<بسملة1>
تفنيد شبهة السرقات العلمية
وبراءة الشيخ فركوس ـ حفظه الله ـ منها
الحمد لله الذي زيَّن السماءَ بالنجوم، وجعلها مصابيحَ يهتدي بها السائرون، وفي دياجير الظُّلَم يستضيء بها المُقتبِسون، وجَعَلها رجومًا للشياطينِ المُسترِقين؛ وجَعَل بقاءَها مقرونًا ببقائها إذ «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ»، والصلاةُ والسلام على مَنْ قال: «وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ»(١)، وعلى آله الطيِّبين، وعلى صحبِه الطاهرين رضي الله عنهم أجمعين، وعلى مَنِ اتَّبَع سبيلَهم بإحسانٍ واقتفى أثَرَهم إلى يوم الدِّين، وقام بأمر الله فكان ممَّنْ قال فيهم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ»(٢).
وسبحانَ مَنْ جَعَل العلماءَ للدنيا كالنجوم للسماء والشمسِ للدنيا والماءِ للناس؛ وجَعَل قَبْضَ العلم بقبض العلماء، كما قال نبيُّه الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(٣).
أمَّا بعد:
ففي هذا الزمان الذي كَثُرَ كُتَّابُه وقُرَّاؤُه، وقلَّ فيهم فُقَهاؤُه، وهو زمانُ ظهور القلم كما أخبرَ عن ذلك النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم(٤)، فقَدْ طَلَع علينا أهلُ الاحتيال بمكرهم مِنْ منتدى التصفية والتربيةِ المسروقِ بمَقالٍ يترجم ما سار عليه كُتَّابُه وآلَ إليه حالُهُم:
ـ مِنْ تسفيهِ مَنْ خالفهم مِنَ المشايخ والعلماء الذين أَقرَّ بفضلهم نُظَراؤهم مِنَ الأفاضل، واشتهرت مكانتُهم وعدالتُهم عند طلبة العلم وعمومِ المسلمين، ومِنْ تنقُّصِهم ونبزِهم والافتراء عليهم كذبًا وزورًا، وكتمانِ فضائلهم وجحدِها حسدًا وبغيًا.
ـ ومِنْ تغبيةِ أتباعِهم المفتونين بهم وتعمِيَتهم واستخفافِهم حتَّى أطاعوهم على الوقيعة في علماء أهل السُّنَّة الصادقين الواضحين.
فانحرف منذ اغتصبوه وانقطعوا عمَّنْ كان مُشرِفًا عليه مِنَ المشايخ الفضلاء؛ فصار ـ حريًّا ـ إطلاقُ اسْمِ منتدى التسفيه والتغبية عليه.
فقد سوَّد مجهولٌ مِنْ مجاهيل المتعالِمِين مقالةً غايةً في الخلط، وعلامةً ظاهرةً على السوء والقبح، متهجِّمًا فيها على الشيخ صاحبِ العلم والفضل أبي عبد المُعِزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ مُتَّهِمًا إيَّاه بالسرقة العلمية، وما ذلك منه إلَّا لمَّا عَجَز ـ هو وأمثالُه مِنَ المتطاولين على العلم وأهله ـ عن الجواب عمَّا أورده المتبصِّرون مِنْ براهينَ ساطعةٍ وأدلَّةٍ قاطعةٍ تدكُّ حصونَهم، فلا تَدَعُ شكًّا ولا لَبْسًا في ثبوت السرقات العلميَّة ـ مكتوبةً كانت أو مسموعةً ـ على القوم، فبَدَل أَنْ يأمروا بالتوبة والرجوع إلى جادَّة الصواب مَنْ ثَبَت عليهم أمرُ السرقة والسطو على كتابات الآخَرين، مع الاعتراف بالخطإ والمسارعة إلى التحلُّل مِن الشيخ قبل فوات الأوان، راح ـ هو وأمثالُه ـ يُلْصِقون التُّهَمَ الجائرةَ والأحكام الباطلة في حقِّ ناصِحهم ومَنْ هو منها بريءٌ، ويشهد له جميعُ المُنْصِفين بالجدِّ والاجتهاد؛ تعلُّمًا وتعليمًا، كتابةً وتأليفًا.
