إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المراقيل في ذكر ما جاء من اسم (عزرائيل!!!)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المراقيل في ذكر ما جاء من اسم (عزرائيل!!!)

    المراقيل
    في ذكر ما جاء من اسم (عزرائيل!!!)




    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
    الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه الصَّادق الأمين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:

    فقد ظهر لي منذ مدَّة ليست ببعيدة أن أكتب شيئاً عن (عزرائل!!)، وخاصَّة لمَّا أثاره إمامٌ من أئمَّة الجزائر أنذاك؛ مع بيان له ــ طبعاً ــ خطؤه فيه، وكذا في التمسُّك بهذه الآثار الإسرائيليَّات وإذاعتها بين النَّاس، وما يترتَّب على ذلك وعليها من الأخطاء والإنحراف والأوهام، إلاَّ أنَّني رأيت الرَّجل كما قيل: "عنزة ولو طارت!!!".
    ثمَّ ما شجَّعني إليه فعلاً؛ هو لمَّا سمعت ما وقع ــ في مجلس سماع لكتاب "العظمة" لأبي الشَّيخ ــ ممَّن لقَّب نفسه مسنداً ومحدِّثاً في تحسين إسناد حديث (وهب بن منبِّه) الذي سوف يأتي معنا تخريجاً، ممَّا قد هالني الأمر! فقرَّرت حينها أن أكتب هذا البحث، وسمَّيته بـ "المراقيل في ذكر ما جاء من اسم (عزرائيل!!).

    فنقـــــول وبالله التَّوفيق:

    اعلم ــ هداني الله وأيَّاك! ــ أنَّه يجب علينا أن نؤمن بالملائكة جملةً وتفصيلاً، فأمَّا الإجمال فهو محرَّرٌ عند أهل العلم بما لا مزيد عليه هنا. ثمَّ هو معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة؛ فلا يكمل إيمان عبدٍ حتَّى يؤمن بهم ويقرَّ بوجودهم وبأوصافهم، وحتَّى بأسماءهم. وأمَّا التَّفصيل فهو على شرط بحثنا هذا؛ وهو فيما قد سمَّى الله عزَّ وجلَّ في كتابه أو على لسان رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، فنؤمن بـ (جبريل) و(ميكائيل) و(إسرافيل)؛ لأنَّهم قد سمُّوا، كما نؤمن بملك الموت؛ لكن لا نعلم أبداً أنَّ اسمه (عزرائيل) كما يقول بعض العامَّة(1)، فضلاً عن غيرهم من أئمَّة المساجد والوعَّاظ والدُّعاة والخطباء وغيرهم.
    فلذلك يحرم القول عليهم ــ أو تسميتهم أو وصفهم ــ بغير برهانٍ بيِّنٍ ودليلٍ عيِّنٍ.
    ثمَّ النَّاس قد ذهبوا في إطلاق اسم (عزرائيل)(2) هذا إلى ثلاثة فرق:
    (الأولى): من نفته مطلقاً لعدم التَّصريح باسمه في القرآن أو السنَّة المعتبرة، بل لم يصح عندها في اسم (ملك الموت) حديثٌ مرفوع، وإنَّما ورد في بعض الآثار أنَّ اسمه (عزرائيل)، لكن لم يرد في آيةٍ من كتاب الله أو حديثٍ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تسميته شيء. كما جاء مثلاً ــ تصريحاً أو تلميحاً ــ في "حاشية النِّسائيِّ"(4/118) للحافظ السُّيوطيِّ؛ قال: "لم يرد تسميته في حديثٍ مرفوعٍ، وورد عن وهب بن منبِّهٍ أنَّ اسمه (عزرائيل) رواه أبو الشَّيخ في "العظمة"...". وعنه ذكره العلاَّمة السِّنديُّ هو الآخر في "حاشيته"(4/118).
    بينما ذهب ابن كثير في "البداية والنِّهاية"(1/57) إلى القول: "وأمَّا (ملك الموت) فليس بمصرَّحٍ باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصِّحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بـ (عزرائيل)؛ والله أعلم".
