<بسملة1>
من إرهاصات معرض الكتاب الدولي
«حادثة عمر الحاج مسعود»
(إذا لم يمنع العلم صاحبه من الانحدار، كان جهل ابن البادية علماً خيراً من علمه)
من إرهاصات معرض الكتاب الدولي
«حادثة عمر الحاج مسعود»
(إذا لم يمنع العلم صاحبه من الانحدار، كان جهل ابن البادية علماً خيراً من علمه)
فإنّ مما يحزن النفس ويدمي القلب، ما حلّ برجال المجلّة؛ من تدني المستوى في أسلوب الخطاب والإقناع، وغياب الحجّة وفقد المحجّة، وما هذا الحال إلا أثر من آثار التهميش -وإن أنكروه لغة واستعمالا- الذي ترى أبهى صُوَرِه في أروقة الصالون الدولي للكتاب هذه الأيام، وفيها كانت وقائع هاته الحادثة وذلك ليلة الأمس في أحد أجنحة المعرض -ولك أن تتصور معي -أخي الكريم- المشهد بتفاصيله-:
وذلك لما اقتحم عمر الحاج مسعود -أصلحه الله- أحد أجنحة المعرض -دار المنهاج- ليتخطى الصفوف، قاصدا شيئا على الرفوف، ثم يتفاجأ به المسؤول على الجناح واقفا أمامه؛ وهو رافع شرح متن الورقات لعبد الله الفوزان وهو في قمة غضبة، وأوجّ انفعاله، وقال له بعبارة قوية سريعة مترددة: «آه.... تبيعون كتب المبتدعة؟! همّكم المادة -الدراهم- فقط..»
ومُعرِضًا عن الكلام على صاحب المتن -الورقات الجويني- وهو أولى بالنكير والاعتراض -على مذهبهم-!!
ومعرًّضا في ذلك بالشيخ أزهر سنيقرة -حفظه الله- لأنه يعلم كون هذا الجناح تشرف عليه مكتبة القدس للكتاب.
فهذه عيِّنة من أساليب مشايخ القوم، بل من أعقلهم وأحسنهم سمتا وأدبا -على حد تعبيرهم-!!
والكتاب المشار إليه؛ مثالٌ على غيره من الكتب التي يلبِّس بها القوم على الناس في مسألة بيع الشيخ أزهر لكتب البدع، وقد غفلوا أو تغافلوا عن الجهود المبذولة للمكتبة في نشر كتب السنة والتوحيد، واللغة والتفسير وغيرها من كتب الأئمة والعلماء مما لا تكاد تجده في جناح من أجنحة المعرض ولله الحمد والمنة أولا وأخيرا.
ولن نتكلم في هذا الموضع بلغة العلم، لنرجع إلى التحدث بها لاحقا، بل نخاطبهم باللغة التي يفهمونها ويلزمون بها غيرهم -وهي لغة التقليد والتعصب- وذلك لما نعلمهم بأنّ العلماء الكبار ينصحون بشروح الشيخ عبد الله الفوزان منهم الشيخ العلامة عبيد بن عبد الله الجابري -حفظه الله-، فهل أنت راجع إلى قول الشيخ عبيد معتذر عما بدر منك، أم أنّ الشيخ عبيد كغيره من العلماء يصيب ويخطئ؛ ولعله أخطأ في هذه المسألة، وذلك أنّ الشيخ -حفظه الله- سئل:
ما هى الكتب التى تقترحونها لطالبِ علمٍ مبتدئ في أصول الفقه؟
أجاب -حفظه الله-: اعلم أنت، وليعلم كل مسلمٌ ومسلمة كانوا مبتدئين في طلب العلم أن أصول الفقه لاتصلح مطالعته، مُطالعةً فردية بل لابد من قراءته على شيخ حاذق في هذا العلم، وأنا لستُ متخصصاً في أصول الفقه، وإن كنت درسته بالمعهد الثانوي بالجامعة يوم كنت مدرس هناك سبع سنوات أوثمان سنوات، والذى يظهر لي حتى الساعة ثلاثةُ كتب:
أحدها: شرح الورقات للشيخ عبد الله الفوزان أظنه من أهالى بُريدة.