وإِنْ دلَّ هذا الصنيعُ الشنيعُ والفعلُ المذموم القبيحُ على شيءٍ فإنَّما يدلُّ على محاولةٍ بائسةٍ يائسة لصرفِ النظر عمَّا ثَبَت يقينًا في حقِّ مَنْ يدافعون عنهم بالباطل إلى التشويش على مؤلَّفات الشيخ ـ حفظه الله ـ العلميَّة وتصانيفه النافعة التي وَجَد فيها طُلَّابُ العلم الصادقون بُغيَتَهم، فاعتنَوْا بها قراءةً وحفظًا ومدارسةً، فاغتاظ أولئك بهذا الخير وضاقوا به ذرعًا، فأشغلوا أنفُسَهم بما يعود عليهم بالضرر وأضاعوا جهودَهم بما يجنون منه عَلقمًا، فحَسِبوا ـ جهلًا ـ أنَّ كُلَّ نقلٍ مِنْ كُتُب الآخَرين يُعَدُّ سرقةً؛ ولبيانِ تخبُّط الكاتب وشلَّتِه فإنَّ المَقام يستدعي تجليةَ حقائقَ علميَّةٍ وتوضيحَ الطريقة الأكاديميَّة التي ينتهجها المؤلِّفون والكُتَّابُ ويجهلها القومُ المَكَرة فضلًا عن الغلمان الجَهَلة، المتشبِّعين بالطعن والسبِّ والقدح؛ بُغيةَ إسقاط الشخصيَّات العلمية مِنْ أبناء بلدهم، والحطِّ مِنْ قيمة أهل الفضل؛ تشكيكًا في مؤهِّلاتهم العلميَّة ومكانتهم الدعويَّة، وصَدَق مَنْ قال: «الجزائر تتنكَّر لأبنائها»؛ ولكِنْ هيهات هيهات أَنْ يبلغوا مرادَهم؛ فإنَّ مَنْ رَفَعه الله بالعلم لا يقدر المسوِّدُ ولا مَنْ يقف وراءَه ـ ولو كانوا مِلْءَ الأرض ـ على حطِّه والانتقاص منه.
ولعلَّ أوَّلَ ما نبدأ به في الرد على هذه الشبهة: ضبطُ بعض المصطلحات العلمية المُهِمَّة، إذ بضبطِ الحدِّ والتعريفِ تتمايز الأشياء، وهي كالآتي:
١ ـ التأليف: فالتَّأليف مصدرٌ، وفعلُه: ألَّف يؤلِّف تأليفًا، بمعنى: جَمَعَ؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣]، «أي: يجمعه بعد تفرُّقه»(٥)، قال ابنُ منظورٍ في تعريف التأليف: «أَلَّفْتَ بينهم تَأْلِيفًا: إذا جمعتَ بينهم بعد تفرُّقٍ، وأَلَّفْتَ الشيءَ تَأْلِيفًا: إذا وصلتَ بعضَه ببعضٍ؛ ومنه تأليف الكُتُب»(٦)، فيكون التأليفُ ـ بهذا الاعتبار ـ بمعنى: جمع المتناثر والتنسيق في التعبير، ولقد عَمَد العلماءُ ـ سلفًا وخلفًا ـ مُذْ بدايةِ عصر التدوين والتأليف إلى جمع المعلومات المُتناسِقة والمُتناسِبة التي تحدُّها وحدةٌ موضوعيةٌ؛ ولم يخرج الشيخُ فركوس ـ حفظه الله ـ عن هذا النسقِ ولا حاد عن هذه الطريقة، بل كان يسعى جاهدًا إلى تسهيل العلوم لطُلَّابه واختصارِ الطريق عليهم، وإغنائهم عن طول البحث في المُطوَّلات مِنَ الكُتُب، بجمعِ ما افترق مِنْ شتاتها وتصفِيَتها، وانتخابِ الأنفع منها في بابها، مع نسبتها إلى قائلها مِنْ غير تلبيسٍ ولا تدليسٍ؛ إذ «مِنْ بَرَكة العلم وشُكره عزوُه إلى قائله»(٧)، بل تميَّز الشيخُ ـ حفظه الله ـ في هذا البابِ بكثرةِ ذِكرِه المصادرَ الأصلية والمراجعَ الفرعية، حرصًا منه على تقريبها للباحث وبيانِ مَظانِّ العلم الصحيح، الشيءُ الذي شَهِد له به القاصي والداني مِنَ المشايخ الفُضَلاء والطلبة المُجِدِّين، وقد جاء هذا عنه صريحًا في مُقدِّمة تحقيقه لكتابِ «مفتاح الوصول»، حيث قال في تقرير المنهج المُتَّبَع ما نصُّه: «اتِّباع منهج الإكثار ـ ما أَمكنَ ـ مِنْ ذِكر مصادر التخريج لتوثيق صحَّة النصِّ وزيادةِ تأكيده، والتعرُّف على مظانِّ المباحث المتطرَّق إليها للفائدة التعليميَّة»(٨).
