الرَّدَّ الْمُبِين عَلَى شُبْهَةِ عَدَمِ تَأْلِيفِ مَشَايِخِنَا كِتَابًا يَحْوِي الْأَدِلَّةَ وَالْبَرَاهين.
لتحميل المقال على صيغة بي دي آف: (https://bit.ly/2ZqI984).
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فمن الأمور المشكورة المحمودة، والنعم الحاصلة المعدودة، ما حصل من هبًّة السلفيين، ووقفة الواضحين، في كشف الأباطيل، ورد الأقاويل، التي وردت في بيان الشيخ أبي أسامة مصطفى بن وقليل-كان الله في عونه-، فكانوا لتلك الشبه بالمرصاد، وأعدوا لدحرها العُدة والعتاد، حتى أتوا على معظهما، وبينوا باطل أغلبها.
وكان من ثمار ذلك أن أشرقت الأرض بأنوار الإنصاف، وتزينت السماء بأضواء الاعتراف، فأتى التراجع يرفل في ثياب الشجاعة، وجاء البيان ينضح بروح الإقدام، حين دوى بها قوية، وصدع بها سوية، في وجوه الصعافقة الملبسين، والإحتوائيين المدلسين، فدخلوا في حيص بيص، وتعطلت عندهم أجهزة التمحيص والتشخيص، فصارت مخططاتهم عليهم وبالا، وتحولت شبكاتهم عليهم أنكالا، والحمد لله رب العالمين.
وفي هذه الكتابة نتطرق لدحر شبهة تلقفها غالب الاحتوائيين، وتسللت إلى جملة من المفتونين، حتى تغلغلت إلى بعض المُتذبذبين، ألا وهي:شبهة «عدم إبراز الحُجج والبراهين التي تُبين للناس وتُقنعهم بأحقية الأحكام الصادرة من مشايخنا تجاه جماعة الإصلاح، وعدم إخراج ذلك في مؤلف جامع للأدلة الواضحة، كاشف للمخالفات الفاضحة...».
وقد كان الشيخ أبو أسامة –وفقه الله لمراضيه- قد ذكر كلاما للشيخ ربيع بن هادي -حفظه الله- أوهم فيه تبنِّيه لهذه الشبهة وموافقته عليها، وقد تسربت لقلوب بعض ضعاف النفوس بعد قرائتهم لبيانه، مما أوجب علينا بيان وهائها، وهدم بنائها.
فإن قال قائل: كيف تُقدِم على الكلام في الشيخ أبي أسامة –حفظه الله وتبيين خطئه، وقد أظهر توبته، وأشاع أوبته، وفرح بذلك السلفيون، وسُر به الأثريون؟
فالجواب: أن الشبه خطافة، والقلوب مريضة، وإذا صدرت مثل هذه الشبه وجب نفيها، وكشف عوارها، لكي لا يغتر بها مغتر، ولا يتلقفها مفتر، مع حفظ كرامة من صدرت منه بعد توبته وإنابته، فإن أردت التمثيل والتدليل؛ فانظر ما جاء في مقدمة كتاب «تحريم النظر في كتب الكلام» لموفق الدين ابن قدامة المقدسي-رحمه الله- حيث قال:
«أما بعد فإنني وقفت على فضيحة ابْن عقيل الَّتِي سَمَّاهَا نصيحة، وتأملت مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْبدع القبيحة، والشناعة على سالكي الطَّرِيق الْوَاضِحَة الصَّحِيحَة، فَوَجَدتهَا فضيحة لقائلها قد هتك الله تَعَالَى بهَا ستره وَأبْدى بهَا عَوْرَته وَلَوْلَا أَنه قد تَابَ إِلَى الله عز وَجل مِنْهَا وتنصل وَرجع عَنْهَا واستغفر الله تَعَالَى من جَمِيع مَا تكلم بِهِ من الْبدع أَو كتبه بِخَطِّهِ أَو صنفه أَو نسب إِلَيْهِ لعددناه فِي جملَة الزَّنَادِقَة، وألحقناه بالمبتدعة المارقة،
وَلكنه لما تَابَ وأناب وَجب أَن تحمل مِنْهُ هَذِه الْبِدْعَة والضلالة على أَنَّهَا كَانَت قبل تَوْبَته فِي حَال بدعته وزندقته.