والثانى: تسهيل الأصول، للشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ عطية بن محمد سالم - رحمه الله - ومعهما رجل آخر.
والثالث: الأصول من علم الأصول للشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -»
ودونك رابط الفتوى من موقع ميراث الأنبياء «/https://miraath.net/ar/content/fatawa/8882325»
فجعل الشيخ عبيد هذا الشرح من ثلاث كتب يعتني بها طالب العلم المبتدئ وقد نصح الشيخ وهو أهل لذلك.
وفي صوتية أخرى يقول الشيخ عبيد عن شرح عبد الله الفوزان على الورقات أنه شرح جيد.
وعودا إلى لغة العلم التي لا يحول بينها وبين معرفة الحق إلا التعصب والهوى، ننقل لك كلاما للشيخ العلامة عبيد بن عبد الله الجابري -حفظه الله- كذلك؛ حين أجاب مفصلا عن سؤال وجّه إليه:
إذا اضطر طالب العلم أن ينقل عن كتب أهل العلم أو الأخذ عنهم، فما الضوابط الشرعية عند علماء السنة والتوحيد في هذا؟ فأجاب:
كتب أهل العلم إن كانوا أعني مؤلفي هذه الكتب ممن هم على السنة فليس في الأمر عندي إشكال، إلا أنه عليه أن يتخير العبارات الواضحة التي يفهمها الناس، يفهمها المخاطبون، وأن يختار في نقله عبارات تناسب الحال والمقال، أما إن كان المنقول عنهم من أهل البدعة فإن الأمر يختلف وليس على وتيرة واحدة ولهذا قسم الأئمة كتب المبتدعة إلى ثلاثة أصناف:
أحدها: ما كان بدعة خالصا وليس فيه سنة أو فيه نزر يسير من السنة فهذا لا يحل النظر فيه إلا لعالم متمكن يريد أن يرد على القوم من كتبهم، ومن أمثلة هذا الصنف كتب الرافضة كالكافي وأصول الكافي وفصل الخطاب.
الثاني: ما كان خليطا فيه سنة وبدعة، قالوا فلا يحل النظر فيه إلا لعالم متمكن يميز الصحيح من السقيم والفاسد من الصالح والحق من الباطل فإنه يحل له، لأنه قادر على التمييز يعرف ماذا ينقل من الحق، وأرى ألا يكثر فإنه إذا أكثر وشاع ذلك وانتشر فإنه يؤدي إلى الخلط....... [وبمثل هذا شغب القوم على الشيخ فركوس -حفظه الله- في بعض نقولاته التي تضمنتها كتبه ورسائله]
الثالث: من كان خاليا من البدعة، صاحبه ليس له هم في نشر بدعه والدعوة إليها ........ ولم يضمنه شيئا من بدعه وانحرافاته فهذا الأمر فيه واسع.
فمن أمثلة الصنف الثاني" الكشاف" للزمخشري ....... هذا معتزلي جلد، لكن العلماء ينقلون منه في المعاني وفي اللغة ينقلون منه شواهد، والثالث لا أستطيع أن أقول جازما، لكن لعل منه أقول لعل منه ترتيب أبي غدة لسنن النسائي، فأبو غدة صوفي محترق بل هو كوثري هذا العصر نعم، عدو لأهل السنة، نعم. أحسن الله إليكم وبارك فيكم»
ومن لغة العلم التي يحسن إيرادها؛ ما يُفهم من كلام الشيخ وغيره من كلام أهل العلم وصنيعهم، من التأصيل لأمر مهمّ طالما شغب به المشغبون وهو أنَّ النظر في الكتاب لا يكون إلى المؤلِّف فحسب، بل يكون إليه من جهة، وإلى التأليف والمؤلَّف من جهة أخرى، لأننا نجد كثيرا من كتب أهل العلم المتقدمين والمتأخرين ممن تلبَّسوا بشيء من المخالفات والأخطاء بله العظائم والطّامات، لكن لم يمنع ذلك من الاستفادة من كتبهم، بل مازال طلبة العلم والعلماء يتناقلونها ويستفيدون منها جيلا عن جيل -إلا ما عرف عن الحدادية من عدم تحليلهم النظر في كتب ابن حجر والنووي وغيرهما-، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ولك أن تنظر في كتب اللغة والقراءات وكتب الأصول وكتب الفقه وكتب شروح الحديث وهكذا مما لا يستطيع أن يستغني عنه طالب علم أصلا.
