<بسملة1>
هل من الإسلام يا شيعة العالم؟
[الجزء الأول]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من اتبع هديهم ولم يبدل بعدهم إلى يوم الدين وبعد: هل من الإسلام يا شيعة العالم؟
[الجزء الأول]
يا شيعة العالم إني محدثكم فناصح لكم، فانظروا في كلامي، وتبصروا في حديثي، ولا تحكموا عليه إلا بعد الانتهاء منه، حتى ولو أزعجتكم بعض الكلمات التي لم تربوا من صغركم عليها، ولم تطرق مسامعكم فتعهدوها؛ فإن طالب الحق لا يدفع ما يقال له بمجرد الإلف والعادة، وإنما بالبراهين الثابتة والأدلة المعتمدة، ولذلك عليكم أن تطلعوا عليها وبعد ذلك فندوا بالأدلة إن شئتم ما جاء فيها، فأقول ناصحا لكم:
اعلموا أن دينكم من أبعد الأديان عما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أكثرها انحرافا عن الصراط المستقيم والنهج القويم، ومن عجائب ما أنتم عليه، وغرائب ما تتدينون لله به؛ عقائد ملأت قلوبكم، ووجهت حياتكم، وصارت قاعدتكم التي توالون عليها، وتعادون لأجلها، وتنطلقون منها، وترجعون إليها، مع أنها ظاهرة البطلان، وواضحة الانحراف عما أنزل الله من الآيات البينات في محكم القرآن، وإن الإنسان ليعجب كيف دخلت هذه العقائد قلوبكم وعششت في نفوسكم وأنتم تزعمون أنكم من أهل الإسلام، ومن أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وأن القرآن هو سبيل هدايتكم ومنه تنهلون علومكم؟.
فيعجب القارئ في كتبكم والمطلع على عقائدكم كيف تستطيعون التوفيق بين كلام الله سبحانه واعتقادات تسعى إلى هدمه بهدم عقائده وتعاليمه؟
ويعجب كيف ينسجم الأمر عندكم وأنتم تؤمنون بما يرده القرآن ويحكم على أهله بالزيغ والطغيان بل بالإلحاد والكفران؟
ويعجب أكثر وأكثر حينما يرى محاولة كثير منكم قلب السني عن دينه الذي يوافق الفطر المستقيمة وينسجم مع العقول السليمة إلى دين قلق تنفر منه نفوس العقلاء وتتركه فطر الأسوياء.
ولكن سرعان ما يذهب عجبه حينما يتذكر أن عقائدكم قد احتال مشايخكم لها حيلا واتخذوا للحفاظ عليها سبلا.
فمن تلك السبل التي اعتمدوا عليها إنكار كل برهان يبطلها وكل دليل يردها ويبين حقيقتها.
ألم تر أنهم لما علموا أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ترد أباطيلهم وتدحض شبهاتهم ردوها بأكملها وأنكروها برمتها متوسلين لذلك بتكفير الناقلين لها والحملة لما بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم منها.
ثم لما كان القرآن لا قِبَلَ لهم برده وإنكار ما جاء فيه وجحد آياته وسوره لأنهم لو فعلوا ذلك لافتضح أمرهم وظهر للناس عوارهم وكفرهم قالوا بأنه محرف قد لعبت به أيدي الخائنين وتطرقت إليه تلاعبات المتلاعبين وبهذه الطريقة الخبيثة أزالوا سلطانه من قلوبكم وصيروه أقل شأنا من مروياتهم عن أئمتكم مع أنه قطعي الثبوت لتواتره عكس مروياتهم التي لا خطام لها ولا زمام.
وقبل أن أشرع في ذكر عقائدكم أذكر قاعدة متعلقة بطريقة التعامل مع الروايات التي تعارض القرآن الكريم وتتصادم معه في دينكم ومن مروياتكم وهي:
(جاء في مقدمة تفسير العياشي ج1 ص19: باب ترك الرواية التي بخلاف القرآن:
وذكر تحت هذا الباب جملة روايات منها:
- عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا أيها الناس ما جاءكم عنِّي يوافق القرآن فأنا قلته وما جاءكم عنِّي لا يوافق القرآن فلم أقله" وذكر المحقق أنه روي في البحار ج1 ص145 وفي البرهان ج1 ص29.
- عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني عن أبي جعفر عن أبيه عن علي قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه، إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالف كتاب الله فدعوه" وذكر المحقق أنه روي في البحار ج1 ص144- 154 وفي البرهان ج1 ص29.
- عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله: يا محمد ما جاءك من رواية من برٍّ أو فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك من رواية من برٍّ أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به" وذكر المحقق أنه روي في البحار ج1 ص144- 154 وفي البرهان ج1 ص29.
- عن أيوب بن حرّ قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كلُّ شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف" وذكر المحقق أنه روي في البحار ج1 ص144- 154 وفي البرهان ج1 ص29.
- عن كليب الأسدي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أتاكم عنّا من حديث لا يصدّقه كتاب الله فهو باطل" وذكر المحقق أنه روي في البحار ج1 ص144- 154 وفي البرهان ج1 ص29.
- عن سدير قال: كان أبو جعفر وأبو عبد الله لا يصدق علينا إلا بما يوافق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم" وذكر المحقق أنه روي في البحار ج1 ص144- 154 وفي البرهان ج1 ص29 وفي الوسائل ج3 كتاب القضاء باب 9).
والآن إلى ذكر بعض عقائدكم التي ليست من الإسلام، ولا يمكن أن يكون قد جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، لأنها مخالفة للقرآن الكريم، والسنة المطهرة الثابتة عن النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
التساؤل الأول:هل من الإسلام الغلو في الإمامة؟
هل من الإسلام يا شيعة العالم غلوكم في الإمامة وادعاؤكم أنها ركن من أركان الإسلام، وأصل من أصول الإيمان، لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، ولا تقبل الأعمال إلا إذا انبنت عليها؛ كما جاء في رواياتكم الواردة في كتبكم عن أئمتكم:
فمنها: ما رواه الكليني في أصول الكافي ج2 ص16: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ:" بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوَلَايَةِ وَلَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ".
