إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

زَجْرً البُلدَاء عَنِ الطَعنِ فِي العلَمَاء... [الحلقة الأولى]

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • زَجْرً البُلدَاء عَنِ الطَعنِ فِي العلَمَاء... [الحلقة الأولى]

    <بسملة1>

    زَجْرُ البُلدَاء عَنِ الطَّعنِ فِي العُلَمَاء

    (الحَلقَة الأُولَى)

    اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

    فَإِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الْمُؤْسِفَةِ الْمُحْزِنَةِ، وَالْمَكَائِدِ الْمُخْزِيَةِ الْمُسْتَهْجَنَةِ، اِلْتِفَافَ فِئَامٍ مِنَ الْكَائِنَاتِ الْمُشَوَّهَةِ رُوحِيًّا، وَتَدَاعِيَ شَتَاتٍ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الْمَرِيضَةِ نَفْسِيًّا، لِتَنْسُجَ فِي خَيَالِ الظُّلُمَاتِ، وَتُخَطِّطَ فِي دَهَالِيزِ التَّنْظِيمَاتِ، قَوَاعِدَ مُهْتَزَّةً مِنْ إِيحَاءَاتِ أَهْوَائِهِمْ، وَأُسُسًا مُتَهَاوِيَةً مِنْ إِمْلَاءَاتِ أُمَرَائِهِمْ، هَدَفُهَا إِرْهَابُ أَهْلِ الْحَقِّ، وَتَخْوِيفُ أَهْلِ الصِّدْقِ، بِمُحَاوَلَاتٍ يَائِسَةٍ لِزَلْزَلَةِ الثَّوَابِتِ الرَّاسِيَةِ، وَمُشَاكَسَاتٍ فَاشِلَةٍ فِي تَغْيِيرِ الْأُصُولِ الرَّاسِخَةِ.
    وَمِنْ بَيْنِ تِلْكُمُ الْأُصُولِ الَّتِي حَاوَلُوا زَعْزَعَتَهَا لِخَسْفِهَا، وَرَامُوا زَلْزَلَتَهَا لِنَسْفِهَا، أَنَّهُ: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ رَادٌّ أَوْ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، إِلَّا الْمَعْصُومُ – عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ -»، فَجَنَّدُوا فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ غِلْمَانَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ، وَحَشَدُوا أَخْدَانَهُمْ وَخِلَّانَهُمْ، فَتَمَحَّضَتْ بَعْدَ طُولِ بَحْثٍ وَعَنَاءٍ، فِي مَصَانِعِهِمُ الْمُتَطَوِّرَةِ الَّتِي تُنْتِجُ الْعُلَمَاءَ؛ قَوَاعِدٌ عَرْجَاءُ، وَأُسُسٌ عَوْجَاءُ، فَضَحُوا بِهَا أَنْفُسَهُمُ الْغَوِيَّةَ، وَأَضْحَكُوا عَلَيْهِمْ أَصْحَابَ الْعُقُولِ السَّوِيَّةِ، فَكَانَ مِنْ آثَارِ مَنْتُوجَاتِهِمُ الْكَاسِدَةِ قَوْلُهُمْ فِي قَوَاعِدِهِمُ الْمَعْطُوبَةِ: «طَعْنُكَ فِي بِطَانَةِ الْعَالِمِ طَعْنٌ فِيهِ»، وَ«طَعْنُكَ فِي ابْنِ الْعَالِمِ طَعْنٌ فِيهِ»، وَ«رَدُّكَ لِجَرْحِ الْعَالِمِ طَعْنٌ فِيهِ».
    قَدْ عرَفْتَ – أَخِي الْقَارِئَ – الآنَ عَلَى مَنْ أَتَكَلَّمُ، ومَنْ غَيْرُ الصَّعَافِقَةِ يَقُومُ بِمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ؟


    ثُمَّ إِنَّ بَيْنَ الْقَوَاعِدِ الَّتي يُقَرِّرُونَهَا عَمَلِيًّا، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِعَكْسِهَا نَظَرِيًّا، قَاعِدَةُ: «رَدُّكَ لِخَطَإِ الْعَالِمِ طَعْنٌ فِيهِ»، فَمَا إِنْ يَتَلَقَّفُوا مِنْكَ عِبَارَةً عَابِرَةً، أَوْ كَلِمَةً سَائِرَةً، تَصِفُ فِيهَا عَالِمًا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِصِفَاتِ الْبَشَرِ مِنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَالْخَطَإِ وَالذُّهُولِ، مَعَ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، وَحِفْظِ كَرَامَتِهِ، وَصِيَانَةِ عِرْضِهِ، إِلَّا وَتَجِدُ – دُونَ هَوَادَةٍ – جَيْشًا مِنَ الشَّتَائِمِ تُوَجَّهُ صَوْبَكَ، وَسَيْلًا مِنَ الطُّعُونَاتِ تُرْسَلُ نَحْوَكَ، فِي جُمْلَةٍ مِنَ التَّهْوِيلَاتِ السَّخِيفَةِ، وَمَجْمُوعَةٍ مِنَ التَّنَاقُضَاتِ الْعَجِيبَةِ؛ اَلْأَمْرُ الَّذِي يَسْتَدْعِي أَخْذَ قَلَمٍ وَقِرْطَاسٍ لِمُرَاجَعَةِ طَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْخَطَإِ إِذَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَّهُمْ بِمَنْهَجِ السَّلَفِ – الَّذي يَدَّعُونَ – يَرْعَوُونَ، وَلِكَلَامِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ يُذْعِنُونَ.

    إِنَّ وُقُوعَ الْعَالِمِ فِي الْخَطَإِ طَبْعٌ بَشَرِيٌّ، وَأَمْرٌ قَدَرِيٌّ، لِلَّهِ فِيهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، حَيْثُ تَقْصُرُ عُقُولُ بَعْضِ الْبَشَرِ عَنْ إِدْرَاكِهَا، وَالْإِحَاطَةِ بِأَهْدَافِهَا وَغَايَاتِهَا، مِنَ السَّيْرِ فِي سِلْكِ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِبْدَاءِ كَمَالِ اللَّهِ لِلْخَلْقِ بِوُقُوعِ كُمَّلِهِمْ فِي الزَّلَّةِ، وَتَقْدِيمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَىظ° الِاجْتِهَادَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ مَزْبُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.