    وقال المناويُّ في "فيض القدير"(3/32) بعد أن ذكر أنَّ ملك الموت اشتهر أن اسمه (عزرائيل)؛ قال: "ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر".
    وقال شيخ الإسلام محمَّد بن عبد الوهَّاب: "ولم يجئ مصرِّحاً باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصَّحيحة" كما في "أصول الإيمان"(ص/14).
    وقال الشَّيخ الألباني ــ رحمه الله ــ في شريطٍ(3) له: "لم يصح عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إطلاقًا تسمية ملك الموت بعزرائيل، فقد جاء في كثيرٍ من الأحاديث اسم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، هذا ثابت لكن تسمية ملك الموت بعزرائيل فليس له أصلٌ في السنَّة فضلًا عن القرآن الكريم". وقال في موضع آخر(4):
    "فإنَّ هذا الاسم على شهرته عند النَّاس ليس له أصلٌ في الكتاب والسنَّة، وإنَّما هو من الإسرائيليَّات، واسمه في القرآن والسنَّة (ملك الموت)". ونحوه كذا في هامش "أحكام الجنائز"(ص/156) وفي تعليقه على "العقيدة الطَّحاويَّة".
    ومثله العثيمين في "المجموع"(3/161)؛ قال: "وقد اشتهر أنَّ اسمه (عزرائيل) لكنَّه لم يصح، إنَّما ورد هذا في آثار إسرائيليَّة لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمِّي من وكِّل بالموت بـ (ملك الموت) كما سمَّاه الله عزَّ وجلَّ في قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}[السجدة:11]". وكذا في (8/46). وقال في "تفسيره"(2/285): "لكنَّنا لا نعرف اسمه؛ بعض النَّاس يقولون: (عزرائيل)؛ ولكن لم يصح هذا".
    وقال الشَّيخ بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللَّفظية"(ص/390): "(عزرائيل): خلاصة كلام أهل العلم في هذا: أنَّه لا يصح في تسمية ملك الموت بعزرائيل ــ ولا غيره ــ حديث؛ والله أعلم".
    (الفرقة الثَّانية): وهي من أثبتته مطلقاً لمجيئ ذكره في بعض الآثار، إذ أكثر كتب التَّفسير قد أشارت ــ أو تشير ــ إليه؛ كما هو الحال في "تفسير الثَّعلبيِّ"(7/328): "قال مقاتل والكلبيُّ: بلغنا أنَّ اسم ملك الموت عزرائيل". وكذا هو عند الرَّازيّ في "تفسيره"(2/386)؛ وقال: "وثبت بالخبر أنَّ عزرائيل هو ملك الموت".
    ومثله عند كلٍّ من السَّمرقنديِّ (3/35و542) والسَّمعانيِّ (4/245) والقرطبيِّ (14/93و19/194) والنَّيسابوريِّ (6/439) وغيرهم.
    قال الإمام القرطبيُّ: "واسمه عزرائيل ومعناه عبد الله(5)"(6).
    (الفرقة الثَّالثة): وهي من لم تجزم بإثباته أو بنفيه، فلا تثبت أنَّ اسم ملك الموت هو (عزرائيل)، ولا تنفي ذلك أيضاً، بل تفوِّض الأمر إلى الله تعالى وتسمِّيه بما سمَّاه الله تعالى به (ملك الموت)؛ قال الله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}.
