اللَّهب النَّاري
في من يثبِّط نصرة "صحيح البخاري"
في من يثبِّط نصرة "صحيح البخاري"
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه الصَّادق الأمين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه الصَّادق الأمين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:
فإنَّنا نعيش هذه الأيَّام على قلقٍ وحرق، وعلى ذعرٍ وانقباض، وعلى ضيقٍ وشدَّة؛ إذ يصدق فيها ــ من عاينها أو يعاينها على حقيقة الواقع ــ ما قد أخبر به حذيفة لمَّا ذكر الفتنة؛ فقال رضي الله عنه: "تُشَبَّهُ مُقْبِلَةً وتُبَيِّنُ مُدْبِرَةً"(1). وهي كلُّها تهاوشٍ وتهابرٍ، وكلُّها طيخة ورهمسةٍ، ويصدق فيها أيضاً قول بعض السَّلف: "..الفتنة كداء البطن الذي لا يدري من أين يؤتى"(2)، وفي ذلك أطلقوها العرب مثلاً: "بينهم داء الضَّرائر". وقال ابن قيس الرقَيَّات:
ليت شِعري أأوَّلُ الهَرْجَ هذا ....... أم زمانٌ من فِتنةٍ غير هرج
إنَّها ــ فعلاً!! ــ أيَّام قد استعرت فيها الفتنة، والتهبت فيها الضَّلالة، وتفسَّخت أيَّما تفسُّخٍ في صدى الشَّارع باسم (الحراك!!)، أو قبله ما ظهر عند بعض الأوباش في التَّنقيص من أبي هريرة رضي الله عنه والتَّشكيك في حفظه، أو في تخطيئ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في مواقيت الصَّلاة، أو في الطَّعن في "صحيح البخاري"؛ وما ذلك إلاَّ لمَّا يظهر في النَّاس ــ من حينٍ لآخر ــ ناعقٌ فيقول ما شاء وبما شاء وعلى من شاء متى شاء، ومن غير رادعٍ أو وازع، كما في الحديث: "فانبعث لها واحدٌ من الرَّابضة"، أو في حديث الحسن: "كلَّما نعر بهم ناعرٌ اتَّبعوه" أي: نهض فدعا إلى الفتنة. أو يظهر فيها (الرُّوَيْبِضةُ!!)؛ وهو الإنسانُ المجهول التَّافه. كما في الحديث: "قيل: فما الرُّوَيْبِضَة؟ قال: الفُوَيْسِقُ يَتكلَّمُ في أمر العامَّة"، ويتكلَّم في أمر الدِّين وفي رجاله، وكذا في الحديث ورواته، ويتكلَّم أيضاً ــ وبكلِّ جرأة لا مثيل لها ــ أنَّ أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قد خرجت عن حكم الخليفة أنذاك، في مسيرة ومظاهرة بطريقة هؤلاء أهل (الحراك!!) الغربيِّ السَّافر.
فهل بعد هذا الجهل من جهل؟! وهل بعد هذا الهوى من هوى؟!
إنَّه ــ فقط ــ العناد واللِّجاج، والصَّلف والإعتساف، والمكابرة والإستهزاء؛ وفي مثلهم يصدق ما أنشده ثعلب قديماً:
قَوْمٌ إذا شُومِسُوا لَجَّ الشِّمَاسُ بِهِمْ ....... ذاتَ العِنادِ وإن ياسَرْتَهمْ يَسَرُوا
وقالوا: "إيَّاك أن تجمح بك مطيَّة اللِّجاج، فتؤديك إلى التَّلف".
ومن هؤلاء ــ أو لنقل: من غربة الزَّمان ووحشته أن ترى مع الأسف ــ من يطعن في "صحيح البخاري"؛ وبكلِّ وقاحةٍ وشناعة، مثل ذاك المدعو (سليم) عامله الله بما يستحقُّ، وغيره كثير في هذا الطَّعن المشؤوم؛ وخاصَّة من (الرَّوافض!!) كما يشهده التَّاريخ والواقع.