ومنها: ما رواه الكليني أيضا في الكتاب نفسه ج2 ص15: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالْوَلَايَةِ. قَالَ زُرَارَةُ فَقُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الْوَلَايَةُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُهُنَّ".
ومنها: ما قاله المجلسي في مرآة العقول ج7 ص102: ولا ريب في أن الولاية والاعتقاد بإمامة الأئمة عليهم السلام، والإذعان لهم، من جملة أصول الدين، وأفضل من جميع الأعمال البدنية لأنها مفتاحهن".
ومنها: قول المظفر في عقائد الإمامية ص102:" نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين، لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربين، مهما عظموا، بل يجب النظر فيها، كما يجب النظر في التوحيد والنبوة".
أقول: كيف تكون الإمامة من أركان الإسلام التي بني عليها، والتي لا يصح إسلام العبد إلا بها؛ ومع ذلك لم يذكرها الله سبحانه في كتابه، ولم يعتن بها ما اعتنى بغيرها في محكم تنزيله؟ وهذا واضح والحمد لله لكل من قرأ كتاب الله؛ فإن التالي لكلام الله يجد أثناء قراءته كلاما كثيرا عن سائر أركان الإسلام؛ من صلاة وزكاة وحج وصيام، ولكنه لن يجد ولو آية واحدة تتحدث عن الإمامة وما يتعلق بها فكيف يعقل يا شيعة العالم أن تكون الإمامة أعظم أركان الإسلام ولا يرد ذكرها في القرآن؟.
ثم اعلموا أن أركان الإسلام التي ثبتت عندنا نحن أهل السنة بالأسانيد الصحيحة، وفي الأحاديث التي بلغت أعلى درجات الصحة؛ هي خمسة في تعدادنا كما هي في تعدادكم، ولكنها خلاف ما جاء في مروياتكم عن أئمتكم، فعندنا كما في حديث جبريل المشهور والمتفق على صحته من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِىَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً", وكما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ" متفق عليه. وهذا خلاف ما جاء عن علمائكم كما تقدم النقل عنهم من كتاب الكافي وهو من أصح كتبكم المعتمدة من أن أركان الإسلام خمسة, ولكن علماؤكم -والعياذ بالله- جعلوا الولاية مكان الشهادتين وما هذا إلاّ لغلوهم وفرط جهلهم، وإلا ما هو أساس الدين الذي بعث به النبي الأمين النطق بالشهادتين والإقرار بمضمونهما والعمل بمقتضاهما أم الاعتراف بالإمامة والتصديق بها؟
تنبيه مهم: اعلموا يا شيعة العالم أن علماءكم إنما يسرقون الأحاديث الثابتة عن أهل السنة ويضيفونها بعد أن يغيروا فيها إلى أئمتكم والمعظمين عندكم وذلك لأسباب كثيرة سأفرد لها إن قدر الله سبحانه وأعان مقالة خاصة.
- أما بالنسبة للإيمان فأين اعتقادكم من أن الإمامة أصل من أصول الإيمان لا يتم إيمان المرء إلاّ بالاعتقاد بها من قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل لما سأله:" فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ:" أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" رواه مسلم, وهذه الأصول الواردة في هذا الحديث مذكورة أيضا في كتاب الله في قوله تعالى:" لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ" [سورة البقرة: من الآية 177], ودليل القدر قوله تعالى:" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)" [سورة القمر: الآية 49], فأين في كتاب الله أو في سنة رسول الله الصحيحة الثابتة ذكر الإمامة فضلا أن تجعل من أركان الإسلام وأصول الدين يا شيعة العالم؟! والله المستعان.
لكن قد يقول القائل من علمائكم ومعمميكم: أن الإمامة مذكورة في كتاب الله، وموجودة بين ثناياه، فلماذا تنكر وجودها وتزعم خلوه منها؟ أوليس الله سبحانه يقول في محكم تنزيله:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" [سورة النساء من الآية 59]. فأولوا الأمر المذكورون في الآية هم الأئمة.
فأقول: وجواب هذه الشبهة من وجوه:
الأول: أين ذكر الإمامة في كتاب الله بصريح لفظها، وواضح اسمها، أليس من الغريب يا شيعة العالم أن تأتي أركان الإسلام بأكملها بلفظها الصريح، واسمها البين الواضح، بينما لا تأتي الولاية والإمامة مع أهميتها وعظيم شأنها بمثل هذه الألفاظ الصريحة المتفق على معناها، والتي لا يمكن أن يقع الخلاف فيها. يوضحه الوجه التالي:
الثاني: أن رواياتكم عن أئمتكم والتي تعتقدون بسببها وجود الإمامة وأنها من أركان الإسلام وأصول الدين والتي تقدم ذكر بعضها وسوق جملة منها جاء فيها أنه:" لَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ" أي أنه ورد ذكرها والدعوة إليها أكثر من غيرها من أركان الإسلام التي دعا إليها النبي عليه الصلاة والسلام فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم نجدها ولو مرة واحدة بلفظ واضح بين لا يحتمل التأويل؟.
الثالث: أن كلمة "أولي الأمر" الموجودة في الآية المقصود بها حكام المسلمين، وأمراء المؤمنين، وهؤلاء لم يحدد لنا الله جل وعلا أعيانهم، ولم يذكرهم بأسمائهم، وأنتم تزعمون أن المقصود بهم أئمتكم بدليل ما جاء في مروياتكم، فتجعلون مروياتكم دليلا على أن المقصود بأولي الأمر في الآية أئمتكم، فكيف تجعلون الدليل على الإمامة والولاية ما يحتاج إلى دليل من خارجه؟ وهل هذا إلا بسبب عدم وضوحه بل بسبب بُعْدِ دلالته على ما تريدون الاستدلال عليه به؟.
