إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

فتح رب البرية بتهذيب وتقريب شرح العلامة الفوزان على المنظومة الحائية...[ الجزء السابع والأخير].

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • فتح رب البرية بتهذيب وتقريب شرح العلامة الفوزان على المنظومة الحائية...[ الجزء السابع والأخير].

    فتح رب البرية بتهذيب وتقريب شرح العلامة الفوزان على المنظومة الحائية .

    [الجزء السابع والأخير]


    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

    [ شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم].
    وإن رسول الله للخلق شافع...وإن عذاب القبر بالحق موضح.

    المفردات:
    للخلق شافع: الشفاعة معناها: الوساطة في قضائ حوائج الناس.

    قول أهل السنة والجماعة
    :
    يقولون أن الشفاعة شفاعتان: 1- شفاعة مثبتة: وهي ما توفر فيها شرطان: الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، والثاني: أن يكون المشفوع فيه من عصاة الموحدين. 2- شفاعة منفية: وهي الشفاعة في الكفار، أو الشفاعة التي تكون بغير إذن الله. فنحن لا ننكر الشفاعة مطلقا، ولا نثبتها مطلقا، بل لابد من التفصيل، جمعا بين الآيات في هذا الباب، وهذا هو الفقه في دين الله عز وجل، وهذه طريقة الراسخين في العلم.
    قول أهل البدع:
    القبوريون والمشركون من قبل: يقولون أن الشفاعة ثابتة لكل أحد.
    الخوارج والمعتزلة: ينكرون الشفاعة مطلقا.
    الرد عليهم:
    قد يأتيك من يقول: الشفاعة لا تقبل بدليل هاتين الآيتين: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" وقوله تعالى:" ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع". فتقول: هناك آيات تدل على قبول الشفاعة؛ كقوله تعالى: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه"، وقوله: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى"، وقوله"وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى" فهي تدل على قبول الشفاعة بشرطين: أن يأذن الله بها، وأن يرضى عن المشفوع فيه.
    فليست كل الشفاعة مثبتة وليست كلها منفية، لا بد من التفصيل على حسب ما جاء في الأدلة.
    والقرآن لا يضرب بعضه ببعض، وإنما يجمع بين الآيات ويوفق بينها، ويفسر بعضها ببعض، ويقيد بعضها ببعض، هذه طريقة الراسخين في العلم.
    الفوائد:
    1-الشفاعة المثبتة أنواع: منها ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره من الملائكة، والأولياء والصالحين، والأفراط.
    أما الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو عدة شفاعات:
    الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى، وذلك حينما يطول الموقف والحشر على الناس، وهم وقوف على أقدامهم، شاخصة أبصارهم، حفاة عراة، تدنو منهم الشمس، ويأخذ منهم العرق "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة"، فيتقدمون يطلبون من يشفع لهم عند الله أن يريحهم من الموقف، فيأتون إلى آدم عليه السلام، ثم يأتون إلى نوح عليه السلام، ثم يأتون إلى إبراهيم عليه السلام، ثم يأتون إلى موسى عليه السلام، ثم يأتون إلى عيسى عليه السلام، فكلهم يعتذرون، ويقولون: " إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا بعده مثله"، فيعتذرون عن الشفاعة عند الله في هذا الموقف، حتى يأتوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها"، ويتقدم إلى ربه سبحانه ويسجد بين يديه، ويحمده بمحامد، ويدعوه ويتضرع إليه، حتى يقال له: " يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع"، فيشفع في أهل الموقف، فيقبل الله شفاعته.
    فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يشفع إلا بعد الاستأذان،وهو سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، فيشفع الشفاعة العظمى، وهو المقام المحمود الذي ذكره الله بقوله: " ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا"، لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون.
    الشفاعة الثانية: شفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، لأنهم إذا جاءوا إلى الجنة لا يفتح لهم على الفور، فيستشفعون بمحمد صلى الله عليه وسلم في فتح باب الجنة، فيشفع لهم فتفتح، قال تعالى: " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها" لم يقل: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها كما في النار، بل قال: "وفتحت أبوابها" فالمجيء شيء، وفتح الأبواب شيء آخر، وذلك بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.
    الشفاعة الثالثة: أنه يشفع لأناس من أهل الجنة في رفعة منازلهم في الجنة.
    الشفاعة الرابعة: شفاعته في عمه أبي طالب، مع أن الشفاعة لا تنفع الكفار، والله جل وعلا قال في الكفار "فما تنفعهم شفاعة الشافعين". وأبو طالب مات على الكفر، ولكن نظرا لأن أبا طالب حمى النبي صلى الله عليه ودافع عنه، وصبر معه على الضيق، وأحسن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يوفق للدخول في الإسلام، شفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم لتخفيف العذاب عنه.
    فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع في إخراجه من النار؛ لأنه مخلد في النار كغيره من الكفار، ولكن يشفع في أن يخفف عنه العذاب فحسب، ويجعل في ضحضاح من النار، وفي أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، فلا يرى أن أحدا أشد منه عذابا، مع أنه أخف أهل النار عذابا.
    فهذه الشفاعات خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
    أما الشفاعة في أهل الكبائر في أن يخرجوا من النار، أو لا يدخلوها، فهذه شفاعة عامة تكون للملائكة، وتكون للأنبياء، وتكون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتكون للأولياء يشفعون لإخوانهم، وتكون للأفراط يشفعون لآبائهم، فهي شفاعة عامة له ولغيره عليه الصلاة والسلام.

