<بسملة1>
هكذا عرفت الشيخ أبا عبد المعز محمد علي فركوس
حفظه الله
للدكتور: أحمد بوزيان التلمساني
-وفقه الله-
حفظه الله
للدكتور: أحمد بوزيان التلمساني
-وفقه الله-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فمنذ بداية فتنة ما يعرف بالصعافقة وعجبي لا ينقضي من جرأة الأغمار الطاعنين في العلماء الأخيار، وأخصُّ بالذكر مَن سار في ركاب (رجال المجلة) من أهل قطرنا الطاعنين في شيخ البلد أبي عبد المعز - أعزه الله - ممن كانوا لا يعدلون به في محلَّتِنا أحدا:
- إن طلبوا الفتيا هرعوا إليه.
- وإن ابتغوا النصيحة نزلوا بساحته.
- وإن اختلفوا في شيء لم يرضوا بسواه حَكَما؛ لأنه عندهم وسطيٌ في مسلكه، معتدلٌ في توجيهه، ناصحٌ في مقولته، أمين في نصحه، هجِّيراه في ذلك كلِّه الكتاب والسنة، وطلب الحق منهما على فهم سلف الأمة، وشيوخنا والحمد لله كذلك.
كل هذا وغيره جعلني لا أتكلم، ولا أدافع ولو بمقال عن شيخنا الهمام؛ لأنني كنت أعتقد أن الطعن فيه بالبهتان، ورميَه بفِرًى من وحي الشيطان، تكفي حكايتُه في رده، ويُغني سماعه عن بيان بطلانه، وأقول في نفسي ولإخواني: فيما كتبه بعض مشايخنا وإخواننا نثرا وشِعرا غنية وكفاية.
وإنَّ مِن أخبث ما لفظوه من قبيح كلامهم، قولهم: إن الشيخ ضعيف في منهجه، ليس له عناية بالرد على أهل البدع !! وما في معنى هذا الهُراء.*
وأقول: لو حلَفتُ يمينا مُغلَّظة أني مُذ عرفت الشيخ - مِن سبع عشْرة سنة من لُقياه - وهو رادٌّ على أهل البدع على اختلاف نِحلِهم، طاعنٌ فيهم، محذرٌ منهم، في كل مقام تسنح له الفرصة فيه بالبيان، لكنت بارّا في يميني، وكتُبه شاهدة بذلك؛ بل إنه كان يرد عليهم في مقامات يجبُن عن مقارعتهم فيها كثير من هؤلاء المخذِّلة.
** وفي هذه العجالة أسجل بعض تلكم المواقف التي علقت بالذهن، ورسخت في الذاكرة مما عايشته بنفسي وأنفاسي، ويشهد لصدق ما ادّعيته، وصواب ما أنشأته:
1- كان الشيخ يُسأل كثيرا عن الانخراط في فروع جمعية العلماء (الحالية) فينصح بمجانبتهم، ويذكر أنهم أهل أهواء وبدع، وأن رؤوسهم من المتفلسفة الذين لم يتربوا على منهج السلف، وأن تكثيرهم للفروع في نواحي بلادنا ليمكنوا لأنفسهم وتقوى شوكتهم، وأنهم لا يعتنون بدعوة التوحيد ونصر السنة، بل هم حربٌ على السلفيين، ومناوءتُهم لهم معروفة ظاهرة.
وكان لا ينصح باستغلال فروعهم ولو في تحفيظ القرآن؛ لما في ذلك من التزكية لهم، وتكثير سوادهم.
2- كان الشيخ يعتني في مقام مناقشة الرسائل الجامعية عناية بالغة بتصحيح الأخطاء العقدية التي يقع فيها الباحثون، أو يقررونها في رسائلهم عن قناعة، ويصرح في بعض تلكم المناقشات بأنه يركز على تصحيح المعتقد، وأما الأخطاء الشكلية لاسيما المطبعية منها فيسلمها للطالب في أوراق، أو ينبهه عليها إجمالا، وكذلك ما يصدر من لجنة المناقشة من زلاّتٍ لا يُفوِّته الشيخ إلا بتعقيب ونصح وبيان.
وسأكتفي للتدليل على ما ذكرت ببعض الأمثلة:
أحدها: أنه ناقش رسالة دكتوراه في تحقيق متن جمع الجوامع لابن السبكي - الذي كان قد حُقِّق مراتٍ - فأفاض الشيخ في بيان الأخطاء التي وقع فيها الباحث، ثم بعدها شرع رئيس تلك الجلسة - وهو نائب رئيس الجمعية المذكورة آنفا - يناقش في بعض الشكليات، فقال له الشيخ: اختَصِر الكلام لقرب وقت صلاة الظهر، فصاح الرجل، وهاج وماج، وقال للشيخ: إنك كنت تتكلم في مسائل خلافية، فقال له الشيخ في حِلم ووَقار: المسائل الخلافية فيها حق وباطل، فقال الدكتور: وكيف عرفت الحق فيها ؟ فقال الشيخ بثَباتٍ ورباطة جأشٍ: الحق يُعرف بدليله، وإن شئت تناقشنا في تلك المسائل، فسكت الدكتور، كأنما رُمي بالصُمات، وحقت عليه كلمة الإنصات.
