إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التذكير الجليل لأهل السبيل والنصح الجميل للشيخ مصطفى بن وقليل.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التذكير الجليل لأهل السبيل والنصح الجميل للشيخ مصطفى بن وقليل.

    بــســـم الله الـــرحمن الــــرحيـــم


    التذكير الجليل لأهل السبيل
    والنصح الجميل للشيخ مصطفى بن وقليل


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: يقول ربنا سبحانه وتعالى: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَع الْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات 55] قال بن جرير رحمه الله ورفع درجاته في عليين: يَقُول : وَعِظْ يَا مُحَمَّد مَنْ أُرْسِلْت إِلَيْهِ , فَإِنَّ الْعِظَة تَنْفَع أَهْل الْإِيمَان بِاللَّهِ. اهـ
    فأخبر العليم الخبير سبحانه أن الذكرى تنفع المؤمنين الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، أولئك الذين تعرفوا على الله سبحانه وما ينبغي له من أسماء حسنى وصفات علية عليا، تدل العاقل على عظمته وكبير قدرته، و سعة حلمه وعموم عفوه وتمام عدله وسرعة بطشه سبحانه وتعالى، وهذا الذي ينبغي على كل عاقل أن يعلمه، إذ هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، قال بن القيم رحمه الله: لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب جل جلاله ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان. ومنها: أن معرفة الله بأسمائه وصفاته وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والتوكل وسائر العبادات القلبية. اهـ المدارج ج3 ص347.
    واعلموا يا أهل السنة رحمكم الله أنه لا يتأتى للعبد أن يتعرف على ربه ولا أن يعرف ما يجب عليه تجاهه، إلا بمعرفة ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، وتصديقه فيما أخبر، وامتثال أمره فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وهذا مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا علم العبد عمل ولزم، وقدم مراد الله ومراد رسوله على مراد نفسه ووالده وولده والناس أجمعين، وهذا صنيع الموفق الأمين، قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحجرات 15].
    قال بن جرير رحمه الله: يقول تعالى ذكره للأعراب الذين قالوا آمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم: إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدّقوا الله ورسوله, ثم لم يرتابوا, يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله, ولا في نبوّة نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وألزم نفسه طاعة الله وطاعة رسوله, والعمل بما وجب عليه من فرائض الله بغير شكّ منه في وجوب ذلك عليه (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يقول: جاهدوا المشركين بإنفاق أموالهم, وبذل مُهجِهم في جهادهم, على ما أمرهم الله به من جهادهم, وذلك سبيله لتكون كلمة الله العليا, وكلمة الذين كفروا السفلى.
    وقوله ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) يقول: هؤلاء الذين يفعلون ذلك هم الصادقون في قولهم: إنا مؤمنون, لا من دخل في الملة خوف السيف ليحقن دمه وماله.
    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
    * ذكر من قال ذلك:
    حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) قال: صدّقوا إيمانهم بأعمالهم. اهـ
    قال جامعه عفا الله عنه:
    والجهاد الذي أوجبه الله على عباده نوعان جهاد بالنفس والمال، وجهاد بالتعليم ودعوة الناس للحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا لا يطيقه كل أحد بخلاف الأول فيطيقه كل أحد إلا من نفى الله عنه الحرج في قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) [ التوبة : 91 ، 92 ] .
    والجهاد بالقلم واللسان من أجل القربات ومن أعظم الطاعات التي يعقبها الأذى ولأهلها العاقبة الحسنى، فيجب فيها الصبر والمصابرة والثبات، لأنها من أعظم موجبات البلاء كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوابه وكان سئل: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ " ، قَالَ : " يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ , فَلا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْضِ وَمَا لَهُ خَطِيئَةٌ. رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث سعد بن مالك رضي الله عنه.
    فإن علم هذا وجب على أهل العلم والديانة أن يوطنوا أنفسهم على الصبر والشجاعة والثبات في نصرة الحق، وليستعينوا بالنظر في سير الصالحين قبلهم فالقوم ضربوا أروع الأمثلة في الثبات على الحق وإحقاقه ونصرته والصبر على ما يعقبه، قال تعالى مثبتا نبيه صلى الله عليه وسلم: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم)[الأحقاف35].