ثمَّ قد عَاد بعد تَوْبَته إِلَى نَص السّنة وَالرَّدّ على من قَالَ بمقالته الأولى بِأَحْسَن كَلَام، وأبلغ نظام، وَأجَاب على الشّبَه الَّتِي ذكرت بِأَحْسَن جَوَاب وَكَلَامه فِي ذَلِك كثير فِي كتب كبار وصغار وأجزاء مُفْردَة وَعِنْدنَا من ذَلِك كثير.
فَلَعَلَّ إحسانه يمحو إساءته، وتوبته تمحو بدعته، فَإِن الله تَعَالَى يقبل التَّوْبَة عَن عبَادَة وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات.
وَلَقَد كنت أعجب من الْأَئِمَّة من أَصْحَابنَا الَّذين كفروه وأهدروا دَمه وأفتوا بِإِبَاحَة قَتله وحكموا بزندقته قبل تَوْبَته وَلم أدر أَي شَيْء أوجب هَذَا فِي حَقه وَمَا الَّذِي اقْتضى أَن يبالغوا فِيهِ هَذِه الْمُبَالغَة حَتَّى وقفت على هَذِه الفضيحة؛ فَعلمت أَن بهَا وبأمثالها استباحوا دَمه...
وَهَا أَنا أُجِيب عَن مقَالَته إِن شَاءَ الله تَعَالَى فصلا فصلا، وَأبين عوار كَلَامه فرعا وأصلا، بِتَوْفِيق الله ومعونته».
نقل الشيخ السليل مصطفى بن وقليل-حفظه الله- كلاما للشيخ العلامة ربيع بن هادي –حفظه الله- ممثلا به على ما تبين له من -عدم رضاه عن إظهار الشيخين في صورة المُغلق عليهما، وعدم الطعن فيهما بالبطانة السيئة، ومقارعة الحجة بالحجة لا إلقاء الأحكام المنفرة العارية عن الدليل-، قدم له بقوله:
«وقد دعا –أي الشيخ ربيع- في هذه الفتنة إلى ما دعا إليه في فتنة الحجوري وفتنة فالح وفتنة عبد الحميد العربي وهو شيء واحد متحِّد: الكفُّ عن تراشق التهم وإيقاف الملاسنات وسحب الكتابات من المواقع كما دعا إلى معالجة الأمور برفق وروية-وليته أنكر على جماعة المصالح بمثل ما أنكر به على مشايخنا في هذا وكأنهم برآء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب-، فها هو يقول في نصيحته لفالح الحربي:
«وإنِّي -والله- لأحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، ومن ذلك الرجوعُ إلى الصواب في هذه المسائل، إلى طريقة السلف في التفصيل والبيان في نقد أهل البدع وأهل الأخطاء حتى يتبيَّن خطأُ المجتهدين وتستبينَ سبيلُ المبتدعين والمجرمين، إنَّ إصدارَ الأحكام على أشخاص ينتمون إلى المنهج السلفي، وأصواتُهم تدوِّي بأنَّهم هم السلفيون بدون بيانِ أسبابٍ وبدون حججٍ وبراهينَ قد سبَّبَ أضرارًا عظيمة وفُرقةً كبيرة في كلِّ البلدان، فيجب إطفاءُ هذه الفتنِ بإبرازِ الحججِ والبراهينِ الَّتي تُبيِّن للناس وتُقنعُهم بأحَقِّيَّة تلك الأحكامِ وصوابها، أو الاعتذارِ عن هذه الأحكامِ.
ألا ترى أنَّ علماءَ السلفِ قد أقاموا الحججَ والبراهينَ على ضلال الفِرق من روافض وجَهْمية ومعتزلة وخوارج وقدَرية ومُرجئة وغيرهم، ولم يَكتفوا بإصدارِ الأحكام على الطوائف والأفراد بدون إقامةِ الحُجج والبراهين الكافيةِ والمقنعة، بل ألَّفوا المؤلفاتِ الكثيرةَ الواسعة في بيانِ الحقِّ الذي عليه أهلُ السُّنة والجماعة وبيانِ الضَّلال الذي عليه تلك الفرقُ والأفراد ...