    قلت: ووجه الصحَّة في هذه الأقوال الثَّلاثة وأيُّ منها الأقرب إلى الصَّواب، هو أن نعرف ابتداءً ذلك الأثر الوحيد في الباب؛ ففي حالة صحَّته ينبني عليه الحكم، وفي حالة ضعفه ينبني عليه آخر؛ كما في القاعدة: "تأسيس الكلام قبل الحكم. ثمَّ هو الذي أخرجه الإمام أبو الشَّيخ الأصبهانيُّ في كتاب "العظمة"؛ فقد ذكره في ثلاثة مواضع؛ وهي:
    (الأوَّل): في (394) قال: حدَّثني عبد الله بن سلم، حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن الحسن، عن محمَّد بن إبراهيم بن العلاء، حدَّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصَّمد، عن وهب بن منبِّهٍ رحمه الله تعالى؛ قال:
    "إذا كان يوم القيامة يقول الله عزَّ وجلَّ: يا إسرافيل! هات ما وكَّلتك به؛ فيقول: نعم يا ربِّ في الصُّور كذا وكذا ثقبة، وكذا وكذا روحاً، للإنس منها كذا وكذا، وللجنِّ منها كذا وكذا، وللشَّياطين منها كذا وكذا، وللوحوش منها كذا وكذا، وللطَّير كذا، ومنها كذا وكذا للحيتان، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوام منها كذا وكذا. فيقول الله عزَّ وجلَّ: خذه من اللَّوح فإذا هو مثلاً بمثلٍ لا يزيد ولا ينقص. ثمَّ يقول الله عزَّ وجلَّ: هات ما وكَّلتك به يا ميكائيل؛ فيقول: نعم يا ربِّ أنزلت من السَّماء كذا وكذا كيلة كذا وكذا مثقالا وزنة كذا وكذا مثقالا وزنة كذا وكذا قيراطا وزنة كذا وكذا خردلة وزنة كذا وكذا ذرَّة، أنزلت في سنة كذا وكذا، وفي شهر كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعة كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا للزَّرع كذا وكذا وأنزلت منه للشَّياطين كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت للإنس منه كذا وكذا في يوم كذا وكذا كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا وزنة كذا وكذا، وأنزلت للوحوش كذا وكذا وزنة كذا وكذا، وللطَّير منه كذا وكذا، وللباد منه كذا وكذا، وللحيتان منه كذا وكذا وللهوام منه كذا وكذا فذلك كذا وكذا؛ فيقول: خذه من اللَّوح، فإذا هو مثلاً بمثلٍ لا يزيد ولا ينقص. ثمَّ يقول: يا جبريل هات ما وكَّلتك به؛ فيقول: نعم يا ربِّ أنزلت على نبيِّك فلان كذا وكذا آية في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيِّك فلان كذا وكذا آية وعلى نبيِّك فلان كذا وكذا سورة فيها كذا وكذا آية، فذلك كذا وكذا أحرفا، وأهلكت كذا وكذا مدينة، وخسفت بكذا وكذا. فيقول: خذه من اللَّوح فإذا هو مثلاً بمثلٍ لا يزيد ولا ينقص. ثمَّ يقول عزَّ وجلَّ: هات ما وكَّلتك به يا عزرائيل؛ فيقول: نعم يا ربِّ قبضت روح كذا وكذا إنسي وكذا وكذا جنِّي، وكذا وكذا شيطان وكذا وكذا غريق، وكذا وكذا حريق، وكذا وكذا كافر، وكذا وكذا شهيد وكذا وكذا هديم وكذا وكذا لديغ وكذا وكذا في سهل، وكذا وكذا في جبل، وكذا وكذا طير، وكذا وكذا هوام، وكذا وكذا وحش فذلك كذا، وكذا جملته كذا وكذا؛ فيقول: خذه من اللَّوح فإذا هو مثلاً بمثلٍ لا يزيد ولا ينقص فالله تبارك وتعالى علم قبل أن يكتب وأحكم فذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {هو الأوَّل والآخر والظَّاهر والباطن وهو بكلِّ شيءٍ عليم}[الحديد: 3]".
    قلت: في إسناده علَّتان:
    الأولى: محمَّد بن إبراهيم بن العلاء الشَّاميُّ الدِّمشقيُّ أبو عبد الله الزَّاهد السَّائح؛ قال بن عدي: منكر الحديث وعامَّة أحاديثه غير محفوظه. وقال الدَّارقطنيُّ: كذَّابٌ.