    غَيْرَ أَنَّ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ حِيَالَ وُقُوعِ الْعَالِمِ فِي الْخَطَإِ وُجُوبُ رَدِّه عَلَيهِ، وَبَيَانُ مُجَانَبَتِهِ لِلصَّوابِ، حِفْظًا لِمَعَالِمِ الدِّينِ، وَحِمَايَةً لِحُدُودِ الشَّرِيعَةِ، بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، وَالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْأَدَبِ فِي الْعِبَارَةِ، وَاللُّطْفِ فِي الْإِشَارَةِ، نَاهِيكَ عَنْ سَلَامةِ النِّيَّةِ، وَحُسْنِ الْقَصْدِ، وَبَذْلِ الْجُهْدِ فِي الْتِمَاسِ الْأَعْذَارِ لَهُ، وَحِفْظِ كَرَامَتِهِ، وَصِيَانَةِ عِرْضِهِ، لِأَنَّ الْحَقَّ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ كَائنًا مَنْ كَانَ، وَعَلَى الْعَالِمِ قَبُولُ الْحَقِّ وَالِانْقِيَادُ لَهُ وَعَدَمُ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ حَقِيرٍ، وَفِي ذَلِكَ يقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ – رَحِمَهُ اللهُ -: «وَمَنْ تَكَبَّرَ عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ وَلَوْ جَاءَهُ عَلَى يَدِ صَغِيرٍ أَوْ مَنْ يُبْغِضُهُ أَوْ يُعَادِيهِ؛ فَإِنَّمَا تَكَبُّرُهُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» [مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (246/02)].

    وَقَدْ دَرَجَ السَّلَفُ قَاطِبَةً عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ الْأَصِيلِ الَّذِي يُحَاوِلُ الصَّعَافِقَةُ الْخَدْشَ فِيهِ لِتَحْقِيقِ أَغْرَاضٍ دَنِيئَةٍ، فَهَذَا الزَّرْكَشِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – يَجْمَعُ كِتَابًا فِي اسْتِدْرَاكَاتِ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – عَلَى أَعْلَامِ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِمْ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فِي كِتَابِهِ: «اَلْإِجَابَةُ لِإِيرَادِ مَا اسْتَدْرَكَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى الصَّحَابَةِ»، حَيْثُ تَجَاوَزَتِ اسْتِدْرَاكَاتُهَا عَتَبَةَ الْأَرْبَعِينَ اسْتِدْرَاكًا؛ وَكَذَلِكَ سَارَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ: «قَالَ مَالِكٌ: «وَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يُخْطِئُ؟»، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَـــنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: «مَنْ يُبَرِّئُ نَفْسَهُ مِنَ الْخَطَإِ فَهُوَ مَجْنُونٌ»، وَقَالَ مُهَنَّا لِأَحْمَدَ: «كَانَ غُنْدَرُ يَغْلِطُ؟ قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ مِنَ النَّاسِ؟»، وَقَالَ عبَّاسٌ الدُّورِيُّ: «سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: مَنْ لَا يُخْطِئُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ كَذَّابٌ»» اهـ [اَلْآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ لِابْنِ مُفْلِحٍ (250/02)].

    وَالْخَطِيبُ الْبَغْداديُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – تَصَدَّى فِي كِتَابِهِ «مُوضِحُ أَوْهَامِ الْجَمْعِ والتَّفْرِيقِ» لِذِكْرِ أَوْهَامِ عُلَمَاءَ أَجِلَّةٍ كَأَحْمَدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى أَنَّهُ عَدَّ لِلْبُخَارِيِّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – مَعَ جَلَالَتِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ وَطُولِ بَاعِهِ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ وَهْمًا فِي كِتَابِهِ «التَّارِيخُ الْكَبِيرُ»، وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي ذِكْرِ أَوْهَامِ الْبُخَارِيِّ اعْتَذَرَ لِنَفْسِهِ بِعِبَارَاتٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الْعَيْنَيْنِ، نَضَحَت مِنْهَا رَوْعَةُ خِطَابِهِ، وَمُتْعَةُ جَوَابِهِ، حَيْثُ قَالَ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: «وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَنْظُرُ فِيمَا سَطَّرْنَاهُ، وَيَقِفُ عَلَى مَا لِكِتَابِنَا هَذَا ضَمَّنَّاهُ، يُلْحِقُ سَيِّئَ الظَّنِّ بِنَا، وَيَرَى أَنَّا عَمَدْنَا لِلطَّعْنِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَنَا، وَإِظْهَارِ الْعَيْبِ لِكُبَرَاءِ شُيُوخِنَا، وَعُلَمَاءِ سَلَفِنَا، وَأَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَبِهِمْ ذُكِرْنَا، وَبِشُعَاعِ ضِيَائِهِمْ تَبَصَّرْنَا، وَبِاقْتِفَاءِ وَاضِحِ رُسُومِهِمْ تَمَيَّزْنَا، وَبِسُلُوكِ سَبِيلِهِمْ عَنِ الْهَمَجِ تَحَيَّزْنَا، وَمَا مَثَلَهُمْ إِلَّا مَا ذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ...عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمرٍو: «مَا نَحْنُ فِيمَنْ مَضَى إِلَّا كَبَقْلٍ فِي أُصُولِ نَخْلٍ طِوَالٍ»، وَلَمَّا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْخَلْقِ أَعْلَامًا، وَنَصَبَ لِكُلِّ قَوْمٍ إِمَامًا، لَزِمَ الْمُهْتَدِينَ بِمُبِينِ أَنْوَارِهِمْ، وَالْقَائِمِينَ بِالْحَقِّ فِي اقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ مِمَّنْ رُزِقَ الْبَحْثَ وَالْفَهْمَ وَإِنْعَامَ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ، بَيَانُ مَا أَهْمَلُوا، وَتَسْدِيدُ مَا أَغْفَلُوا، إِذْ لَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ مِنَ الزَّلَلِ، ولا آمِنِينَ مِن مُقَارَفَةِ الخَطَإِ والْخَطَلِ، وَذَلِكَ حَقُّ الْعَالِمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ، وَوَاجِبٌ عَلَى التَّالِي لِلْمُتَقَدِّمِ، وَعَسَى أَنْ يَصِحَّ الْعُذْرُ لَنَا عِندَ مَنْ وَقَفَ عَلَى كِتَابِنَا الْمُصَنَّفِ فِي تَارِيخِ مَدِينَةِ السَّلَامِ، وَأَخْبَارِ مُحَدِّثِيهَا وَذِكْرِ قُطَّانِهَا الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَوَارِدِيهَا، فَإِنَّا قَدْ أَوْرَدْنَا فِيهِ مِنْ مَنَاقِبِ الْبُخَارِيِّ وَفَضَائِلِهِ مَا يَنْفِي عَنْهُ الظِّنَّةَ فِي بَابِهِ، وَالتُّهْمَةَ فِي إصْلَاحِنَا بَعْضَ سَقَطَاتِ كِتَابِهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى»اهـ [مُوَضِّحُ أَوْهَامِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيق، ص(5)].