الرابع: أن الآية واضحة في أن طاعة ولاة الأمر ليست على إطلاقها كطاعة الله ورسوله، ولذلك لم يُعِدْ ذكر لفظ الطاعة معهم كما أعادها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ" ثم أعاد ذكر الطاعة مع الرسول فقال:" وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" أما في أولي الأمر فلم يعد ذكر الطاعة معهم فقال:" وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" لأن طاعتهم مقيدة بالمعروف؛ فإذا أمر الواحد منهم بما يوافق شرع الله عمل بأمره، وإلا لم تجز طاعته، فهل أئمتكم يا شيعة العالم ممن ينظر في أقوالهم وتعرض على الأدلة قبل أن يعمل بها أم هم من المعصومين الذين يوحى إليهم كالأنبياء والمرسلين فلا تحتاج أقوالهم لميزان يجيزها؟ فإذا فسرتم الآية بهم وقصرتموها عليهم نفيتم العصمة عنهم وإن أثبتم العصمة لهم لم يصح تفسيركم الآية بهم.
الخامس: ومما يؤكد ما تقدم من تقييد طاعة ولاة الأمر بما يوافق الشرع المطهر أن الله تعالى قال بعد ذلك:" فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" فأمر المسلمين بالرد عند التنازع إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم بالرد إلى أولي الأمر منهم، فلو كان أولوا الأمر من المعصومين لأمر المسلمين أن يردوا التنازع إليهم لأن الحق حينئذ سيكون عندهم ولا يتجاوزهم.
السادس: أن الله جل وعلا قال:" وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" ولم يقل من أهل بيت نبيكم، ففرق شاسع بين قول الله:" مِنْكُمْ" التي خاطب بها جميع المسلمين وبين "من أهل بيت نبيكم" التي يزعمها علماؤكم ومعمميكم المساكين.
السابع: إذا كانت الآية في أهل البيت في علي والحسن والحسين ومن ذكروا في تفاسيركم فلماذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه طائعا لأبي بكر وعمر وعثمان ولم يعرف عنه أنه نزع يدا من طاعتهم وخرج بالسيف عليهم يسترجع حقه وحق أهل البيت الثابت في القرآن، بل لماذا تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين؟. فإما أن يكون هؤلاء من أولي الأمر الذين أمروا بطاعتهم والسماع لهم وإما أن عليا وذريته كانوا من الجبناء أهل الخور الذين يسكتون عن الحق مخافة على أنفسهم؟.
وهذا حال سائر أدلتكم التي يستدل بها علماؤكم على الولاية والإمامة من القرآن الكريم وإن يسر الله سبحانه وتعالى سأفرد لها مقالة خاصة لبيانها وبيان عوارها.
التساؤل الثاني: هل من الإسلام وصف الأئمة بصفات الربوبية؟
- ثم هل من الإسلام يا شيعة العالم وصف الأئمة بصفات الربوبية التي لا تليق إلا برب البرية, ومن ذلك زعمكم أن عليا رضي الله عنه هو الذي يتولى حساب الخلائق أجمعين؛ وأن مآبهم كلهم إليه, وأن الصراط صراطه، والموقف موقفه، والحساب حسابه, فمن ركن إليه نجا, ومن خالفه هلك وهوى.
كما ذكر سليم بن قيس في كتابه ص854- 855 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي:" يا علي أنت مني وأنا منك. سيط لحمك بلحمي، ودمك بدمي. وأنت السبب فيما بين الله وبين خلقه بعدي. فمن جحد ولايتك قطع السب الذي فيما بينه وبين الله وكان ماضيا في الدركات.
يا عليّ، ما عرف الله إلاّ بي ثم بك. من جحد ولايتك جحد الله ربوبيته!
يا عليّ، أنت علم الله بعدي الأكبر في الأرض، وأنت الركن الأكبر في القيامة.
فمن استظلّ بفيئك كان فائزا، لأن حساب الخلائق إليك، ومآبهم إليك، والميزان ميزانك، والصراط صراطك، والموقف موقفك، والحساب حسابك. فمن ركن إليك نجا، ومن خالفك هوى وهلك، اللهمّ، اشهد اللهمّ اشهد" .
- وذكر أيضا في الكتاب نفسه ص859 قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي ديان هذه الأمة والشاهد عليها والمتولي لحسابها...." .
أين هذا مما جاء في كتاب الله من الآيات الدالة على أن الحساب يوم القيامة بيد الله، وأن الملك يومئذ من خصائص الإله، وأن المآل والمرجع إليه، وأن النجاة معلقة بتقواه سبحانه وطاعته جل جلاله، والله المستعان.
- وإليك أيها الشيعي الأدلة في ذلك ليظهر لك بطلان ما جاء في كتبكم وذكرته مروياتكم:
أ- لمن الملك يوم القيامة؟:
إن من العجائب والغرائب أن يضطر المرء إلى إقامة البراهين، على المعلوم بالضرورة من الدين، وأن يسوق الحجج والأدلة، على ما لا يشك فيه أحد من المسلمين العُقلا، ولكن لابد مما ليس منه بُدُّ، فقد شمرت عن ساقها فشدوا، اعلم أن ملك الله ليوم الدين وانفراده به سبحانه من الأمور التي لا يشك فيها قارئ لكتاب الله، مطلع على ما جاء في سوره وآياته، ومن أنكر ذلك فهو مكذب لله، راد لخبره، معرض عن علمه، معارض له سبحانه، فمما جاء من تقرير ذلك في كتاب الله قول الله تعالى:" يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)" [سورة الانفطار]. فنفى الله جل وعلا أن تملك نفس أيا كانت لنفس أيا كانت شيئا أيا كان ثم قرر جل وعلا أن الأمر يوم القيامة له وحده دون كل من سواه. ومثل ذلك قول الله تعالى:" فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا" [سورة سبأ: من الآية 42].
ومما جاء صريحا في أن الملك يومئذ لله وحده دون كل من سواه وأنه هو الذي يحكم فيه بين عباده جل جلاله وعظم سلطانه قول الله تعالى:" قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ" [سورة الأنعام: من الآية 73].
وقول الله تعالى:" الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)" [سورة الفرقان].
وقول الله تعالى:" الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56)" [سورة الحج].
ومن أوضح الأدلة الدالة على أن الملك يومئذ لله وحده سبحانه، لا شريك له فيه، وأنه القاهر يوم القيامة لعباده جميعهم، الحاكم بينهم، والمتصرف وحده سبحانه فيهم؛ قول الله تعالى:" يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)" [سورة غافر].