    والثَّانية: وهب بن منبِّهٍ هذا؛ الإمام الأخباريُّ القصصيُّ أبو عبد الله الأبناويُّ اليمانيُّ الذماريُّ الصَّنعانيُّ؛ فهو ثقةٌ إلاَّ أنَّه اشتهر برواية الإسرائيليَّات، وهذا الأثر واحدٌ منها بلا شك. قال الإمام الذَّهبيُّ في "السِّير"(4/545): "وروايته للمسند قليلة، وإنَّما غزارة علمه في الإسرائيليَّات، ومن صحائف أهل الكتاب".
    وروى (4/547) عن المثنَّى بن الصبَّاح؛ قال: "وقال وهب: لقد قرأت ثلاثين كتاباً نزلت على ثلاثين نبياً". وكذا عند ابن سعد في "طبقاته"(5/543) وابن عساكر في "تاريخه"(17/477).
    حينذاك؛ فلا يصلح للإحتجاج به، لأنَّه صريحٌ في كونه من الإسرائيليَّات التي أمرنا بأن لا نصدِّق بها ولا نكذِّبها. فضلاً عن العلَّة الأولى؛ فتنبَّه.
    (والموضع الثَّاني): في (439) قال: حدَّثنا عبد الله بن سلم، حدَّثنا محمَّد بن أحمد الحسنيُّ، عن محمَّد بن إبراهيم بن العلاء، حدَّثنا إسماعيل بن عبد الكريم؛ قال: حدَّثني عبد الصَّمد، عن وهب بن منبِّهٍ رحمه الله تعالى؛ قال:
    "ثمَّ قال: كن فكوَّن عزرائيل عليه السَّلام، ثمَّ قال: كن فكوَّن كبشا أملح مستتراً بسوادٍ وبياض له أربعة أجنحة: جناح تحت العرش، وجناح في ثرى الثَّرى، وجناح في مشرق المشرق، وجناح في مغرب المغرب، له في كلِّ جناح سبعون ألف جناح، وفي كلِّ جناح سبعون ألف ريشة، في كلِّ ريشة سبعون ألف شعبة، في كلِّ شعبة سبعون ألف زغبة، وسبعون ألف شعرة، في كلِّ شعرة سبعون ألف كأسٍ لأحبَّاء الله عزَّ وجلَّ، وسبعون ألف كأسٍ لعدوِّ الله عزَّ وجلَّ، فذلك قوله عزَّ وجلَّ: {فأمَّا إن كان من المقرَّبين، فروحٌ وريحانٌ وجنَّة نعيم، وأمَّا إن كان من أصحاب اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين، وأمَّا إن كان من المكذِّبين الضَّالِّين، فنزلٌ من حميم، وتصلية جحيم}[الواقعة: 89]؛ وهو عدوَّ الله. ثمَّ قال للموت: ابرز فبرز الموت لعزرائيل، فذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {قل يتوفَّاكم ملك الموت الذي وكِّل بكم}[السجدة: 11] الآية، فهؤلاء الأربعة الأملاك جبريل، وميكائيل، وإسرافيل وملك الموت عليهم السَّلام أوَّل من خلقهم الله عزَّ وجلَّ من الخلق، وآخر من يميتهم الله وأوَّل من يحييهم وهم المدبِّرات أمراً والمقسِّمات أمراً".
    قلت: والكلام عليه هو مثل ما ذكرناه في سابقه، مع زيادة تعليل الحافظ بن حجر له في "الإمتاع"(ص/108)؛ بقوله: "منكر".
    (والموضع الثَّالث): في (443) وقال: حدَّثنا أحمد بن محمَّد بن عمر، حدَّثنا عبد الله بن محمَّد بن عبيد(7)، حدَّثنا داود بن رشيد، حدَّثنا حَكَّام(8)، عن عَنْبَسَة(9)، عن أشعث(10)؛ قال: "سأل إبراهيم صلَّى الله على نبيِّنا وعليه وسلَّم تسليماً ملك الموت عليه السَّلام واسمه عزرائيل، وله عينان عين في وجهه وعين في قفاه؛ فقال: يا ملك الموت! ما تصنع إذا كانت نفسٌ بالمشرق ونفسٌ بالمغرب، ووقع الوباء بأرض، والتقى الزَّحفان كيف تصنع؟ قال: أدعو الأرواح بإذن الله عزَّ وجلَّ فتكون بين أصبعي هاتين. قال: ودحيت له الأرض فتركت مثل الطِّست يتناول منها حيث شاء. قال: وهو الذي بشَّره بأنَّه خليل الله عزَّ وجلَّ".