    وَهَذَا ابْنُ مَاكُولَا تَعَقَّبَ الْخَطِيبَ وَآخَرِينَ فِي كِتَابِهِ «تَهْذِيبُ مُسْتَمِرِّ الْأَوْهَامِ عَلَى ذَوِي الْمَعْرِفَةِ وَأُولِي الْأَفْهَامِ»، حَيْثُ قَالَ فِي مُقَدِّمَتِهِ: «فإنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبَ الْبَغْدَادِيَّ ...، كَانَ قَدْ عَمِلَ بِالشَّامِ كِتَابًا سَمَّاهُ «اَلْمُؤْتَنِفُ تَكْمِلَةُ الْمُؤْتَلِفِ»، ...، اِسْتَدْرَكَ فِيهِ عَلَى أَئِمَّةِ هَذَا الْعِلْمِ أَشْيَاءَ تَمَّ عَلَيْهِمُ السَّهْوُ فِيهَا، وَنَبَّهَ عَلَى أَشْيَاءَ غَفَلُوا عَنْهَا وَلَمْ يُحِيطُوا بِهَا مَعْرِفَةً، ...، وَجَمَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَغْلَاطَ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ – الدَّارَقُطْنِيِّ -، وَعَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ – الْأَزْدِيِّ -، مِمَّا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ، لِتَكُونَ أَغْلَاطُهُمَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَمَا غَلَّطَهُمَا فِيهِ وَهُوَ الْغَالِطُ وَأَغْلَاطَ الْخَطِيبِ فِي الْمُؤْتَنِفِ»اهـ [تَهْذِيبُ مُسْتَمِرِّ الْأَوْهَامِ لِابْنِ مَاكُولَا، ص (57 – 60)].

    وَبِدَوْرِهِ تَعَقَّبَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ – الْمُتَعَقَّبُ أَعْلَاهُ – الْحَاكِمَ فِي كِتَابِهِ «اَلْأَوْهَامُ الَّتِي فِي مَدْخَلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ النَّيْسَابُورِيِّ»، قَالَ فِي مُقَدِّمَتِهِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ الَّذِي صَنَّفَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، ...، فَإِذَا فِيهِ أَغْلَاطٌ وَتَصْحِيفَاتٌ أَعْظَمْتُ أَنْ تَكُونَ غَابَتْ عَنْهُ، وَأَكْثَرْتُ جَوَازَهَا عَلَيْهِ، وَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَى مِنْ ناقِلِ الْكِتَابِ لَهُ أَوْ حَامِلِهِ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْرِي بَشَرٌ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ، وَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَجَرَّدْتُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَوْرَاقِ وَبَيَّنْتُهُ وَأَوْضَحْتُهُ وَاسْتَشْهَدْتُ عَلَيْهِ بِأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ مُجْتَهِدًا فِي تَصْحِيحِهِ مُتَوَخِّيًا إِظْهَارَ الصَّوَابِ فِيهِ، وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ»اهـ [أَوْهَامُ الْحَاكِمِ لِلْأَزْدِيِّ (47)].

    فَكَانَ رَدُّ الْحَاكِمِ أَثَرِيًّا قَوِيًّا، قَالَ الذَّهَبِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ –فِي [سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (269/17)]: «وَلِعَبْدِ الْغَنِيِّ جُزْءٌ بَيَّنَ فِيهِ أَوْهَامَ كِتَابِ «الْمَدْخَلِ إِلَىظ° الصَّحِيحِ» لِلْحَاكِمِ، يَدُلُّ عَلَى إِمَامَتِهِ وَسَعَةِ حِفْظِهِ.
    قَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ: لَمَّا رَدَدْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ «الأَوْهَامَ الَّتِي فِي الْمَدْخَلِ»، بَعَثَ إِلَيَّ يَشْكُرُنِي، وَيَدْعُو لِي، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ عَاقِلٌ» اهـ.