    فامتثل نبينا صلى الله عليه وسلم أمر ربه، وكان يحث أصحابه رضي الله عنهم على الصبر ويثبتهم بذكر شيء من أخبار من سبقهم من أهل الإيمان، فعنْ أبي عبدِاللَّهِ خَبَّابِ بْن الأَرتّ رضي الله عنه قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. رواه البخاري.
    قال شيخ الاسلام رحمه بعد ذكر هذا الحديث العظيم: ومعلوم أن هذا إنما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في معرض الثناء على أولئك ، لصبرهم وثباتهم ، وليكون ذلك عزة للمؤمنين من هذه الأمة " اهـ "الاستقامة" (2/332) .
    وامتثل الصحابة الكرام رضي الله عنهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت لهم مواقف طيبة في نصرة الحق وأهله والصبر على الأذى في سبيل الله.
    روى الإمام البخاري رحمه الله من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً عَيْنًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالهَدَةِ بَيْنَ عَسْفَانَ ، وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ ، فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ ، فَقَالُوا : تَمْرُ يَثْرِبَ ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ ، فَلَمَّا حَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى مَوْضِعٍ فَأَحَاطَ بِهِمُ القَوْمُ ، فَقَالُوا لَهُمْ : انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ ، وَلَكُمُ العَهْدُ وَالمِيثَاقُ : أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ : أَيُّهَا القَوْمُ : أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ عَلَى العَهْدِ وَالمِيثَاقِ ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ ، وَرَجُلٌ آخَرُ ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ ، فَرَبَطُوهُمْ بِهَا ، قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ : هَذَا أَوَّلُ الغَدْرِ ، وَاللَّهِ لاَ أَصْحَبُكُمْ ، إِنَّ لِي بِهَؤُلاَءِ أُسْوَةً ، يُرِيدُ القَتْلَى ، فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ ، فَانْطُلِقَ بِخُبَيْبٍ ، وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، فَابْتَاعَ بَنُو الحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الحَارِثِ مُوسًى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ ، فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالمُوسَى بِيَدِهِ ، قَالَتْ : فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ ، فَقَالَ : أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ ، قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالحَدِيدِ ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ ، وَكَانَتْ تَقُولُ : إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا ، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ : دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا ، وَلاَ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
    فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
    وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

    ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الحَارِثِ فَقَتَلَهُ ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاَةَ ، وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ - حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ - أَنْ يُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا. اهـ.
    وزاد بن القيم رحمه الله في كتابه الفذ زاد المعاد قول خبيب رضي الله عنه:
    لقد جَمّعَ الأحزابُ حَولِي وألّبوا ... قبائلَهُمْ واستَجْمَعُوا كُلَّ مَجمَعِ
    وكلُّهُمُ مُبدي العداوةِ جاهِدٌ ... عليَّ لأنّي في وَثاقي بِمَضْيَعِ
    وقد جمَّعوا أبناءَهُمْ ونِساءَهُمْ ... وقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَويلٍ مُمَنَّعِ
    إلى اللهِ أشْكُو غُرْبَتي ثُمَّ كُرْبَتي ... وما أرصدَ الأحزابُ لي عندَ مَصرعَي
    فَذَا العرشِ صَبِّرْني على ما يُرادُ بِي ... فقد بضّعوا لَحْمي وقدْ يَاسَ مَطْمَعي
    وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ ... يُبارِكْ على أوصالِ شِلْو مُمَزَّعِ
    وقد خَيَّرُوني الكُفرَ والموتَ دُونَه ... وقدْ هَمَلَتْ عَيْنايَ من غَيرِ مَجزَعِ
    وما بي حَذارُ الموتِ، إني لميّتٌ ... ولكنْ حَذاري جُحْمُ نارٍ مُلَفَّعِ
    فلستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِماً .. على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعي
    ولستُ بمبدٍ للعدو تخشُّعاً ... ولا جزَعَاً، إنّي إلى الله مَرجِعي

    الزاد ج3 ص 225ـ226.
    وللبخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إلى آخر الآية وقال إن أخته وهي تسمى الربيع كسرت ثنية امرأة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقال أنس يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فرضوا بالأرش وتركوا القصاص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره. اهـ
    واذكر قصة بلال بن رباح رضي الله عنه يوم كان يعذب في الرمضاء في شدة الحر والهجير يؤمر بالكفر وعليه صخرة عظيمة فيأبى إلا قولة: أحد، أحد.
