بْسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحيم
المُتَوَقِّفَة!: لَا لِلحقِّ نَصَرُوا و لا للباطل كَسَرُوا
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبيِّنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و بعد: فقد أفرزت لنا فتنة الاحتوائيين على الدعوة السلفية، أصنافًا من الناس:
فمنهم: أهل الحقِّ و أتباعهم ممن هو واضحٌ في الحقِّ، ثابتٌ عليه .
و منهم: أهل الباطل الصُّرحاء .
و منهم: المتوقِّفة .
و منهم: أصحاب التقية الذين يتظاهرون بأنهم مع أهل الحق، و هم في حقيقتهم مع أهل الباطل .
و منهم: صنفٌ عبارة عن موضةٍ جديدة! من آخر صيحات فتنة الاحتوائيين!، و من أعاجيب ما أفرزته فتنتهم، و هم قومٌ يزعمون بأنهم مع بعض أهل الحق دون البعض الآخر!، فأحدثوا موقفًا إلى النكارة و الشذوذ ما هو؟! فإنَّ مآله إلى تفريق صفِّ أهل الحق، و إضعافهم، و تشتيت شملهم، و كسر شوكتهم، ففيه من خدمة المناوئين ما فيه، بل هو هديةٌ منهم إليهم، على طبق كما يُقال!، إن لم تكن مكيدة مُدبَّرةً و مكرًا كُبَّارًا من مُخترعيها! فلا تنفق فيكم معشر السلفيين مثل هذه التُّرَّهات، و لا يستغبينَّكم أربابها، فالمؤمن كيِّس فطن .
و كلامي في هذا المقال ليس عن هذا الصنف، فللحديث عنه موضعٌ آخر، و لكن سأسلِّط الضوء على الصِّنفين اللَّذين قبله .
فالأول منهما: المُتوقِّفة، و هم قسمان:
قسمٌ: متوقفٌ حقيقةً لعدم ظهور الحق له، و عدم تميز المحق من المبطل عنده، لأسباب اقتضت ذلك، كالجهل، أو عدم الاطلاع على ما يجري، أو لحداثة عهده، و نحو ذلك من الأسباب.
و قسمٌ: متستِّر خلف التَّوقُّف، يتظاهر بالتوقف و هو في حقيقة أمره مع أهل الباطل، موال لهم مائلًا بقلبه إليهم .
أما القسم الأول من المُتوقِّفة: فيُصبر عليهم، و لا يُتسرع في هجرهم، - هذا توجيه مشايخنا- لكن مع الاجتهاد في نصحهم و بيان الحق لهم، و كشف الشبهات عنهم، لمن كان مُتأهِّلًا لذلك، بشرط أن لا يبقى التوقف هو موقفهم الثابت الذي لا يحولون عنه و لا يتحولون! كما هو حال البعض! فإن التوقف محطةٌ مؤقتة، يقف عندها المُتوقِّف يستجمع فيها جهده و يستفرغ فيها وسعه للبحث عن الحق، و الوصول إليه، ليأخذ به بعد ذلك، و ليس هو بمحطة دائمة، أو موقف ثابت! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:« فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصوراً تاماً ظهر لهم الصواب، وقلت الأهواء والعصبيات، وعرفوا موارد النزاع، فمن تبين له الحق في شيء من ذلك اتبعه، ومن خفي عليه توقف حتى يبينه الله له، وينبغي له أن يستعين على ذلك بالدعاء لله »[ " مجموع الفتاوى "(12/103)] .
فإن قصَّر المُتوقِّف، و لم يفعل ذلك، فهو مذمومٌ لا عذر له .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:« و يلحق الذَّمُّ من تبيَّن له الحق فتركه، أو من قصَّر في طلبه حتى لم يتبيَّن له، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل، أو نحو ذلك »[ " اقتضاء الصراط المستقيم " (2/85)] .
و قال العلامة العثيمين رحمه الله: « قد لا يعذر الإنسان بالجهل، وذلك إذا كان بإمكانه أن يتعلم، ولم يفعل مع قيام الشبهة عنده، كرجل قيل له: هذا محرم، وكان يعتقد الحل، فسوف تكون عنده شبهة على الأقل، فعندئذٍ يلزمه أن يتعلم ليصل إلى الحكم بيقين » [" الشرح الممتع "(6/193 ـ 194)] .
* أما التوقف الدائم، الذي يصير موقفًا لصاحبه معروفًا به، فهذا لا يُقبل أبدًا، إذ ليس ثمة برزخٌ بين الحقِّ الظاهر، و الباطل الواضح، و لا منزلةٌ بين المنزلتين، بل ليس بعد الحق إلا الضلال، سيما إذا كان الحقُّ واضحًا بيِّنًا، و أدلته ظاهرة، و أهله مُتميِّزون،-كما هو الحال في فتنة الاحتوائيين- فإنَّ التوقف و الحالة هذه خذلان للحق، و نكوصٌ على الأعقاب .
قال الإمام ابن باز رحمه الله كما في مجموع الفتاوى والمقالات ( 7 / 363 ) : « أما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن والقعود عنها فمعروف عند أهل العلم وتفصيل ذلك فيما يلي: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فَيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائمِ وَالْقَائمُ فيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذاً فَلْيَعُذْ بِهِ » أخرجه البخاري في صحيحه، فهذه الفتن هي الفتن التي لا يظهر وجهها، ولا يعلم طريق الحق فيها، بل هي ملتبسة..، والمقصود أن هذا عند خفاء الأمور، وعلى المؤمن أن يجتنبها، أما إذا ظهر له الظالم من المظلوم والمبطل من المحق فالواجب أن يكون مع المحق ومع المظلوم ضد الظالم، وضد المبطل »انتهى .
* و أما القسم الثاني من أقسام المُتوقِّفة : فهم كلُّ من تستَّر خلف التَّوقُّف، و تظاهر به، و هو في حقيقة أمره مع أهل الباطل، فمن عُلم عنه هذا بالأدلة الصحيحة و القرائن القوية، أُخرِج من جُحره، و أُلحِق بإخوانه المخالفين و لا كرامة له، فإنَّه منهم، و إنما ألجأه إلى التظاهر بالتوقف، و إظهار هذا الموقف: قوة أهل الحق، و ضعفه عن مقارعتهم، و لمآرب أُخرى، فإنَّ أهل الحقِّ متى ما قويت شوكتهم، في أيِّ زمان أو مكان، ظهرت هذه الأصناف من المتلونين، و أصحاب الوجوه، و حمل العصا من الوسط! و أصحاب المواقف المريبة، و الخرجات المعيبة، فيدسُّوا رؤوسهم في صفوف أهل الحق، ليتحاشوا سِهامَم و سيوفهم، كما ظهرت اللفظية و الواقفة زمن المحنة، بعد زوال دولة الجهمية، فعرَفهم الإمام أحمد رحمه الله بأنهم هم الجهمية أنفسهم، تستروا خلف هاتين البدعتين، خوفًا من جرح أهل السنة، و تشنيع الورى، فألحقهم بالجهمية الصُّرحاء .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في " شرح عقيدة السلف للصابوني "(ص 90 إلى 94):« الجهمية كانوا يصرحون بـ (أنَّ القرآن مخلوق)؛ لأن الدولة كانت معهم والصولة والجولة بأيديهم، فكانوا يجاهرون بـ (أن القرآن مخلوق) بل سجنوا وقتلوا وضربوا، فلما ذهبت دولتهم في عهد المتوكل رحمه الله، وجزاه الله خيرًا، لجئوا إلى الطرق الملتوية لما لم يستطع أحدهم أن يجاهر ويقول: إن القرآن مخلوق، صار يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ويريد أن القرآن بلفظه هذا: مخلوق ليتوصل إلى القول بأن القرآن مخلوق .