لكنَّ الأغرب في الأمر؛ هو أن ترى من يدافع عنه بطريقةٍ أو بأخرى، ممَّن يدَّعي الإسلام أو يدَّعي الإلتزام، أو ــ على الأقلِّ ــ من يثبِّط عمَّن يقوم بالدِّفاع عن الإمام البخاريِّ وعن كتابه "الصَّحيح". وهو ما وقع معنا فعلاً مع أحد المجاهيل؛ مشاكسة ومماكسة ومعاكسة، ونكاية ومعاسرة ومخالفة، وما ذلك منه إلاَّ من أجل أن يغالطنا أو يغالط القارئ، أو حتَّى ــ وهو القصد ــ من أجل أن يشتِّت الإنتباه طلبا للتَّفرقة فيه. فكان أن كتبنا هذا الرَّدَّ عليه للإفادة والإستفادة، وأسميناه بـ "اللَّهب النَّاري في من يثبِّط نصرة (صحيح البخاري!!!)".
فنقــــــــول وبالله التَّوفيق:
لقد تقيَّح أحد (الرُّويبضة) اللكَّع المجاهيل، وتفيَّح صارخاً بقوله: "(صحيح البخاري) ليس كلَّ ما فيه أحاديث حتَّى نجعله كلَّه دين"، وكذا بقوله ــ العلقم ــ: "لماذا تدافعون عن (صحيح البخاري) وفيه أربعة ألاف حديث، ولا تدافعون عن الكتب الأخرى وفيها كلَّ السنَّة؟!". والرَّدُّ والتَّعقيب على هذا التَّافه المجهول، وكذا على كلمته تلك السَّوداء المظلمة الكريهة الشَّائهة؛ يكون من أوجه:
(أوَّلاً): أنَّ هذا الكلام من صاحبه فيه مراوغة ومغالطة، وفيه كذا تهكُّمٌ مكشوف، واستهزاءٌ بارد، وجهالةٌ بواقع السنَّة، ولا يصدر ــ في حقيقة الحال ــ إلاَّ من له حقدٌ دفينٌ على الإسلام، وبغضٌ شديد على أئمَّة الحديث ومصنَّفاتهم الرَّائقة الماتعة، وعداوة فاضحة على الجيل المثاليِّ من هؤلاء الرُّواة والثِّقات العدول؛ الذين جمعوا لنا هذا الميراث النَّبويِّ جمعاً موفَّقاً وقيداً محرَّراً. وهذا كلُّه ــ وأعني طبعاً من تلك العداوة والبغض والحقد ــ لا يكون بكثرةٍ إلاَّ عند الرَّوافض؛ إذ بلاويهم وعداوتهم مسطورة في كتب التَّاريخ قديماً وحديثاً، وكذلك عند هؤلاء العقلانيِّين وأضرابهم، وكذا عند اليهود والنَّصارى؛ فهؤلاء يتستَّرون تحت غطاء الإسلام ــ ويعيشون بين أفراده، ويجمعهم كذا منتدى واحد ــ وما ذلك منهم فقط إلاَّ ليرمون مثل تلك الكلمات المسمومة، ويضعون مثل هذه المغالطات والشُّبهات. وهيهات أن ينجحوا هيهات! أو أن يكون لهم وقْعٌ بين طبقة الشَّباب المسلم وبين طلاَّبه الملتزم، فضلاً عن السَّلفيِّين القائمين على ساق في محاربة كلِّ بوق وناعق، والمنتشرين أيضاً على حدوده لدفع كلَّ ما يحاك ضدَّه من مؤامرات ومخطَّطات. فهيهات لهم ثمَّ هيهات!!!
(ثانياً): أنَّه كان من الأولى لهذا المجهول أن يتهجَّم على ذاك المدعو (سليم) وعلى أمثاله، ويتأجَّج ناراً حارقة كما يتأجَّج بها إخوانه من ذاك الغضب الملاحظ عليهم؛ إمَّا مرئياً أو مسموعاً أو مكتوباً، ولا يعلِّق بمثل هذا التَّعليق الذي لا محلَّ له من الإعراب: لا تهجُّماُ ولا تهكُّما؛ فهذه كما قيل في المثل: "شنشنة نعرفها من أخزم!!". بل كان الأولى له أن يكون من أهل (النَّومة!!)، كما روي ــ هذا المعنى ــ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه: "قال لعليٍّ: ما النَّومة؟ قال: الذي يسكت في الفتنة، فلا يبدو منه شيء"(3). فهذا أسلم له بدل أن يكون كما قيل: "كوركٍ على ضلع"، أو أن يكون حسب قول القائل: خبَّاط عشوات ركَّاب جهالات؛ لا يعتذر ِممَّا لا يعلم فيسلم، ولا يعضُّ فى العلم بضرسٍ قاطع فيغنم.