    [ التكفير بالمعصية]
    ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفح.

    المفردات:
    أهل الصلاة: يعني: أهل القبلة من المؤمنين والمسلمين.
    وإن عصوا: يعني: دامت معصيتهم دون الكفر والشرك.
    يصفح: يغفر.
    قول أهل السنة والجماعة:
    أهل السنة والجماعة لا يكفرون صاحب الكبيرة، ولا يقولون إنه كامل الإيمان،بل يقولون إنه مؤمن، ولكنه ناقص الإيمان، أو مؤمن فاسق، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو تحت المشيئة: إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، كما قال تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وإن عذب فإنه لا يخلد في النار.
    قول أهل البدع:
    الخوارج: يكفرون بالكبائر التي دون الشرك، ويخلدون أصحابها في النار، ويستحلون دماءهم وأموالهم على أنهم كفار، ويستدلون بالآيات التي وردت في الوعيد على الذنوب والمعاصي، ويحملونها على كفر أصحاب تلك المعاصي.
    المعتزلة: يقولون: ليس بكافر ولا مؤمن، بل هو في منزلة بين المنزلتين.
    المرجئة: على النقيض، فالكبائر عندهم لا تضر الإيمان ولا تنقصه، فالعاصي صاحب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع لكفر طاعة. هذا مذهب المرجئة –وهو على النقيض من مذهب الخوارج- فهم أخذوا بآيات الوعد والرجاء وتركوا آيات الوعيد.
    الرد عليهم:
    الواجب هو الجمع بين آيات الوعد والوعيد كما هي طريقة الراسخين في العلم. وهي طريقة أهل السنة والجماعة.

    [ عقيدة الخوارج].
    ولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردي ويفضح.

