<بسملة1>
العلم حياة
(تعليق على شبهة من مقال الشيخ أبي أسامة -أصلحه الله-)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإني كسائر إخواني من أهل السنة، قد ساءني كثيرا ما جاء به الشيخ أبو أسامة في مقاله الذي اجتر فيه شبهات الغلمان، زاعما أنها دراسة علمية، ونظرة محايدة....
ولعل من اخواننا من وفّى وكفّى في الرّدّ عن تلكم الشبهات قبل بيانه وبعده، وقد أردت أن أجيب في هذه العجالة عن شبهة غريبة عجيبة أتى بها الرجل، وهي زعمه أن السلفيين يقدسون شيخهم ويعظمونه ويغالون في منزلته!!
وقد استشهد لدعواه هذه ببيت من الشعر، قال أنه نشر على بعض المواقع السلفية، وإن كنت لا أعرف قائله؛ وهو قول الناظم:
محمد أحيا الناس والناس في بلى *** موات ألا إن الجهالة تقتل!
ومعنى البيت أوضح من أن يوضح، وأظهر من أن يجلى!!!
فصاحبه لم يترك لذي شبهة سبيلا، فقد نص في أول البيت أن محمدا يحيي الناس، ثم بين نوع الموت فقال أنهم قتلى الجهل، فحياتهم حياة علم.
وحتى لو لم يصرّح، فاللفظ المشترك والمتواطئ وكذا اللفظ العام يحمل على بعض معانيه بحسب السياق والقرينة، فما نسب لمخلوق يفهم بحسب نسبته، وكذلك ما نسب للخالق ...
قال الإمام الشاطبي: "... فَلَا مَحِيصَ لِلْمُتَفَهِّمِ عَنْ رَدِّ آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَإِذْ ذَاكَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِي فَهْمِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنْ فَرَّقَ النَّظَرَ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِهِ، فَلَا يَصِحُّ الاقْتِصَارُ فِي النَّظَرِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ دُونَ بَعْضٍ" (الموافقات4/268).
ومثل هذا مشهور عن ابن تيمية وابن القيم، وكثير من الاصوليين واللغويين واهل التفسير، ولا أظن طالب علم يجهله فضلا عمن قيل في حقه عالم!!
وأعجب من هذا وذاك أن الشاعر قد استعمل لفظ القرآن، فهل يرد أبو أسامة على الله قوله كما رده على صاحب البيت؟؟!
فمما جاء في الكتاب العزيز:ّ
1/ قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" (الأنفال 24).
قال البخاري : "لما يحييكم: لما يصلحكم" (فتح الباري 158/8).
قال الحافظ: "لما يحييكم أي لما يهديكم ويصلحكم" (المصدر السابق).
قال القرطبي: "يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم . وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ; لأنه من موت الكفر والجهل . ( الجامع لأحكام القرآن7/389).
2/ وقوله تعالى: " أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الانعام 122)
قال القرطبي: " وقيل : كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم" (الجامع 52/4)
وقال ابن جرير رحمه الله: "فأحييناه يقول: فهديناه للإسلام، فأنعشناه، فصار يعرف مضارّ نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سَخَط الله وعقابه في معاده. فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد عَمَاه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك، حياة وضياء يستضيء به فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس" ( تفسير الطبري89/16).
3/ وقوله سبحانه: " لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (يس 70)
4/ وقوله : "إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (النمل80).
5/ وقوله: "وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ (فاطر22)
وغيرها كثير من آيات الكتاب العزيز...
فائدة:
قد يزعم مدع أن هذا المعنى من الاحياء خاص بالكفار، وقد رد هذا الزعم وخطّأه الامام الطبري في تفسيره حيث قال: " وأما قول من قال : معناه الإسلام ، فقول لا معنى له . لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، فلا وجه لأن يقال للمؤمن : استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان"
ثم ذكر رحمه الله حديثين في مخاطبة أبي رضي الله عنه بالآية* ثمّ قال: " ما يبين عن أن المعني بالآية ، هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم ، لأن أبيا لا شك أنه كان مسلما في الوقت الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا في هذين الخبرين"
ثم نقل بسنده رحمه الله عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن معنى أحييناه: هديناه. (تفسير الطري 101/6)
كذلك فإن كلام السلف والعلماء في هذا المعنى لا يكاد يحصر، بل لو ادعى طالب علم جهله لاستعظم منه، فضلا عمن ينسب للعلماء!!