    قلت: إسناده مقطوع؛ ورجاله ثقات سوى حكَّام هذا ــ وهو أبو عبد الرَّحمن الرَّازيُّ القاضي ــ فإنَّه صدوق له غرائب. لذلك قال الحافظ في "الإمتاع"(ص/108): "ضعيف؛ ورجال هذا السَّند يوثقون، ولكن أشعث شيخ عَنْبَسَة هو ابن جابر الحرَّانيُّ وهو تابعيٌّ صغير؛ والحديث معضل".
    حينذاك؛ وبمعرفتنا أنَّ حديث الباب هو منكر غير صالح للإحتجاج به، وليس له ثمَّة ما يقوِّيه من مرفوع(11) أو موقوف، بل لم يأت أبداً دليلٌ صريحٌ على اسمه، والقول بأنَّه (عزرائيل) ليس عليه دليلٌ، وإنَّما هو فقط جاء من كلام أحد التَّابعين كما رأيته آنفاً؛ وهو من الآثار الضَّعيفة والإسرائليَّات، وليس في ذلك ما يستند إليه ويعتمد عليه، وخاصَّة أنَّه قد خالف صريح القرآن وصريح السنَّة في تسميته. وإذ الأمر كذلك؛ فإنَّه يكتفي فقط بوصفه وتسميَّته ــ كما جاء في القرآن والسنَّة ــ بأنَّه ملك الموت.
    وبالتَّالي: يترجَّح هنا قول الفريق الأوَّل على القولين الآخريْن الضَّعيفين، باعتبار أنَّ قولهما مبنيَّان ومتوقِّفان فقط على صحَّة الحديث؛ كيف وقد بان وظهر ضعفه. فلا عبرة ــ والحال ذلك ــ بقولهما؛ لأنَّ الإعتبار بالإثبات. ثمَّ الأوَّل ذاك هو قول عامَّة المعاصرين من أهل الحديث كالعلاَّمة ابن باز والعلاَّمة الألباني وشيخنا ابن عثيمين رحمهم الله جميعًا؛ كلُّهم يقولون: إنَّه لم يرد في تسمية ملك الموت أنَّه (عزرائيل)، ولذا نسمِّيه كما سمَّاه الله ملك الموت. وهذه من عقيدتنا التي يجب اعتقادها في هذا الملك ــ عليه السَّلام ــ وفي اسمه كما قال الإمام الطَّحاويُّ في "عقيدته": "ونؤمن بملك الموت الموكَّل بقبض أرواح العالمين".
    والله أعلم؛ وصلَّى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.

    وكتبه ببنانه راجي عفو ربِّه:
    أبو حامد الإدريسي
    يوم الإثنين 15 رمضان 1440هـ الموافق لـ 20 ماي 2019م
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) "شرح الوصيَّة الكبرى لابن تيميَّة" للشَّيخ الرَّاجحي.
    (2) ضبطوه بالكسر والفتح: ملكٌ مشهورٌ عليه السَّلام.
    (3) "الفتاوى الإماراتيَّة"(الشَّريط:12 ــ الفهرسة: رقم1)
    (4) أنظر "موسوعة الألباني في العقيدة"(8/38).
    (5) ويقال له أيضا ــ كما جاء عند البعض ــ: (عبد الجبَّار!! ).
    (6) فهو يقرُّ بأنَّ اسم ملك الموت هو (عزرائيل!!).