ومهما خفيت الحقائق الموجودة في كتاب الله على الهاجر له، البعيد عن علومه التي جاءت فيه، فإن هذه الحقيقة لا يمكن أن تخفى على مسلم متعلم، أو حتى على غير متعلم؛ لأنها جاءت في فاتحة الكتاب التي يحفظها المسلمون، ويعلم مضامينها المؤمنون، وهي أكثر السور المقروءة، وآياتها أقرب الآيات المفهومة؛ قال الله تعالى:" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)" [سورة الفاتحة].
ب- ولمن الحساب يوم القيامة؟:
ومن الغرائب أيضا أن نحتاج إلى أن نثبت أن الحساب يوم القيامة من خصائص الله، وأن كل الخلق إنسهم وجنهم ماثلون بين يديه، عانون لسلطانه، خائفون منه لعظمته، وأنه سيحاسبهم على كل شيء؛ على الصغيرة والكبيرة، والخفية والظاهرة؛ قال الله تعالى:" لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) " [سورة البقرة]. فقال في هذه الآية:" يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ" ما قال: يحاسبكم به علي رضي الله عنه.
ومما يدل على هذه الحقيقة الواضحة الجلية كثير من الآيات القرآنية:
قال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)" [سورة الصف].
يا شيعة العالم أتتركون كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى مرويات لا يستطيع علماؤكم إثباتها، لأنها جاءت بأسانيد غير متصلة تمكننا من معرفة درجتها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، ولذلك يستحيل عند من شم رائحة العلم الاعتماد عليها، لأنها مرسلة أو معضلة لا تقوم الحجة بها، بل هي مما يجب طرحه وعدم الوثوق به.
يا شيعة العالم هذه كتبكم التي بين أيديكم تبين حقيقة مذهبكم؛ لا نقول لكم اعرضوها على أحاديث أهل السنة الثابتة بالأسانيد المتصلة، والتي لا شذوذ فيها ولا علة، وإنما نقول لكم اعرضوها على كتاب الله سبحانه، وقارنوا بين ما جاء فيها من التقريرات وما جاء في كتاب الله من الآيات البينات، لتعلموا بُعْدَ دينكم عن دين رب العالمين، ومنافرته لما جاء به النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
___________
- ثم هل من الإسلام يا شيعة العالم زعمكم وادعاؤكم بأن أئمتكم يعلمون الغيب، وأنهم لا يحجب عنهم شيء من أمر السماء والأرض. كما جاء هذا في كتبكم، وطفحت به مروياتكم:
- فقد بوب الكليني في كتابه "الكافي" - الذي هو أصح كتاب عندكم- بابا زعم فيه هذا الزعم الخطير، وقال فيه هذا الكلام المبير؛ حيث قال ج1 ص155: باب:" إن الأئمة عليهم السلام يعلمون ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم".
ثم روى تحت هذا الباب عن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أنه قال: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَرَبِّ الْبَنِيَّةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ مُوسَى وَالْخَضِرِ لَأَخْبَرْتُهُمَا أَنِّي أَعْلَمُ مِنْهُمَا وَلَأَنْبَأْتُهُمَا بِمَا لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمَا لِأَنَّ مُوسَى وَالْخَضِرَ أُعْطِيَا عِلْمَ مَا كَانَ وَلَمْ يُعْطَيَا عِلْمَ مَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَقَدْ وَرِثْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) وِرَاثَةً.
أين هذا من الأدلة الكثيرة التي تدل على اختصاص الله بعلم الغيب يا شيعة العالم، وإليكم بعض ما جاء في كتاب الله مما يقرر هذه الحقيقة التي لا يشك فيها مسلم قارئ لكتاب الله، مصدق بما جاء فيه، يعتمد في دينه ومعتقده عليه:
أ- اختصاص الله عز وجل بعلم الغيب دون غيره:
- أين اعتقادكم هذا مما جاء في كتاب الله من نسبة علم غيب السموات والأرض لله وحده دون غيره، وأن ذلك مما قاله تعالى لملائكته، وكانت قصتهم مع آدم عليه السلام مؤكدة ذلك لهم زيادة على علمهم الذي كان مستقرا عندهم؛ قال الله تعالى:" قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)" [سورة البقرة].
- وأين اعتقادكم هذا مما جاء في كتاب الله سبحانه من التصريح بأن مفاتح الغيب عنده وحده سبحانه، لا يعلمها أحد معه؛ قال الله تعالى:" وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)" [سورة الأنعام].
- وأين اعتقادكم هذا مما جاء في كتاب الله من نسبة علم الغيب والشهادة لله سبحانه، وأنه الموصوف بذلك حقيقة دون غيره؛ قال الله تعالى:" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)" [سورة الأنعام].
وقال الله تعالى:" يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)" [سورة التوبة].
فمنها: ما قررت أن الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو أشرف الخلق وأعظمهم؛ ليس عليه إلا أن يبلغ الناس رسالة ربه، أما حسابهم فهو على الله سبحانه، فإذا كان الحساب منفيا عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم فهو منفي من باب أولى عمن هو دونه ولم يبلغ مكانته ومنزلته؛ قال الله تعالى:" وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)" [سورة الرعد]. ما قال: وعلى عليّ رضي الله عنه الحساب.
ويشبهها في وضوحها وبيان أن الرسل إنما عليهم بلاغ رسالة ربهم وأن حساب الخلائق بعد ذلك على خالقهم ومالكهم ما جاء في قصة نوح عليه السلام مما خاطب به قومه وردوا عليه ورد عليهم به قال الله تعالى:" قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115)" [سورة الشعراء]. فجعل حسابهم على الله وحده ولم يَدَّعِ أنه موكول إليه أو إلى غيره من أولياء الله ورسله فضلا أن يكون لعلي رضي الله عنه.
ومنها: ما جاء فيها أن الله سبحانه هو المحاسب لخلقه وأنه وحده الذي أحصى عليهم أعمالهم فيأتي بها جميعها ويجازيهم واحدا واحدا عليها، قال الله تعالى:" وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)" [سورة الأنبياء].