أترى لو كان نقدُهم ضعيفًا واحتجاجُهم هزيلًا -وحاشاهم من ذلك- أو اكتَفَوا بإصدار الأحكام، فقالوا الطائفةُ الفلانيةُ جهمية ضالة، وفلانٌ جهْميٌّ وفلانٌ صوفيٌّ قبوريٌّ، وفلانٌ من أهلِ وَحدة الوجود والحلول، والروافضُ أهلُ ضلالٍ وغلوٍّ ويُكفِّرون الصحابةَ ويسبُّونهم، والقدريةُ والمعتزلةُ من الفرقِ الضَّالة، أو كان نقدُهم ضعيفًا، فإذا طُولبوا بالحججِ والبراهين وبيانِ أسبابِ تضليل هذه الفرقِ، قالوا ما يلْزَمُنا ذلك، وهذه قاعدةٌ ضالَّةٌ تُضِلُّ الأمَّةَ، أترى لو فعلوا ذلك أكانوا قد قاموا بنَصْر السنة وقَمْع الضلالِ والإلحاد والبدع، الجواب لا وألف لا». (المجموع 158/9) ».
وردا لهذه الشبهة، وبيانا لخطأ الشيخ أبي أسامة ومجانبته الصواب في إسقاط كلام العلامة ربيع على الخلاف الواقع بين مشايخنا وجماعة المصالح، أقول:
أولا: القول بأن إصدار الأحكام بدون بيان أسباب الجرح في هذا الخلاف غير صحيح، فالأدلة منتشرة، والحُجج مشتهرة، ولا يشترط بلوغ الأدلة لفلان وعلان، أو فهمه لها وإقراره بها واعتماده عليها، وإنما يشترط صحة الأدلة وثبوتها بما يجعلها حجة لك في الجواب بها أمام الله عز وجل.
ثانيا: القول بأن علماء السلف أقاموا الحجج والبراهين في بيان ضلال الفرق، وألفوا في ذلك المؤلفات-كما هي طريقة الشيخ ربيع في بعض كتبه في الردود على غرار ردوده على سيد قطب وأبي الحسن والمليباري وباشميل والمالكي وعرعور والحلبي وغيرهم-، موهما أن مشايخنا لم يكونوا كذلك، يُرد عليه –تنزلا في الجواب- بأن مشايخنا أيضا كتبوا في هذا الخلاف كتابات شحنوها بأدلة رصينة، وشهادات متينة، ليس لنا حيلة إذا لم يبصرها عميان البصيرة، لأن «من لم يجعل الله له نورا فما له من نور»(النور:40)، والسلفي يكفيه دليل واحد، والخلفي لا يكفيه ألف دليل، ومنهج السلف المقتدى به هو قلة الكلام مع كثرة المعاني والمبادرة إلى العمل لأن رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، وهذا ما تراه في كتابة شيخنا فركوس في نصيحته لأعضاء التصفية والتربية، وكتابته بيان المآخذ على بيان براءة للذمة حيث أقام الأدلة بأوجز عبارة، وألطف إشارة، ثم بادر إلى العمل قبل بلوغ الأجل، حتى أنه لما يسأل عنهم يقول هذا الأمر تجاوزناه وانتهينا منه، وقد كتب شيخنا جمعة في هذا الخلاف كذلك كتابات نافعة تنضح بالعلم، وتشع بالحجة في ردوده على حمودة وعلى توفيق عمروني وكذا كتاباته المنشورة في وسائل التواصل المشهورة، ولا ننسى كتابات شيخنا الأزهر ومقالاته المتتالية، وبياناته المتوالية، وقد قمت بجمع أولي في ملف واحد لما ذكرته أعلاه من مقالات وبيانات، فزادت على المائة صفحة يمكن صدورها في رسالة لطيفة فيها الكفاية، بأدلة قوية بلغت النهاية، وهذا دون احتساب ما جاء في صوتياتهم، وما قُيِّد عنهم في جلساتهم، وما نشروه في حساباتهم، وأجابوا عليه في سؤالاتهم، فإذا ضممنا ذلك إلى ما كتبه طلابهم في الدفاع عنهم، والانتصار للحق الذي معهم، جاء ذلك في مجلد ضخم،وسفر فخم، تنقطع معه الحجة، وتثبت به المحجة.