    (7) هو الإمام الحافظ ابن أبي الدُّنيا المحدِّث العالم الصَّدوق أبو بكرٍ عبد الله بن محمَّد بن عبيد بن سفيان بن أبي الدُّنيا القرشيُّ الأمويُّ مولاهم البغدادي صاحب التَّصانيف المشهورة المفيدة، توفِّي سنة (281هـ).
    (8) حَكَّام بن سلْمٍ الكنانيُّ أبو عبد الرَّحمن الرازىُّ القاضي، ذكره ابن حبَّان فى "الثِّقات"، وكذا العجلي وابن خلفون كما في "التَّراجم السَّاقطة"(ص/260و261) لمغلطاي، وفي "المعرفة والتَّاريخ"(3/76) قال يعقوب بن سفيان: ثقة. ووثَّقه أيضًا ابن سعدٍ وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وإسحاق بن راهويه. وقال الدَّارقطنيُّ: لا بأس به. وأخرج له مسلمٌ والأربعة والبخاريُّ تعليقًا.
    (9) عَنبَسَة بن سعيد بن ضُرَيس ــ بضاد معجمة مصغَّر ــ، أَبو بكرٍ الرَّازيُّ الأَسدِيُّ، قاضي الرَّيّ. وثَّقه ابن معين وأبو زرعة وأبو داود وأبو حاتم، وذكره العجلي في "الثِّقات"(ص/376) وابن حبَّان في "الثِّقات"(7/289)؛ وقال: وكان ممَّن يخطىء. وقال غيرهم: لا بأس به. "التهذيب"(8/155).
    (10) أشعث بن عبد اللَّه بن جابر الحداني، أَبو عبد اللَّه البصريّ الأزديُّ الأعمى؛ وثَّقه يحيى بن معين والنَّسائيُّ، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به.
    (11) وقال الشَّيخ الدكتور محمَّد بن عبد الوهَّاب العقيل في كتابه "معتقد فرق المسلمين واليهود والنَّصارى والفلاسفة والوثنيِّين في الملائكة المقرَّبين"(ص/55): "عزرائيل: المشهور عند كثير من النَّاس أنَّ هذا الاسم لملك الموت. وهذا الاسم لم يرد في الكتاب ولا في السنَّة الصَّحيحة وإنَّما ورد في بعض الآثار والمقطوعات التي لا يجوز الاحتجاج بها؛ فلا ينبغي تسمية ملك الموت بهذا الاسم لعدم ثبوته؛ والله أعلم".
    (*) ولا عبرة بما رواه الحافظ السُّيوطيُّ في كتابه "الحاوي للفتاوي"(2/52) عن جابر بن عبد الله، عن النَّبيِّ عليه السَّلام: "لمَّا أسري بي مررت بملكٍ جالسٍ على سريرٍ من نورٍ إحدى رجليه في المشرق والأخرى في المغرب والدُّنيا كلُّها بين عينيه وبين يديه لوح. فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: عزرائيل؛ تقدَّم فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه؛ فقال: وعليك السَّلام يا أحمد، ما فعل ابن عمِّك عليٌّ؟ قلت: هل تعرف ابن عمِّي علياً؟ قال: وكيف لا أعرفه وقد وكَلَني ربِّي بقبض أرواح الخلائق ما خلا روحك وروح ابن عمِّك".
    ونحوه عند المحبُّ الطَّبري في "ذخائر العقبى"(ص/64) و"الرِّياض النَّضرة"(3/121) من رواية أبي ذرٍّ رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فذكره.
    وقال: "أخرجه الملاَّ في سيرته".
    وكذا هو عند العصاميُّ في "سمط النُّجوم العوالي"(3/31و32) والصفوريُّ في "نزهة المجالس"(2/159).
    قلت: لقد اضطَّربوا في رواية الحديث؛ فمرَّة رووه من حديث جابر كما فعل السُّيوطي، ومرَّة رووه من حديث أبي ذرٍّ كما فعل المحبُّ الطَّبري والملاَّ وغيرهما، والأهمُّ أنَّ الإمام ابن الجوزي ذكره من طريقه في "الموضوعات"(1/14)؛ وقال: "من أمثال ما وضعوه في مناقب علي رضى الله عنه من الأحاديث المكذوبة التي هي في مرتبةٍ دون مراتب الغلوِّ والإطراء الشِّركي، التي غلوا بها فيه رضي الله عنه؛ قول بعضهم: عن أبي ذرٍّ؛ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: [فذكره]".
