<بسملة1>
تعليق الشيخ أبي عبد الحليم عبد الهادي
-حفظه الله-
على تراجع الشيخ أبي أسامة مصطفى بن وقليل
-وفقه الله-
لتحميل المقال على صيغة بي دي آف:
(https://bit.ly/30ExM1P).
-حفظه الله-
على تراجع الشيخ أبي أسامة مصطفى بن وقليل
-وفقه الله-
لتحميل المقال على صيغة بي دي آف:
(https://bit.ly/30ExM1P).
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فكم سررنا برجوع واعتذار الشيخ أبي أسامة حفظه الله ،وسدد على درب الحق خطاه.
والله لقد أثلج به صدورنا، وأدخل به الفرحة على قلوبنا، فجَزاك ربُّ النَّاس عنَّا خيرَ الجزاء.
نعم إخوتي في الله فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، لكنه يحتاج إلى شجاعة وجُرأة.
وهذا ما أبداهُ الشيخُ أبو أسامةَ حفظه الله مقتديا في ذلك بقول شيخه العلامة الوادعي –عليه رحمة الله-: «مخالفة الناس تحتاج إلى شجاعة»، وذلك بتوفيقٍ من الله –عزوجل-، والفضل لله وحده، ثم تِلكمُ النصائحُ السديدةُ والتوجيهاتُ الرشيدةُ من طلاب الشيخ وإخوانه الذين أرادوا له الخير، فبينوا له الحق بأدلته، وأزالوا تلكم الغشاوة على بصيرته، فبارك الله فيهم وفي جهودهم التي أثمرت خيرا.
أقولها بصراحة لم أكن أستبعد رجوعه للحق، لأن الاتهامات والشبه التي ألقيت عليه ما هي إلا فقاقيع صابون سرعان ما تتلاشى، وصدق رب العزة والجلال إذ قال {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد، الآية:17]
فكما يضمحل الزبد فيصير جفاء لا يُنتفع به ولا تُرجى بركته، فكذلك الباطل يضمحل ويتبدد.
واعلموا إخواني أن مما تميز به أهل السنة السلفيون عن غيرهم من أهل البدع والأهواء أنهم رجَّاعون إلى الحق، فالحق شعارهم والإنصاف دثارهم، إن أخطؤوه عادوا إليه، وإن أخطأَهُ أحدُهُم دلُوهُ عليه؛ لا يخافون في ذلك لومة لائم.
وكان لعلماء السنة في إعلان ما أخطئوا فيه وبيان رجوعهم عنه ما تندهش له الألباب.
بل كانوا يعلنون عن خطئهم في المحافل العامة.
قال ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفتيا (م1\ص91): «وقد كان في السلف (قدس الله أرواحهم) من إذا عرف أنه قد أخطأ لم يستقر حتى يظهر خطأه ويعلم من أفتاه بذلك».
قال ابن مسعود رضي الله عنه :«لا نأنف من الرجوع عن خطأ إذا تبين لنا».
وقد روي أن الحسن بن زيادٍ اللؤلؤي أستفتي في مسألة فأخطأ، فلم يعرف الذي أفتاه، فاكترى منادياً فنادى: أن الحسن بن زياد أستفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ، فمن كان أفتاه بشيء فليرجع إليه، فمكث أياماً لا يفتي حتى وجد صاحب الفتوى، فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب كذا وكذا...»اهـ.
ومن أجمل الأخبار في ذلك ما فعله واعظ عصره العلامة أبو الفضل عبد الله بن الحسن الجوهري المصري حين نبَّهه على خطئه وافد غريب حضر مجلس وعظه والخبر ساقه القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن؛ قال رحمه الله:
«الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آلى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَصَارَ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ، فَلَمَّا أَكْمَلَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ صَبِيحَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إنَّك آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ الْعُثْمَانِيُّ غَيْرَ مَرَّةٍ: وَصَلْت الْفُسْطَاطَ مَرَّةً، فَجِئْت مَجْلِسَ الشَّيْخِ أَبِي الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيِّ، وَحَضَرْت كَلَامَهُ عَلَى النَّاسِ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ جَلَسْت إلَيْهِ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَّقَ وَظَاهَرَ وَآلَى، فَلَمَّا خَرَجَ تَبِعْته حَتَّى بَلَغْت مَعَهُ إلَى مَنْزِلِهِ فِي جَمَاعَةٍ، فَجَلَسَ مَعَنَا فِي الدِّهْلِيزِ، وَعَرَّفَهُمْ أَمْرِي، فَإِنَّهُ رَأَى إشَارَةَ الْغُرْبَةِ وَلَمْ يَعْرِفْ الشَّخْصَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْوَارِدِينَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْفَضَّ عَنْهُ أَكْثَرُهُمْ قَالَ لِي: أَرَاك غَرِيبًا، هَلْ لَك مِنْ كَلَامٍ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ لِجُلَسَائِهِ: أَفْرِجُوا