    واذكر آل ياسر وما بلغهم من الأذى في سبيل الله يموت ياسر رضي الله عنه صبرا وتقتل زوجته سمية بنت الخياط رضي الله عنها لتكون أول من قتل في سبيل الله من هذه الأمة الكريمة، وهكذا من جاء بعدهم من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، لا يريدون عرض الحياة الدنيا ولا زينتها، لا تربطهم بالناس مصالح تردهم عن الهدى، ولا يثنيهم عن الحق مال ولا ولد، همهم وشغلهم طلب مرضاة ربهم.
    قال بن القيم رحمه الله تعالى عند ذكره لقصة يهود بني قريضة: ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقامت إليه الأوس ، فقالوا : ( يا رسول الله قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج ، وهؤلاء موالينا ، فأحسن فيهم فقال : ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى . قال : فذاك إلى سعد بن معاذ . قالوا : قد رضينا ، فأرسل إلى سعد بن معاذ ، وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به ، فأركب حمارا وجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجعلوا يقولون له وهم كنفتاه : يا سعد أجمل إلى مواليك ، فأحسن فيهم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكمك فيهم لتحسن فيهم ، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا ، فلما أكثروا عليه ، قال : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ، فلما سمعوا ذلك منه ، رجع بعضهم إلى المدينة ، فنعى إليهم القوم ، فلما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال للصحابة : قوموا إلى سيدكم فلما أنزلوه قالوا : يا سعد ! إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك ، قال : وحكمي نافذ عليهم ؟ . قالوا : نعم . قال : وعلى المسلمين ؟ قالوا : نعم . قال : على من هاهنا وأعرض بوجهه ، وأشار إلى ناحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجلالا له وتعظيما ؟ قال : نعم ، وعلي . قال : فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال ، وتسبى الذرية ، وتقسم الأموال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ) . اهـ زاد المعاد ج3 ص122ـ123.
    ولو رام أحد جمع ما جاء عن الصحابة في هذا الباب لرام معجزا، واقرأ كتب التاريخ والمغازي والسير تجد من ذلك شيئا عجبا، ولعلنا نكتفي بما ذكرنا وقد قيل قديما: الإشارة تغني عن طويل العبارة، وما تقدم إن شاء الله يكفي العاقل البصير.
    ثم جاء من بعدهم من أئمة الاسلام والسنة فاقتفوا آثارهم، واتعظوا بما علموه من أحوالهم وقوة عزائمهم، فكانوا خير خلف لخير سلف، وسطروا في صفحات التاريخ المشرقة، بل في قلب كل مؤمن صادق معنى الصبر على السنة وبذل الغالي والنفيس في سبيل إعلائها، ولعلنا نذكر من أولئك الأفذاذ إمام أهل السنة في زمانه الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله ورفع درجاته في جنات عدن.
    قال الإمام بن كثير رحمه الله تعالى في ذكر محنة الإمام أحمد رحمه الله ورضي عنه:
    قال ـ أي الإمام أحمد ـ: ثم دعيت فأدخلت على المعتصم ، فلما نظر إلي، وعنده ابن أبي دؤاد قال: أليس قد زعمتم أنه حدث السن ، وهذا شيخ مكتهل ؟ فلما دنوت منه وسلمت قال لي : ادنه . فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: اجلس . فجلست وقد أثقلني الحديد ، فمكثت ساعة ، ثم قلت : يا أمير المؤمنين، إلام دعا إليه ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله . قلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله . قال: ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس، ثم قلت: فهذا الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه ، وذلك لأني لم أتفقه كلامه ، ثم قال المعتصم : لولا أنك كنت في يد من كان قبلي لم أتعرض إليك ، ثم قال : يا عبد الرحمن ، ألم آمرك أن ترفع المحنة ؟ قال أحمد : فقلت : الله أكبر ، هذا فرج للمسلمين . ثم قال : ناظروه ، يا عبد الرحمن كلمه . فقال لي عبد الرحمن : ما تقول في القرآن ؟ فلم أجبه ، فقال المعتصم : أجبه . فقلت : ما تقول في العلم ؟ فسكت ، فقلت : القرآن من علم الله ، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله . فسكت ، فقالوا فيما بينهم : يا أمير المؤمنين ، كفرك وكفرنا . فلم يلتفت إلى ذلك ، فقال عبد الرحمن : كان الله ولا قرآن ؟ فقلت : كان الله ولا علم ؟ فسكت . فجعلوا يتكلمون من هاهنا وهاهنا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أعطوني شيئا من كتاب الله ، أو سنة رسول الله حتى أقول به ، فقال ابن أبي دؤاد : وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا ؟ فقلت : وهل يقوم الإسلام إلا بهما ؟