ويكفي أهل الإيمان، المصدقين بالقرآن، العالمين بأنه تنزيل من الرحيم الرحمان، في إثبات هذه الحقيقة، وَرَدِّ ما خالفها من الكلمات الممخرقة ، قول الله تعالى:" إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)" [سورة الغاشية].
والآيات في هذا المعنى كثيرة لا يشك فيها من قرأ كلام الله سبحانه، وكان مؤمنا به، موقنا بأخباره، مصدقا بما جاء فيه، فاعجب أيها المسلم السني من أقوام يقدمون على كتاب الله سبحانه أمثال هذه الروايات الموضوعات، والمرويات الواهيات؛ التي لا خطام لها ولا زمام، وإنما كلام ألقاه بعض الزنادقة على عواهنه، وصدقه من لا علم عنده، ولا عقل لديه.
ت- ولمن المآل والمرجع يوم القيامة ؟:
اعلم أن الآيات التي تثبت أن المآل إلى الله والمرجع إليه سبحانه كثيرة وعديدة؛ يعلمها أصحاب الأعين الجائلة في القرآن والأسماع المسترشدة والقلوب الشهيدة، ومنها قول الله عز وجل:" صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)" [سورة الشورى].
وقوله تعالى:" آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)" [سورة البقرة].
بل مَنْ مِنْ أهل العقول السليمة والفهوم المستقيمة الذي يضل عن هذه الحقيقة الواضحة بعد مجيئها بصيغة بينة صريحة في قوله تعالى:" إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)" [سورة الغاشية].
- ومثل هذه النصوص التي تذكر أن المصير إلى الله نصوص أخرى كثيرة، ويشبهها في تقرير هذه الحقيقة آيات جاء فيها أن المرجع والمآل إلى الله تعالى وهي كثيرة جدا، مثل قوله تعالى:" كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)" [سورة البقرة].
إذا كان الأمر كذلك وهو كذلك فكيف يأتي في مروياتكم يا شيعة العالم والتي تعتقدون مضمونها وتتيقنون من صدقها أن مآب الخلائق يوم القيامة إلى علي وأن حسابهم عليه وأن الصراط صراطه والموقف موقفه مع أن الآيات في أن ذلك من خصائص الله كثيرة وواضحة؟
- والجواب أن هذا بسبب فرط جهل واضعي مروياتكم وغلوهم في الإمامة التي اتخذوها أصلا من أصولهم يوالون عليها ويعادون من أجلها.
- ثم أين تعليقكم النجاة يوم القيامة بالركون إلى علي مما جاء في كتاب الله من تعليقها - أي النجاة- بالتقوى والإيمان والعمل الصالح وهاك الأدلة على ذلك:
1- قال الله تعالى:" وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)" [سورة مريم].
2- قال الله تعالى:" وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)" [سورة الزمر].
- وأين اعتقادكم هذا مما جاء في كتاب الله من قصر علم الغيب عليه سبحانه دون كل من سواه جل جلاله؛ قال الله تعالى:" وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)" [سورة يونس].
وقال الله تعالى:" وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)" [سورة هود].
- بل أين اعتقادكم هذا من كتاب الله الذي جاء فيه صريحا نفي علم الغيب عن كل من في السموات والأرض، وأن ذلك من خصائص الله سبحانه التي لا تليق بأحد سواه؛ قال الله تعالى:" قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)" [سورة النمل].
ب- الملائكة لا يعلمون الغيب بصريح القرآن:
- ومما يدل على أن علم الغيب من خصائص الله التي لا يوصف بها غيره ما جاء في كتاب الله من نفيه عن ملائكته، وهم من أكرم خلقه عليه، وأعظمهم منزلة عنده، وقربا منه، وطاعة له، وعندهم من علوم الغيب التي أطلعهم عليها ما لم يطلع عليها غيرهم، ولا عرفها سواهم:
- قال الله تعالى نافيا علم الغيب عمن في السموات والأرض والملائكة داخلون فيهم عليهم السلام:" قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)" [سورة النمل].
- ومما يدل على أن الملائكة لا يعلمون الغيب ولا يمكنهم أن يطلعوا على بعضه إلا بإذن الله سبحانه قصتهم مع أسماء الأشياء التي أخفاها الله عنهم، وعلمها آدم دونهم، فلما سألهم عنها، وأمرهم بأن ينبئوه بها؛ اعترفوا بعجزهم وأنهم لا علم لهم إلا ما علمهم ربهم وولي نعمتهم؛ قال الله تعالى:" وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)" [سورة البقرة].
ت- الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون الغيب:
- ومما يدل على أن علم الغيب من خصائص الله التي لا يوصف بها غيره ما جاء في كتاب الله من نفيه عن رسله، وهم من أكرم خلقه عليه، وأعظمهم منزلة عنده، وقربا منه، وطاعة له، وعندهم من علوم الغيب التي أطلعهم عليها ما لم يطلع عليها غيرهم، ولا عرفها سواهم:
- قال الله تعالى نافيا علم الغيب عمن في السموات والأرض والرسل داخلون فيهم عليهم الصلاة والسلام:" قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)" [سورة النمل].
- ومما يدل على عدم علم الرسل عليهم السلام الغيب وأنه من خصائص الله سبحانه؛ نفيهم علم ذلك عن أنفسهم، ونسبتهم علمه إلى ربهم، وذلك حين يسألهم سبحانه وتعالى يوم القيامة عن إجابة أممهم؛ قال الله تعالى:" يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)" [سورة المائدة].
- ومما يدل على عدم علم الرسل عليهم السلام الغيب وأنه من خصائص الله سبحانه؛ وأنهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله سبحانه إياه، وأن ما استأثر الله جل جلاله بعلمه لا يمكنهم أن يعلموه، ولا أن يطلعوا عليه، ما يخاطب به عيسى عليه السلام ربَّه يوم القيامة؛ قال الله تعالى:" وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)" [سورة المائدة].