    وكذلك لا يلفت إلى ذاك الدُّعاء المسمَّى بـ (دعاء العرش وفضائل دعاء العرش) الذي جاء بلفظ: "أسألك باسمك المكتوب على جناح جبريل وعلى ميكائيل وعلى جبهة إسرافيل، وعلى كف عزرائيل الذي سمِّيت به منكراً ونكيراً، وبحقِّ أسرار عبادك عليك..."؛ فقد نبَّهت عليه "اللُّجنة الدَّائمة"(الفتوى رقم:21053)؛ فقالت: "دعاء مبتدع؛ لا أصل له ولا دليل عليه من الكتاب والسنَّة، ولم ينسب إلى مرجع معتمد، فهو من اختراع من وضعه، وواضعه مجهول، وفيه ألفاظ مكذوبة...".
    وكذلك لا يغترُّ بالدُّعاء المسمَّى (دعاء سيِّدنا عكَّاشة) ــ وهو مطبوعٌ في كتيِّبٍ صغير ويوزَّع مجَّاناً ــ الذي نبَّه عليه الدَّكتور حسام عفانة في "فتاويه"(رقم:66) وفيه: "بحقِّ عزرائيل وقبضته"؛ فقال: "وجدته من جملة الأدعية المبتدعة التي احتوت على مبالغات ومجازفات فارغة وفيه أنواع من الضلال والشرك...". وقال أيضاً: "فهذا الدعاء وأمثاله من الأدعية المبتدعة التي ألزم دعاة التصوف أنفسهم ومريديهم بها ليست مشروعة". وقال: "وخلاصة الأمر: أنَّ هذا الدُّعاء المسمَّى (دعاء عكَّاشة) دعاءٌ مبتدعٌ لا يجوز لأحدٍ أن يأتي به ولا يعتقد صحَّته".
    وبالتَّالي: فلا عبرة بهذا كلِّه لما فيها من الغرابة والنَّكارة الواضحة؛ والله المستعان.
    ( فائدة ): وتتميماً للموضوع؛ أردت أن أضيف هذه الزِّيادة والفائدة في ذاك الملَك ــ المزعوم ــ والمسمَّى بـ (عمارة!!!)، فلقد رووا فيه حديثاً عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنَّ لله ملكا من حجارة يقال له: عمارة؛ ينزل كلَّ يومٍ على حمار من حجارةٍ، فيسعر الأسعار ثمَّ يعرج".
    قلت: أخرجه ابن الجوزيُّ في "الموضوعات"(1212،1213،1214،1215) من أربعة طرقٍ؛ وأعلَّها فقال:
    (ففي الطَّريق الأوَّل): الزُّهريُّ سرق حديث علي وجعل له إسناداً آخر، قال أبو بكر الخطيب: كان الزُّهريُّ كذَّاباً؛ وهذا الحديث موضوع.
    (وأمَّا الطَّريق الثَّاني): ففيه ابن أبي علاج؛ وهو عبد الله بن أيُّوب بن أبي علاج الموصليُّ. قال ابن عدي: له أحاديث مناكير. وقال ابن حبَّان: يروى عن الثِّقات ما ليس من أحاديثهم، فلا يشكُّ السَّامع أنَّه كان يضعها.
    وفيه حمَّاد بن عمرو؛ قال يحيى: كان يكذب ويضع الحديث. وقال النَّسائيُّ والفلاَّس: متروك الحديث. .
    (وأمَّا الطَّريق الثَّالث): ففيه السَّريُّ البغداديُّ. قال عبد الرَّحمن بن خراش: كان يكذب. وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث.