    وجرت بينهما مناظرات طويلة ، واحتجوا عليه بقوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث [ الأنبياء : 2 ] وعنه في ذلك أجوبة بحدث إنزاله ، أو ذكر غير القرآن محدث كما تقدم ورشح هذا بقوله ص والقرآن ذي الذكر [ ص : 1 ] يعني به القرآن بخلاف الذكر فإنه غير القرآن . وبقوله الله خالق كل شيء [ الرعد : 16 ] وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله تدمر كل شيء بأمر ربها [ الأحقاف : 25 ] فقال ابن أبي دؤاد : هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع ، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم . فقال لهم : ما تقولون فيه : فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد ، ثم أحضروه في اليوم الثاني فناظروه أيضا ، ثم في اليوم الثالث فناظروه أيضا ، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم ، وتغلب حجته حججهم . قال : فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد ، وكان من أجهل الناس بالعلم والكلام ، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ، ولا علم لهم بالنقل ، فجعلوا ينكرون الآثار ، ويردون الاحتجاج بها .
    وقال أحمد : سمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحدا يقولها ، وقد تكلم معي برغوث بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه ، فقلت : لا أدري ما تقول إلا أني أعلم أن الله أحد صمد ، ليس كمثله شيء ، فسكت عني .
    وقد أوردت لهم حديث الرؤية في الدار الآخرة فحاولوا أن يضعفوا إسناده ، ويلفقوا عن بعض المحدثين كلاما يتسلقون به إلى الطعن فيه ، وهيهات وأنى لهم التناوش من مكان بعيد [ سبأ : 52 ] وفي غبون ذلك كله يتلطف به الخليفة ، ويقول : يا أحمد ، أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي ، وممن يطأ بساطي . فأقول : يا أمير المؤمنين ، يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبهم إليها .
    واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الاحتجاج بالآثار بقوله تعالى : حكاية عن إبراهيم يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [ مريم : 42 ] وبقوله وكلم الله موسى تكليما [ النساء : 164 ] وبقوله : إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني [ طه : 14 ] ، وبقوله : ألا له الخلق والأمر [ الأعراف : 54 ] وبقوله إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ النحل : 40 ] إلى غير ذلك من الآيات . فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة في ذلك ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا كافر ضال مضل . وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد : يا أمير المؤمنين ، ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين ، فعند ذلك حمي واشتد غضبه ، وكان ألينهم عريكة ، وهو يظن أنهم على شيء . قال أحمد : فعند ذلك قال لي : لعنك الله ، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني . ثم قال : خذوه واخلعوه واسحبوه .
    قال أحمد : فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعقابين والسياط ، وأنا أنظر ، وكان معي شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مصرور في ثوبي فجردوني منه ، وصرت بين العقابين ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، الله الله ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث . . وتلوت الحديث ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم فبم تستحل دمي ، ولم آت شيئا من هذا ، يا أمير المؤمنين اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك . فكأنه أمسك ، ثم لم يزالوا يقولون له : يا أمير المؤمنين ، إنه ضال مضل كافر . فأمر بي فأقمت بين العقابين ، وجيء بكرسي فأقمت عليه ، وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم ، فتخلعت يداي ، وجيء بالضرابين ، ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ، ويقول له يعني المعتصم : شد ، قطع الله يدك ! ويجيء الآخر فيضربني سوطين ، ثم الآخر كذلك ، فضربوني أسواطا فأغمي علي ، وذهب عقلي مرارا ، فإذا سكن الضرب يعود إلي عقلي ، وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم فلم أجبه ، وجعلوا يقولون : ويحك ، الخليفة على رأسك . فلم أقبل ، فأعادوا الضرب ، ثم عاد إلي فلم أجبه ، فأعادوا الضرب ، ثم جاء إلي الثالثة ، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب ، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب ، وأرعبه ذلك من أمري ، وأمر بي فأطلقت ، ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت وقد أطلقت الأقياد من رجلي ، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين ، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله ، وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا ، وقيل : ثمانين سوطا لكن كان ضربا مبرحا شديدا جدا .