فهذا جهمي وإن التوى وتستر واستخدم التقية والأسلوب الماكر، هو جهمي ولا ينفعه هذا التستر.. .
فكثيٌر من أهل البدع يتسترون بهذه الأساليب، يقول لك: أنا سلفي، ولكن عنده منهج آخر، يأتي بالعبارات المموِّهة ليوهم الناس أنه سلفي وهو خلفي، فأكثر أهل البدع يقولون: إنهم أهل سنة وعندهم بدع وضلالات ويتسترون بعبارات وتصرفات ومواقف، لكن عند التمحيص والوقوف على الحقائق والأشياء يتبين أنهم أهل الأهواء وأهل ضلال .. .
أحمد بن حنبل رحمه الله عرف مكرهم وكيدهم وأنهم يقولون هذا مكرًا وتسترًا وفرارًا من أن يوصموا بأنهم جهمية، فيزدريهم الناس ويسقطون في المجتمع .....إلى آخره، فيتسترون بهذه الألفاظ، ، فقال الإمام أحمد ومن معه: إن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، بل هو شرٌّ من الجهمية لماذا؟ لأنهم يشبهون المنافقين، والمنافق لا يجهر بنفاقه، بل هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلي مع الناس وقد يخرج إلى الجهاد وهو أكفر الكفار وهم في الدرك الأسفل من النار، فهؤلاء شرٌّ من الكفار، وهؤلاء شرٌّ من الجهمية لماذا؟ لأنهم اعتقدوا عقيدة الجهمية في أن القرآن مخلوق، لكن يسترون هذه العقيدة بقولهم: لفظي بالقرآن مخلوق... .
والمقصود؛ أن أهل الفتن دائمًا يُحدثون أشياءً وأشياء، والعياذ بالله، ومن ذلك أنهم يحدثون وسائل يتذرعون بها إلى نشر بدعهم وإشاعتها.. .»انتهى .
* و أمَّا أهل التَّقيَّة، الذين يتظاهرون بأنهم مع أهل الحقِّ، و هم مع المخالفين، فصنيعهم إلى النفاق أقرب، لمناقضة باطنهم لظاهرهم.
فإنَّ علامة أهل النفاق أنهم يُظهرون خلاف ما يُبطون، و يظهر هذا الصنف من بني آدم، - كسابقه- ، في الأزمنة و الأمكنة التي تكون فيها الشوكة و الغلبة لأهل الحق، فهناك يبرز قرنهم، كما برز قرن النفاق في العهد المدني للدعوة الإسلامية، و لم يكن بارزًا و لا ظاهرًا في العهد المكي، لأن الشوكة فيه كانت لأهل الكفر و الشرك، فلا يعلن بإسلامه إلا من كان صادقا.
بخلاف العهد المدني سيما بعد غزوة بدر التي نصر الله فيها دينه و نبيَّه نصرًا مُؤزَّرًا، فكانت الشوكة فيه لأهل الإسلام و الغلبة لهم، على من حولهم من المشركين و أهل الكتاب، فعندها ظهر المنافقون الذين تظاهروا بالإسلام تقية و مكرًا و خداعًا، لجبنهم عن الصدع بكفرهم، و سعيًا منهم لإفساد الإسلام من داخله، و هؤلاء أخطر على أهل الإسلام من الكُفار الصُّرحاء .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:« وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًّا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة .
يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخرَّبوه ! وكم من علم له قد طمسوه ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه ! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها ! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها ! »[ " مدارج السالكين "(1/347)] .
* و ما أشبه حال المندسين في أوساط السلفيين - أصحاب الوجوه و التَّقية و التلون-، بحال هؤلاء المنافقين، فلذلك كان خطرهم على أهل الحقِّ و السنة، أشدُّ من خطر الواضحين في الضلال، إذ هو نظير خطر المنافقين على أهل الإسلام؛ و ذلك أنَّ المخالفين الواضحين: بيِّنٌ أمرهم لا يخفى حالهم على أهل الحق، فيسهل التحرُّز منهم، و مجانبتهم فتُتَّقى شبهاتهم و تلبيساتهم، و أما أصحاب الوجوه و التلوُّن المندسين في أوساط أهل الحق فقد لا يُتفطن لهم، فينخرون الصَّفَّ من الداخل، بزرع ألغام الفرقة بين السلفيين، و فتح الجبهات عليهم، و نشر الإشاعات الكاذبة فيهم، و السعي بينهم بالنميمة و التحريش، و تخذيلهم عن مواجهة خصومهم، و تثبيطهم عن نصرة الحق، و تشكيكهم في مواقفهم، بطرق و أساليب حزبية ماكرة، و كذلك يفعلون .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في سياق ردِّه على أبي الحسن المأربي: « لقد عني أبو الحسن –إمعاناً- في الكيد وتمهيداً للفتنة بدراسة الجرح والتعديل ليُكسب مكره وكيده صبغة علمية سلفية يتمكن بها من الخداع والتضليل ويتمكن من ضرب الدعوة السلفية باسم التأصيل وباسم السلفية التي تلفع بها .
وفعلاً انخدع به السلفيون ، و بما يتظاهر به من السلفية لأن علماءهم لا يسمعون هذا الدمار في أشرطته، ولأنهم يعاملونه وغيره بناءً على الظاهر ومن باب « من خدعنا بالله انخدعنا له...، وبدأ يدس تحت الضباب والظلام.. .
علام يدل هذا العمل ؟
1- أنه لا يختلف عن أشد أهل البدع عداء في نظرتهم إلى المنهج السلفي وبعض أصوله بأنها فاسدة هذا من جهة .
2- ومن جهة أخرى هم أشرف وأوضح من أبي الحسن إذ خصومتهم واضحة جلية وخصومة وعداوة أبي الحسن يسلك فيها مسالك الجبناء الخونة الماكرين وهم على عكس ذلك في غالب أحوالهم .
3- أبو الحسن بيت الشر والمكايد منذ زمن طويل فحاله تشبه حال المنافقين..»[ " مجموعة كتب و رسائل الشيخ ربيع " (13/415/416)] .