    المفردات:
    يهواه: يحبه ويتبعه.
    يردي: يهلك من قال به.
    الفوائد:
    1-الخوارج فرقة من فرق الضلال سموا بالخوارج، لأنهم خرجوا عن طاعة ولاة الأمور، وأول ما خرجوا خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته، وقالوا: لماذا تحكِّم الرجال، والله –جل وعلا- يقول: "إن الحكم إلا لله".
    ولذلك لمّا ناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه أدلوا عليه بهذه الشبهة، وقالوا: إنه حكّم الرجال، فقال: أليس الله قد حكم الرجال في الأرنب يصيدها المحرم، فقال في الصيد: "يحكم به ذوا عدل منكم هذيا بالغ الكعبة"، أليس الله حكم الرجال في قضية النشوز في قوله تعالى: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما"، فحكّم الرجال، وتحكيم علي رضي الله عنه للرجال هو من هذا القبيل.
    2- رأي الخوارج مقال لمن يحبه ويتبعه يهلكه، لأنه رأي خطير فيه تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، والخروج على ولاة الأمور.
    فمذهب الخوارج يتفرع منه فروع قبيحة، فلا تعتقده أو تمل إليه، بل اعتبره مذهبا باطلا، وهذا في الذي يرى رأيهم ولو لم يفعل مثل فعلهم، فكيف بالذي يرى رأيهم وينفذه.

    [عقيدة المرجئة].
    ولا تك مرجيا لعوبا بدينه ... ألا إنما المرجي بالدين يمزح
    وقل إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرّح
    وينقص طورا بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمى وفي الوزن يرجح

    المفردات:
    قول: يعني باللسان.
    نية: يعني اعتقاد القلب.
    فعل: وهو عمل الأركان.
    قول أهل السنة والجماعة:
    الإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا تعريف الإيمان الكامل، المأخوذ من الأدلة لا من الأهواء والأفكار.
    فالإيمان يتكون من هذه الأربعة:
    1-قول باللسان.
    2-اعتقاد بالقلب.
    3- عمل بالجوارح.
    4-يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
    ومما يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
    فقول: "لا إله إلا الله": هذا قول باللسان.
    و"الحياء شعبة من الإيمان": هذا من أعمال القلب.
    و"إماطة الأذى عن الطريق": هذا من أعمال الجوارح.
    فدل على أن الإيمان: قول واعتقاد وعمل.
    وأما كونه يزيد بالطاعة، فهذا صريح في القرآن: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون"، فجعل الصلاة والإنفاق من الإيمان، وذكر الله هذا قول باللسان، "زادتهم إيمانا" وهو دليل على أن الإيمان يزيد.
    وقال تعالى: "وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأماالذين ءامنوا فزادتهم إيمانا"، وقال تعالى " ويزداد الذين ءامنوا إيمانا"، فدل على أن الإيمان يزيد ويقوى بالطاعات.
    وكذلك ينقص الإيمان بالمعاصي، بدليل حديث: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، فدل على أن الإيمان يضعف، فالذي لا ينكر المنكر لا بيده ولا بلسانه هذا ضعيف الإيمان، والذي لا ينكر لا بيده ولا بلسانه ولا بقلبه هذا ليس فيه إيمان أصلا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خرذل"، كما في الحديث: "إن الله يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان"، هذا دليل على أن الإيمان يضعف ويكون بقدر وزن حبة الخردل أو أدنى من ذلك.
    وفي قوله تعالى: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان" دليل على أن الإيمان يضعف حتى يصل إلى أن يقرب صاحبه من الكفر، "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان"، فهذا دليل على نقص الإيمان.