٢ ـ السرقات العلميَّة: وهي ضدُّ الأمانة العلمية، وقد عرَّف أهلُ الاختصاص في البحوث الأكاديمية السرقاتِ العلميةَ بما نصُّه: «السرقة الفكرية أو الأدبية أو العلمية: هي ادِّعاءُ شخصٍ ـ صراحةً أو ضمنيًّا ـ بكتابةِ ما كَتَبه آخَرُ، أو النقلُ ممَّا كَتَبه آخَرون ـ كُلِّيًّا أو جزئيًّا ـ بدون عزوٍ أو اعترافٍ مُناسِبٍ؛ أي: باختصارٍ هي العزو المُزوَّر، أو إعطاء الانطباع بأنك كتبتَ ما كَتَبه غيرُك»(٩)؛ ذلك لأنَّ نَقْلَ الإنسان عن غيرِه، إمَّا أَنْ يكون حرفيًّا، وإمَّا أَنْ يكون معنويًّا، فإِنْ كان حرفيًّا فإمَّا أَنْ يُذكَر مصنِّفُه في المتن وإمَّا أَنْ لا يُذكَر، فإذا ذُكِر مؤلِّفُه في المتن فإنَّه لا بُدَّ مِنْ وضع الكلام المنقول بين معكوفتين مع الإشارة في الهامش إلى الكتاب والصفحة والجزء؛ وأمَّا إذا لم يُذكَر المصنِّفُ ولا المصنَّفُ في المتن، وإنَّما أُدرِجَ الكلامُ المنقول مع كلام الناقل، فإمَّا أَنْ يكون بدون تصرُّفٍ وإمَّا أَنْ يكون فيه تصرُّفٌ طفيفٌ بحذفٍ في أثنائه أو زيادةِ كلمةٍ أو أكثرَ احتِيجَ إليها لبيانِ المعنى تُوضَعُ بين عارضتين، ففي كِلَا الحالتين لا بُدَّ مِنْ وضع الكلام بين معكوفتين وإشارةٍ في الهامش إلى المصنِّف والمصنَّف، مع ذكر الصفحة والجزء، مع الإشارة إلى التصرُّف في الحالة الثانية؛ أمَّا إذا كان النقل يقتصر على فكرةٍ وأمَّا العبارة فعبارةُ الناقل، ففي هذه الحال لا يَلزَمُ ذِكرُ المصدر المأخوذِ منه أو المرجع، ولكن إذا أشار إليه في الهامش فحَسَنٌ بلفظةِ: انظر؛ هذا إذا كان صاحب الفكرة يستقلُّ بها؛ أمَّا إذا كانت مُشاعةً أو ممَّا يُعرَف مِنَ الدِّين بالضرورة فلا حاجةَ للعزو إليه، قال الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ: «يقول العلماء في كُتُبهم: «مِنْ بَرَكة العلم عزوُ كُلِّ قولٍ إلى قائله»؛ هذا إذا كان هذا القولُ ـ يعني ـ له مزيَّة، فيه جهود؛ أمَّا أيُّ قول فليس ضروريًّا أنَّ الإنسان أيُّ قولٍ يعزوه لقائله»(١٠).
وبناءً على هذا التعريفِ وما وضَّحناه مِنْ طُرُق النَّقل المقرَّرة في منهجيَّة كتابة البحوث الأكاديميَّة، وبعد تمحيص النظر في المؤاخذات المزعومة للمفتري، يظهر ـ جليًّا ـ أنَّ الشيخ ـ حفظه الله ـ بعيدٌ كُلَّ البُعدِ عن السرقات العلميَّة ومفهومها وطُرُقها، وبريءٌ كُلَّ البراءة مِنْ تهمة المفتري ـ هَدَاهُ الله ـ، إذ الشيخ ـ حفظه الله ـ ما عَزَا الكلامَ إلى نفسه تصريحًا ولا ضِمنًا حتَّى يُفهَم منه أنه مِنْ نتاجه واجتهاده؛ كلَّا، وإنما عَزَاه إلى مصادر الواسطة بعد رجوعه إليها، واستغنى عن الواسطة طلبًا للعلوِّ في الأخذ بالمصدر الأوَّل المأخوذ منه، ودليلُ الرجوع إلى مصادر الواسطة هذه: تغايُرُ الطبعات التي تخالف طبعةَ الواسطة؛ لذلك نقل الشيخ ـ حفظه الله ـ الكلامَ مِن أصل قائله الأوَّل مع الزيادة في العبارة، مُستغنِيًا عن الواسطة، وباعترافٍ مناسبٍ للمقام صدقًا وعدلًا وبالأمانة العلمية، ولم يَعْزُ ذلك إلى نفسه ـ ألبتَّةَ ـ تحقيقًا لعلوِّ المصدر ـ كما تقدَّم ـ، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ يخالف ما عليه المتورِّطون في السرقات العلمية مثل د. عبد الخالق ماضي، ود. رضا بوشامة، ـ أصلحهما الله ـ وغيرِهما، فإنَّ سرقاتِهم خاليةٌ مِنَ العزو وخاويةٌ مِنَ الاعتراف المناسب، بل نَقَلوا العبارةَ برُمَّتِها وشكلِها مِنْ غيرهم على وجه السطو، ولا ينسبونها إلى صاحبها.