(ثالثاً): يقال لمن كان حاله كذلك: "اسننِ اليوم وغيِّر غداً". إذ المعلوم ــ له ولغيره كما هو مشاهد ــ أنَّ الذي طعن في (صحيح البخاري) هو لا يفرّق ما بين أحاديثه المسندة وما بين معلّقاته، وكذا لا يفرِّق بين ما جمعه فيه من الأحكام الثَّابتة والعقيدة الرَّاسخة، ولا حتَّى يعرف شرطه فيه، أو هؤلاء التَّسعون ألف راوٍ الذين يروونه.
لذلك كان الأجدر له أن يدع عنه ذاك الكلام "..حتَّى نجعله كلَّه دين"؛ فإنَّه لا يفيده ألبتَّة لا في المناقشة ولا في المحاورة، إذ الجميع يعرفون الدِّين في كتاب الله تعالى وفي سنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم؛ المنتشرة في دواوين حفَّاظ الإسلام وأئمَّة الأعلام، ومنها التي لها خصوصيَّة الصحَّة كما هو قول الجمهور: (الصَّحيحين).
ثمَّ لا بأس أن نقف هنا قليلاً ــ ولو على وجه المماشاة ــ مع هذه الجزئيَّة المذكورة في قوله: "..حتَّى نجعله كلَّه دين"؛ لأهميَّتها بمكان، ولما فيها كذا من حقٍّ وباطل. فيكون جوابها وتفنيدها حينذاك قائمٌ ومبنيٌّ على أمرين:
الأمر الأوَّل: وهو أنَّ إطلاق الكليَّة على (صحيح البخاري) هو شبيه تماماً ــ على سبيل المقارنة ــ بإطلاق أهل العلم على حديث: "إنَّما الأعمال بالنِّيَّات" أنَّه عليه مدار الإسلام. كما قال ابن رجب في "الجامع"(1/61): "هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدِّين عليها، فروي عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين باباً من الفقه"(4). ونحوه عند الإمام النَّووي في "شرحه على مسلم"، وكذا الحافظ ابن دقيق العيد في "شرحه الأربعين النَّوويَّة"(ص/24)؛ وقال: "قال الإمام أحمد والشَّافعيُّ رحمهما الله: "يدخل في حديث الأعمال بالنِّيَّات ثلث العلم" قاله البيهقيُّ وغيره".
وحكى ابن رجب أيضاً (ص/61) عن الإمام أحمد؛ قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: "إنَّما الأعمال بالنِّيَّات" وحديث عائشة: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" وحديث النُّعمان بن بشير: "الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ".
وحكى (ص/62) أيضاً عن إسحاق بن راهويه؛ قال: أربعة أحاديث هي من أصول الدِّين: حديث عمر: "إنَّما الأعمال بالنِّيَّات"، وحديث: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن"، وحديث: "إنَّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمِّه"، وحديث: "من صنع في أمرنا شيئا ليس منه فهو ردٌّ".
وحكى عن أبي داود؛ قال: "نظرت في الحديث المسند؛ فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثمَّ نظرت فإذا مدار أربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث: حديث النُّعمان بن بشير: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن" وحديث عمر: "إنَّما الأعمال بالنِّيَّات"، وحديث أبي هريرة: "إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ طيِّباً، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" الحديث، وحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". قال: فكلُّ حديث من هذه ربع العلم(5).
وعنه (ص/63) أيضا؛ قال: "كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما تضمَّنه هذا الكتاب - يعني كتاب "السُّنن" - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: [فذكرها]".
لذلك نظمها الحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافريِّ الأندلسيِّ في بيتين:
عمدة الدِّيـن عندنـا كلمـــــات ........ أربـــع مـــن كلام خيــر البريَّـه
اتَّق الشُّبهات وازهـد ودع ما ........ ليـس يعنيــك واعملــنَّ بنيَّــه(6)
اتَّق الشُّبهات وازهـد ودع ما ........ ليـس يعنيــك واعملــنَّ بنيَّــه(6)
وقال أحد العلماء: هذا الحديث يتضمَّن الأحكام الخمسة في قوله: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"؛ لأنَّ فعل الإنسان إمَّا أن يستحي منه أو لا، فالأوَّل الحرام والمكروه، والثَّاني الواجب والمستحب والمباح. ولذا قيل: إنَّ هذا الحديث عليه مدار الإسلام(7).
ومن هذا القبيل كثير.