وهذا نظير صنيع الشيخ ربيع في بعض كتبه إذ هو جمع لمقالات، وتفريغ لصوتيات كما في كتاب «عمدة الأبي في رد تأصيلات وضلالات علي الحلبي»، أو «وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل حمدان» وغيرها.
ثالثا: أنه ليس بلازم اشتراط تأليف الجارح لكتاب يجمع فيه أخطاء المخالفين، بل من المسالك المعروفة دفاع التلاميذ عن مشايخهم، وذب الطلبة عن علمائهم، وهذا ما حصل
حين هبَّ طلبة العلم لنصرة مشايخنا بمقالات علمية رصينة، وردود قوية متينة، ذكروا فيها ما عاينوه، وصدعوا بما شاهدوه، وهذا مسلك معروف عند العلماء كما صنع الشيخ أحمد بازمول –حفظه الله- في كتابه الذي ألفه تحت أعين الشيخ ربيع : «صيانة السلفي من وسوسة وتلبيسات الحلبي»، وكما فعل الشيخ خالد عثمان في كتابه الذي قرظه له الشيخ ربيع «دفع بغي الجائر الصائل على إمام الجرح والتعديل وعلى المنهج السلفي وأئمته بالباطل-قد علمي لكتاب انصر أخاك ظالما أو مظلوما-»، وغير ذلك كثير.
رابعا: لو فرضنا أنهم كتبوا كتابا ضخما فيه ذكر أخطاءهم بالتفصيل المبين، والتوثيق المتين، لم يلزم من ذلك أن يكون سببا في هدايتهم -إلا أن يشاء الله-، والواقع خير شاهد على ذلك، فهذه كتب العلامة ربيع بن هادي وردوده سيارة، ومع ذلك تجد فئاما من الناس تتعصب بالباطل، وتتحزب لدعاة الضلال، وهذه سنة الله في خلقه، ودونك كتاب أخينا عارف البحريني في الرد على عرفات حيث تجاوز كتابه (المائة والخمسين) صفحة ملأه بالأدلة الموثقة، والبراهين المرفقة، ولم نر توبة صادقة منه، ولا موقفا واضحا من الصعافقة في التبري من أفعاله والتحذير منه، ولكنها «لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»(الحج:46).
خامسا: اشتراط لزوم إخراج الكتب، وتأليف المؤلفات في التحذير من المخالفين لم يؤثر عن أحد من العلماء –فيما أعلم-، فعلماء الحديث جرحوا الرواة، وردوا على الضلالات، ولم يشترطوا في ذلك لزوم الكتابة، لقبول الحجة وبلوغ الإصابة، فالعبرة ببيان الحق وبلوغ الحجج رغم ما في هذا الاشتراط من إسقاط قبول خبر الواحد العدل الضابط، كما قال شيخنا محمد بن هادي في إحدى الفتن لما أراد التكلم في أحدهم وطُلب منه أن يسجل في ذلك صوتية، فقال: «هذا فيه إسقاط لقبول خبر الثقة» أو كما قال.