ثانيها: أن الشيخ ناقش رسالة دكتواره في تحقيق الروض المبهج في شرح تكميل المنهج لميارة الفاسي، وقد حضرها بعض إطارات الشؤون الدينية باعتبار أن صاحب الرسالة من منسوبيهم، فأظهر الشيخ من القوة في الصدع بالحق ما لم أشاهده منه من قبلُ، حتى إنه قال - وقد رأى القوم قد نكسوا رؤوسهم، وعلى وجوههم ذل المغلوب -: أنا أركز على العقيدة، أو كلاما نحو هذا.
وكان مما أنكره على الباحث إشادته بالأضرحة وبنائها، وذِكْرِ ذلك على أنه من المحاسن.
وجعل الشيخ ينقل نصوصا عن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أئمة أهل السنة في تقرير عقيدة السلف في توحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات.
فمَن مِنهم يقوى على بعض هذه المواقف ؟!
ثالثها: كان الشيخ يحرص على تقويم رسائل الطلاب الذين يُشرف عليهم، ويركز على ما تعلق منها بعقيدة ومنهج أهل السنة، وأكتفي هنا بذكر ما حصل لي، وهو أنِّي تكلمت في الفصل التمهيدي عن عصر الشخصية المدروسة، وكان مما ذكرتُ حال الوُلاة، وما كانوا عليه من التنافس على السلطة، ووصفتهم بالتكالب على الدنيا فعلق الشيخ بخطه البهيّ قائلا:" وصف الحكام والوُلاة بالتكالب لا يليق "؛ لمنافاته عقيدة أهل السنة في ولاة الأمور.
فهو حفظه يحرص كل الحرص على سلامة المعتقد وسداد المنهج، وسلوك جادة أهل السنة، ويربي الناس على ذلك، سمةَ الربانيين من أهل العلم.
3- ولي قصة مع شيخنا - إنْ نسيت شيئا فلن أنساها - وهو أن الشيخ جاء للجامعة في أيام امتحانات لحراسة الطلاّب، وكان يهمُّ بالدخول للقاعة، فلقيته، فقال لي: العيد شريفي في القاعة ؟ فقلت: نعم، فانصرف الشيخ، ولم يدخل إليها، ولست أدري أذهب بعد ذلك إلى الإدارة أو إلى قاعة أخرى.
وقد سُئل عنه مراتٍ ونحن خارجون من (مسجد الهداية) فكان يذكر أخطاءه وينصح بالبُعد عنه.
4- أنني قضيت ما يزيد على سبع سنوات أتردد على كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر في مرحلتي الليسانس والماجستير، فلم أرَ الشيخ قطُّ يماشي أحدا من أهل الأهواء - على كثرتهم فيها - ولا يضاحكه، أو يتحدَّث إليه في غير العمل الإداري، فلا ترى الشيخ إلا محفوفا بأبنائه السلفيين يسألونه وهو يجيبهم في أروقة الكلية، وقاعاتها، وسلالِمها.
وبعدَ هذه الكلمات الوجيزات التي لا تفي بحق الشيخ علينا أقول: إن الشيخ كما عرفناه لا يطرب لثناء المُثنين، ولا يغتر بشهادة أهل الصدق له بالعلم والعمل، بل مما حفظته عنه كلمة ردّدها علينا مرارا في فتنة فالح لما تركَ كثيرٌ مِن إخواننا مجلس الشيخ - ولأَكْثَرِهِم عندي عُذْرُه إذ ذَّاك-، وصِرنا عددا قليلا تسعنا المكتبة مع ضيقها، وهي قوله:( أنا لا أحتاج إلى تزكية أحد من الناس؛ لأن الرجل يزكيك اليوم ويجرحك غدا، ولكنْ أحتاج إلى التزكية الربانية، فإن الله إذا زكاك فلن يسقطك أحد ).
فكيف يخاف الشيخ على مكانته ومقامِه كما زعمه الأفّاكون الحسَدة، وهل منهم أحدٌ يبلغ قدرَ ومقام الشيخ العلمي حتى يصح أن يقال: إنه ينافسه على ما ذكره المفترون ؟! وإن أهل الأهواء على اختلاف طرائقهم ترتعد فرائصهم من ردوده، وليس منجنيق (تسليط الأضواء) عنا ببعيد، الذي أخرج الحيّات مِن جحورها.
وختاما أقول: إن شيخنا أبا عبد المعز - زاده الله عزا - وإخوانَه من أهل العلم المتعاونين على الذب عن حياض منهج السلف لا يحتاجون للدفاع عنهم مِن أمثالنا، فنحن الذين نشرف بذكرهم، ونفخر بنسبتنا إليهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.
د. أحمد بوزيان التلمساني
-وفقه الله-
-وفقه الله-
تعليق