    قَالَ الْفَيْرُوزُآبَادِي فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ «الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ»، (28):
    «ثُمَّ إِنِّي نَبَّهْتُ فِيهِ عَلَى أَشْيَاءَ رَكِبَ فِيهَا الْجَوْهَرِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ – خِلَافَ الصَّوَابِ، غَيْرَ طَاعِنٍ فِيهِ، وَلَا قَاصِدٍ بِذَلِكَ تَنْدِيدًا لَهُ، وَإِزْرَاءً عَلَيْهِ، وَغَضًّا مِنْهُ، بَلِ اسْتِيضَاحًا لِلصَّوَابِ، وَاسْتِرْبَاحًا لِلثَّوَابِ، وَتَحَرُّزًا وَحِذَارًا مِنْ أَنْ يُنْمَى إِلَيَّ التَّصْحِيفُ، أَوْ يُعْزَى إِلَيَّ الْغَلَطُ وَالتَّحْرِيفُ، عَلَى أَنِّي لَوْ رُمْتُ لِلنِّضَالِ إِيتَارَ الْقَوْسِ، لَأَنْشَدْتُ بَيْتَيِ الطَّائِيِّ حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ(1)، وَلَوْ لَمْ أَخْشَ مَا يَلْحَقُ الْمُزَكِّيَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَعَرَّةِ وَالدَّمَانِ، لَتَمَثَّلْتُ بِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَدِيبِ مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ( 2)، وَلَكِنْ أَقُولُ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي «الْكَامِلِ»، وَهُوَ الْقَائِلُ الْمُحِقُّ: «لَيْسَ لِقِدَمِ الْعَهْدِ يُفَضَّلُ الْقَائِلُ، وَلَا لِحِدْثَانِهِ يُهْتَضَمُ الْمُصِيبُ، وَلَكِنْ يُعْطَى كُلٌّ مَا يَسْتَحِقُّ»» اهـ.
    وَصَدَقَ الْحَافِظُ النَّاجِيُّ حِينَ قَالَ – رَحِمَهُ اللَّهُ – فِي كِتَابِهِ «عُجَالَةُ الْإِمْلَاءِ» (139/01) فِي بَيَانِ أَوْهَامِ الْمُنْذِرِيِّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ: «وَلَا يَظُنَّنَّ ظَانٌّ بِتَنْبِيهِي عَلَى مَا هَفَا بِهِ الْخَاطِرُ نِسْيَانًا، أَوْ جَرَى بِهِ الْقَلَمُ طُغْيَانًا، أَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي الْكِتَابِ، أَوْ فِي الْمُصَنِّفِ، أَوْ قَصْدِي بِهِ التَّثْرِيبُ، كَلَّا؛ فَإِنَّ الْكَامِلَ مَنْ عُدَّتْ سَقَطَاتُهُ، وَحُدَّتْ غَلَطَاتُهُ، وَلَا يَتَّبِعُ الْمَعَايِبَ إِلَّا مَعِيبٌ ...

    وَالْإِنْسَانُ مَجْبُولٌ عَلَى السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَنْ يَسْلَمُ مِنْ هَفَوَاتِ الْأَوْهَامِ، وَعَثَرَاتِ الْأَقْلَامِ؟! وَمَنْ ظَنَّ مِمَّنْ يُلَاقِي الْحُرُوبَ بِأَنْ لَنْ يُصَابَ فَقَدْ ظَنَّ عَجْزًا، وَالنَّارُ قَدْ تَخْبُو، وَالْجَوَادُ قَدْ يَكْبُو، وَالصَّارِمُ قَدْ يَنْبُو» اهـ.

    كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُفْلِحِ بْنِ أَبِي الْوَفَاءِ يَقُولُ: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ شَخْصًا يَقُولُ: أَخْطَأَ النَّوَوِيُّ، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَفَرَ»، غَيْرَ أَنَّهُ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِثْقَالِ تَخْطِئَةِ الْمُعَظَّمِينَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجِّي عَنْهُ: «كَانَ جَيِّدَ الْفَهْمِ، مَشْهُورًا بِالذَّكَاءِ، قَالَ: وَكَانَ فِي أَوَاخِرِ أَمْرِهِ قَدْ أَحَبَّ مَذْهَبَ الظَّاهِرِ وَسَلَكَ طَرِيقَ الِاجْتِهَادِ وَصَارَ يُصَرِّحُ بِتَخْطِئَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَكَابِرِ الْفُقَهَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ» اهـ [الدُّرَرُ الْكَامِنَةُ فِي أَعْيَانِ الْمِائَةِ الثَّامِنَةِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ – رَحِمَهُ اللَّهُ – (166/02)].

    قَالَ الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي – حَفِظَهُ اللَّهُ – فِي شَرِيطٍ بِعُنْوَانِ: «الْأَخْذُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»(3): «فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ دَانَ بِالسَّلَفِيَّةِ أَنْ يَقِفَ إِلَى جَانِبِ أَخِيهِ يَنْصُرُهُ، وَلَوْ سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ الْخَوَنَةُ لَوْ سَمَّوْهُمْ حِزْبًا لَا يَضُرُّهُمْ لِأَنَّهُمْ حِزْبُ اللَّهِ، لَكِنْ عَلَىظ° طَرِيقَتِكُمْ يَعْبُدُونَ الْمَشَايِخَ وَيُقَدِّسُونَهُمْ وَيُوَالُونَ وَيُعَادُونَ مِنْ أَجْلِهِمْ، أَبَدًا، يَتَمَسَّكُونَ بِالْبَاطِلِ وَيُدَافِعُونَ عَنْهُ أَبَدًا، هَذَا لَا يَجُوزُ، إِذَا أَخْطَأَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ نَقُولُ أَخْطَأَ، وَإِذَا أَخْطَأَ ابْنُ بَازٍ نَقُولُ أَخْطَأَ، وَإِذَا أَخْطَأَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ نَقُولُ أَخْطَأَ، أَرَأَيْتُمْ أَمْ لَا؟ وَخَطَأُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ خَطَإِ الْأَئِمَّةِ، إِنْ أَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَأْخُذَ خَطَأَهُمْ أَوْ نُدَافِعَ عَلَى ذَلِكَ الْخَطَإِ، لَكِنْ هَذَا لَا يَتَوَافَقُ مَعَهُمْ، الضَّلَالَةُ الْكُبْرَى مِنَ الضَّلَالَاتِ يَقُولُ لَكَ: حَقٌّ! وَيُدَافِعُونَ عَنْهَا، ...، فَهَلِ السَّلَفِيُّونَ سَمِعْتُمْ فُلَان أَوْ فُلَان يُدَافِعُونَ عَنْ خَطَئِهِ، إِذَا أَخْطَأَ فُلَانٌ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ أَخْطَأَ، أُمَّةٌ يُخَطِّئُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، هَذَا حَمُّودٌ التَّوِيجرِيُّ يَرُدُّ عَلَى الْأَلْبَانِيِّ، وَالْأَلْبَانِيُّ يَرُدُّ عَلَى حَمُّودٍ التَّوِيجرِيِّ، إِسْمَاعِيلُ الْأَنْصَارِيُّ يَرُدُّ عَلَى الْأَلْبَانِيِّ، الْأَلْبَانِيُّ يَرُدُّ عَلَى إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ هُمْ إِخْوَانٌ وَلَوْ يَرُدُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ رَدُّوا عَلَى الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ عِنْدَ هَؤُلَاءِ: إِيَّاكَ أَنْ تَنْتَقِدَ، لِمَاذَا؟ أَهْلُ الضَّلَالِ، النَّقْدُ حَرَامٌ عِنْدَهُمْ، لَا يَجُوزُ النَّقْدُ أَبَدًا ...» اهـ.