سادسا: أن أهل العلم كثيرا ما يردون على المخالفين بجنس ما انتشرت به المخالفة ولا نكير في ذلك، فإذا كانت المخالفات في كتاب جاء الرد في كتاب، وإذا كانت في صوتية كان الرد بجنسها، ومخالفات وطوام جماعة المصالح عبارة عن صوتيات وجلسات، ومواقف وكلمات، يحسُن الرد عليها بجنسها، وأمثلة ذلك عند السلف أشهر من نار على علم، فيكفي أن تنظر في ردود شيخ الإسلام ابن تيمية كـ«بيان تلبيس الجهمية»، و«الرد على البكري»، و«الرد على الشاذلي»، وغيرها لتعلم صحة ذلك؛ وعلى هذا سار أئمة السلف ممن تقدم وتأخر في كثير من مؤلفاتهم، وهو صنيع بعض العلماء في هذا العصر، كما فعل العلامة ربيع بن هادي في كثير من ردوده كـ «براءة الصحابة الأخيار من التبرك بالأماكن والآثار»، و«جماعة واحدة لا جماعات وصراط واحد لا عشرات»، و«العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم»، غير أن ذلك لا يمنع أن يكون الرد على كتاب بكلام، أو الرد على كلام بكتاب، أو على كلام بكلام –كرد العلامة ربيع على الرمضاني، ورد العلامة عبيد على عبد الحميد العربي-من دون تأليف ولا كتابة بحسب ما تقتضيه مصلحة الرد، وإنما حكيت في هذا الوجه صنيع بعض العلماء لدفع اشتراط التأليف في الرد.
سابعا: من يتعذر بمثل هذه الشبهة في رد الحق فيه دليل على بعده عن الصراط السوي، لأنه «لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم»(الأنفال:22)، وقد استدل العلامة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- بهذه الآية في كتابه «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد» لما ذكر قصة عمرو بن عبسة السلمي -رضي الله عنه- حين سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصبر حتى ركب راحلته متوجها إلى مكة طالبا الحجة والبرهان على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال مستنبطا:
«فمما فيه من الاعتبار أن هذا الأعرابي الجاهلي لما ذُكر له أن رجلا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس، لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه وعلم ما عنده، لما في قلبه من محبة الدين والخير، وهذا فُسِّر به قوله تعالى: «ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم» (الأنفال:22) أي: حرصا على تعلم الدين «لأسمعهم»: أي: لأفهمهم، فهذا يدل على أن عدم الفهم في الناس اليوم عدلٌ منه سبحانه لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين، فتبين أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شرِّ الدواب هو عدم الحرص على تعلم الدين، فإذا كان هذا الجاهلي يطلب هذا الطلب، فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه، وعنده من يعرض عليه التعليم ولا يرفع بذلك رأسا؟ فإن حضر أو استمع فكما قال تعالى: «ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم» (الأنبياء:3)»اهـ ؛ فلو علم الله في هؤلاء الصدق في طلب الحق، والاجتهاد في معرفة الدليل، والانصاف في الحكم بالعدل، ليسر لهم نفاذ الأدلة الى قلوبهم ووصولها الى عقولهم، لأنه «ليس لنا من الأمر شيئ»(آل عمران:128)، ومهمتنا «الإبلاغ لا الإقناع» كما قال تعالى: «لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين»(الشعراء:3).
قال السعدي –رحمه الله- في تفسيرها:
«ففي هذا دليل على أن الإنسان الداعية لا ينبغي أن يهلك نفسه بالهم والغم لعدم قبول الناس للحق؛ لأنه إذا أتى بما يجب عليه انشرح صدره، كفاية أن تأتي بما وجَبَ عليك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إنِ امتثلَ الناس فهو نعمة على الجميع، وإن لم يمتثلوا فلا تغتمَّ؛ لأنك إذا اغتَمَمْتَ اشتغلْتَ بغيرِك عن نفسك، وصار همك إن صليت ولاء الناس، وإن جلست ولاء الناس، وإن قمت ولاء الناس، هذا ما هو بصحيح؛ لأنه يفسد عليك عبادتك أنت خاصة، فأنت اشتغل بنفسك، وغيرك أدِّ ما أوجب الله عليك لهم، ثم إنِ اهْتَدَوْا، وإلا فلستَ عليهم بمسيطر، وبهذا يستريحُ الإنسان راحة عظيمة، ويكون مقبلًا على عبادته محسنًا لها».
وقال –رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: «لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا»(الكهف:6):
«وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن قدرته، وإذا كان النبي ﷺ يقول الله له: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وموسى عليه السلام يقول: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ الآية، فمن عداهم من باب أولى وأحرى، قال تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾».
هذا ما ظهر لي من أوجه في الجواب، ومن عُدم الماء تيمم بالتراب، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تعليق