و كم هم الذين تُشبه حالهم حال أبي الحسن-أيضًا- ! لما عجزوا عن التصريح بمواقفهم، لجأوا إلى الأساليب البطالة، إما بالتظاهر تقية و نفاقًا بأنهم مع أهل الحق، و إما بالتصريح كذبًا بالتوقف! بحجة خفاء الحق عنهم، و عدم ظهوره لهم، و ما هم بصادقين، إن يُريدون إلا فرارًا، و لذلك تجد أكثر من تظاهر بالتوقف في هذه الأحداث، قد آل أمرهم إلى الارتماء في أحضان المخالفين، لأنهم منهم و معهم من أول يوم، و إنما ذرُّوا بالتوقف الرماد على العيون لوقاية أنفسهم من سهام أهل الحق و نبالهم، و لغير ذلك من المقاصد الدنيئة، فلما حسِبوا أنَّ الفرصة قد سنحت، و أنَّ الكفة قد رجحت لأحبابهم و أخدانهم، انسلخوا من جلدهم و خرجوا من جحورهم، لتهنئتهم و الاحتفال معهم .
فمثل هؤلاء كمثل من رأى الحرب مستعرة بين أهل الحق و أهل الباطل، ففرَّ من ساحة القتال، و لجأ إلى ربوة مطلة على ميدان المعركة، فجعل يطل برأسه منتظرا انجلاء الغبار عن المتقاتلين، ليتحقق الغالب من المغلوب، فيُعلن ولاءه للغالب، فهو مع الغالب و الواقف و ليس مع الحق، مع الغالب لغلبته، و مع الواقف لوقوفه لا لكونه على الحق فلو كان الواقف و المنتصر خصمه لكان أول المطبلين و المصفقين له، فما أشبه حاله بحال من قال الله فيهم، - و هم المنافقون-: { الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين } [ النساء : 141 ] .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في "مقدمة الكافية الشافية ": « كفى بالعبد عمى وخذلانًا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن، وقد لبسوا للحرب لأمته وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنادت الأقران: النِّزال النِّزال ،وهو في الملجأ والمغارات والمدخل مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين ينظر لمن الدائرة؛ ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه أني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين..» [ مقدمة " القصيدة النونية " (1/8-9) بشرح العلامة الهراس رحمه الله ].
* ثم إذا اكتشف إخوانُنا بعضَ هؤلاء و رفعوا أمرهم إلى المشايخ أو الدعاة السلفيين، تراهم يقسمون بالأيمان المغلظة أنهم مع الحق، مستخدمين التورية و المعاريض، و أن غاية ما في الأمر أنه عرضت على أحدهم شُبهٌ، يرجو من مشايخنا كشفها و إزالتها عنه، و إعانته على التخلص منها، و هكذا في كلِّ مرة، و المشايخ يحسنون بهم الظن رأفة بهم، و شفقة عليهم، و معاملة لهم بالظاهر الذي يتلفعون به، فكم أتعبوا مشايخنا و إخوانهم هنا و هناك، بفتنهم و مشاكلهم المُفتَعلة، و ما إن يفتضح أحدهم، و ينكشف أمره، حتى ترى وجهه الحقيقي الذي كان يُخفيه نفاقًا، و ترى ما كان يُضمِره من حقدٍ دفين، و بغض شديد لأهل الحق، و قد لا يتسلل لواذًا من بين صفوف السلفيين، و لا ينسحب من أوساطهم، و لا يخرج من جحره: إلا بعد أن يسحب معه عددًا من إخواننا الذين لبَّس عليهم، و استغلَّ معاملة المشايخ له المبنية على ظاهره المُزيَّف للمكر بهم، و التلبيس عليهم، و قد لا ينزع القناع عن وجهه إلا بعد أن ترى أفكاره قد مدَّت مدَّها في إخواننا، و ضربت بجذورها في نفوسهم، فيصعب بعد ذلك اجتثاثها و اقتلاعها، و معالجتهم منها .
فإياكم و الغفلة عن هؤلاء؛ أو التغافل عنهم، فهم، مصدر كثير من الشائعات و الأراجيف التي ذاعت و انتشرت بين إخواننا، و سبب كثير من الخلافات التي وقعت بينهم، و هم معول المخالفين لهدم صرح أهل السنة و تخريب دعوتهم من الداخل، و هم همزة الوصل التي بينهم و بين أهل الحقِّ، بها يتوصلون لشقِّ صفِّهم، و تشتيت شملهم، و إضعاف موقفهم، و هم العدوى التي من خلالها ينقلون فيروساتهم و شبهاتهم إلى أوساطهم، و هم أدوات الإشهار التي بها يُروجون لأباطيلهم فيما بينهم، و هم المخابرات التي يتجسسون بها على أهل السنة، و يخترقون بها جماعتهم، و تجمُّعاتهم، و هم وسائل النقل التي يستخدمونها لنقل بضاعتهم الكاسدة الفاسدة إلى أسواق أهل السنة، و هم شياطين الإنس الذين يستعملونهم لتخويف أهل السنة، و الإرجاف عليهم، و تثبيطهم و الحط من عزيمتهم، كما كانت شياطين الجنِّ تُخوِّف المؤمنين بأوليائها من كفرة الإنس .
فمن أشكل عليه الأمر من إخواننا، و لم يهتد إلى معرفة هؤلاء و الوقوف على حقيقتهم، فليطلب السلامة لنفسه بأن يكون واضحًا مع الواضح، مُتوقِّفًا في المُتوقِّف! فمن كان واضحًا في ولائه للحقِّ و أهله و في انحيازه لهم، و نصرته إياهم، كان واضحًا معه في محبته في الله، و نصرته و الجلوس إليه و النزول عنده و التعاون معه، و غير ذلك مما يقتضيه الولاء الشرعي .
و من كان واضحًا في ولائه للباطل و أهله، و في نصرته لهم و تجلُّده في الدفاع عنهم و الطعن في مشايخنا و إخوانهم، كان واضحًا معه بتهميشه و تركه و معاملته بما يستحق .
و من أظهر التوقف و لم يهتد إلى حقيقة موقفه توقَّف فيه، حتى يتبيَّن له إلى أيِّ الجهتين يصير! و لا يمنعه ذلك من نصحه و بيان الحق له إذا كان من القسم الأول من أقسام المتوقفة، التي سبق ذكرها، و كان هو مُتأهِّلا لذلك، و إلا فالسلامة و العافية لا يعدلها شيء، و الله أعلم .
هذا؛ والمقصود بالواقفة هنا: من لم يتخذ موقفًا، فيزعم أنه لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أما من كان له موقف صحيح يعلمه عنه من يعلمه من إخوانه، وجلسائه، وطلابه إذا كان من طلبة العلم والمشايخ، وهو بريء من الباطل وأهله، فليس من الواقفة، حتى ولو لم يقم بالرد العلني أو الكثير، على أهل الباطل، فإن العبرة هنا بالموقف وليس بالرد الذي هو فرض على الكفاية، وإلا للزم رمي كثير من أهل العلم وحملته بهذا حيث لم يشاركوا في الردود على أهل الأهواء وفي فتن كثيرة.