فإذا علمنا ما في هذه الأحاديث المذكورة من الكليَّة باعتبار أنَّها قواعد الإسلام ومداره كما قالوا هؤلاء الأئمَّة، علمنا حينها معنى تلك الكليَّة في (صحيح البخاري) على رأيهم ذلك؛ وهذا من جهة أنَّه قد شملها وهو القصد. ومن جهة أخرى أنَّه شمل كلَّ ما يتعلَّق بجملة العبادات العمليَّة والعلميَّة؛ أي باب الأحكام والإعتقاد. فهو بهذا يكون قد جمع وحقَّق ــ بلا ريبٍ! ــ شموليَّة الدِّين بكليَّاته وجزئيَّاته.
والأمر الثَّاني: وهو بفهمه جيِّداً والوقوف على حقيقته كما يجب، تزول شبهة ذاك المجهول العاطل: "..حتَّى نجعله كلَّه دين". وزوالها بفهم أقوال الأئمَّة في الباب، ومنها مثلاً ما قاله الإمام محمَّد بن مخلد في "سنن أبي داود"؛ قال: "لمَّا صنَّف كتاب "السُّنن" وقرأه على النَّاس، صار كتابُه لأصحابِ الحديث كالمصحف يتَّبعونه ولا يخالفونه"(8).
والشَّاهد هنا هو قوله: "يتَّبعونه ولا يخالفونه"؛ ومعناه عنده كما قال الخطَّابيُّ في "المعالم"(1/11و13): "اعلموا رحمكم اللَّه تعالى أنَّ كتاب "السُّنن" لأبي داود كتابٌ شريف، لم يصنِّف في علم الدِّين كتاب مثله..."، إلى أن قال: "وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمُّهات السُّنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدِّما سبقه إليه، ولا متأخِّرًا لحقه فيه"(9).
ومثله كذا يقال أيضا في "جامع التِّرمذيِّ"؛ فقد روى أبو القاسم الإسعرديُّ في كتابه "فضائل سنن التِّرمذيِّ"(ص/32) عن أبي علي منصور بن عبد الله بن خالد بن أحمد بن خالد بن حمَّاد الذُّهليِّ؛ قال: قال أبو عيسى محمَّد بن عيسى التِّرمذيُّ رحمه الله: "صنَّفت هذا الكتاب يعني المسند الصَّحيح فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنَّما في بيته نبيٌّ يتكلَّم"(10).
وأيضاً ما ذكره الحافظ ابن عبد البرِّ في "التَّمهيد"(1/82) عن كتاب "الموطَّأ" بما قد قاله ذاك القائل:
أيا طالباً للعلم إن كنت تطلب ....... حقيقة علم الدين محضا وترغب
فبــادر موطَّا مالك قبل فـوته ....... فمـا بعده إن فــات للحــقِّ مطلب
فبــادر موطَّا مالك قبل فـوته ....... فمـا بعده إن فــات للحــقِّ مطلب
أو بقول القائل الآخر:
إليــه تنــاهى علـمُ ديــــنُ محمَّدٍ ........ فــــوطَّأَ فيـه للـــرُّوَاةِ المسَالِكاَ
وقديمًا قال الإمام الشَّافعي: "ما على الأرض كتابٌ هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطَّأ مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أنفع من الموطَّأ"، وفي رواية: "ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصحُّ من كتاب مالك".
قلت: فهذه الأقوال المذكورة والنَّماذج المسطورة، قد خرجت جميعاً ــ بلا شكٍّ ــ من مشكاة واحدة، وصدرت من مصابيح واحدة، فيها كلَّ الحقِّ والصِّدق، وفيها أيضاً ما هو مؤكَّدٌ تأكيداً ــ لنا ولغيرنا ــ بأنَّها قد جمعت وحقَّقت مسمَّى الدِّين؛ إمَّا كلَّه وإمَّا بعضه، والأمر سيان هنا، طالما فيها مسمَّى هذا الدِّين بإطلاقات هؤلاء الأئمَّة. فإذا كان الأمر كذلك؛ قلنا حينها بأنَّ (صحيح البخاري) هو الآخر لا يخرج عن هذه الحقيقة الواضحة، في أنَّه قد جمع وحقَّق مسمَّى الدِّين؛ إمَّا كلَّه أو بعضه. وهذا واضح ــ تمام الوضوح ــ من قول الإمام النَّسائيِّ فيه: "ما في هذه الكتب كلِّها أَجْوَد مِن كتاب البخاريِّ"(11).