مع أنه لا يمكن أن ننكر من أنه إذا وجد في كتب وشروح أهل السنة ما يلبي الحاجة ويحقق المقصود فالاعتناء به أولى وأسلم، ولا يمنع من الاستفادة من غيرهم بالتفصيل الذي ذكره العلماء، ولعل صاحب الحادثة -عمر الحاج- يكفينا المؤنة ويحقق لنا الرغبة، ويجعل لنا لكل متن شرحا، ولكل مسألة بسطا، ولينتبه من أن يُغفِل أمرًا مهما في التأليف؛ وهو أنَّ القَبول بيد من لا تخفى عليه النّقول، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره زال واضمحل، وحوادث التاريخ شاهدة على ذلك، فمما نقله ابن عبد البر في التمهيد قصة تأليف مالك لموطأه فقال: «قال المفضل بن حرب: أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون: عمله كلاماً بغير حديث، فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار ثم شددت بالكلام، ثم عزم على تصنيف الموطأ فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله؟ فقال: ايتوني به فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى. قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار»
حتى قال الذهبي: «وإن للموطأ لوقعا في النفوس، ومهابة في القلوب لا يوازنها شيء...»
فبمثل هذه المعاني وغيرها خرجت كتب شيخ الإسلام من سجنه في القلعة التي كان فيها، وشع نورها في أقطار الأرض جميعا، وتناقلتها أجيال طلبة العلم جيلا بعد جيل وأولوها العناية والاهتمام، فما وقع هذا الاسم -ابن تيمية- على كتاب إلا سارع الناس لاقتنائه.
ومما يجدر التنبيه عليه في مثل هذا المقام -والكلام يجر بعضه بعضا- ما تعلق بمسألة تحقيق المخالفين -بمختلف أنواعهم- ممن عُرِفوا بجودة التحقيق والبراعة في هذه الصنعة -بغض النظر عن مقاصدهم في ذلك ودوافعهم-، وعملهم على كتب العلماء والأئمة، فإن المقصود من الكتاب لمقتنيه بالدرجة الأولى هو كلام الإمام، ومدى صحة النص المنسوب إليه، لا تحقيق المحقق، وتخريج المخرج -وإن كان مما يعتنى به فرعا- كتحقيقات بشار عواد مثلا على كتب الإمام الذهبي وغيره من المحققين.
ولعلي أزيدك من الشعر بيتا ومن العلم كأسا؛ من أنّ بعض كتب الأئمة قام بالعمل عليها ممن ليسوا على ديننا أصلا! كصنيع الأوربيين والمستشرقين وتحقيقهم لكثير من كتب التراث الإسلامي كتاريخ الطبري والتاريخ لابن الأثير وطبقات ابن سعد وغيرها كثير من كتب اللغة والأدب والفقه وغيرها، فهل نتَّهِم من يعتني بهاته الكتب سواء بالاقتناء أو البيع والشراء أو النظر والمطالعة فيها؛ بما عليه دين المحقق ومذهبه؟!
وعليه فالعدل مطلوب حتى مع المخالف، والظلم مردود وإن كان من شيخ عارف، وما هذه إلا نفثة مصدور وأنَّات مقرور، جادت بها الأنامل والسطور، إجلاء لبعض الغبش، ورفعا للظلم والافتراء الذي يتعرض له حماة التوحيد والسنة، حفظهم ربي من كل سوء وبلاء، ودفع عنهم كيد الظَّلَمة والأعداء.
والحمد لله رب العالمين.
كتبه محب الخير وأهله
يوم الاثنين 03 من شهر ربيع الأول 1441
كتبه محب الخير وأهله
يوم الاثنين 03 من شهر ربيع الأول 1441
تعليق