    قول أهل البدع:
    الأشاعرة: الإيمان يكون بالقلب فقط. والمرجئة يقولون هو لا يزيد ولا ينقص لأن الإيمان بالقلب وهو شيء واحد والناس لا يتفاضلون في ال‘يمان.
    مرجئة الفقهاء: الإيمان هو الاعتقاد بالقلب مع النطق باللسان.
    الكرامية: الإيمان هو النطق باللسان فقط.
    الجهمية: الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط:
    الرد عليهم:
    الرد على المرجئة القائلين أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن الإيمان بالقلب، وهو شيء واحد، والناس لا يتفاضلون في الإيمان، فإيمان أبي بكر مثل إيمان أفسق الناس.
    وهذا كلام باطل، بل الإيمان يتفاضل، وبعض المؤمنين أقوى إيمانا من الآخر، قال صلى الله عليه وسلم: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"، قوة في الإيمان، وقوة في البدن، وقوة بالفعل.
    فالإيمان يزيد وينقص بلا شك، فالمعاصي تنقص الإيمان، والطاعات تزيد في الإيمان.
    الرد على الجهمية: يلزم على هذا المذهب الخبيث أن يكون فرعون مؤمنا؛ لأنه يعترف بقلبه بما جاء به موسى عليه السلام، "لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض "، فهو معترف بهذا بقلبه، ولكنه أنكره بلسانه من باب الكبر والبقاء على ملكه، واستكبارا عما جاء به موسى عليه السلام.
    وكذلك المشركون يعترفون بقلوبهم أن محمدا رسول الله، وأنه على الحق، قال تعالى: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"، فهم لا يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن حملهم على مخالفته الجحود والكبر والاستكبار عنالحق، والعصبية للباطل؛ كما حمل أبا طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد اعترف بأن الرسول على الحق، فقال:
    ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا.
    فلما لم يتبعه ومات على ملة عبد المطلب على الشرك صار من أهل النار، وهو يعترف أن دين محمد صلى الله عليه وسلم حق، وقال:
    لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحا بذاك مبينا.
    فهو على مذهب الأشاعرة يلزم أن يكون مؤمنا.
    الرد على مرجئة الفقهاء: لو كان الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب فقط لما صار للأوامر والنواهي فائدة، يكفي أن الانسان يعتقد بقلبه وينطق بلسانه ولو لم يصل ولو لم يصم، وهذا مذهب باطل بلا شك، لأنه يعطل الأعمال كلها، والله جل وعلا قرن العمل بالإيمان في كثير من الآيات "ءامنوا وعملوا لصالحات" ولم يقل آمنوا فحسب، أو عموا الصالحات فحسب، فلابد من الاثنين معا، فلا يكفي الإيمان بدون عمل، فالإيمان والعمل الصالح قرينان، وهذا في كثير من الآيات.
    الرد على الكرامية: على هذا القول يكون المنافقون مؤمنين، لأنهم يعترفون بألسنتهم، ولكنهم ينكرون في قلوبهم، وقد حكم الله عليهم بأنهم في الدرك الأسفل من النار تحت المشركين، فقال:" ومن الناس من يقول" يعني يتلفظ، "ءامنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين" يعني: يتلفظون بألسنتهم. وفي الآية الأخرى يقول: " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم". فالفمجرد القول باللسان لا يكفي، بل الله قال عنهم: " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة" يعني: سترة. "فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا" "آمنوا" بألسنتهم "ثم كفروا" بقلوبهم. فالنطق باللسان لا يكفي ولو اعترف الإنسان، حتى ولو قاتل وجاهد مع المسلمين، ولو صلى وصام، لا يكفي هذا حتى يعتقد بقلبه ما نطق به لسانه.