- ومما يدل على عدم علم الرسل عليهم السلام الغيب وأنه من خصائص الله سبحانه؛ ما جاء في قصة نوح عليه السلام مع قومه، إذ خاطبهم نافيا عن نفسه كل ما لا يليق به، ومن ذلك علم الغيب الذي هو من أوصاف الله وحده جل جلاله وتقدست أسماؤه؛ قال الله تعالى:" وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)" [سورة هود].
- ومن ذلك ما خاطب به نوح عليه السلام قومه الذين جادلوه في أتباعه وطلبوا منه أن يطردهم عن مجلسه إن كان يريد أن يؤمنوا به؛ قال تعالى:" قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115)" [سورة الشعراء]، فنفى عليه السلام علمه بعملهم ولذلك وكل أمرهم إلى ربهم العالم بخباياهم وجميع أمورهم.
ث- بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب:
- ومما يدل على أن علم الغيب من خصائص الله التي لا يوصف بها غيره؛ ما جاء في كتاب الله من نفيه عن أكرم خلقه عليه، وأعلمهم به، وأقربهم منه، وأعظمهم منزلة عنده، وأكبرهم شرفا لديه، من أطلعه الله سبحانه من علوم الغيب على ما لم يطلع عليها غيره، ولا علمها لسواه وهو محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه:
وبيان ذلك من عدة وجوه:
- الوجه الأول: أمر الله له أن يبلغ الناس أنه لا يعلم الغيب:
- فمما يدل على عدم علم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الغيب وأن ذلك من خصائص الله سبحانه التي لا يشركه فيها غيره، أن الله تعالى أمره صلى الله عليه وسلم أن يُطلع الناس على منزلته، ويُخبرهم بحقيقته؛ وأنه لا يدعي علم الغيب والإحاطة به، وإنما هو رسول من عند الله لا يعلم مما غاب عنه ويُخْبِرُ به غيره إلا القدر الذي أطلعه عليه مولاه وأخبره به خالقه؛ قال الله تعالى:" قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)" [سورة الأنعام].
- ومما يدل على عدم علم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الغيب وأن ذلك من خصائص الله سبحانه، الحجة التي لقنها الله نبيه في كتابه، والتي ينفي بها علم الغيب عن نفسه، ويثبته لله وحده، وهي: أنه لو كان عليه الصلاة والسلام يعلم الغيب لظهر ذلك عليه في حياته، من استكثارٍ من الخير وما كان بكثيره، وتجنبٍ للسوء والشر وقد أصابه منه ما أصابه؛ قال الله تعالى:" قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)" [سورة الأعراف].
- الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما أوحى الله به إليه:
ومما يدل على أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا بقدر ما يطلعه عليه الله سبحانه، ويعلمه به جل جلاله؛ ما قرره الله جل وعلا في القرآن الكريم من عدم علم نبيه بكثير من قصص الأنبياء المتقدمين، والصالحين السالفين، وأنه لم يعلم من أفرادها إلا بقدر ما أطلعه الله عليه منها: قال الله تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)" [سورة غافر].
وقال الله تعالى:" ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)" [سورة آل عمران].
هذا الكلام قاله الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في سياق قصة مريم عليها السلام.
وقال الله تعالى:" تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)" [سورة هود].
هذا الكلام قاله الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد أن قص عليه قصة سيدنا نوح عليه السلام.
وقال الله تعالى:" ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)" [سورة يوسف]، هذا قاله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن قص عليه نبأ إخوة يوسف وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام، كما قاله الإمام ابن كثير في تفسيره فراجعه غير مأمور.
- الوجه الثالث: ما ثبت في بعض الأحاديث من وقائع وأحداث وقعت في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم يطلع عليها ولم يعلم بأمرها مما يدل صراحة على عدم علمه الغيب:
1- حديث عائشة المتفق على صحته في سبب نزول آية التيمم وهو: عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْض أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي؛ فَأَقَام رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ؛ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقولَ، وَجَعَلَ يطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَتَيمَّمُوا؛ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبي بَكْرِ قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ" [رواه البخاري ومسلم أنظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ( لمحمد فؤاد عبد الباقي ) الحديث رقم 206].
2- ومثل قصة الإفك فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلم براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلّا بعد نزول القرآن ببراءتها في آيات تتلى في سورة النور، [ومن أراد الاطلاع على حديث الإفك فليرجع إلى كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان فهو مذكور هنالك تحت رقم 1763].
ج- الجن لا يعلمون الغيب أيضا:
- ومما يدل على أن علم الغيب من خصائص الله التي لا يوصف بها غيره ما جاء في كتاب الله من نفيه عن الجن، الذين كانوا يتوهمون في أنفسهم ويوهمون غيرهم أنهم على علم به، وأنهم يمكنهم الاطلاع عليه، حتى فسدت عقائد كثير من الناس بسببهم، وظنوهم يعلمون الغيب جراء بعض الوقائع والأحداث التي تحققت على وفق أقوالهم وأخبارهم، وما هي إلا نتيجة استراقهم السمع في السماء واختطافهم من أهلها الكلمة، التي يزيد عليها الكهنة مائة كذبة:
- قال الله تعالى نافيا علم الغيب عمن في السموات والأرض والجن داخلون فيهم:" قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)" [سورة النمل].
- ومما يدل على أن الجن لا يعلمون الغيب وأنه من خصائص الله التي لا يشركه فيها غيره سبحانه، قصتهم مع سليمان عليه السلام حيث مكثوا في العذاب المهين بين يديه، خاضعين له، وهو ميت لا يدرون بموته، إلى أن أكلت الأرضة عصاه فتسبب ذلك في سقوطه؛ فعلموا حينها أنه قد مات، وتأكدوا والناسُ جميعا أنهم لا علم لهم بالمغيبات؛ قال الله تعالى:" فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)" [سورة سبأ].
- ومما يدل على أن الجن لا يعلمون الغيب وأنه من خصائص الله التي لا يشركه فيها غيره سبحانه، تصريح بعضهم بأنهم لا يدرون الغاية التي من أجلها أرسل الله الشهب عليهم، وصدهم بها عن استراق السمع ومنعهم؛ قال الله تعالى:" وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)" [سورة الجن].