فظهر الفرقُ ـ جليًّا ـ في التأليف بين مؤلِّفٍ ممكَّنٍ وصادق، وبين حاطبِ ليلٍ وجارفِ سيلٍ غيرِ أمينٍ، ومتشبِّعٍ بما لم يُعْطَ، وكان حريًّا بالمفتري المنفوخ أن يُنكر على مَنْ ثبتت عليهم ـ صراحةً ـ السرقاتُ العلمية أوَّلًا، ثمَّ ـ إِنْ أثبتها عند غيرهم ـ نَكِرها عليهم ثانيًا، لكنَّ الأمر لم يكن على وجه القسط والعدل، بل أَنكرَ على المُحِقِّ ما لم يُقِم عليه دليلًا صحيحًا مَرْضِيًّا، واستبقى المبطلين الثابتةَ سرقتُهم ينفخون فيه، يذبُّ عنهم ويعلي مكانتَهم، يبتغي ـ بذلك ـ التضبيبَ وذرَّ الرماد على عيون المغفَّلين، وصَرْفَ الجاهلين عن حقيقة مخالفاتهم المنهجية التي أُوخِذوا بها، وكانت سببًا في زرع الفتنة بين السلفيين وتفرِقَتِهم، وهي أعظمُ مِن سرقاتهم العلمية؛ فأين الإنصافُ والعدل يا ترى؟! وأذكِّرك ـ في هذا المَقام لعلَّ الذكرى تنفعك ـ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]، وقولِه سبحانه ـ أيضًا ـ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله ـ أيضًا ـ: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]؛ ولكنَّ الهوى يُعمي ويُصِمُّ، والتحزُّب على الباطل عَمِل عمَلَه التمييعيَّ في ميدان الدعوة؛ وهكذا انقلب السحرُ على الساحر، والحمد لله الذي وفَّق أهلَ العدل لاتِّباع الحقِّ وإنصاف الخلق.
٣ ـ الفرق بين المصدر والمرجع: كما ينبغي ـ هاهنا ـ التفريق بين المصادر والمراجع، فإنَّ عدم الوقوف على الفرق بينها يُعَدُّ مِنْ مثارات الغلط في الحكم على المؤلَّفات بالسرقات العلمية، الشيء الذي وَقَع فيه المفتري ـ أصلحه اللهُ ـ؛ وقد اختلفَتْ عباراتُ المعرِّفين لهذين المُصطَلحين، إلَّا أنهم يُدَنْدِنون على نفس المعنى؛ ويمكن تعريفهما بما يلي:
أ ـ المصادر: «هي الكُتُب الأصليَّة والأُمَّهات المُعتمَدة في فنٍّ مِنَ الفنون، بحيث تَستقِلُّ بالإفادة ولا تفتقر إلى غيرها في موضوعها»، وقد تكون الكتب مصدرًا لمراجعَ ـ أيضًا ـ إذا كان سبَّاقةً إلى تقرير قسمةٍ أو بيانِ منهجٍ أو فكرةٍ جنح إليها المؤلِّفُ.
ب ـ المراجع: «هي تلك الكُتُب الفرعيَّة المتأخِّرة تأليفًا، التي تَستمِدُّ معلوماتِها مِنَ المصادر الأصلية، وتفتقر إليها افتقارَ تبعٍ، ويستعان بها للوصول إلى مَظانِّ العلم الأصلية»(١١).
هذا؛ وقد حَرَص الباحثون في الكتابات الأكاديميَّة وأطروحات الدكتوراه، على توثيق المعلومات المنقولة وإسنادها إلى منابعها الأصليَّة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، متحاشين في كُلِّ ذلك النقلَ عن المراجع الفرعيَّة الثانويَّة ما دامت المصادرُ الأصلية موجودةً، بل مِنَ المعيب ـ منهجيًّا ـ النقلُ بوساطةٍ عن كتابٍ موجودٍ مطبوعٍ، إذ في هذا دليلٌ صريحٌ على قلَّةِ جهد الطالب وتَكاسُلِه عن الرجوع إلى الكُتُب المُعتمَدة، وبهذا أصبح الرجوعُ إلى المصادر الأصليَّة مِنْ مُتطلَّباتِ البحث العلميِّ، لإبراز شخصيَّةِ الباحث المؤلِّفِ وبيانِ جهده في التوثيق، اللهم إلَّا أَنْ يكون النصُّ المنقول قد أُخِذ عن الشيخ بالسماع، مثل ما سَمِعه ابنُ القيِّم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمهما الله ـ ممَّا لم يَرِدْ في شيءٍ مِنْ كُتُبِ ابنِ تيميَّة(١٢)، أو ينقل صاحبُ المرجع عن كتابٍ لم يَصِلْنا وكان مُتوفِّرًا في زمن الناقل، فلا حِيلَةَ في هذه الحالاتِ إلَّا النَّقلُ بالوساطة؛ هذا ما تقرَّر في منهجيَّة البحث العلميِّ(١٣).
وبعد هذا البيانِ والتعريف، يتَّضِح لكُلِّ قارئٍ أنَّ ما سمَّاه المفتري سرقاتٍ علميَّةً، ليست ـ في الحقيقة ـ إلَّا منهجيَّةً علميًّة معمولًا بها في مُعظَم الجامعات الإسلاميَّة، وربطًا لطالب العلم بالمصادر الأصليَّة والأُمَّهات لا بالوسائط، فهل هذا يُعَدُّ مَذمَّةً أم منقبةً؟! والملاحظ أنَّ أكثر المؤاخذات التي ذَكَرها مِنْ هذا النوع، أي: كون الشيخ يأخذ المصادر مِنَ هذا الكتاب ـ إذا سلَّمنا بذلك ـ، ويسندها إلى المصادر الأصليَّة ـ بعد الرجوع إليها ـ فإِنْ كانت طبعةُ الشيخ مُوافِقةً لطبعة الناقل أقرَّ الجزءَ والصفحة بعد التأكُّد من صِحَّتِها، وإلَّا فإنَّه يذكر الجزء والصفحة المناسبَيْنِ لطبعته.