لَهُ عَنْ كَلَامِهِ. فَقَامُوا وَبَقِيت وَحْدِي مَعَهُ. فَقُلْت لَهُ: حَضَرْت الْمَجْلِسَ الْيَوْمَ مُتَبَرِّكًا بِك، وَسَمِعْتُك تَقُولُ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَقْت، وَطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَقْت. وَقُلْت: وَظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ، لِأَنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَضَمَّنِي إلَى نَفْسِهِ وَقَبَّلَ رَأْسِي، وَقَالَ لِي: أَنَا تَائِبٌ مِنْ ذَلِكَ، جَزَاك اللَّهُ عَنِّي مِنْ مُعَلِّمٍ خَيْرًا. ثُمَّ انْقَلَبْت عَنْهُ، وَبَكَّرْت إلَى مَجْلِسِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَأَلْفَيْته قَدْ سَبَقَنِي إلَى الْجَامِعِ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا دَخَلْت مِنْ بَابِ الْجَامِعِ وَرَآنِي نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: مَرْحَبًا بِمُعَلِّمِي؛ أَفْسِحُوا لِمُعَلِّمِي، فَتَطَاوَلَتْ الْأَعْنَاقُ إلَيَّ، وَحَدَّقَتْ الْأَبْصَارُ نَحْوِي، وَتَعْرِفنِي: يَا أَبَا بَكْرٍ يُشِيرُ إلَى عَظِيمِ حَيَائِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَوْ فَاجَأَهُ خَجِلَ لِعَظِيمِ حَيَائِهِ، وَاحْمَرَّ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ طُلِيَ بِجُلَّنَارٍ قَالَ: وَتَبَادَرَ النَّاسُ إلَيَّ يَرْفَعُونَنِي عَلَى الْأَيْدِي وَيَتَدَافَعُونِي حَتَّى بَلَغْت الْمِنْبَرَ، وَأَنَا لِعَظْمِ الْحَيَاءِ لَا أَعْرِفُ فِي أَيْ بُقْعَةٍ أَنَا مِنْ الْأَرْضِ، وَالْجَامِعُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَأَسَالَ الْحَيَاءُ بَدَنِي عَرَقًا، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى الْخَلْقِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا مُعَلِّمُكُمْ، وَهَذَا مُعَلِّمِي؛ لَمَّا كَانَ بِالْأَمْسِ قُلْت لَكُمْ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَلَّقَ، وَظَاهَرَ؛ فَمَا كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَقُهَ عَنِّي وَلَا رَدَّ عَلَيَّ، فَاتَّبَعَنِي إلَى مَنْزِلِي، وَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا؛ وَأَعَادَ مَا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَنَا تَائِبٌ عَنْ قَوْلِي بِالْأَمْسِ، وَرَاجِعٌ عَنْهُ إلَى الْحَقِّ؛ فَمَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ حَضَرَ فَلَا يُعَوِّلْ عَلَيْهِ. وَمَنْ غَابَ فَلْيُبَلِّغْهُ مَنْ حَضَرَ؛ فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا؛ وَجَعَلَ يَحْفُلُ فِي الدُّعَاءِ، وَالْخَلْقُ يُؤَمِّنُونَ.
فَانْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ إلَى هَذَا الدِّينِ الْمَتِينِ، وَالِاعْتِرَافِ بِالْعِلْمِ لِأَهْلِهِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَإِ مِنْ رَجُلٍ ظَهَرَتْ رِيَاسَتُهُ، وَاشْتُهِرَتْ نَفَاسَتُهُ،لِغَرِيبٍ مَجْهُولِ الْعَيْنِ لَا يُعْرَفُ مَنْ وَلَا مِنْ أَيْنَ، فَاقْتَدُوا بِهِ تَرْشُدُوا...»انتهى(م1\ص249).
والأمثلة في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدا.
وأخيرا أقول لأخي الشيخ أبي أسامة الثبات الثبات على الحق الذي أنت عليه، ولا تلتفت لقول هؤلاء الناعقين، لأنهم ما أرادوا بك خيرا.
ولا تنس قدر مشايخنا وفضلهم عليك، خاصة العلامة محمد علي فركوس وأخويه الشيخ عبد المجيد جمعة والشيخ أزهر سنيقرة حفظهم الله، فقد كانوا يثنون عليك خيرا، ويحثون الشباب بالإلتفاف حولكم والإستفادة من علمكم.
واعلم أخي الحبيب أني لم ألتق بكم، ولم أركم بعدُ، ولكن بثناء هؤلاء المشايخ الكرام أحببناكم في الله، وأثنينا عليكم خيرا، لأننا على عقيدة واحدة، ومنهج واحد، وكما قيل «إذا التقت القلوب بالنسبة إلتقت الأبدان بالصحبة».
فيا أخي ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني برقم 6541 في صحيح الجامع.
نسأل الله لنا ولكم ولسائر مشايخنا وإخواننا الثبات على الحق والإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه:
أخوكم أبو عبد الحليم عبد الهادي
ليلة الثلاثاء 25 ذي الحجة.
أخوكم أبو عبد الحليم عبد الهادي
ليلة الثلاثاء 25 ذي الحجة.
تعليق