ح- الناس جميعا لا يعلمون الغيب:
- ومما يدل على أن علم الغيب من خصائص الله التي لا يوصف بها غيره ما جاء في كتاب الله من نفيه نفيا عاما عن جميع خلقه، ونفيا خاصا يتعلق ببعض عباده:
وبيان ذلك من عدة وجوه أيضا:
- الوجه الأول: دلالة صريح القرآن على ذلك:
- قال الله تعالى نافيا علم الغيب عمن في السموات والأرض والناس جميعا داخلون فيهم:" قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)" [سورة النمل].
- ومما يدل على أن الغيب من خصائص الإله التي لا يُطلع عليها أحدا من خلقه إلا من ارتضى من رسله يخبرهم منه بما أراد معجزة لهم وبيانا لصدقهم قول الله تعالى:" مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)" [سورة آل عمران].
- الوجه الثاني: إنكار الله تعالى على من تكلم في أهل الكهف وعددهم بلا علم منه سبحانه:
- ومما يدل على اختصاص الله بعلم الغيب دون سائر خلقه ما قصه علينا في محكم تنزيله من اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف وكيف أنكر الله عليهم قولهم وكلامهم بلا علم يأتيهم من عنده سبحانه؛ قال الله تعالى:" سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)" [سورة الكهف].
- الوجه الثالث: تقرير عدم علم البشر بالغيب عن طريق الاستفهام الإنكاري الذي يظهر عجزهم ويقيم الحجة عليهم:
- ومما يدل على عدم علم الناس بالغيب الاستفهام الإنكاري الذي خاطبهم به وعجزهم بإيراده عليهم، قال الله سبحانه مخاطبا الجمع منهم:" أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)" [سورة الطور].
وقال الله تعالى:" أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)" [سورة الطور].
وقال الله تعالى:" أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)" [سورة القلم].
وقال تعالى متحدثا عن بعضهم:" أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)" [سورة مريم].
وقال الله تعالى:" أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35)" [سورة النجم].
خ- بيان انفراد الله تعالى بعلم الغيب مع اطلاعه رسله ببعضه معجزة لهم ودلالة على صدقهم وصحة دعوتهم:
1- قال الله تعالى:" عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)" [سورة الجن].
2- قال الله تعالى:" مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)" [سورة آل عمران].
الخلاصة:
- إذا كان الملائكة عليهم السلام والرسل عليهم الصلاة والسلام بما فيهم رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلمون من الغيب إلا القدر الذي يطلعهم عليه الله سبحانه وتعالى، فكيف يدعي يا شيعة العالم علماؤكم، وفي كتبكم المعتمدة عندكم؛ أن أئمتكم يعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن إلى قيام الساعة، وأنه لا يخفى عليهم الشيء؟وأكثر من ذلك كيف يدعي لكم علماؤكم مثل هذا الكلام يا شيعة العالم وتصدقون به، وتعتقدونه، ولا تشكون فيه؛ مع أنكم تُخبرون بل وتعتقدون أن الحسين رضي الله عنه قد قتله أعداؤه، وغدروه ونكلوا به وبأهله؟ فلو كان يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى قيام الساعة فلماذا لم يحترس من أعدائه، ولم يعلم بمصيره الذي ينتظره؟ وحينئذ لو كان يعلم ذلك لتفادى الذي وقع له، وتجنبه ما أمكنه، وهذه من فوائد العلم بالغيب التي قرر بذكرها الله سبحانه أن نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يعلمه حيث قال:" وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ" [سورة الاعراف من الآية 188].
إذا فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرر للناس بأمر ربه، أنه لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير ولم يمسه السوء؛ وهذا واضح لأنه إذا علم أن هذا الأمر يأتيه من قبله الخير استكثر منه، واجتهد فيه، وإذا علم أن ذاك الأمر يأتيه من قبله الشر تفاداه، وتجنبه ما أمكنه.
فكيف تدعون أن أئمتكم يعلمون الغيب ومع ذلك يحل بهم الشر، ويعزب عنهم الخير، ومن ذلك أن تعزب الخلافة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أحق بها في زعمكم، بل تعزب عن سائر أئمتكم، وهذا يدل أنهم لم يعلموا طرق تحصيلها التي علمها -كما تزعمون- أعداؤهم، وسلكها محققا لها من لا يعلم الغيب كعلمهم.
والله إني لأتعجب منكم كيف تعتقدون مثل هذه الترهات، وتصدقون بمثل هذه الخرفات، والله قد ذكر في القرآن ما ينقضها ويبين عوارها فيبطلها؟.
- فمما لا شك فيه أن ادعاء علمائكم أن أئمتكم يعلمون الغيب هو من أعظم الافتراء على الله تعالى، والكذب على خلقه والله المستعان.
- فإذا تبين هذا فاعلم أن كل من ادعى علم الغيب - والذي هو من خصائص الله - في نفسه أو في غيره فهو كافر خارج عن ملة الإسلام الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام.
- يقول العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله [في شرح الثلاثة الأصول للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ص153- 154] : الغيب ما غاب عن الإنسان وهو نوعان: واقع ومستقبل.
- فغيب الواقع نسبي يكون لشخص معلوما ولآخر مجهولا.
- وغيب المستقبل حقيقي لا يكون معلوما لأحد إلَّا الله وحده أو من أطلعه عليه من الرسل، فمن ادعى علمه فهو كافر لأنه مكذب لله عز وجل ولرسوله، قال الله تعالى:" قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)" [سورة النمل].
- وإذا كان الله عز وجل يأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلاّ الله، فإن من ادعى علم الغيب فقد كذّب الله عز وجل ورسوله في هذا الخبر.
- ونقول لهؤلاء كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؟ هل أنتم أشرف أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فإن قالوا نحن أشرف من الرسول كفروا بهذا القول، وإن قالوا هو أشرف فنقول لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم تعلمونه؟ وقد قال الله عز وجل عن نفسه:" عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)" [سورة الجن]، وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلن للملأ بقوله:" قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ" [الأنعام: من الآية 50].