    وَقَالَ أَيْضًا فِي [مَجْمُوعِ كُتُبِهِ وَفَتَاوِيهِ وَرَسَائِلِهِ (13/71 - 72)] – كَأَنَّهُ يَصِفُ الصَّعَافِقَةَ وَأَمْثَالَهُمْ -: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ رِجَالًا يَعْلَمُونَ أَنَّ فُلَانًا هَذَا مُخْطِئٌ، وَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى أَخْطَائِهِ، لَيْسَ بِمُقَلِّدٍ، إِنَّمَا هَذَا جَبَانٌ، ...، أَمَّا الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّكَ مُخْطِئٌ، وَيَتَّبِعُكَ عَلَى خَطَئِكَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَنَالَهُ سَخَطُكَ، وَأَنْ يَنَالَهُ جَامُ غَضَبِكَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، هَذَا حَقٌّ لَهُ وَحَرِيٌّ بِهِ – وَاللَّهِ – أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ أُمِّهِ، أَوْ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، وَلَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ بِالدَّعْوَةِ» اهـ.

    قَالَ صُعْفُوقُ الْيَمَنِ عَلِيٌّ الْحُذَيْفِيُّ – أَصْلَحَهُ اللَّهُ – فِي مَقَالِهِ «نَقْدُ الْأَخْطَاءِ وَالضَّلَالَاتِ وَجَرْحُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنْهَجٌ شَرْعِيٌّ»: «سَأَلْتُ شَيْخَنَا رَبِيعَ بْنَ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ – حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى –... مَا صِحَّةُ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ: «لَا يَرُدُّ عَلَى الْعَالِمِ إِلَا عَالِمٌ»؟ فَأَجَابَ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ عَالِمٌ يُبَيِّنُ الْحَقَّ، وَكَانَ عِنْدَ هَذَا الْمُسْتَصْغَرِ عِنْدَهُ الْحُجَّةُ وَالْبُرْهَانُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ مَا عِنْدَهُ، الشَّاهِدُ أَنَّ الْعَالِمَ وَطَالِبَ الْعِلْمِ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِعِلْمٍ، وَلَا يَخُوضُ فِي أَيِّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا بِعِلْمٍ: (وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِه عِلم إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَـكَ كَانَ عَنهُ مَسؤولا )[الْإِسْرَاء: 36] ...؛ فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ طَالِبُ عِلْمٍ، يَعْنِي عِنْدَهُ عِلْمٌ فِي قَضِيَّةٍ وَعِنْدَهُ دَلِيلٌ وَبُرْهَانٌ فِيهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْعُلَمَاءُ فَلْيَقُلِ الْحَقَّ» اهـ.

    هَذَا قَطْرَةٌ فِي بَحْرٍ، وَغَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ، وَهُوَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وأَمْرٌ لَا يُحَاطُ بِهِ، حَتَّى صَارَ أَصْلًا أَصيلَاً، وَمَنْهَجَا جَلِيلَاً سَارَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَاِسْتَقَرَّ عَلَيْه الْفُضَلَاءُ، فِي مُخْتَلَفِ الْفُنُونِ، وَشَتَّى الْمَجَالَاتِ، وَيَكْفِي مِنَ الْقِلَادَةِ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ كَمَا يَقُولُونَ.

    وَإِنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ الْمُقْتَدِينَ لِمَنْ سَبَقَهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، دُرَّةُ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ، اَلْعَلَمُ الشَّهِيرُ، وَالْفَحْلُ النِّحْرِيرُ، وَالْعَلَّامَةُ الْكَبِيرُ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَابِرِيُّ – حَفِظَهُ اللَّهُ وَمَتَّعَهُ بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ -، الَّذِي عُرِفَ بِبَرَاعَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، وَتَأْصِيلَاتِهِ الْمَنْهَجِيَّةِ، وَامْتَازَ بِرُسُوخِ الْقَدَمِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَهُ أَنْ يُحَاطَ بِفِئَةٍ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمَفْتُونِينَ، أَسَاءُوا لَهُ أَعْظَمَ إِسَاءَةٍ، وَآذَوْهُ أَكْبَرَ إِذَايَةٍ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ، وَ«مِنْ آثَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ» كَمَا يَقُولُونَ:

