتى يتمكنوا من مراداتهم قال العلامة الإبراهيمي في الآثار 5/53: في الجزائر العربية المسلمة، اليوم، كفاح مسلّح خطير، لأجل استرجاع سيادتها واستقلالها، دفعها إليه استعمار بغيض، تسلّط عليها بقوة الحديد والنار، واسترق خيراتها، وحاول طمس معالمها، وتحطيم كيانها، وجرّدها من كل حق في الحياة الحرّة العزيزة الكريمة، ضاربًا صفحًا عن تطور الزمن، وعن أن الاستعمار لم يعد في القرن العشرين أسلوبًا صالحًا للبقاء.
وقال 5/81: وهو أكبر مؤتمر يجمع القلوب التي جرحها الاستعمار الغربي والرقاب التي استذلها والأوطان التي ابتلع خيراتها، فسمن على هزالها، وقوي على ضعفها، وحي على موتها.
رابعا:نظرا لمواقف هذا الوطن في سياسته المنتهجة ضد عدوها في تغيير وجهتها وعدم التبعية لها ومنعها من التصرف في شؤونها وهذا العدو هو الذي قاله العلامة البشير الإبراهيمي في الآثار 2/340: وإننا نعتقد أن فرنسا أكبر عدوّ للإسلام، وهل يأتي من العدوّ خير؟انتهى
فثارت ثائرة القوم لهذا التغير فأجلبوا بخيلهم ورجلهم وأذنابهم ليسترجعوا ما يرونه اليوم ضائعا من أيديهم.
سادسا:وجود الخونة البائعين لدينهم ووطنهم لهؤلاء الأعادء فصاروا أتباعهم والموالين لهم يتحركون لمصالحهم ضد مصالح أوطانهم،ويقدمون لهؤلاء الأعداء خدمات جليلة لصالحهم،قال العلامة الإبراهيمي في بيان هذه الحقيقة المرة التي من ثمار ضعف المسلمين 4/307: إننا لا نصدق الجهاد في عدوّنا الخارجي إلا إذا صدقنا- قبل ذلك وتوطئة لذلك- الجهاد في نفوسنا التي بين جنوبنا، جهادًا يصفي أكدارها، ويطهّرها من المطامع الدنية والأغراض السخيفة، والشهوات الحيوانية، حتى إذا لقينا العدو الخارجي لقيناه بنفوس مطمئنة، وبصائر مستنيرة، وعزائم مصمّمة، وقلوب متّحدة على غاية واحدة يسوقها سائق نفساني واحد قبل سائق العلم والنظام، وتدفعها قوة نفسية واحدة قبل دافع المادة والآلة. إن النظام والآلة والعلم كلها مكملات تأتي بعد إعداد النفوس.
وإننا لا ننتصر على العدو الخارجي حتى ننتصر على العدو الداخلي وهو نفوسنا، فلنبدأ بها، فمن سنّة القتال {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ}.
الطمع وحب الجاه والغرور والحسد والأنانية والبغضاء والحقد والبخل ... كلها نقائص في نفوسنا يجب أن نطهرها منها، وكلها مداخل لعدوّنا يأتينا منها، فيجب أن نسدّها عليه، ولهي- والله- أضرّ علينا من ثغورنا المفتوحة في وجه العدو.
إن أعداءنا الذين ملكوا رقابنا واحتلّوا أوطاننا وسامونا الذلة والهوان واستعبدونا شر استعباد، إنما استعلوا بأخلاقهم القوية على أخلاقنا الضعيفة، ثم استعانوا بنا علينا، فمتى طلبوا خائنًا لوطنه منا وجدوا العشرات، ومتى التمسوا جاسوسًا يكشف لهم عن أسرارنا ويدلهم على عوراتنا وجدوا المئات، ومتى التمسوا ناعقًا بالفرقة فينا أو ناشرًا للخلاف بيننا وجدوا الآلاف، ومتى أرادوا حاكمًا منّا على أن يسمع لهم ويطيع ويبيعهم مصالح بلاده وجدوه فوق ما يريدون، وما ذلك إلا لأن نفوسنا أنهكتها الرذائل وتحيفتها النقائص.انتهى
فوجود هذه الأصناف البشرية داخل الوطن وخارجها زاد طمع أعادئنا فينا،وفي تخريب ديارنا،فلا بد من مقاومتهم بما ذكره هذا الإمام بهذا الجهاد الذي نجاهد به أنفسنا ومن ثم نجاهد أعداءنا.
خامسا:الأمن الذي تعيشه الجزائر بعد خوف شديد كان فيه الجزائري يعيش رعبا شديدا،مظاهر الموت والقوة التي تتمتع بها والهيبة التي حظيت بها من طرف الدول حتى من أكابرها.قال العلامة الإبراهيمي في بيان قوة العدو نتيجة الخوف 5/253: والجزائريون في هذه الثورة يقاتلون الاستعمار، فيقتلون عدوين لدودين، يقتلون المستعمر ويقتلون معه طبع الذل والخنوع والخور والفسولة التي ركبت الشرقيين عمومًا والمسلمين خصوصًا، ويقتلون- مع ذلك- الخوف والجبن والرهبة وهي الخصال التي أودت بشهامة العربي وعزة المسلم وصلابة الشرقي ومكن كل ذلك للمستعمر أن يستغل عقولنا وأفكارنا وأوطاننا ويصيرنا خولًا خاضعين لسلطانه ولا خضوع البهائم.انتهى
فنبه أنه مما يتقوى عليه العدو انتشار الخوف وعدم وجود الأمن ليجدوا بغيتهم وطلبتهم في تنفيذ مخطاطاتهم.
والواجب على الناس جميعا أن ينتبهوا لهذا العدوان وألا يخوضوا في المسائل المتعلقة بأمن الدول هو أكبر منهم ويحرصوا كل الحرص على رد مثل هذه المسائل إلى أهل العلم الراسخين ليدلوهم للمخرج من ضيقهم وشدتهم وتربص الأعداء بهم ويحذروا من الركون للجهال والسفهاء والمعرضين والمنحرفين
قال تعالى:وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)
قال العلامة السعدي في تفسيره 190: هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟انتهى
ومما نبه إليه العلامة ابن السعدي أن يحذر الناس من إشاعة الأخبار وإذاعتها واتباع التحليلات السياسية المخالفة للتحليل الصحيح المبني على الواقع الجالب للمصالح والدافع للمفاسد،وقد صدق علي بن أبي طالب كما روى ذلك البخاري في الأدب المفرد 327 حيث قال: لَا تَكُونُوا عُجُلاً مَذاييعَ بُذُرَاً.انتهى
والمقصود هو الحذر من نشر الشائعات وتتبع الزائفات والأخبار المكذوبة،والحذر من المعلومات المحرفة التي تزيد من الفتن،وتلهب الأزمة،وتعيق الخير والإصلاح،والله يحفظ ديارنا وبلدنا،ويجعله بلدا آمنا مطمئنا رغدا تقام فيه شريعة الله إنه سميع مجيب.