    وقد كان الإمام أحمد رجلا طوالا رقيقا أسمر اللون كثير التواضع ، رحمه الله ، ورضي عنه ، وأكرم مثواه .
    ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم ، وهو صائم ، أتوه بسويق وماء ; ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك ، وأتم صومه ، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم ، فقال له ابن سماعة القاضي : صليت في دمك ؟ فقال له أحمد : قد صلى عمر وجرحه يثعب دما . فسكت .
    ويروى أنه لما أقيم ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته ، فحرك شفتيه بدعاء فعاد سراويله كما كان . ويروى أنه قال : يا غياث المستغيثين يا إله العالمين ، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة .
    ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحما ميتا من جسده ، وجعل يداويه ، والنائب يبعث كثيرا في كل وقت يسأل عنه ، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا ، وجعل يسأل النائب عنه ، والنائب يستعلم خبره ، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك ، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد ، وجعل كل من سعى في أمره في حل إلا أهل البدعة ، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم [ النور : 22 ] ويقول : ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سبيلك ؟ وقد قال الله تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله [ الشورى : 40 ] وينادى يوم القيامة : " ليقم من أجره على الله " فلا يقوم إلا من عفا . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، ومن تواضع لله رفعه الله .
    وكان الذين ثبتوا على المحنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة : أحمد بن حنبل ، وهو رئيسهم ، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري ، ومات في الطريق حين ذهب هو وأحمد إلى المأمون ونعيم بن حماد الخزاعي ، وقد مات في السجن ، وأبو يعقوب البويطي ، وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن ، لم يجبهم إلى ذلك . وكان مثقلا بالحديد ، وأوصى أن يدفن فيها ، وأحمد بن نصر الخزاعي ، وقد ذكرنا كيفية قتله - رحمه الله - في أيام الواثق . اهـ البداية والنهاية ج11 ص 36ـ40.
    قال جامعه عفا الله عنه:
    كل هذا دفاعا عن شريعة الله وأسمائه وصفاته، فجزاه الله عنا وعن الاسلام وأهله خير ما يجزي به عالما عن أمته، أما اليوم فيعيث غلمان السوء الجهلة في أسماء الله وصفاته تحريفا وتبديلا، ولا ترى من جماعة الإصلاح وأضرابهم نصرة لدين الله ولا دفاعا عن أسمائه وصفاته، بل تجد تخذيلا لأهل الحق ونصرة ودفاعا من بعضهم عن الباطل ومن جاء به، كما صنع الدكتور ماضي الذي إن بقي على ما هو عليه ليصيرن من الماضي، في مقاله القبيح (تعقيب على مقال فك الأغلال)، للشيخ محمد عبد الهادي حفظه الله، الذي نصر فيه الشيخ حفظه الله السنة وأعلى منارها بما ضمنه من أدلة واضحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام المحققين من أهل العلم أمثال شيخ الاسلام بن تيمية وتلميذه، وشيخ الاسلام بن باز وتلاميذه ـ بن عثيمين والفوزان والشيخ صالح آل الشيخ ـ رحم الله الأموات وحفظ الأحياء منهم، فضاق عبد الخالق ذرعا بما جاء في هذا المقال الرصين ووصف المقال بالفجور، ودافع بالباطل عن الصعافقة المبطلين، وهذا لا يفعله من له أدنى غيرة على هذه الشريعة الغراء. فالله المستعان.
    وأما مخازي جماعة الاصلاح والصعافقة وما هم عليه من الانحراف فقد بدا وبان لكل ذي عينين، التمييع والخذلان ومخالطة المخالفين، والطعن على أهل السنة المعروفين، والكذب والتلون والجهل وما وافقوا فيه الحق غالبا مسروق من كلام غيرهم، والتحريش بين العلماء، والغلو الفاحش في الشيخ ربيع، والإعراض عن أصول وقواعد أهل السنة، وإحداث قواعد هي محور استبدال بقواعد أهل الحق، والتأكل بالدعوة، واستكتاب المخالفين، والسب وبذاءة اللسان وقلة الأدب وغيرها من الخصال الذميمة التي لا ينبغي أن يتصف بها أهل الطائفة الناجية الكريمة، هذا وأعظم ما وقع فيه هؤلاء الجهلة من مخالفات، الخلط في مسائل أشرف العلوم وأجلها علم التوحيد وما ينبغي لله العظيم سبحانه وتعالى، فمن ناف اسم الله وأنه ليس من أسماء الله الحسنى، إلى قائل: دليل نزول الرب سبحانه: (إنا أنزلناه في ليلة القدر). والعرش لا نعلم كيفيته، والله يجلس على العرش، والميزان من صفات الله، ولا تجوز الاستعاذة بالقرآن لأنه منزل، وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. الحديث فيه دليل على صفتي اليد والقدم لله تعالى، ومما يتعلق بمسائل المعتقد: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتواضع هنا، وإنكار بعضهم على ولاة الأمر علانية، وقضايا الحرب والاجتماعات السرية، وغيرها من الأمور الواضحات البينات، التي ذاعت وانتشرت وعلمها حتى العميان كما قال الشيخ محمد بن هادي حفظه الله ووفقه.