    1) قَضِيَّةُ هَانِي بْنِ برِيك – أَصْلَحَهُ اللَّهُ -:
    حَذَّرَ الْعَلَّامَةُ عُبَيْدٍ الْجَابِرِيُّ مِنْ هَانِي بْنِ برِيك بَعْدَمَا بَلَغَهُ ثَنَاءؤهُ عَلَى قَادَةِ الْجَنُوبِ الِاشْتِرَاكِيِّينَ وَالدِّيمُقْرَاطِيِّينَ، وَدُعَاةِ الِانْفِصَالِ وَالْخُرُوجِ، وَانْضِمَامُهُ إِلَى الْمَجْلِسِ الِانْتِقَالِيِّ، وَتَبَرَّأَ مِنْ مَنْهَجِهِ وَاصِفًا إِيَّاهُ بِأَنَّهُ خَبِيثٌ؛ غَيْرَ أَنَّ أَخْدَانَ هَانِي لَمْ يُعْجِبْهُمْ هَذَا التَّحْذِيرُ، فَأَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ بِشِدَّةٍ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ الْكُورِيِّ الَّذِي سَأَلَ الشَّيْخَ وَنَشَرَ تَحْذِيرَهُ، وَكَذَبَ ابْنُ صِلْفِيقٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ سَبَبِ دِفَاعِهِ عَنْ هَانِي بِأَنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ الشَّيْخَيْنِ عُبَيْدٍ وَرَبِيعٍ – حَفِظَهُمَا اللَّهُ -، وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا حِيلَةً وَلَمْ يَهْتَدُوا سَبِيلًا فِي إِخْفَاءِ تَحْذِيرِ الشَّيْخِ، عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْبَاطِلِ فِي التَّلْبِيسِ عَلَى الشَّيْخِ مُعْتَذِرِينَ لِهَانِي أَنَّ قَضِيَّتَهُ فِيهَا مُلَابَسَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ لَا يَصْلُحُ الْإِفْصَاحُ عَنْهَا وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَبِالْفِعْلِ نَجَحُوا فِي تَغْيِيرِ رَأْيِ الشَّيْخِ عُبَيْدٍ فَتَرَاجَعَ، وَلِسُوءِ نِيَّتِهِمْ أَخْفَوُا التَّرَاجُعَ وَنَشَرُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَطْ، حَتَّى فَضَحَهُمُ الْأَخُ مُولُودٌ الْمَغْرِبِيُّ الَّذِي عَقَدَ جَلْسَةً مَعَ الشَّيْخِ عُبَيْدٍ فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ تَرَاجُعِهِ عَنِ التَّحْذِيرِ مِنْ هَانِي رُغْمَ مُخَالَفَتِهِ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، فَأَجَابَهُ الشَّيْخُ بِأَنَّ مِنْ بَيْنِ أَسْبَابِ التَّرَاجُعِ سَبَباً سِيَاسِيّاً لَا يَسْتَطِيعُ الْكَلَامَ فِيهِ، لِأَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُلَاةِ أَمْرِهِ، ثُمَّ اعْتَذَرَ لِهَانِي عَنْ جَرْحِهِ لَهُ لَمَّا وَصَفَ مِنْهَجَهُ بِالْخُبْثِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَعْجَلَ فِي التَّحْذِيرِ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَسَلَفِيٌّ، وأَخْطَاؤُهُ يُنْصَحُ فِيهَا، رُغْمَ أَنَّ هَانِي لَمْ يَتَرَاجَعْ عَنْ ثَنَائِهِ عَلَى قَادَةِ الْجَنُوبِ وَدُعَاةِ الِانْفِصَالِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْمُظَاهَرَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

    لَكِنَّ هَانِي لَمْ يَرْفَعْ بِهَذَا التَّرَاجُعِ وَالِاعْتِذَارِ رَأْسًا، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِمَسَاعِي خِلَّانِهِ الصَّعَافِقَةِ فِي التَّلْبِيسِ عَلَى الشَّيْخِ عُبَيْدٍ لِتَزْكِيَتِهِ، فَفَضَحَهُمْ عِنْدَمَا قَامَ بِتَهْنِئَةِ الشُّعُوبِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ بِمُنَاسَبَةِ دُخُولِ الْعَامِ الْإِفْرَنْجِيِّ، لِيُحَذِّرَ مِنْهُ الشَّيْخُ عُبَيْدٌ مُجَدَّدًا بِأَنَّهُ هَلَكَ فِي السِّيَاسَةِ.
    (رَاجِعْ: نَذِيرُ الصَّاعِقَةِ فِي كَشْفِ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُدِينَ الصَّعَافِقَةَ ص: 09 – 15).

    2) فَتْوَاهُ بِالْقُنُوتِ عَلَى الْمُشِيرِ خَلِيفَة حَفْتَر، وَتَرَاجُعُهُ عَنْ ذَلِكَ:
    قَالَ الشَّيْخُ خَالِد عُثْمَان الْمِصْرِيُّ – حَفِظَهُ اللَّهُ – فِي مَقَالِهِ «الصَّعَافِقَةُ الْخَائِنُونَ وَتَدَخُّلُهُمُ الْمُفْسِدُ فِي شُؤُونِ لِيبْيَا فِي الدَّعْوَةِ وَالْقِتَالِ ...، ص: 05»:

    «وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَحْمَد الشَّهُوبِيُّ الْمَصْرَاتِيُّ لَهُ خُطْبَةُ جُمُعَةٍ يَدْعُو فِيهَا عَلَى الْمُشِيرِ خَلِيفَة حَفْتَر، وَقَدِ ادَّعَى أَنَّهُ اسْتَشَارَ الشَّيْخَ عُبَيْد فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَكَانَتِ الْوَاسِطَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخِ عُبَيْدٍ: مُصْطَفَى تِيكَة اللِّيبِيَّ، والَّذِي ادَّعَى أَنَّ أَوْقَافَ مَصْرَاتَة أَمَرَتْ بِالْقُنُوتِ عَلَى حَفْتَر، وَأبلغ الشَّيْخَ عُبَيد بِهَذَا.
    وَالْتَزَمَتِ الْمَسَاجِدُ هُنَاكَ بِهَذَا، مِمَّا أَحْدَثَ بَلْبَلَةً وَفِتْنَةً.
    وَالْقَائِمُونَ عَلَى أَوْقَافِ مَصْرَاتَة هُمْ صُوفِيَّةٌ وَإِخَوَانٌ، لَكِنْ رُغْمَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْمَنْشُورُ عَنْهُمْ، مِمَّا وَرَّطَ الشَّيْخَ عُبَيْدًا فِي هَذِهِ الْفَتْوَى الَّتِي أَسَاءَتْ إِلَيْهِ وَإِلَى السَّلَفِيِّينَ.

    وَمِنْ كَذِبِ هَؤُلَاءِ عَلَى الشَّيْخِ عُبَيْدٍ أَنَّ الْمُشِيرَ خَلِيفَة حَفْتَر – وَفَّقَهُ اللَّهُ – ضَرَبَ طَرَابُلْسَ بِالطَّيَرَانِ، وَقَتَلَ كَثيرًا مِنَ الْأَبْرِيَاءِ، وَأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْحُكُومَةِ الشَّرْعِيَّةِ هُنَاكَ، حَيْثُ خَرَجَتْ صَوْتِيَّةٌ لِلشَّيْخِ عُبَيْدٍ جَاءَ فِيهَا: «حَدَّثَنِيَ الثِّقَاتُ مِنْ مَصْرَاتَة، أَنَّ حَفْتَر اللِّوَاءَ الَّذِي هُوَ مِنْ بِنْغَازِي يَقْصِفُ الْمَدَنِيِّينَ فِي الْعَاصِمَةِ طَرَابُلْسَ بِالطَّيَرَانِ»، وَقَدْ عُلِمَ مَنْ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتُ.
    وَاسْتَمَرَّ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو حُذَيْفَةَ الْمَصْرَاتِيَّانِ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ الشَّيْخِ عُبَيْدٍ وَالْمُشِيرِ خَلِيفَة حَفْتَر.

    وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ فَتْوَى الشَّيْخِ عُبَيْدٍ – الْمُسَجَّلَةُ بِصَوْتِهِ – أَنَّ الْمُشِيرَ خَلِيفَة بلْقَاسِم حَفْتَر إِنَّمَا هُوَ ضَابِطٌ مُتَقَاعِدٌ ثَائِرٌ، وَأَنَّهُ خَارق لِلْحُكْمِ الْمَوْجُودِ فِي لِيبْيَا، وَوَصَّى الشَّبَابَ الَّذِينَ انْضَمُّوا إِلَى الْجَيْشِ اللِّيبِيِّ تَحْتَ قِيَادَةِ حَفْتَر أَنْ يُلْقُوا سِلَاحَهُمْ، وَأَنْ يَنْضَمُّوا إِلَى الْحُكُومَةِ الْإِخْوَانِيَّةِ الْقَائِمَةِ الْمُوَالِيَةِ لِلْغَرْبِ الْكَافِرِ وَلِلْخَوَارِجِ فِي الْبَاطِنِ، وَالَّتِي هِيَ ضِدَّ حَفْتَر وَالْجَيْشِ اللِّيبِيِّ الَّذِي يَسْعَى لِتَطْهِيرِ لِيبْيَا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَلِإِحْبَاطِ خُطَطِ الْكُفَّارِ فِي تَقْسِيمِ لِيبْيَا وَإِقَامَةِ دَوْلَةٍ إِخْوَانِيَّةٍ مُوَالِيَةٍ لَهُمْ.
    وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الصَّادِقِينَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالسَّلَفِيِّينَ فِي الْجَيْشِ اللِّيبِيِّ إِيصَالَ الْوَاقِعِ الْحَقِيقِيِّ فِي لِيبْيَا إِلَى الشَّيْخِ عُبَيْدٍ، فَأُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ دُونَهُ.

    وَكَانَ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَعَرَفَاتٌ وَبَقِيَّةُ الزُّمْرَةِ يَعْتَذِرُونَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَىظ° الشَّيْخِ عُبَيْدٍ بِأَعْذَارٍ وَاهِيَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَمْرًا تُدِيرُهُ أَيَادٍ خَفِيَّةٌ مُتَرَبِّصَةٌ بِالدَّوْلَةِ اللِّيبِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ، لَكِنْ قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يَتَمَكَّنَ أَحَدُ الْإِخْوَةِ أَنْ يُبَيِّنَ شَيْئًا مِنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ لِلشَّيْخِ عُبَيْدٍ، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَرَاجَعُ عَنْ فَتْوَاهُ فِي الْقُنُوتِ عَلَى حَفْتَر ...» اهـ.

    وَقَدْ ذَكَرْتُ هَاتَيْنِ النُّقْطَتَيْنِ بِالذَّاتِ لِأَنَّهُمَا تُظْهِرَانِ بِجَلَاءٍ مَدَى شَنَاعَةِ الْآثَارِ الْوَخِيمَةِ وَالنَّتَائِجِ الْمُدَمِّرَةِ، وَالَّتِي هِيَ عُصَارَةُ مَسَاعِي الصَّعَافِقَةِ فِي الْوُصُولِ إِلَى أَهْدَافِهِمُ الْخَسِيسَةِ، وَمِقْدَارَ جُرْمِ هَؤُلَاءِ وَسُوءِ تَجَنِّيهِمْ عَلَى الشَّيْخِ – حَفِظَهُ اللَّهُ -، فَالثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَوَغَّلَ فِي الضَّلَالَاتِ بِأَنَّهُ سَلَفِيٌّ شُجَاعٌ فِيهِ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهِ وَالِانْخِدَاعِ بِحَالِهِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، وَتَوْصِيَةُ الشَّبَابِ اللِّيبِيِّ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ فِي حَرْبٍ شَرْعِيَّةٍ ضِدَّ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ وَالِانْضِمَامِ إِلَى الْحُكُومَةِ الْإِخْوَانِيَّةِ الْمُوَالِيَةِ لِلْغَرْبِ الْكَافِرِ فِيهِ مِنْ تَوْهِينِ عَزِيمَةِ الْمُجَاهِدِينَ، وَتَثْبِيطِ نَشَاطِ الْمُقَاتِلِينَ مَا هُوَ مَحْسُوسٌ مُشَاهَدٌ، وَلَكِن نَرْجُو أَنْ يَكُونَ الشَّيْخَ عُبَيْد – سَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ كَيْدِ الصَّعَافِقَةِ – مَعْذُوراً بِأَنَّهُ يُفْتِي بِحَسَبِ مَا يَسْمَعُهُ، وَيَقُولُ بِنَحْوِ مَا يَبْلُغُهُ وَيَصِلُهُ.

    وَمِنْ بَيْنِ مَا لُبِّسَ بِهِ عَلَى الشَّيْخِ عُبَيْدٍ – حَفِظَهُ اللَّهُ – مَسْأَلَةُ الْخِلَافِ الْحَاصِلِ فِي الْجَزَائِرِ بَيْنَ السَّلَفِيِّينَ الْوَاضِحِينَ وَالِاحْتِوَائِيِّينَ الْمُمَيِّعِينَ، وَمِنْ آخِرِ مُلَابَسَاتِ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمُؤْسِفِ مَا نَشَرَهُ أَصْحَابُ الْمُنْتَدَى الْمَسْرُوقِ مِنْ مَقَالٍ أَعَدَّهُ الْبُلَيْدِيُّ – أَصْلَحَهُ اللَّهُ – بِعُنْوَانِ: «تَنْبِيهُ النُّجَبَاءِ عَلَى بِدْعِيَّةِ دَعْوَةِ الشَّيْخِ فَرْكُوسٍ إِلَى الْإِقْصَاءِ»، تَمَّ الِاسْتِنْجَادُ بِهِ وَإِخْرَاجُهُ مِنْ دَيَاجِيرِ الظَّلَامِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ – كَمَا هِيَ عَادَتُهُمْ – لِيَسْتَعِيدُوا النَّفَسَ الْمُتَسَرِّبَ فِي حَرْبِهِمُ الْقَذِرَةِ، وَلِيُرَمِّمُوا التَّصَدُّعَاتِ السَّارِيَةَ فِي بُيُوتِهِمُ الْمُتَهَاوِيَةِ نَتِيجَةَ الْفَضَائِحِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَالْحَقَائِقِ الْمُشْتَهِرَةِ الَّتِي طَالَتْهُمْ مُؤَخَّرًا، إِنْ صَدَقُوا فِي نِسْبَةِ إِقْرَارِ الْمَقَالِ لِلشَّيْخِ عُبَيْدٍ وَلَمْ يَكْذِبُوا فِيهِ - وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ -، لِأَنَّهُمْ لمْ يَنْشُرُوا مَا يُثْبِتُ ذَلِكَ بِصَوْتِ الشَّيْخِ أَوْ خَطِّهِ كَمَا هُوَ مَأْلُوفٌ، وَلَعَلَّ «وَرَاءَ الْأَكَمَةِ مَا وَرَاءَهَا»، وَكما قال تعالى: «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ».