* معشر السلفيين الواضحين: إنَّ أرباب الفتنة قد أفرغوا كلَّ ما في جعبتهم من الرصاصات الغادرة، و استعملوا كلَّ ما بحوزتهم من أسلحة و ذخائر في حربهم الخاسرة ضدَّ السلفيين الثابتين، فكم من صوتيات تجريحية في مشايخنا و إخوانهم أخرجوا، و كم من تزكيات لهم بطُرقٍ مشبوهة جلَبوا، و كم من ردود و مقالات كتبوا، و كم من بيانات نشروا، و كم من مجالس عقدوا، و كم من أوقات أنفقوا، و كم من جهودٍ بذلوا، و كم من إمكانيات سخروا، فلم يزدادوا إلا سقوطًا، و لم يُغيِّروا شيئًا من الواقع الذي ما وجدوا له من دافع!، فلم يبق في أيديهم إلا سلاح التفريق بين أهل الحق، و بثِّ الفرقة بين أصحاب الموقف الواحد، بين المشايخ أنفسهم، أو بين المشايخ و بعض إخوانهم من طلبة العلم، أو بين الدعاة و طلبة العلم فيما بينهم، و فتح الجبهات داخل صفوفهم، بالأساليب الماكرة، و الطرق الفاجرة، عن طريق جواسيسهم، و من استغفله جواسيسُهم من إخواننا الطيبين -و هم لا يشعرون- .
و السلامة من شرِّ هؤلاء و كيدهم –بإذن الله تعال- تكون بالتواصل المستمر بين المشايخ و إخوانهم من الدعاة و طلبة العلم العاملين، و بإخراص ألسنة النمامين و زجرهم و عدم الإصغاء لهم، و عدم الركون إلى تحريشاتهم، أو الانسياق وراء شائعاتهم، و أكاذيبهم، التي يُروجون لها، في العالمَين الحقيقي و الافتراضي .
و تكون من إخواننا بالتهميش التام للقوم، و عدم النظر في مواقعهم و حساباتهم، فهي مليئةٌ بالشُبه، مشحونة بمثل هذه الشائعات، و عدم التفاعل مع منشوراتهم الصوتية أو المكتوبة، أو نشرها بين الإخوة ولو على سبيل التعجب و السخرية و التهكم، و الاستغراب، فإنها إعلامٌ مُضلل، و تحمل في طياتها كثيرا من هذه الأراجيف و الأكاذيب، التي يبغون بها التحريش و النميمة و إحداث الفجوة، و بثِّ الفرقة، التي هم إلى وقوعها بيننا في غاية الشَّوق و الحرص! لا أقرَّ الله لهم عينًا بذلك، و لا طيَّب لهم بذلك خاطرًا .
* و لا يخدعنَّكم –معشر أهل الحق- هؤلاء بدعاياتهم الكاذب و إعلامهم المُزوِّر للحقائق، الذي يُذيعون من خلاله عودة فلان إليهم، و رجوع علَّان إلى جماعتهم، فهذا من جنس إرهابهم الإعلامي الفكري الذي يستخدمونه للإرجاف على أهل الحق، و النيل من عزيمتهم، و الرفع من معنويات أتباعهم و استبلاههم بمثل هذا! و إلا فإنه لا يرجع إليهم، و لا يعود إلى جماعتهم، في الأعمِّ الأغلب –على قلة من يعود- إلا أحد صنفين ممن ذكرنا آنفًا:
إما صاحب وجوه كان مُظهرًا للتوقف، و هو ماسكٌ للعصا من الوسط .
و إمَّا مُتلوِّنٌ صاحب تقية، كان معهم باطنًا، و يتظاهر كذبًا بأنه مع أهل الحق جبنًا و خوفًا .
و لا خير في واحد من هاذين، بل ذهابهم صحة للدعوة من مرض عضال!، و تصفيةٌ للصفِّ من الدخلاء، ليزداد قوَّة و صفاء، فما هم إلا حيَّات خرجَت و أُخرجَت من جحورها، فلا يفرح بهم، و لا يستبشر بقدومهم، إلا من كان كالغريق اليائس الذي يتشبث بأي شيء وجده ولو بزبد البحر و خيط العنكبوت!، و لكن اعلموا: أنَّ الحديث شديد الضعف، لا يصلح في الشواهد و المتابعات! فلا يُقوي غيره و لا يتقوَّى بغيره، فوجوده و عدمه سواء.
أما أهل الحقِّ -و لله الحمد- فلا يتشرفون بهم أصلا و لا يستكثرون بأمثالهم، و ليسوا على بقائهم بالحريصين، و لا على ذهابهم بالمتحسرين، و لا على صحبتهم بالمتأسفين، بل نقول لأمثالهم من المدسوسين المندسين المتجسسين المتلونين: لا مرحبًا بكم، انصرفوا، و اذهبوا، إلى من هم على شاكلتكم، و من أنتم على شاكلته، و ارتموا في أحضانهم، فلا حاجة لنا بكم .
و لو فرضنا بأنَّ من انحاز إليهم، أو من سينحاز إليهم -كما يُروجون له، و يستفتحون به علينا- هو عندهم من كُبرائنا و دعاتنا و طلبة العلم المعروفين بيننا، فإنَّ ذلك عندنا: كأن لا حدث! فلا يعدوا أن يكون المومى إليه-إن صحَّ الخبر- واحدًا من الأصناف المذكورة، أو ممن استطال الطريق، و لم يصبر على لأوائها، أو ممن جعل من نفسه أذنًا سماعة لأراجيف القوم فتصيَّدوه، أو ممن انحاز إليهم انتقامًا لنفسه الظالمة، و لناصيته الخاطئة الكاذبة، فلا يُؤسف عليه .
ثمَّ متى كان الحق مُعلَّقًا بالرجال؟!، فذهابهم و بقاؤهم، و ثباتهم في مواقفهم أو تحوُّلهم عنها لا يُغيِّر من الأمر شيئًا! ولو كنَّا ممن يُعلق الحق بالرجال، و يتأثر بمواقفهم، لكنَّا قد تنازلنا عن الحق الذي تيقَّناه بأدلته و براهينه، يوم أن تكلَّم العلامة ربيع المدخلي، و كذا العلامة عبيد الجابري حفظهما الله، -كما فعل ذلك بعض من نكص على عقبيه -، فالحقُّ لا يُعرف بالرجال، و هو أكبر عند أهل الحق من الرجال، فليس عندهم استعداد للتنازل عنه - بعد إذ هداهم الله إليه- لقول أحد، و لا لأجل موقف أحد، كائنًا من كان .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، و هو يُخاطب عبد الرحمن عبد الخالق: «لا يجوز الرجوع عن الحقِّ إن كنت على حقِّ لا لابن باز و لا لابن تيمية، و لا لأحمد بن حنبل، و لا لأحد مثل هؤلاء أو أكبر منهم، فإنَّ الحقَّ فوق الجميع و أكبر من الجميع » [ " مجموعة كتب و رسائل الشيخ ربيع"(10/95)] .
و العلم عند الله تعالى، و صلى الله وسلم على عبده و رسوله نبيِّنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و آخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين .
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبيِّنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و بعد: فقد أفرزت لنا فتنة الاحتوائيين على الدعوة السلفية، أصنافًا من الناس:
فمنهم: أهل الحقِّ و أتباعهم ممن هو واضحٌ في الحقِّ، ثابتٌ عليه .
و منهم: أهل الباطل الصُّرحاء .
و منهم: المتوقِّفة .
و منهم: أصحاب التقية الذين يتظاهرون بأنهم مع أهل الحق، و هم في حقيقتهم مع أهل الباطل .
و منهم: صنفٌ عبارة عن موضةٍ جديدة! من آخر صيحات فتنة الاحتوائيين!، و من أعاجيب ما أفرزته فتنتهم، و هم قومٌ يزعمون بأنهم مع بعض أهل الحق دون البعض الآخر!، فأحدثوا موقفًا إلى النكارة و الشذوذ ما هو؟! فإنَّ مآله إلى تفريق صفِّ أهل الحق، و إضعافهم، و تشتيت شملهم، و كسر شوكتهم، ففيه من خدمة المناوئين ما فيه، بل هو هديةٌ منهم إليهم، على طبق كما يُقال!، إن لم تكن مكيدة مُدبَّرةً و مكرًا كُبَّارًا من مُخترعيها! فلا تنفق فيكم معشر السلفيين مثل هذه التُّرَّهات، و لا يستغبينَّكم أربابها، فالمؤمن كيِّس فطن .
و كلامي في هذا المقال ليس عن هذا الصنف، فللحديث عنه موضعٌ آخر، و لكن سأسلِّط الضوء على الصِّنفين اللَّذين قبله .
فالأول منهما: المُتوقِّفة، و هم قسمان:
قسمٌ: متوقفٌ حقيقةً لعدم ظهور الحق له، و عدم تميز المحق من المبطل عنده، لأسباب اقتضت ذلك، كالجهل، أو عدم الاطلاع على ما يجري، أو لحداثة عهده، و نحو ذلك من الأسباب.
و قسمٌ: متستِّر خلف التَّوقُّف، يتظاهر بالتوقف و هو في حقيقة أمره مع أهل الباطل، موال لهم مائلًا بقلبه إليهم .
أما القسم الأول من المُتوقِّفة: فيُصبر عليهم، و لا يُتسرع في هجرهم، - هذا توجيه مشايخنا- لكن مع الاجتهاد في نصحهم و بيان الحق لهم، و كشف الشبهات عنهم، لمن كان مُتأهِّلًا لذلك، بشرط أن لا يبقى التوقف هو موقفهم الثابت الذي لا يحولون عنه و لا يتحولون! كما هو حال البعض! فإن التوقف محطةٌ مؤقتة، يقف عندها المُتوقِّف يستجمع فيها جهده و يستفرغ فيها وسعه للبحث عن الحق، و الوصول إليه، ليأخذ به بعد ذلك، و ليس هو بمحطة دائمة، أو موقف ثابت! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:« فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصوراً تاماً ظهر لهم الصواب، وقلت الأهواء والعصبيات، وعرفوا موارد النزاع، فمن تبين له الحق في شيء من ذلك اتبعه، ومن خفي عليه توقف حتى يبينه الله له، وينبغي له أن يستعين على ذلك بالدعاء لله »[ " مجموع الفتاوى "(12/103)] .
فإن قصَّر المُتوقِّف، و لم يفعل ذلك، فهو مذمومٌ لا عذر له .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:« و يلحق الذَّمُّ من تبيَّن له الحق فتركه، أو من قصَّر في طلبه حتى لم يتبيَّن له، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى أو لكسل، أو نحو ذلك »[ " اقتضاء الصراط المستقيم " (2/85)] .
و قال العلامة العثيمين رحمه الله: « قد لا يعذر الإنسان بالجهل، وذلك إذا كان بإمكانه أن يتعلم، ولم يفعل مع قيام الشبهة عنده، كرجل قيل له: هذا محرم، وكان يعتقد الحل، فسوف تكون عنده شبهة على الأقل، فعندئذٍ يلزمه أن يتعلم ليصل إلى الحكم بيقين » [" الشرح الممتع "(6/193 ـ 194)] .
* أما التوقف الدائم، الذي يصير موقفًا لصاحبه معروفًا به، فهذا لا يُقبل أبدًا، إذ ليس ثمة برزخٌ بين الحقِّ الظاهر، و الباطل الواضح، و لا منزلةٌ بين المنزلتين، بل ليس بعد الحق إلا الضلال، سيما إذا كان الحقُّ واضحًا بيِّنًا، و أدلته ظاهرة، و أهله مُتميِّزون،-كما هو الحال في فتنة الاحتوائيين- فإنَّ التوقف و الحالة هذه خذلان للحق، و نكوصٌ على الأعقاب .
قال الإمام ابن باز رحمه الله كما في مجموع الفتاوى والمقالات ( 7 / 363 ) : « أما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن والقعود عنها فمعروف عند أهل العلم وتفصيل ذلك فيما يلي: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فَيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائمِ وَالْقَائمُ فيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذاً فَلْيَعُذْ بِهِ » أخرجه البخاري في صحيحه، فهذه الفتن هي الفتن التي لا يظهر وجهها، ولا يعلم طريق الحق فيها، بل هي ملتبسة..، والمقصود أن هذا عند خفاء الأمور، وعلى المؤمن أن يجتنبها، أما إذا ظهر له الظالم من المظلوم والمبطل من المحق فالواجب أن يكون مع المحق ومع المظلوم ضد الظالم، وضد المبطل »انتهى .
* و أما القسم الثاني من أقسام المُتوقِّفة : فهم كلُّ من تستَّر خلف التَّوقُّف، و تظاهر به، و هو في حقيقة أمره مع أهل الباطل، فمن عُلم عنه هذا بالأدلة الصحيحة و القرائن القوية، أُخرِج من جُحره، و أُلحِق بإخوانه المخالفين و لا كرامة له، فإنَّه منهم، و إنما ألجأه إلى التظاهر بالتوقف، و إظهار هذا الموقف: قوة أهل الحق، و ضعفه عن مقارعتهم، و لمآرب أُخرى، فإنَّ أهل الحقِّ متى ما قويت شوكتهم، في أيِّ زمان أو مكان، ظهرت هذه الأصناف من المتلونين، و أصحاب الوجوه، و حمل العصا من الوسط! و أصحاب المواقف المريبة، و الخرجات المعيبة، فيدسُّوا رؤوسهم في صفوف أهل الحق، ليتحاشوا سِهامَم و سيوفهم، كما ظهرت اللفظية و الواقفة زمن المحنة، بعد زوال دولة الجهمية، فعرَفهم الإمام أحمد رحمه الله بأنهم هم الجهمية أنفسهم، تستروا خلف هاتين البدعتين، خوفًا من جرح أهل السنة، و تشنيع الورى، فألحقهم بالجهمية الصُّرحاء .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في " شرح عقيدة السلف للصابوني "(ص 90 إلى 94):« الجهمية كانوا يصرحون بـ (أنَّ القرآن مخلوق)؛ لأن الدولة كانت معهم والصولة والجولة بأيديهم، فكانوا يجاهرون بـ (أن القرآن مخلوق) بل سجنوا وقتلوا وضربوا، فلما ذهبت دولتهم في عهد المتوكل رحمه الله، وجزاه الله خيرًا، لجئوا إلى الطرق الملتوية لما لم يستطع أحدهم أن يجاهر ويقول: إن القرآن مخلوق، صار يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ويريد أن القرآن بلفظه هذا: مخلوق ليتوصل إلى القول بأن القرآن مخلوق .