ومِنْ عجيبِ ما يُلاحَظ ـ في هذا المَقام ـ أنَّ المفتريَ ـ أصلحه الله ـ لمَّا عدَّد أصناف السرقات العلمية الخمسة ـ بزعمه ـ لم يُوافِقْ ـ ولا في واحدةٍ مِنْ تلك الأنواعِ ـ التعريفَ الصحيح للسرقة العلمية التي قرَّرها العلماء، أي: النقل الحرفي لكلام الغير دون عزوه، فإنه يذكر في كُلٍّ منها التصرُّفَ بالتغيير أو التقديم والتأخير أو الزيادة والنقصان، إلخ؛ بغيةً منه أَنْ يسيطر على عقول الناس ويُوجِّهَها إلى المفهوم الغلط للسرقات العلميَّة ليسرِّب شُبهَتَه، فيقال له: أَثبِتِ العرشَ ثمَّ انقُشْ، حيث قال ابنُ العثيمين ـ رحمه الله ـ: «أحيانًا تجد الكاتبَ الذي كَتَب هذا المنسك، نجده نَقَل العبارةَ برُمَّتِها وشكلِها ونقطها وإعرابها مِنْ كتابٍ آخَرَ، ولا يقول: قال فلانٌ في الكتاب الفلاني؛ فقَدْ سَرَق»(١٤)؛ فنصُّ كلام العلَّامة ـ رحمه الله ـ ومفهومُه يردَّان على المفتري؛ أمَّا مِنْ حيث النصُّ فقَدِ اشترط ـ رحمه الله ـ الحرفيَّةَ في النقل، بالشكل والتنقيط والإعراب، وأمَّا مِنْ حيث المفهومُ فإنَّ هذه العبارةَ يُفهَم منها بمفهوم المخالفة أنه إذا لم يكن النقلُ على الأوصاف المذكورة في الحرفيَّة فلا يُعَدُّ سرقةً علميَّةً، وبهذا تتهافتُ كُلُّ المسائل التي نقَلَها وبنَاها على تعريفٍ وضَعَه مِن عنده ليخدم افتراءاتِه، هذا مِنْ جهةٍ.
ومِنْ جهةٍ أخرى فلا أدري إِنْ كان هذا مِنْ تحايُلِه ومكرِه بأهل الحقِّ أم مِنْ قلَّةِ علمه: أَنِ اختار لنفسه موضوعَ العقيدة لبيانِ هذه السرقاتِ العلميةِ المزعومة؛ ذلك لأنَّ عِلمَ أصول العقيدة مِنْ علوم المقاصد الذي تمَّ نضجُه واكتملَتْ أبوابُه، فلا يقبل زيادةً ولا نقصانًا، وإنما عَمِل العلماءُ على تقرير أصول مُعتقَد السلف وإظهارِها وتقريبها للناس؛ ولو تتبَّعْنا ما تركه مِنْ دون تلوينٍ ـ وهو الأكثرُ ـ في كتاب «التحفة» وغيرِها مِنْ فصول العقيدة التي كَتَب فيها سماحةُ الشيخ فركوس حفظه الله لوجَدْناها لا تخرج عن قولِ عالمٍ إمَّا بلفظه وإمَّا بمعناه، وهذه ـ في حدِّ ذاتها ـ مَنْقَبةٌ ومَحْمَدةٌ لعلَّامة المغرب حفظه الله؛ إذ إنه لا يخرج عن مُعتقَد أهل السنَّة والجماعة، بل الطعن كُلُّ الطعن في عكسِ ذلك إِنْ وُجِد في كتاباته ـ في موضوع العقيدة ـ ما يخالف ما قرَّره سلفُ هذه الأمَّةِ لو كان يعلم؛ وهيهاتَ؛ وقد قال بعضُ الفضلاء مِنْ أهل العلم: «لو كان لكُلِّ كلمةٍ في كُتُبي جناحان لَطارَتْ كُلُّ كلمةٍ إلى مصدرها الأصليِّ ولَبقِيَتْ مُصنَّفاتي صفحاتٍ بيضاءَ».
فالحاصل: أنَّ السرقة العلميَّة لا تثبت في حقِّ ناقلٍ إلَّا إذا توفَّرَتْ فيها ثلاثةُ شروطٍ، دلَّ عليها استقراءُ كلامِ العلماءِ وصنيعِهم وهي كالآتي:
١ ـ الحرفيَّة في النقل: بأَنْ يكون الكلامُ المنقول بعبارته وشكله وضبطِه وترتيبه وإعرابه على ما مضى بيانُه مِنْ كلامِ ابنِ عثيمين ـ رحمه الله ـ.