    [
    تقديم قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم على كل قول]
    ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أولى وأشرح.

    المفردات:
    فقول رسول الله أولى وأشرح: المعتبر هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمرنا باتباعه، ولم نؤمر باتباع الآراء والأقوال.
    الفوائد:
    1-لابد أن يكون هناك خلاف بين العلماء في المسائل الاعتقادية والمسائل العملية والمعاملات، فالخلاف يقع بلا شك، وهذه طبيعة البشر، "ولا يزالون مختلفين إلامن رحم ربك".
    2- لا يجوز لنا أن نأخذ من الأقوال ما يوافق رغبتنا وشهواتنا، وإنما نأخذ من الأقوال ما قام عليه الدليل من كتاب الله وسنة انبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كما في قوله تعالى: " يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا". "فردوه إلى الله" إلى كتاب الله القرآن، " والرسول": ويرجع إليه في حياته عليه الصلاة والسلام ويسأل، أما بعد موته فيرجع إلى سنته، فكأنه موجود عليه الصلاة والسلامبوجد سنته.
    3- الاختلاف ليس برحمة، الاجتماع هو الرحمة، والاتفاق هو الرحمة، أما الاختلاف فإنه عذاب وشر، كما قال عبد الله بن مسعود "الخلاف شر".
    4- الاختلاف موجود ولكن ليس معنى ذلك أن نقول: هذا من سعة الدين؛ لأن الدين ليس في أقوال العلماء، إنما الدين بالدليل، قال تعالى: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" هذا هو الميزان الذي بين أيدينا، لم يكلنا الله للخلاف أو إلى رأي فلان وقول فلان، بل أمرنا أن نرجع إلى الميزان وهو: الكتاب والسنة.
    5-من كان من أهل العلم ويستطيع أن يعرف الراجح من المرجوح فإنه لا يسعه أن يأخذ القول على علاته حتى يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    وأما إن كان من العوام أو من المبتدئين في طلب العلم، فهذا يسأل أهل العلم، قال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"..
    6-الأئمة يحذرون من أخذ أقوالهم بدون معرفة الدليل:
    فالإمام مالك رحمه الله يقول: " كلنا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر"، يعني رسول الله، ويقول: "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء".
    والإمام الشافعي رحمه الله يقول: " إذا صح الحديث فهو مذهبي" ويقول: " إذا خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم". ويقول:"أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد".
    والإمام أحمد رحمه الله يقول: " عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، ولله تعالى يقول: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أيصيبهم عذاب أليم"، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعلع إذا رد بعض قوله أ يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
    7- الآن الصحف والكتابات كلها تنادي بالأخذ بالآراء والتوسعة على الناس، وأنهم إذا ردوا إلى الدليل فهذا حرج وضيق، هكذا يقولون، وهذا القول كفر؛ لأن قائله يرى أن الأخذ بالديل يكون حرجا، والذي يقول هذا يكفر، والأخذ بالدليل هو الفرج وليس حرجا، وهو التيسير من الله.

    [ الطعن في أهل الحديث].
    ولا تك من قوم تلهو بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح.

    المفردات:
    ولا تك من قوم تلهوا بدينهم: أي لا تتخذ الدين مهزلة وملعبة.
    الفوائد:
    1-اتخاذ الدين مهزلة وملعبة من فعل المنافقين والفساق، قال الله جل وعلا عن المنافقين والفساق: "اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا"، ويدخل في هذا الصوفية الذين يجعلون الرقص والدفوف والاغاني من الدين، ويسمونها الأناشيد والمواثي والقصائد، وينشدونها يتقربون بها إلى الله. ويدخل فيه من باب أولى: الذين يميلون إلى الشهوات وما تهواه أنفسهم، ويعطون أنفسهم ما تريد، ولو كان مخالفا للدين، فهذا من اتخاذ الدين لهوا وعبا، فيدخل فيه الفساق الذين لا يبالون بأمر الدين، ويتبعون ما تشتهيه أنفسهم ورغباتهم.
    ويدخل فيه العباد من الصوفية الذين أدخلوا في العبادة ما ليس منها، بل أدخلوا فيها ما يخالفها من ضرب الطبول والرقص،ويتخذون هذا دينا، وينشدون القصائد المنغمة، كفعل النصارى في ترانيمهم. فهذا كله من اتخاذ الدين لهوا ولعبا.
    2- أهل الحديث هم أهل الرواية الذين اعتنوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحافظوا عليها حتى بلغوها الناس كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفوا عنها كل دخيل وكل كذب، واعتنوا بها عناية تامة. وهم على قسمين:
    الأول: أهل رواية فحسب.
    الثاني: أهل رواية ودراية.
    أهل الرواية هم: الحفاظ الذين حفظوا الأسانيد، وأتقنوها، وميزوا رواتها، وبينوا أحوال الرواة، وأيضا اعتنوا بالمتون وحفظوها وبلغوها بألفاظها.
    والآخرون علماء الرواية والدراية: يعني فقهاء الحديث الذين يروون الحديث، ويستنبطون منه الأحكام، ويذكرون فقه الحديث، كالبخاري ومسلم ومالك وأحمد، هؤلاء فقهاء الحديث هم حفاظ وفقهاء.
    2-ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لأهل الرواية ولأهل الرواية والدراية فقال: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس: فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
    فالناس كالأراضي ثلاثة أقسام:
    الأول: أجادب: لا تنبت ولكنها أمسكت الماء، هؤلاء هم الحفاظ.
    الثاني: أرض خصبة: أمسكت وأنبتت، وهؤلاء هم الحفاظ الفقهاء، وهؤلاء أحسن من الطائفة التي قبلها.
    الثالث: طائفة ليس فيها خير: لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، هذا مثل المنافقين الذين لا خير فيهم، الذين لا يرفعون بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم رأسا.
    فأهل الحديث هم أفضل الأمة، وهم الفرقة الناجية.
    قال الإمام أحمد: "إن لم يكن الفرقة الناجية أصحاب الحديث فلا أدري من هم"، فأصحاب الحديث هم الفرقة الناجية، وكذلك من اتبعهم وسار على نهجهم فهو يلحق بهم.

