<بسملة1>
دفاعُ الشَّيْخِ الفَاضِل زَاهِد السَّاحِلِي عَنْ أَخِيه الشَّيْخ العَلَّامَةُ مُحَمَّد بن هَادِي المَدْخَلِي
-حَفِظَهُمَا اللَّهُ تعَالَى-
فِقْهُ المَسَائِلِ
السُّؤَالُ: دفاعُ الشَّيْخِ الفَاضِل زَاهِد السَّاحِلِي عَنْ أَخِيه الشَّيْخ العَلَّامَةُ مُحَمَّد بن هَادِي المَدْخَلِي
-حَفِظَهُمَا اللَّهُ تعَالَى-
فِقْهُ المَسَائِلِ
لَقَدْ وَافَانِي أَحَدُ مُخَالِفِي فَضِيلَةَ الشَّيْخِ المُحَدِّثِ العَلَّامَةِ مُحَمَّد بنِ هَادِي المَدْخَلِي -حَفِظَهُ اللَّهُ وَسَدَّدَهُ- بِمَقْطَعَيْنِ صَوْتِيَّيْنِ مَضْمُونُهُمَا عَنْ حُكْمِ الدَّعْوَةِ فِي الأَسْوَاقِ فَكَانَ الجَوَابُ الأَوَّلُ: "مَنْعُ الدَّعْوَةِ فِي الأَسْوَاقِ"، وَالجَوَابُ الثَّانِي: "جَوَازُ الدَّعْوَةِ فِي الأَسْوَاقِ"، فَاسْتَدَلَّ مِنْهَا مُخَالِفُوا الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بنِ هَادِي وُقُوعَ الشَّيْخِ فِي [التَّنَاقُضِ الدَّعَوِيِّ]، فَهَلْ لِدَعْوَاهُمْ مَحْمَلٌ عِلْمِيٌّ؟
الجَوَابُ:
بِحَسَبِ المَوَازِينِ العِلْمِيَّةِ وَالقَوَاعِدِ المَعْرِفِيَّةِ، لَا يُمْكِنُ إِطْلَاقًا أَنْ يُرْمَى الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ بِالتَّنَاقُضُ الدَّعَوِيِّ بِسَبَبِ هَذِهِ الوَاقِعَةِ، وَمِثْلُ هَذَا الإِنْتِقَادِ اللَّاذِعِ لَا يَصْدُرُ عَادَةً إِلَّا مَنْ قَلَّ إِلْمَامُهُ المَعْرِفِيُّ بِحَالِ أَهْلِ العِلْمِ وَتَعَدُّدِ اخْتِيَارَاتِهِمْ الفِقْهِيَّةِ فِي مِشْوَارِهِمْ العِلْمِيِّ وَالحَيَاتِي، وَحَالُ الشَّيْخِ مُحَمَّد مَعَ مَسْأَلَتِنَا المُومْئَ إِلَيْهَا حَالُ غَيْرِهِ مِنَ العُلَمَاءِ فَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ المَعَايِيرِ الشَّرْعِيَّةِ وَالمَبَانِي المُتَّبَعَةِ فَإِنَّهُ -حَفِظَهُ اللَّهُ- لَا يَخْرُجُ عَنْ الحَالَيْنِ التَّالِيَّيْنِ:
الحَالُ الأُولَى: أَنَّ الشَّيْخَ قَدْ أَفْتَى بِالتَّحْرِيمِ أَوَّلًا لَكِنَّهُ نَسِيَّ رَأْيَهُ السَّابِقَ وَسُئِلَ مَرَّةً أُخْرَى فَاسْتَحْضَرَ أَدِلَّةَ الجَوَازِ وَقَالَ بِقَوْلِهِ الجَدِيدِ فِي المَسْأَلَةِ وَلَمْ يُشِرْ إِلَى عُدُولِهِ عَنْ اخْتِيَارِهِ الأَوَّلِ لِكَوْنِهِ قَدْ نَسِيَّ اجْتِهَادَهُ السَّابِقَ، وَالنِّسْيَانُ طَبْعٌ بَشَرِيٌّ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ إِنْسَانٌ فَقَدْ نَسِيَّ سَيِّدُ الخَلْقِ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمُ- فِي الرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ [الصَّلَاة] فَقَالَ: { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَونَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي}، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَرَى جَوَازَ التَّيَمُّمِ مِنَ الحَدَثِ الأَكْبَرِ لَكِنَّهُ نَسِيَّ الحُكْمَ وَأَنْكَرَ عَلَى عَمَّارٍ تَجْوِيزَهُ لِلتَّيَمُّمِ لِلْحَدَّثِ الأَكْبَرِ وَذَكَّرَهُ عَمَّارٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَمْ يَتَذَكَّر، فَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ مُنْقِصًا مِنْ قَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَا حَاطًّا مِنْ مَكَانَةِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.
وَمَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِعِلْمِ الإِسْنَادِ لَرُبَّمَا أَحْجَمَ عَمَّا قَالَهُ فِي الشَّيْخِ فَقَدْ أَدْرَجَ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ ضِمْنَ عِلْمِ الإِسْنَادِ مَسْأَلَةَ [مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَنَسِيَ]، وَمِنْ شَوَاهِدِ هَذِهِ الحَال قِصَّةُ عُمَر مَعَ عَمَّارٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فِي حُكْمِ التَّيَمُّمِ عَنِ الحَدَثِ الأَكْبَرِ كَمَا مَرَّ آنِفًا، فَقَدْ يُحَدِّثُ المُحَدِّثُ بِالرِّوَايَةِ أَوْ يَقُولُ فِي المَسْأَلَةِ قَوْلًا فِقْهِيًّا فَيَنْسَاهُ فَيَقُولُ بِخِلَافِ مَا اخْتَارَهُ سَابِقًا وَلَا يَعِيبُهُ ذَلِكَ مَتَى كَانَ النِّسْيَانُ نَادِرًا، وَكَانَتِ الأَدِلَّةُ تَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ وَجَهَاتِ النَّظَرِ وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ خَارِجًا عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ العِلْمِ، فَمُجَرَّدُ طُرُوءِ النِّسْيَانِ عَلَى العَالِمِ لَا يُعَدُّ قَادِحًا فِي تَكْوِينِهِ العِلْمِيِّ.
الحَالُ الثَّانِيَّةُ: أَنَّ العَالِمَ قَدْ يَقُولُ قَوْلًا فِي أَوَّلِ نَشْأَتِهِ العِلْمِيَّةِ ثُمَّ يَزْدَادُ عِلْمُهُ مَعَ مَرِّ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِ فَيَعْدِلُ عَنْ اخْتِيَارِهِ الأَوَّلِ إِلَى غَيْرِهِ وَخَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ مُحَمَّد بنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لَهُ مَذْهَبَانِ: المَذْهَبُ القَدِيمُ وَهُوَ فِي العِرَاقِ وَالمَذْهَبُ الجَدِيدُ وَهُوَ فِي مصْرَ، فَتَجِدُ لَهُ فِي المَسْأَلَةِ رَأْيَّيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، وَمِنَ المُعَاصِرِينَ العَلَّامَةُ أَحْمَدُ النَّجْمِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- كَمَا فِي كِتَابِهِ تَأْسِيسُ الأَحْكَامِ (ج 2، ص 243 - 302) فَإِنَّ لَهُ قَوْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ عَدَدِ رَكَعَاتِ صَلَاةِ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ فَفِي السَّابِقِ كَانَ يَرَى الإِقْتِصَارَ عَلَى عَدَدِ احْدَى عَشَرَةَ رَكْعَةً فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ غَيَّرَ إجْتِهَادَهُ فَجَوَّزَ الزِّيَادَةَ عَلَى إِحْدَى عَشَرَةَ رَكْعَةً وَرَدَّ عَلَى الشَّيْخِ الأَلْبَانِي بِرَدٍّ قَوِيِّ وَلَطِيفٍ، وَكَذَا الشَّيْخُ ابنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- كَانَ يَرَى تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ بِالفِيدْيُو مُطْلَقًا ثُمَّ جَوَّزَهُ لِتَصْوِيرِ المَوَادِ الدِّينِيَّةِ فَحَسبَ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي هَذَا الشَّأْنِ كَلَامًا يُكْتَبُ بِمَاءِ العَيْنِ وَيُوضَعُ تَحْتَ الجَفَنِ: «أَنَّكَ إِذَا اجْتَهَدْتَ فِي حُكُومَةٍ ثُمَّ وَقَعَتْ لَكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَا يَمْنَعُكَ اجْتِهَادُكَ الأَوَّلُ مِنْ إِعَادَتِهِ فَإِنَّ الإِجْتِهَادَ قَدْ يَتَغَيَّرُ [إِعْلَامُ المُوَّقِعِينَ ج1، ص114].
وَقَدْ تَوَاطَأَتْ عِبَارَاتُ أَئِمَّةُ الإِسْلَامِ العِظَامِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ قَوْلَهُمْ: وَمِنْهُ قَوْلُ الإِمَامِ أَحْمَدُ: «إِنَّا نَقُولُ القَوْلَ اليَّوْمَ وَنَعُودُ عَنْهُ غَدًا»، فَالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ كَغَيْرِهِ مِنَ العُلَمَاءِ يَرَى الرَّأْيَ اليَّوْمَ فَيَعُودُ عَنْهُ غَدًا وَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّ تَغْيِّيرَ الإِجْتِهَادِ يُصَيِّرُ الشَّخْصَ مُتَنَاقِضًا لَا انْسَحَبَ ذَاتُ الحُكْمِ عَلَى سَائِرِ العُلَمَاءِ وَالفُقَهَاءِ وَبِلَا رَيْبٍ أَنَّ هَذَا الإِنْتِقَادَ لَا يَتَمَاشَى إِطْلَاقًا لَا مَعَ الطَّرْحِ الأُصُولِيِّ وَلَا مَعَ تَطْبِيقَاتِ الفُقَهَاءِ العَمَلِيَّةِ المَعْرُوفَةِ.
كَــــتَبَهُ
أَبُو حَمْزَةَ زَاهِد السَّاحِلِي
أَبُو حَمْزَةَ زَاهِد السَّاحِلِي
تعليق