٢ ـ أَنْ يكون في الكلام المنقول مزيَّةٌ وزيادةُ جهدٍ: بحيث لا يكون ذلك الكلامُ ممَّا شاع وذاع في أوساط الناس أو ممَّا كان معلومًا مِنَ الدِّين بالضرورة، وقد مرَّ معنا كلامُ الألبانيِّ ـ رحمه الله ـ في ذلك، وقد قال الإمام النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «ومِنَ النصيحة أَنْ تُضافَ الفائدةُ التي تُستغرَبُ إلى قائلها؛ فمَنْ فَعَل ذلك بُورِكَ له في عِلمه وحالِه؛ ومَنْ أَوهمَ ذلك وأَوهمَ فيما يأخذه مِنْ كلام غيرِه أنه له فهو جديرٌ أن لا ينتفع بعلمه ولا يُبارَك له في حالٍ»(١٥)، فقَدِ اشترط الغرابةَ في الفائدة التي لا بُدَّ للناقل مِنْ عزوها.
٣ ـ عدم العزو ولا ذكر المصادر: بأَنْ يترك الكلامَ مُرسَلًا مِنْ دون عزوه إلى قائله ولا إحالته إلى المصادر التي أحال إليها المنقولُ عنه.
ومَنِ استقرأ مقالَ المردودِ عليه تبيَّن له ـ على العموم ـ ما يلي:
ـ أراد صاحبُ المقال أَنْ يُسقِطَ على الشيخ فركوس حفظه الله حديثَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»(١٦)؛ وهو أَوْلى به اتِّصافًا؛ كأنه حقَّق ما خَفِي على مَنْ زكَّى الشيخَ وشَهِد له بالعلم والفضل والتحقيق والتدقيق؛ مع أنه لم يأتِ على ما قال ببيِّنةٍ صادقةٍ صحيحةٍ؛ وإنما أتى بحُجَجٍ داحضةٍ وشُبُهاتٍ واهيةٍ وتلبيساتٍ زائفةٍ؛ فلو عامل ما كَتَبه العلماءُ مِنْ عهد النبوَّة إلى هذا الزمانِ تلك المعاملةَ الجائرةَ التي عامل بها ما كَتَبه الشيخُ لَانتقض به بناؤه الذي أسَّسه على جُرُفٍ هارٍ بأضعافِ ذلك مِنَ القدح في مَنْ هو أجلُّ مِنَ الشيخ بما يعلم كُلُّ عاقلٍ مُنصِفٍ أنه لا مُتمَسَّكَ فيه لغامزٍ؛ ويكون صنيعُه كصنيعِ الشيعة في جحد فضلِ أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، وصنيعِ النصارى في جحدِ فضيلة نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم وكتابه القرآن المصدِّق للحقِّ الذي في ما بين يدَيْه مِنَ الكُتُب، والمهيمن عليها ببيانِ ما حُرِّف منها وإبطالِ حكمِ ما نُسِخ منها؛ لا سيَّما مع دعواهم أنَّ القرآنَ سَرَق مِنَ التوراة أمورًا كثيرةً؛ فلَعمري كيف يحتجُّون بما يدلُّ على تصديقه لها فيجعلونه دليلًا على أنه مسروقٌ منها؟!.
ـ جَزَم المردود عليه ـ دون بيانِ مُستنَدِه ـ أنَّ الشيخ حفظه الله ـ قبل أَنْ يكتب ـ يضع أمامَ عينَيْه كتابًا في الموضوع الذي سيكتب فيه ويقوم ببعضِ ما ذَكَره ممَّا عدَّه مِنْ جملة السرقة العلميَّة؛ فأنَّى له ذلك الجزمُ دون برهانٍ؟! والظاهر أنَّ المنتقِد هو مَن يفعل ذلك؛ لأنَّ المعروف أنَّ «كُلَّ إناءٍ بما فيه ينضح» و«السَّفيه يظنُّ بما فيه»؛ علمًا أنَّ كُلَّ ما عدَّه مِنَ السرقة العلميَّة هو نفسُ ما يصنعه العلماءُ: كَسَاه هو ـ دون حجَّةٍ ولا برهانٍ ـ وَسْمَ السرقة، يُسمِّيه بغيرِ اسْمِه تزهيدًا فيه وتلبيسًا وتعميةً على العُور والعميان.
فكُلُّ ما ذَكَره مِنْ أوجه السرقة المزعومة: إمَّا الشيخُ بريءٌ منها ولا سبيلَ له إلى إثباتها وإلصاقها به إلَّا بضربٍ مِنَ التعسُّف والتكلُّف والتجنِّي والفجور في الخصومة والبهت، وإمَّا ليست سرقاتٍ وله فيها سلفٌ مِنَ العلماء، بل هو صنيعُ كثيرٍ منهم إِنْ لم يكن مسلكَ جميعِهم، وإمَّا ليست على الوجه الذي صوَّره، فحقيقتُها ليست سرقةً، وهو صوَّرها بحيث لو كانت كما ادَّعى لكانت سرقةً، ولكنَّ مِنَ البيان لَسِحرًا، يصوِّر الكاهنُ الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، يروج على مَنْ لم يكن بصيرًا به ولم يُوفَّقْ لمَنْ يُوقِفُه على زَيْفه؛ والباطلُ إنما يَنفُقُ بتزيينه وبالطعن في الحقِّ وأهلِه؛ فنقول له كما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ»(١٧)، فما أيسرَ الدعوى بالبهتان! ولا سبيلَ إلى إقامة الحجَّة عليها إلَّا بالكذب والزور!! قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في الردِّ على الرافضيِّ ـ أخزاه الله ـ حين طَعَن فيمَنْ بايع أبا بكرٍ رضي الله عنه فقال: «فيقال لهذا المفتري الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكرٍ ثلاثةَ أصنافٍ: أكثرُهم طلبوا الدنيا، وصنفٌ قصَّروا في النظر، وصنفٌ عجزوا عنه .. وهذا مِنَ الكذب الذي لا يعجز عنه أحدٌ؛ والرافضة قوم بهتٌ، فلو طُلِب مِنْ هذا المفتري دليلٌ على ذلك لم يكن له على ذلك دليلٌ؛ واللهُ تعالى قد حرَّم القولَ بغير علمٍ، فكيف إذا كان المعروفُ ضِدَّ ما قاله؟ .. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]»(١٨).