________
- ثم هل من الاسلام يا شيعة العالم تفضيلكم لأئمتهم على سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، وهذا موجود في كتبكم ومروي في مصادركم المعتمدة عندكم وثابت عن علمائكم المعظمين لديكم:
- قال عبد الله شبر في "حق اليقين" ج1 ص209:" يجب الإيمان بأن نبينا وآله المعصومين أفضل من الأنبياء والمرسلين ومن الملائكة المقربين، لتضافر الأخبار بذلك وتواترها".
- وقال إمامكم الخميني في "الحكومة الإسلامية" ص52:" فإن للإمام مقاما محمودا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل".
- وقد عقد الحر العاملي في كتابه "الفصول المهمة" بابا بعنوان: الأئمة الإثنا عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة.
ثم ذكر جملة من روايات منها ص102:
عن جعفر الباقر أنه قال:" إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يعلمهم، وعلمنا علم الرسول وعلمهم".
- كيف تعتقدون هذا يا شيعة العالم مع أن فضل الأنبياء على غيرهم من بني البشر معلوم من الدين بالضرورة، ولا يعتقد خلافه إلا الزنادقة من أهل الملل الكافرة.
يا شيعة العالم أتصدقون كلام علمائكم ومعمميكم أم كلام ربكم وخالقكم حيث يقول جل وعلا في كتابه:" وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)" [سورة الأنعام].
ويقول سبحانه:" اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)" [سورة الحج]. فكيف يقدم غيرهم عليهم وهم صفوة الله الذين اختارهم على كل من سواهم؟.
- ثم إن الله عز وجل رتب في كتابه المنعم عليهم من عباده على أربع مراتب، وجعل أولها وأعلاها مرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث قال سبحانه:" وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)" [سورة النساء].
فأقول لكم يا شيعة العالم أين ذكر الأئمة في هذه الآية وهي قد اشتملت على مراتب المنعم عليهم، وحددتهم ولم تتجاوز جنسا منهم، بل أين ذكر الأئمة في كتاب الله بأكمله الذي حوى العلم برمته؟
يا شيعة العالم ألم يخطر ببالكم ولم يمر بخاطركم هذا السؤال المهم وهو: كيف لم يغفل الله سبحانه في كتابه ذكر الطهارة والصلاة والبيع والشراء والمداينة والصيد وغيرها ويغفل ما لا يصح الإيمان إلا به، ولا ينجو الإنسان إلا باعتقاده؟ أفلا يدعوكم هذا إلى الريبة في أقوال علمائكم، والشك في مضامين مروياتكم؟.
يا شيعة العالم اعلموا أنه لما أقضت هذه الحقائق مضاجع علمائكم وقلقلت أفكار معمميكم قالوا بتحريف القرآن؛ وهي الطامة الكبرى التي سيأتي الكلام عليها بإذن الملك الديان والله المستعان.
___________
- ثم هل من الإسلام يا شيعة العالم ادعاؤكم أن الأئمة عندكم إذا شاؤوا أن يعلموا أمرا علمهم الله إياه، وصاروا بإرادتهم من الملمين به والعارفين بحقيقته، وهذا ما جاء في كتبكم المعتمدة عندكم ومروياتكم التي تُروى عن أئمتكم:
- فقد بوب الكليني في كتابه "الكافي" الذي هو أصح كتبكم بابا زعم فيه هذه المزاعم، وقرر فيه هذا الحكم الظالم، حيث قال: باب أن الأئمة عليهم السلام إذا شاؤوا أن يعلموا عُلِّمُوا.
- ثم روى تحته روايات تقرر مضمونه وتحقق مفهومه وهي: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَعْلَمَ عُلِّمَ.
- وعنه أنه قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَعْلَمَ أُعْلِمَ.
- وعنه أنه قَالَ: إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَعْلَمَ شَيْئاً أَعْلَمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ.
أين هذا من كتاب الله سبحانه، ودين النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء به، أليس فيكم يا شيعة العالم رجل رشيد يقرأ كلام الله ويتدبر في معانيه، ليعلم أن مثل هذه العقائد تناقضه، وتخالف علومه التي جاءت بها آياته، ألم يعلم واضع هذه الفرية التي ما فيها مرية أن هذا النوع من العلم لا يحصل لإنسان - مهما كان – بمشيئته، وإنما يحصل له بمشيئة ربه؟
قال الله تعالى في أعظم آية في كتابه:" وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ" [سورة البقرة من الآية 255]، فهل قررت الآية أن العلم لا يحاط بشيء منه إلا إذا شاء الملك العلام أم إذا شاء المسمى بالإمام؟.
ثم من المعلوم من خلال كتاب الله أن مشيئة الناس داخلة تحت مشيئة الله تابعة لها؛ فلا يشاء العبد إلا إذا شاء ربه، ولا يريد إلا إذا أراد مولاه؛ قال الله تعالى:" وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)" [سورة الإنسان].
وقال تعالى:" وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)" [سورة التكوير].
أما رواياتكم التي تقدم ذكرها وسوق ألفاظها فهي تقرر أن مشيئة الله تابعة لمشيئة أئمتكم، خاضعة - والعياذ بالله - لمراد المعصومين عندكم، فخبر من تصدقون ومع من تميلون؟ أمع كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أم مع مروياتكم الموضوعة والمكذوبة قطعا على ألسنة أئمتكم؟
وحتى لو كنتم تدينون لله بها فما هو موقفكم منها إذا عارضت كتاب الله وناقضت مضامينه أنبئوني بعلم إن كنت صادقين؟
اعلموا يا شيعة العالم أن عقائد أهل السنة مبناها على كلام الله سبحانه والأحاديث الثابتة التي لا تخالف مضامينه، أما عقائدكم فهي مبنية على مروياتكم التي تناقض كتاب الله، وتعارض ما جاء فيه، فأي الفريقين أولى بالحق إن كنتم صادقين؟
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يتبع......وكتبه:
أبو عبد السلام عبد الصمد سليمان
يوم الثلاثاء: 07 ربيع الأول 1441هــ
05 / 11 / 2019م
أبو عبد السلام عبد الصمد سليمان
يوم الثلاثاء: 07 ربيع الأول 1441هــ
05 / 11 / 2019م
تعليق