    وَهَا أَنَا الْآنَ أَقِفُ مَعَ مَقَالِ الْبُلَيْدِيِّ – أَصْلَحَهُ اللَّهُ -، وَقَفَاتٍ أَثَرِيَّةً – بَعْدَ مُقَدِّمَةٍ سَلَفِيَّةٍ أَطَلْتُ فِيهَا النَّفَسَ عَمْدًا لِيَتَقَرَّرَ فِي النُّفُوسِ مَشْرُوعِيَّةُ تَوْجِيهِ الِانْتِقَادَاتِ، وَإِظْهَارِ الِاعْتِرَاضَاتِ عَلَى هَذَا الْمَقَالِ بِإِقْرَارِ وَتَعْلِيقِ الْعَلَّامَةِ عُبَيْدٍ زَعَمُوا – نُصْرَةً لِلْحَقِّ وَدِفَاعًا عَنْ عَالِمِ الْبَلَدِ وَرَيْحَانَةِ الْجَزَائِرِ، وَقَدْ قَصَدْتُ وَجْهَ اللَّهِ فِي الذَّبِّ عَنِ الْأَعْلَامِ الزَّكِيَّةِ، وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ، وَلَيْسَ يَضُرُّنِي وُقُوفُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى مَا لِي مِنَ التَّقْصِيرِ، وَمَعْرِفَتُهُمْ أَنَّ بَاعِي فِي هَذَا الْمَيْدَانِ قَصِيرٌ، لَكِنِّي لَمْ أَجِدْ مِنَ الْإِخْوَانِ مَنْ رَدَّ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَنَفَى مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْعُدْوَانِ وَسُوءِ الْقَالَةِ، فَتَصَدَّيْتُ لِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِحْسَانٍ وَلَا إِعْجَابٍ، وَمَنْ عُدِمَ الْمَاءَ تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ، وَلِذَلِكَ أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ:.

    ... يُتْبَع مَعَ الوَقْفَةِ الأُولَى فِي الحَلقَة الثَانِيَة

    --------------------------------------------------------------------------------------------------
    الهامش:
    (1): حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ: هُوَ أَبُو تَمَّامٍ، وَالْبَيْتَانِ الْمَقْصُودَانِ هُمَا:
    لَازِلْتَ مِنْ شُكْرِي فِي حُلَّةٍ ::: لَابِسُهَا ذُو سَلَبٍ فَاخِرِ
    يَـــقُــــــولُ مَــنْ تَقرعَ أَسْمَــــــاعَـــهُ ::: كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِــــــرِ
    (2): هُوَ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيُّ، وَقَوْلُهُ الْمَقْصُودُ هُوَ:
    وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الْأَخِيرَ زَمَانُهُ ::: لَآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الْأَوَائِلُ
    (3):http://www.rabee.net/ar/questions.php?cat=27&id=67
    التعديل الأخير تم بواسطة أزهر سنيقرة; الساعة 2019-10-25, 09:18 AM.

  • #2
    وفقكم الله أخي أبا عبد الرحمن، وجزاكم الله خيرا.

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا وبارك فيك أخي عبد الله

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا اخي عبد الله

        تعليق


        • #5
          جزاك الله خيرا أخي عبد الله على هذا المقال العلمي والمنهجي الطيب النافع وما تعودنا منك غير هذا، خاصة وأن أصول الدعوة السلفية أصبحت مهددة من قبل هؤلاء الصعافقة الذين لا يخفى خطرهم إلا على من تشبع بشبههم وتعصب لبعضهم، فالحق أبلج ولا يضر أهله تلبيس الملبسين الكاذبين ولاتخذيل المخذلين البائسين.
          الخطأ يرد على صاحبه مهما كانت منزلته عملا بقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم:" أَلاَ لا يمنعنَّ أحدكم رهبة الناس أن يقول بحقٍّ إذا رآه الناس أو شَهِدَه؛ فإنه لا يُقرِّب من أَجَلٍ ذلك، ولا يُبَاعد من رِزْقٍ، أَنْ يقولَ بحقٍّ، أو يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ".

          تعليق


          • #6
            جزاك الله خيراً

            تعليق


            • #7
              جزاك الله خيرا اخي

              تعليق


              • #8
                بارك الله فيك وجزاك خيرا أخي أبا عبد الرحمن ونفع بمقالاتك هذه من لا يزال مغترا بهؤلاء القوم

                تعليق


                • #9
                  جزاك الله خيرا أخي عبد الله، ونفع الله بك وزادك حرصا

                  تعليق


                  • #10
                    جزيت خيرا أخي الفاضل عبد الله، وبارك الله فيك.

                    تعليق


                    • #11
                      مقال طيب بارك الله فيك. ووالله ليكاد القلب يتقطع أسفا وحزنا لما يقع اليوم!
                      أصول وضوابط كانت عند السلفيين واضحة وضوح الشمس، فإذا بنا اليوم، نقرر ما كان بالأمس معروفا! وكأننا نخاطب أقواما ما عرفوا السلفية قط!

                      تعليق

                      الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                      يعمل...
                      X