فالذي يظهر أنَّ هذا المردودَ عليه مُتسلِّقٌ، متشبِّعٌ بما لم يُعْطَ، يريد الشُّهرةَ بالردِّ على الشيخ فركوس حفظه الله فيما امتدحه عليه نُظَراؤه، كما يظهر في دعواه أنه سيأتي بفضيحةٍ علميَّةٍ مِنَ العيار الثقيل تستلزم إعادة النظر في منزلته التي حَظِيَ بها.
فنقول للمفتري في كُلِّ ما ادَّعاهُ رجمًا بالغيب وقولًا بالظنِّ دون مُستنَدٍ: هاتِ برهانك وأَقِمْ دليلَك وحُجَّتَك، واعْلَمْ أنَّ شهادتَك ستُكتَبُ عليك؛ ولا تنفعك الحجَّةُ الداحضةُ المموَّهة؛ فانظر في أيِّ كتابَيْك تراها، واعلم أنك موقوفٌ أمامَ الله عزَّ وجلَّ فمسؤولٌ عنها.
ولا ينفعك ـ والحالُ هذه ـ حكمُ المحرِّضين والمخذِّلين والمفتونين والمُغترِّين ممَّن يقفون وراءَك، لا ينفعك ذلك شيئًا، ولا تفيدك مجادلتُهم عنك في الدنيا بحسَبِ ما أَظهَرْت لهم مِنْ ظاهرٍ حسن، فمَنْ يجادل اللهَ عنك يومَ القيامة وقد افترَيْتَ على العدول مِنْ حَمَلةِ العلم والتقوى، تبتغي إسقاطَهم ونَصْبَ مَنْ يوافق جماعتَك ممَّنْ لا يُوازِيهم مِنْ أهل التلبيس والدعوى، مع ما فيهم ممَّا تتستَّرون عليه؟! فقَدْ قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، بِقَوْلِهِ: فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ؛ فَلَا يَأْخُذْهَا»(١٩).
ولا حاجةَ بنا ـ بعد هذا البسط ـ إلى معاناة الجواب عن الشُّبَه لتَهافُتِها وظهورِ التحامل والتلبيس فيها؛ فالسيوطيُّ نفسُه الذي ذَكَر المردودُ عليه عنه ما نَقَله في كتابه: «البارق في قطع السارق» عن ياقوت الحَمَوي، قد فَعَل في شرحه لمسلمٍ ـ كغيره مِنَ العلماء ـ شيئًا هو عند المردودِ عليه مِنْ جملة السَّرِقات: فإمَّا أنَّ السيوطيَّ متناقضٌ يقول ما لا يفعل وحاشاه مِنْ ذلك؛ وإمَّا أنَّ فهم المردود لكلامه خطأٌ وهو أهونُ الاحتمالات وأحلى المِرَار، وإمَّا أنَّ المردود عليه المتعالمَ متحاملٌ لا يجسر أَنْ يقول في فعل السيوطيِّ ما قالَهُ في فعل الشيخ فركوس، فإِنْ أتى بفرقانٍ بينهما وإلَّا فلْيَكُفَّ لسانَه وقلمَه؛ فما هو بفارسِ ذلك الميدان، وما له بعاقبة انتقاص الشيخ يدان.