    [ أهمية الاعتقاد الصحيح وفضله في الدنيا والآخرة].
    إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح.

    المفردات:
    إذا ما اعتقدت الدهر: أي إذا اعتقدت ما جاء في هذه القصيدة كل حياتك أو عند خاتمة حياتك فأنت على خير في العاجل والآجل.
    يا صاح: يحتمل أن أصله يا صاحبي ورخم، والترخيم: أن يحذف آخر المنادى كـ (يا سعا) فيمن دعا سعادا. أو أن الأصل (يا صاحي) من الصحوة، وحذفت الياء كذلك من أجل الترخيم والتخفيف على المستمع.
    تبيت: في المساء.
    تصبح: في الصباح.
    الفوائد:
    1-إذا عملت بما ذكره الناظم في هذه الأبيات واعتقدت ما جاء فيهت، فأنت على الجادة الصحيحة والمسلك الصحيح، ومن خالف ما جاء فيها فإنه يكون من المخالفين، على حسب مخالفته، وليس ذلك لأجل الناظم أو منظومته، وإنما من أجل أن هذه المنظومة مأخوذة من الكتاب والسنة، فليس هذا مدح لمنظومته، وإنما هو مدح لما تشتمل عليه من معاني الكتاب والسنة.
    2- لابد من الاستمرار على هذه العقيدة في كل حياتك إلى أن تموت عليها، أما من اعتقدها في الأول ثم تراجع عنها فهذا يهلك مع الهالكين، فا تكن ممن يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي يؤمنا ويصبح كافرا بسبب الفتن، لا تكون كذلك إن شاء لله، لأنك على منهج أهل السنة والجماعة، وهذه هي الفرقة الناجية، قال صلى الله عليه وسلم: " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة".
    وسميت الناجية لأنها نجت من النار ولم تقع فيها مع الفرق المخالفة.
    وسموا أهل السنة لأنهم يعملون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، عملا يقول: "عليكم بسنتي".
    وسموا بالجماعة لأنهم يجتمعون ولا يختلفون، فمن سمات أهل الحق الاجتماع، ومن سمات أهل الباطل الافتراق والاختلاف.

    جزى الله الناظم عن الإسلام والمسلمين خيرا، ونفعنا بما ذكره، وثبتنا وإياكم والمسلمين على قول الحق والعمل به إلى يوم نلقاه.
    وبهذا انتهى هذا التهذيب والتقريب على هذا الشرح الطيب النافع الجامع، والله تعالى أعلم.
    والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

    تقريب وتهذيب:
    أبي أمامة أسامة بن الساسي لعمارة.
    عين الكبيرة سطيف الجزائر.
    تمّ يوم: 9 ذو القعدة 1440ه.
الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
يعمل...
X