فهذا جهمي وإن التوى وتستر واستخدم التقية والأسلوب الماكر، هو جهمي ولا ينفعه هذا التستر.. .
فكثيٌر من أهل البدع يتسترون بهذه الأساليب، يقول لك: أنا سلفي، ولكن عنده منهج آخر، يأتي بالعبارات المموِّهة ليوهم الناس أنه سلفي وهو خلفي، فأكثر أهل البدع يقولون: إنهم أهل سنة وعندهم بدع وضلالات ويتسترون بعبارات وتصرفات ومواقف، لكن عند التمحيص والوقوف على الحقائق والأشياء يتبين أنهم أهل الأهواء وأهل ضلال .. .
أحمد بن حنبل رحمه الله عرف مكرهم وكيدهم وأنهم يقولون هذا مكرًا وتسترًا وفرارًا من أن يوصموا بأنهم جهمية، فيزدريهم الناس ويسقطون في المجتمع .....إلى آخره، فيتسترون بهذه الألفاظ، ، فقال الإمام أحمد ومن معه: إن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، بل هو شرٌّ من الجهمية لماذا؟ لأنهم يشبهون المنافقين، والمنافق لا يجهر بنفاقه، بل هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلي مع الناس وقد يخرج إلى الجهاد وهو أكفر الكفار وهم في الدرك الأسفل من النار، فهؤلاء شرٌّ من الكفار، وهؤلاء شرٌّ من الجهمية لماذا؟ لأنهم اعتقدوا عقيدة الجهمية في أن القرآن مخلوق، لكن يسترون هذه العقيدة بقولهم: لفظي بالقرآن مخلوق... .
والمقصود؛ أن أهل الفتن دائمًا يُحدثون أشياءً وأشياء، والعياذ بالله، ومن ذلك أنهم يحدثون وسائل يتذرعون بها إلى نشر بدعهم وإشاعتها.. .»انتهى .
* و أمَّا أهل التَّقيَّة، الذين يتظاهرون بأنهم مع أهل الحقِّ، و هم مع المخالفين، فصنيعهم إلى النفاق أقرب، لمناقضة باطنهم لظاهرهم.
فإنَّ علامة أهل النفاق أنهم يُظهرون خلاف ما يُبطون، و يظهر هذا الصنف من بني آدم، - كسابقه- ، في الأزمنة و الأمكنة التي تكون فيها الشوكة و الغلبة لأهل الحق، فهناك يبرز قرنهم، كما برز قرن النفاق في العهد المدني للدعوة الإسلامية، و لم يكن بارزًا و لا ظاهرًا في العهد المكي، لأن الشوكة فيه كانت لأهل الكفر و الشرك، فلا يعلن بإسلامه إلا من كان صادقا.
بخلاف العهد المدني سيما بعد غزوة بدر التي نصر الله فيها دينه و نبيَّه نصرًا مُؤزَّرًا، فكانت الشوكة فيه لأهل الإسلام و الغلبة لهم، على من حولهم من المشركين و أهل الكتاب، فعندها ظهر المنافقون الذين تظاهروا بالإسلام تقية و مكرًا و خداعًا، لجبنهم عن الصدع بكفرهم، و سعيًا منهم لإفساد الإسلام من داخله، و هؤلاء أخطر على أهل الإسلام من الكُفار الصُّرحاء .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:« وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًّا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة .
يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه ! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخرَّبوه ! وكم من علم له قد طمسوه ! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه ! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها ! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها ! »[ " مدارج السالكين "(1/347)] .
* و ما أشبه حال المندسين في أوساط السلفيين - أصحاب الوجوه و التَّقية و التلون-، بحال هؤلاء المنافقين، فلذلك كان خطرهم على أهل الحقِّ و السنة، أشدُّ من خطر الواضحين في الضلال، إذ هو نظير خطر المنافقين على أهل الإسلام؛ و ذلك أنَّ المخالفين الواضحين: بيِّنٌ أمرهم لا يخفى حالهم على أهل الحق، فيسهل التحرُّز منهم، و مجانبتهم فتُتَّقى شبهاتهم و تلبيساتهم، و أما أصحاب الوجوه و التلوُّن المندسين في أوساط أهل الحق فقد لا يُتفطن لهم، فينخرون الصَّفَّ من الداخل، بزرع ألغام الفرقة بين السلفيين، و فتح الجبهات عليهم، و نشر الإشاعات الكاذبة فيهم، و السعي بينهم بالنميمة و التحريش، و تخذيلهم عن مواجهة خصومهم، و تثبيطهم عن نصرة الحق، و تشكيكهم في مواقفهم، بطرق و أساليب حزبية ماكرة، و كذلك يفعلون .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله في سياق ردِّه على أبي الحسن المأربي: « لقد عني أبو الحسن –إمعاناً- في الكيد وتمهيداً للفتنة بدراسة الجرح والتعديل ليُكسب مكره وكيده صبغة علمية سلفية يتمكن بها من الخداع والتضليل ويتمكن من ضرب الدعوة السلفية باسم التأصيل وباسم السلفية التي تلفع بها .
وفعلاً انخدع به السلفيون ، و بما يتظاهر به من السلفية لأن علماءهم لا يسمعون هذا الدمار في أشرطته، ولأنهم يعاملونه وغيره بناءً على الظاهر ومن باب « من خدعنا بالله انخدعنا له...، وبدأ يدس تحت الضباب والظلام.. .
علام يدل هذا العمل ؟
1- أنه لا يختلف عن أشد أهل البدع عداء في نظرتهم إلى المنهج السلفي وبعض أصوله بأنها فاسدة هذا من جهة .
2- ومن جهة أخرى هم أشرف وأوضح من أبي الحسن إذ خصومتهم واضحة جلية وخصومة وعداوة أبي الحسن يسلك فيها مسالك الجبناء الخونة الماكرين وهم على عكس ذلك في غالب أحوالهم .
3- أبو الحسن بيت الشر والمكايد منذ زمن طويل فحاله تشبه حال المنافقين..»[ " مجموعة كتب و رسائل الشيخ ربيع " (13/415/416)] .