نسأل اللهَ تعالى أَنْ يَهْدِيَ الضالَّ المنحرف والتائه عن الطريق إلى الحقِّ المبين ويُقيمَه عليه، وأن يَرْزُقَنا وإيَّاه الإخلاصَ في السرِّ والعَلَن، والاتِّباعَ في العمل، والسدادَ في القول، وأَنْ يُعيذَنا مِنَ الفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، وأن يدفع عن شيخنا ـ حفظه الله ـ مكر الماكرين وكيد الحاسدين، ويسلِّمَه مِن مخطَّطات المتربِّصين، وافتراءات الواشين، آمين؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
يوسف أورابية
طالب بالجامعة الإسلامية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــطالب بالجامعة الإسلامية
(١) أخرجه مسلم (٢٥٣١) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في «شرحه لمسلم» (١٦/ ٨٣): «(النجوم أَمَنةٌ للسماء فإذا ذهبَتِ النجومُ أتى السماءَ ما توعد) قال العلماء: الأَمَنةُ ـ بفتح الهمزة والميم ـ والأمنُ والأمانُ بمعنًى؛ ومعنى الحديث: أنَّ النجوم ما دامت باقيةً فالسماءُ باقيةٌ؛ فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وَهَنَتِ السماءُ فانفطرت وانشقَّتْ وذهبت؛ وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (وأنا أَمَنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون) أي: مِنَ الفِتَن والحروب وارتدادِ مَنِ ارتدَّ مِنَ الأعراب واختلاف القلوب ونحو ذلك ممَّا أنذر به صريحًا؛ وقد وَقَع كُلُّ ذلك؛ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (وأصحابي أَمَنةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) معناه: مِنْ ظهور البِدَع والحوادث في الدِّين والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرِهم عليهم، وانتهاك المدينة ومكَّة، وغير ذلك؛ وهذه كُلُّها مِنْ معجزاته صلَّى الله عليه وسلَّم».
وقال السيوطيُّ ـ رحمه الله ـ في «شرحه لمسلم» (٥/ ٤٧٩): «النجوم أَمَنة ـ بفتح الهمزة والميم ـ أي: أمانٌ للسماء؛ معناه: ما دامت باقيةً فالسماء باقيةٌ؛ فإذا انتثرت في القيامة ذهبَتِ السماءُ وانفطرت؛ (أتى أصحابي ما يوعدون) يعني: مِنَ الفتن والحروب؛ (أتى أمَّتي ما يوعدون) أي: مِنْ ظهور البِدَع والحوادث في الدِّين».
فهل يُقالُ ـ هنا ـ إنَّ السيوطيَّ الذي نَقَل عنه المردودُ عليه ما نَقَل قد سَرَق مِنَ النوويِّ هنا، ولا سيَّما إِنْ كان هذا صنيعَه في أغلب الكتاب؟! وهل النوويُّ نفسُه بريءٌ مِنْ ذلك؟!
(٢) أخرجه البخاري (٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٤٦٠) ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٠) ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٤) لحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ، وَفُشُوَّ التِّجَارَةِ، حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ، وَشَهَادَةَ الزُّورِ، وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ، وَظُهُورَ الْقَلَمِ»: أخرجه أحمد (٣٨٧٠). وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٤٧).
(٥) «تفسير ابن كثير»: (٦/ ٧٢).
(٦) «لسان العرب» لابن منظور: (٩/ ١٠).
(٧) «المُزهِر في علوم اللغة وأنواعها» للسيوطي: (٢/ ٢٧٣).
(٨) «مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول» للتلمساني، بتحقيق: الشيخ فركوس (١٥).
(٩) موسوعة ويكيبيديا، نقلًا عن «المجلة الدولية للتعليم في الدراسات العالي» لمؤلِّفته زينة أوكنور.
(١٠) تفريغ «سلسلة الهدى والنور» للشيخ الألباني: (الشريط: ٤٧١/ ٨).
(١١) انظر: «البحث العلمي أساسيَّاته النظرية وممارسته العملية » لرجاء وحيد دويدري: (٣٥٩).
(١٢) ومِنْ بينها ـ وما أكثرَها ـ قولُه في «إعلام الموقعين» (٣/ ١٣): «سمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية ـ قدَّس اللهُ روحَه ونوَّر ضريحَه ـ يقول: مررتُ أنا وبعضُ أصحابي في زمن التتار بقومٍ منهم يشربون الخمرَ، فأنكرَ عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنَّما حرَّم اللهُ الخمرَ لأنها تصدُّ عن ذِكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدُّهم الخمرُ عن قتل النفوس وسبيِ الذُّرِّيَّة وأخذِ الأموال فدَعْهم» .
(١٣) ولسنا ندَّعي أنَّ منهجيةَ البحث العلميِّ قرآنٌ مُنزلٌ لا يجوز مخالفتُها بزيادةٍ ولا نقصانٍ، ولكنَّها مِنْ علوم الوسائل التي يستعين بها الباحثُ المجتهد بله طالب العلم لإعطاء المقال المحرَّر والبحثِ المقدَّم قالبًا أدبيًّا مقبولًا، وتسلسلًا منهجيًّا مضبوطًا بنقلٍ سليمٍ موثَّقٍ وأداءٍ فنيٍّ متوازنٍ مُتقَنٍ، لا يَمَلُّ منه قارئُه ولا يتعب الباحثُ فيه.
(١٤) «شرح حلية طالب العلم» لابن عثيمين (ش ٢: المحاذير).
(١٥) «بستان العارفين» للنووي (١٥ ـ ١٦).
(١٦) أخرجه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، مِن حديث أسماء بنتِ أبي بكر رضي الله عنهما.
(١٧) أخرجه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.
(١٨) «منهاج السنَّة النبويَّة» لابن تيمية (٢/ ٧٥).
(١٩) أخرجه البخاري (٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٨)، ومسلم (١٧١٣)، من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها.
تعليق