قال ابن القيّم: " المرتبة الخامسة : الحياة التي أشار إليها المصنف ، وهي حياة العلم من موت الجهل ، فإن الجهل موت لأصحابه ، كما قيل :
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم
فليس لهم حتى النشور نشور
فإن الجاهل ميت القلب والروح ، وإن كان حي البدن فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض ، قال الله تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، وقال تعالى : إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ، وقال تعالى : : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ، وقال تعالى : إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور وشبههم في موت قلوبهم بأهل القبور ، فإنهم قد ماتت أرواحهم ، وصارت أجسامهم قبورا لها ، فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور ، كذلك لا يسمع هؤلاء ، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة وملزومهما ، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ، ولم تتحرك له : كانت ميتة حقيقة ، وليس هذا تشبيها لموتها بموت البدن ، بل ذلك موت القلب والروح . (مدارج السالكين 246/3)
بل إن هذا المعنى مشهور مبتذل عند الشعراء لا يكاد ينكره من له أدنى اطّلاع على كتب الأدب:
فمما استحضره من ذاكرتي:
1/الأبيات الشهيرة المنسوبة لعلي رضي الله عنه وفيها:
ففز بعلمٍ تعش حيًا به أبدًا *** فالناس موتى، وأهل العلم أحياء
2/ ومنها قول الشاعر:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله *** فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت *** فليس له حتى النشور نشور
وهو منسوب لبعض أهل البصرة في القرون الأول.
3/ وقول ابن المبارك رحمه الله:
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها.
وفي بعض الاختصار فائدة وإلا فلو شاء كاتب أن يجمع في هذا المعنى مجلدات لما أعيته -والله المستعان-
وإني والله لمستغرب جدا كيف يغيب هذا المعنى الجميل السديد السلفي الأثري عن مثل أبي أسامة، فهو نص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، في غير ما موضع، وهو صريح كلام السلف المشهور عنهم، وهو من اكثر معاني الشعر ابتذالا واستعمالا -والله المستعان-.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
العلم حياة
(تعليق على شبهة من مقال الشيخ أبي أسامة -أصلحه الله-)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإني كسائر إخواني من أهل السنة، قد ساءني كثيرا ما جاء به الشيخ أبو أسامة في مقاله الذي اجتر فيه شبهات الغلمان، زاعما أنها دراسة علمية، ونظرة محايدة....
ولعل من اخواننا من وفّى وكفّى في الرّدّ عن تلكم الشبهات قبل بيانه وبعده، وقد أردت أن أجيب في هذه العجالة عن شبهة غريبة عجيبة أتى بها الرجل، وهي زعمه أن السلفيين يقدسون شيخهم ويعظمونه ويغالون في منزلته!!
وقد استشهد لدعواه هذه ببيت من الشعر، قال أنه نشر على بعض المواقع السلفية، وإن كنت لا أعرف قائله؛ وهو قول الناظم:
محمد أحيا الناس والناس في بلى *** موات ألا إن الجهالة تقتل!
ومعنى البيت أوضح من أن يوضح، وأظهر من أن يجلى!!!
فصاحبه لم يترك لذي شبهة سبيلا، فقد نص في أول البيت أن محمدا يحيي الناس، ثم بين نوع الموت فقال أنهم قتلى الجهل، فحياتهم حياة علم.
وحتى لو لم يصرّح، فاللفظ المشترك والمتواطئ وكذا اللفظ العام يحمل على بعض معانيه بحسب السياق والقرينة، فما نسب لمخلوق يفهم بحسب نسبته، وكذلك ما نسب للخالق ...
قال الإمام الشاطبي: "... فَلَا مَحِيصَ لِلْمُتَفَهِّمِ عَنْ رَدِّ آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَإِذْ ذَاكَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِي فَهْمِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنْ فَرَّقَ النَّظَرَ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِهِ، فَلَا يَصِحُّ الاقْتِصَارُ فِي النَّظَرِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ دُونَ بَعْضٍ" (الموافقات4/268).
ومثل هذا مشهور عن ابن تيمية وابن القيم، وكثير من الاصوليين واللغويين واهل التفسير، ولا أظن طالب علم يجهله فضلا عمن قيل في حقه عالم!!