و كم هم الذين تُشبه حالهم حال أبي الحسن-أيضًا- ! لما عجزوا عن التصريح بمواقفهم، لجأوا إلى الأساليب البطالة، إما بالتظاهر تقية و نفاقًا بأنهم مع أهل الحق، و إما بالتصريح كذبًا بالتوقف! بحجة خفاء الحق عنهم، و عدم ظهوره لهم، و ما هم بصادقين، إن يُريدون إلا فرارًا، و لذلك تجد أكثر من تظاهر بالتوقف في هذه الأحداث، قد آل أمرهم إلى الارتماء في أحضان المخالفين، لأنهم منهم و معهم من أول يوم، و إنما ذرُّوا بالتوقف الرماد على العيون لوقاية أنفسهم من سهام أهل الحق و نبالهم، و لغير ذلك من المقاصد الدنيئة، فلما حسِبوا أنَّ الفرصة قد سنحت، و أنَّ الكفة قد رجحت لأحبابهم و أخدانهم، انسلخوا من جلدهم و خرجوا من جحورهم، لتهنئتهم و الاحتفال معهم .
فمثل هؤلاء كمثل من رأى الحرب مستعرة بين أهل الحق و أهل الباطل، ففرَّ من ساحة القتال، و لجأ إلى ربوة مطلة على ميدان المعركة، فجعل يطل برأسه منتظرا انجلاء الغبار عن المتقاتلين، ليتحقق الغالب من المغلوب، فيُعلن ولاءه للغالب، فهو مع الغالب و الواقف و ليس مع الحق، مع الغالب لغلبته، و مع الواقف لوقوفه لا لكونه على الحق فلو كان الواقف و المنتصر خصمه لكان أول المطبلين و المصفقين له، فما أشبه حاله بحال من قال الله فيهم، - و هم المنافقون-: { الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين } [ النساء : 141 ] .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في "مقدمة الكافية الشافية ": « كفى بالعبد عمى وخذلانًا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن، وقد لبسوا للحرب لأمته وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنادت الأقران: النِّزال النِّزال ،وهو في الملجأ والمغارات والمدخل مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين ينظر لمن الدائرة؛ ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه أني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين..» [ مقدمة " القصيدة النونية " (1/8-9) بشرح العلامة الهراس رحمه الله ].
* ثم إذا اكتشف إخوانُنا بعضَ هؤلاء و رفعوا أمرهم إلى المشايخ أو الدعاة السلفيين، تراهم يقسمون بالأيمان المغلظة أنهم مع الحق، مستخدمين التورية و المعاريض، و أن غاية ما في الأمر أنه عرضت على أحدهم شُبهٌ، يرجو من مشايخنا كشفها و إزالتها عنه، و إعانته على التخلص منها، و هكذا في كلِّ مرة، و المشايخ يحسنون بهم الظن رأفة بهم، و شفقة عليهم، و معاملة لهم بالظاهر الذي يتلفعون به، فكم أتعبوا مشايخنا و إخوانهم هنا و هناك، بفتنهم و مشاكلهم المُفتَعلة، و ما إن يفتضح أحدهم، و ينكشف أمره، حتى ترى وجهه الحقيقي الذي كان يُخفيه نفاقًا، و ترى ما كان يُضمِره من حقدٍ دفين، و بغض شديد لأهل الحق، و قد لا يتسلل لواذًا من بين صفوف السلفيين، و لا ينسحب من أوساطهم، و لا يخرج من جحره: إلا بعد أن يسحب معه عددًا من إخواننا الذين لبَّس عليهم، و استغلَّ معاملة المشايخ له المبنية على ظاهره المُزيَّف للمكر بهم، و التلبيس عليهم، و قد لا ينزع القناع عن وجهه إلا بعد أن ترى أفكاره قد مدَّت مدَّها في إخواننا، و ضربت بجذورها في نفوسهم، فيصعب بعد ذلك اجتثاثها و اقتلاعها، و معالجتهم منها .
فإياكم و الغفلة عن هؤلاء؛ أو التغافل عنهم، فهم، مصدر كثير من الشائعات و الأراجيف التي ذاعت و انتشرت بين إخواننا، و سبب كثير من الخلافات التي وقعت بينهم، و هم معول المخالفين لهدم صرح أهل السنة و تخريب دعوتهم من الداخل، و هم همزة الوصل التي بينهم و بين أهل الحقِّ، بها يتوصلون لشقِّ صفِّهم، و تشتيت شملهم، و إضعاف موقفهم، و هم العدوى التي من خلالها ينقلون فيروساتهم و شبهاتهم إلى أوساطهم، و هم أدوات الإشهار التي بها يُروجون لأباطيلهم فيما بينهم، و هم المخابرات التي يتجسسون بها على أهل السنة، و يخترقون بها جماعتهم، و تجمُّعاتهم، و هم وسائل النقل التي يستخدمونها لنقل بضاعتهم الكاسدة الفاسدة إلى أسواق أهل السنة، و هم شياطين الإنس الذين يستعملونهم لتخويف أهل السنة، و الإرجاف عليهم، و تثبيطهم و الحط من عزيمتهم، كما كانت شياطين الجنِّ تُخوِّف المؤمنين بأوليائها من كفرة الإنس .
فمن أشكل عليه الأمر من إخواننا، و لم يهتد إلى معرفة هؤلاء و الوقوف على حقيقتهم، فليطلب السلامة لنفسه بأن يكون واضحًا مع الواضح، مُتوقِّفًا في المُتوقِّف! فمن كان واضحًا في ولائه للحقِّ و أهله و في انحيازه لهم، و نصرته إياهم، كان واضحًا معه في محبته في الله، و نصرته و الجلوس إليه و النزول عنده و التعاون معه، و غير ذلك مما يقتضيه الولاء الشرعي .
و من كان واضحًا في ولائه للباطل و أهله، و في نصرته لهم و تجلُّده في الدفاع عنهم و الطعن في مشايخنا و إخوانهم، كان واضحًا معه بتهميشه و تركه و معاملته بما يستحق .
و من أظهر التوقف و لم يهتد إلى حقيقة موقفه توقَّف فيه، حتى يتبيَّن له إلى أيِّ الجهتين يصير! و لا يمنعه ذلك من نصحه و بيان الحق له إذا كان من القسم الأول من أقسام المتوقفة، التي سبق ذكرها، و كان هو مُتأهِّلا لذلك، و إلا فالسلامة و العافية لا يعدلها شيء، و الله أعلم .
هذا؛ والمقصود بالواقفة هنا: من لم يتخذ موقفًا، فيزعم أنه لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أما من كان له موقف صحيح يعلمه عنه من يعلمه من إخوانه، وجلسائه، وطلابه إذا كان من طلبة العلم والمشايخ، وهو بريء من الباطل وأهله، فليس من الواقفة، حتى ولو لم يقم بالرد العلني أو الكثير، على أهل الباطل، فإن العبرة هنا بالموقف وليس بالرد الذي هو فرض على الكفاية، وإلا للزم رمي كثير من أهل العلم وحملته بهذا حيث لم يشاركوا في الردود على أهل الأهواء وفي فتن كثيرة.