    (وأمَّا الرَّابع): ففيه العبَّاس ين بكَّار. قال الدَّارقطنيُّ: هو كذَّاب. وعبد الله بن المثنَّى ضعيفٌ عندهم.
    قلت: ومثله أيضاً حديث عليُّ بن أبي طالبٍ؛ قال : "غلا السِّعر بالمدينة، فذهب أصحاب النَّبيَّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم إلى النَّبيِّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم؛ فقالوا: يا رسول اللّه! غلا السِّعر فسِّعر لنا؛ فقال: إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ هو المعطي وهو المانع، وإنَّ للّه ملكاً اسمه (عمارة) على فرسٍ من حجارة الياقوت طوله مدُّ بصره، يدور في الأمصار ويقف في الأسواق فينادي: ألا ليغل كذا وكذا ألا ليرخِّص كذا وكذا".
    أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات"(1211) وقال: أمَّا حديث علي فانفرد به ابن أبي علاج.
    قال العقيلي (3/363): إنَّ هذا الحديث باطلٌ لا أصل له.
    إلاَّ أنَّ الحافظ ابن حجر تعقَّب ابنَ الجوزي في حكمه على هذا الحديث بالوضع، فقال في "التَّلخيص الحبير"(3/14): "وأغرب ابن الجوزيِّ فأخرجه في الموضوعات من حديث علِيٍّ؛ فقَال: إنَّه حديثٌ لا يصحُّ".
    وذكر الطُّرق التي ثبت فيها بداية الحديث؛ وهو: "غلا السِّعر بالمدينة، فذهب أصحاب النَّبيَّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم إلى النَّبيِّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم؛ فقالوا: يا رسول اللّه! غلا السِّعر فسعِّر لنا؛ فقال: إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ هو المعطي وهو المانع".
    رواه أبو داود (3451) والتِّرمذيُّ (1314) وابن ماجه (2200) وأحمد (2/337و3/85).
    قال صبغة الله المدارس في "ذيل القول المسدِّد"(ص/113): "قلت: الجملة الأخيرة التي وقعت في حديث عليٍّ وأنسٍ اتَّفق الحفَّاظ على وضعها، أمَّا الجملة الأولى فهي صحيحة ثابتة، فتساهل ابن الجوزيُّ في الحكم على الجميع بالوضه فتنبه!".
    قلت: فأنت كما ترى أنَّ حديث الباب ــ وهو حديث ــ (عزرائيل!!!) شبيه تماماً بحديث (عمارة!!!) هذا، لا فرق بينهما من حيث الوضع ومن حيث الكذب على الشَّرع؛ والله المستعان.
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2019-05-21, 12:32 PM.

  • #2
    جزاكم الله خيرا أخي أبا حامد، مقال مفيد، نفع الله بكم.

    تعليق


    • #3
      وبالمثل جزيتم، وشكر الله لكم على مروركم هذا الطيِّب!!!

      تعليق


      • #4
        (تذكير):

        ومن التَّذكير أن نقول للإخوة الأفاضل، ولكلِّ زائرٍ ثائر: أنَّ هذا الحديث المحكوم عليه بأنَّه: (منكر)؛ هو كعدمه. والغريب أنَّنا لا ندري كيف حسَّن ذاك (المحدِّث المسند!!؟) وقوَّاه؛ أمن الممكن أنَّه ذهب إلى تقوية المنكر بالمنكر؟ وهذا محتمل هنا؛ بل لا مخرج له غيره.
        لكن ما غاب عنه: أنَّ انضمام المنكر إلى المنكر لا يدفع النَّكارة عنه، بل يؤكِّدها ويثبتها، وما بُني على منكر فهو منكر؛ ثمَّ الحديث المنكر أبداً منكر بصرف النَّظر عن حال الرَّاوي، وأنَّه لا يصلح في الإحتجاج ولا في الإستشهاد، وأنَّ رواية الثِّقة له لا تدفع نكارته؛ والله الموفَّق وهو الهادي إلى السَّبيل.

        تعليق

        الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 3 زوار)
        يعمل...
        X