وأعجب من هذا وذاك أن الشاعر قد استعمل لفظ القرآن، فهل يرد أبو أسامة على الله قوله كما رده على صاحب البيت؟؟!
فمما جاء في الكتاب العزيز:ّ
1/ قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" (الأنفال 24).
قال البخاري : "لما يحييكم: لما يصلحكم" (فتح الباري 158/8).
قال الحافظ: "لما يحييكم أي لما يهديكم ويصلحكم" (المصدر السابق).
قال القرطبي: "يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم . وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ; لأنه من موت الكفر والجهل . ( الجامع لأحكام القرآن7/389).
2/ وقوله تعالى: " أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الانعام 122)
قال القرطبي: " وقيل : كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم" (الجامع 52/4)
وقال ابن جرير رحمه الله: "فأحييناه يقول: فهديناه للإسلام، فأنعشناه، فصار يعرف مضارّ نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سَخَط الله وعقابه في معاده. فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد عَمَاه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك، حياة وضياء يستضيء به فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس" ( تفسير الطبري89/16).
3/ وقوله سبحانه: " لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (يس 70)
4/ وقوله : "إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (النمل80).
5/ وقوله: "وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ (فاطر22)
وغيرها كثير من آيات الكتاب العزيز...
فائدة:
قد يزعم مدع أن هذا المعنى من الاحياء خاص بالكفار، وقد رد هذا الزعم وخطّأه الامام الطبري في تفسيره حيث قال: " وأما قول من قال : معناه الإسلام ، فقول لا معنى له . لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، فلا وجه لأن يقال للمؤمن : استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان"
ثم ذكر رحمه الله حديثين في مخاطبة أبي رضي الله عنه بالآية* ثمّ قال: " ما يبين عن أن المعني بالآية ، هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم ، لأن أبيا لا شك أنه كان مسلما في الوقت الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا في هذين الخبرين"
ثم نقل بسنده رحمه الله عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن معنى أحييناه: هديناه. (تفسير الطري 101/6)
كذلك فإن كلام السلف والعلماء في هذا المعنى لا يكاد يحصر، بل لو ادعى طالب علم جهله لاستعظم منه، فضلا عمن ينسب للعلماء!!
قال ابن القيّم: " المرتبة الخامسة : الحياة التي أشار إليها المصنف ، وهي حياة العلم من موت الجهل ، فإن الجهل موت لأصحابه ، كما قيل :
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم
فليس لهم حتى النشور نشور
فإن الجاهل ميت القلب والروح ، وإن كان حي البدن فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض ، قال الله تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ، وقال تعالى : إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ، وقال تعالى : : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ، وقال تعالى : إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور وشبههم في موت قلوبهم بأهل القبور ، فإنهم قد ماتت أرواحهم ، وصارت أجسامهم قبورا لها ، فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور ، كذلك لا يسمع هؤلاء ، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة وملزومهما ، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ، ولم تتحرك له : كانت ميتة حقيقة ، وليس هذا تشبيها لموتها بموت البدن ، بل ذلك موت القلب والروح . (مدارج السالكين 246/3)
بل إن هذا المعنى مشهور مبتذل عند الشعراء لا يكاد ينكره من له أدنى اطّلاع على كتب الأدب:
فمما استحضره من ذاكرتي:
1/الأبيات الشهيرة المنسوبة لعلي رضي الله عنه وفيها:
ففز بعلمٍ تعش حيًا به أبدًا *** فالناس موتى، وأهل العلم أحياء
2/ ومنها قول الشاعر:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله *** فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت *** فليس له حتى النشور نشور
وهو منسوب لبعض أهل البصرة في القرون الأول.
3/ وقول ابن المبارك رحمه الله:
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها.
وفي بعض الاختصار فائدة وإلا فلو شاء كاتب أن يجمع في هذا المعنى مجلدات لما أعيته -والله المستعان-
وإني والله لمستغرب جدا كيف يغيب هذا المعنى الجميل السديد السلفي الأثري عن مثل أبي أسامة، فهو نص القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، في غير ما موضع، وهو صريح كلام السلف المشهور عنهم، وهو من اكثر معاني الشعر ابتذالا واستعمالا -والله المستعان-.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
تعليق