* معشر السلفيين الواضحين: إنَّ أرباب الفتنة قد أفرغوا كلَّ ما في جعبتهم من الرصاصات الغادرة، و استعملوا كلَّ ما بحوزتهم من أسلحة و ذخائر في حربهم الخاسرة ضدَّ السلفيين الثابتين، فكم من صوتيات تجريحية في مشايخنا و إخوانهم أخرجوا، و كم من تزكيات لهم بطُرقٍ مشبوهة جلَبوا، و كم من ردود و مقالات كتبوا، و كم من بيانات نشروا، و كم من مجالس عقدوا، و كم من أوقات أنفقوا، و كم من جهودٍ بذلوا، و كم من إمكانيات سخروا، فلم يزدادوا إلا سقوطًا، و لم يُغيِّروا شيئًا من الواقع الذي ما وجدوا له من دافع!، فلم يبق في أيديهم إلا سلاح التفريق بين أهل الحق، و بثِّ الفرقة بين أصحاب الموقف الواحد، بين المشايخ أنفسهم، أو بين المشايخ و بعض إخوانهم من طلبة العلم، أو بين الدعاة و طلبة العلم فيما بينهم، و فتح الجبهات داخل صفوفهم، بالأساليب الماكرة، و الطرق الفاجرة، عن طريق جواسيسهم، و من استغفله جواسيسُهم من إخواننا الطيبين -و هم لا يشعرون- .
و السلامة من شرِّ هؤلاء و كيدهم –بإذن الله تعال- تكون بالتواصل المستمر بين المشايخ و إخوانهم من الدعاة و طلبة العلم العاملين، و بإخراص ألسنة النمامين و زجرهم و عدم الإصغاء لهم، و عدم الركون إلى تحريشاتهم، أو الانسياق وراء شائعاتهم، و أكاذيبهم، التي يُروجون لها، في العالمَين الحقيقي و الافتراضي .
و تكون من إخواننا بالتهميش التام للقوم، و عدم النظر في مواقعهم و حساباتهم، فهي مليئةٌ بالشُبه، مشحونة بمثل هذه الشائعات، و عدم التفاعل مع منشوراتهم الصوتية أو المكتوبة، أو نشرها بين الإخوة ولو على سبيل التعجب و السخرية و التهكم، و الاستغراب، فإنها إعلامٌ مُضلل، و تحمل في طياتها كثيرا من هذه الأراجيف و الأكاذيب، التي يبغون بها التحريش و النميمة و إحداث الفجوة، و بثِّ الفرقة، التي هم إلى وقوعها بيننا في غاية الشَّوق و الحرص! لا أقرَّ الله لهم عينًا بذلك، و لا طيَّب لهم بذلك خاطرًا .
* و لا يخدعنَّكم –معشر أهل الحق- هؤلاء بدعاياتهم الكاذب و إعلامهم المُزوِّر للحقائق، الذي يُذيعون من خلاله عودة فلان إليهم، و رجوع علَّان إلى جماعتهم، فهذا من جنس إرهابهم الإعلامي الفكري الذي يستخدمونه للإرجاف على أهل الحق، و النيل من عزيمتهم، و الرفع من معنويات أتباعهم و استبلاههم بمثل هذا! و إلا فإنه لا يرجع إليهم، و لا يعود إلى جماعتهم، في الأعمِّ الأغلب –على قلة من يعود- إلا أحد صنفين ممن ذكرنا آنفًا:
إما صاحب وجوه كان مُظهرًا للتوقف، و هو ماسكٌ للعصا من الوسط .
و إمَّا مُتلوِّنٌ صاحب تقية، كان معهم باطنًا، و يتظاهر كذبًا بأنه مع أهل الحق جبنًا و خوفًا .
و لا خير في واحد من هاذين، بل ذهابهم صحة للدعوة من مرض عضال!، و تصفيةٌ للصفِّ من الدخلاء، ليزداد قوَّة و صفاء، فما هم إلا حيَّات خرجَت و أُخرجَت من جحورها، فلا يفرح بهم، و لا يستبشر بقدومهم، إلا من كان كالغريق اليائس الذي يتشبث بأي شيء وجده ولو بزبد البحر و خيط العنكبوت!، و لكن اعلموا: أنَّ الحديث شديد الضعف، لا يصلح في الشواهد و المتابعات! فلا يُقوي غيره و لا يتقوَّى بغيره، فوجوده و عدمه سواء.
أما أهل الحقِّ -و لله الحمد- فلا يتشرفون بهم أصلا و لا يستكثرون بأمثالهم، و ليسوا على بقائهم بالحريصين، و لا على ذهابهم بالمتحسرين، و لا على صحبتهم بالمتأسفين، بل نقول لأمثالهم من المدسوسين المندسين المتجسسين المتلونين: لا مرحبًا بكم، انصرفوا، و اذهبوا، إلى من هم على شاكلتكم، و من أنتم على شاكلته، و ارتموا في أحضانهم، فلا حاجة لنا بكم .
و لو فرضنا بأنَّ من انحاز إليهم، أو من سينحاز إليهم -كما يُروجون له، و يستفتحون به علينا- هو عندهم من كُبرائنا و دعاتنا و طلبة العلم المعروفين بيننا، فإنَّ ذلك عندنا: كأن لا حدث! فلا يعدوا أن يكون المومى إليه-إن صحَّ الخبر- واحدًا من الأصناف المذكورة، أو ممن استطال الطريق، و لم يصبر على لأوائها، أو ممن جعل من نفسه أذنًا سماعة لأراجيف القوم فتصيَّدوه، أو ممن انحاز إليهم انتقامًا لنفسه الظالمة، و لناصيته الخاطئة الكاذبة، فلا يُؤسف عليه .
ثمَّ متى كان الحق مُعلَّقًا بالرجال؟!، فذهابهم و بقاؤهم، و ثباتهم في مواقفهم أو تحوُّلهم عنها لا يُغيِّر من الأمر شيئًا! ولو كنَّا ممن يُعلق الحق بالرجال، و يتأثر بمواقفهم، لكنَّا قد تنازلنا عن الحق الذي تيقَّناه بأدلته و براهينه، يوم أن تكلَّم العلامة ربيع المدخلي، و كذا العلامة عبيد الجابري حفظهما الله، -كما فعل ذلك بعض من نكص على عقبيه -، فالحقُّ لا يُعرف بالرجال، و هو أكبر عند أهل الحق من الرجال، فليس عندهم استعداد للتنازل عنه - بعد إذ هداهم الله إليه- لقول أحد، و لا لأجل موقف أحد، كائنًا من كان .
قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، و هو يُخاطب عبد الرحمن عبد الخالق: «لا يجوز الرجوع عن الحقِّ إن كنت على حقِّ لا لابن باز و لا لابن تيمية، و لا لأحمد بن حنبل، و لا لأحد مثل هؤلاء أو أكبر منهم، فإنَّ الحقَّ فوق الجميع و أكبر من الجميع » [ " مجموعة كتب و رسائل الشيخ ربيع"(10/95)] .
و العلم عند الله تعالى، و صلى الله وسلم على عبده و رسوله نبيِّنا محمد و على آله و صحبه أجمعين، و آخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين .
تعليق