    فكيف بأئمة السنة أمثال الإمام أحمد إذا رأى هذا الخلط العجيب من هؤلاء الغلمان الجهلة ومن يؤزهم من شيوخ السوء ويدافع عنهم ويبرر لهم، ما لنا إلا أن نقول كما قال الإمام الذهبي رحمه الله: لطار لبه.
    وإن تعجب فعجب قولهم: نحن أهل السنة، فيقال لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد: أرأيت سنيا ينصر الباطل وأهله، ويتكلم في أسماء ربه وصفاته بالجهل والهوى؟ ويقرر ما تقدم ذكره من مسائل تدل على الجهل والبعد عن سبيل أهل السنة؟ كلا والذي رفع السماء بغير عمد. بل هذا صنيع الضلال من أهل الأهواء والبدع.
    ثم بعد هذه البوائق يخرج علينا الشيخ أبو أسامة أصلحه الله بما لم نكن ننتظر من مثله ومن هو في منزلته ببيان يخذل فيه السنة وأهلها وينصر فيه الباطل وأهله، ويبرئ القوم مما هم غارقون فيه إلى الأذقان، وينكر الواضحات المسلمات، ويرمي أهل السنة بما علم هو في قرارة نفسه أنها أمور يردها واقع هؤلاء العلماء الأجلاء وما هم عليه من سلامة العقيدة ووضوح المنهج، وأن جل ما يتعلق به الصعافقة شبه لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي كما قال الأول:
    شبه تهافت كالزجاج تخالها *** حججا وكل كاسر مكسور

    وقد أتبعها أهل السنة بالرد والتفنيد حتى ما بقي لمبطل متمسك فيها، فجزاهم الله خيرا وبارك في سعيهم ودفاعهم، وليس وراء ما كتبوه إلا أن نصير إلى ما قيل قديما:
    وهل يصح في العقل شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.
    فيقال نصحا لأبي أسامة أصلحه الله: لا ينبغي لمثلك أن يصدر منه هذا، ولا ينبغي لك أن تخذل أهل الحق في موضع النصرة، فسلف هذه الأمة ضربوا أروع الأمثلة في الدفاع عن السنة وأهلها وبذلوا في سبيل إعلاء كلمة الله الغالي والنفيس وقد تقدم معنا ما فيه ذكرى لكل عاقل لبيب، فإن لم تطق ومثلك يطيق، فلا أقل من أن ترضى بالذي هو أدنى وتترك الذي هو خير، فتعمل بكلام الإمام بن القيم رحمه الله وتحذر مما حذر منه، وهو قوله رحمه الله: إذا لم تكن من أنصار الرسول فتنازل الحرب، فكن من حراس الخيام، فإن لم تفعل فكن من نظارة الحرب الذين يتمنون الظفر للمسلمين، ولا تكن الرابعة فتهلك. اهـ بدائع الفوائد ج3 ص 1204. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
    هذا وجزى الله خيرا كل من ساهم في نشر السنة وبيانها وربط الناس بها ودافع عنها، وثبتنا وإياهم على دينه القويم وسنة نبيه الكريم، وختم لنا ولإخواننا بخير، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    وكتب:
    أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي
    غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
    يوم الاثنين 17 ذو الحجة 1440 للهجرة
    بتيهرت حرسها الله وبلاد المسلمين.
    التعديل الأخير تم بواسطة مكي المهداوي; الساعة 2019-08-23, 03:56 PM.

  • #2
    جزاك الله خيرا أبا عبد الرحمن

    تعليق

    الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
    يعمل...
    X