وقلنا كلَّه: فلأنَّه قد استوعب كلَّ أبواب الإسلام والدِّين ــ وخاصَّة بما يتعلَّق بالفقه والسنَّة(12) ــ التي يحتاج إليهما المسلم والطَّالب فضلاً عن العالم، وما ذلك إلاَّ لكون صاحبه هو الإمام البخاريُّ رحمه الله؛ فقد كان إماماً في الفقه وإماماً في السنَّة. وهذا بشهادة عددٍ كبير من شيوخه كيعقوب بن إبراهيم الدَّورقيِّ ونعيم بن حمَّاد؛ قالوا جميعاً: "محمَّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمَّة"(13). وقال محمَّد بن بشَّار بندار: "هو أفقه خلق الله"؛ كما في "هدى السَّاري"(ص/483). وحكى الحافظ في "النُّكت"(1/94) عن حاشد بن إسماعيل؛ قال: "قال لي أبو مصعب الزُّهريُّ: محمَّد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر بالحديث من أحمد بن حنبل. فقال له رجلٌ من جلسائه: أفرطت، فقال: لو أدركت مالكًا ونظرت إليه وإلى محمَّد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحد في الفقه والحديث".
وحكى أيضا عن قتيبة بن سعيدٍ؛ قال: "جالست الفقهاء والزهَّاد والعُبَّاد، ما رأيت منذ عقلت كمحمَّد بن إسماعيل، ولو كان في الصَّحابة لكان آية". قال الحافظ: وقتيبة رأى مالكًا فمن دونه.
وحكى عن أحمد بن حنبلٍ؛ قال: "ما أخرجت خراسان مثله".
و(1/95) عن إسحاق بن راهويه؛ قال: "يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشَّاب واكتبوا عنه، فلو كان في زمن الحسن البصريِّ لاحتاج إليه النَّاس لمعرفته بالحديث وفقهه".
إلى ما هنالك من كلام مشايخه في الثَّناء عليه، وكذا في تعظيمه ووصفه بالإتقان والحفظ والمعرفة بالفقه.
ومن أقرانه أن نذكر ــ على سبيل الحصر ــ ما حكاه الحافظ ابن حجر أيضاً في "نكته"(1/96) عن عبيد العجل؛ قال: "ما رأيت مثل محمَّد بن إسماعيل، ورأيت أبا زرعة وأبا حاتم يستمعان إليه، وكان أمَّة من الأمم، دَيِّنًا، فاضلًا، يُحسن كلَّ شيء".
وعن عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميِّ؛ قال: "قد رأيت العلماء بالحرمين، والحجاز والشَّام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمَّد بن إسماعيل، وهو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلبًا".
فضلاً عن (تعظيم مسلمٍ والتِّرمذيِّ وابن خزيمة والنَّسائيِّ وغيرهم من تلامذته فمن بعدهم له فأكثر من أن يحصر، وأشهر من أن يذكر، ولا عجب فيه؛ لأنَّ مشايخه إذا أطنبوا فيه ذلك الإطناب وهو شابٌ فكيف يكون الحال فيه إذا كبر وشاب؟!)(14).
ويكفي فقط أن نذكر هنا جلالة وإمامة هذا الإمام ما رواه أبو العبَّاس الدَّغوليُّ؛ قال: كتب أهل بغداد إلى محمَّد بن إسماعيل:
المسلمون بخير ما بقيت لهم ........ وليس بعدك خير حين تفتقد
وقلنا بعضه: فلأنَّ ما غاب من "صحيحه" بعض السُّنن وهذا يسير، فذلك باعتبار فقط أنَّ أحاديثها ليست من شرطه أو شرط الصَّحيح الذي تبنَّاه فيه؛ فقال: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلاَّ ما صحَّ، وتركت من الصِّحاح بحال الطُّول". رواه ابن عدي في "الكامل"(1/140) عن إبراهيم بن معقل النَّسفيِّ؛ يقول: سمعت البخاريُّ؛ يقول: فذكره.
وهذه الصِّحاح التي تركها ــ وكذا إذا سلَّمنا بتركه أيضا لبعض السُّنن ــ موجودة في صحيح مسلم وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبَّان، وكذا موجودة في سنن أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه وغيرها.
حينذاك؛ فميزة الصحَّة التي فيه وكذا اجتماع الأمَّة عليه، كما قال الإمام النَّوويُّ في "شرحه على مسلم"(1/14): "اتَّفق العلماء رحمهم الله على أنَّ أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز الصَّحيحان: البخاري ومسلم، وتلقَّتهما الأمَّة بالقبول، وكتاب البخاري أصحُّهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة". ومثله الحافظ ابن كثير في "البداية والنِّهاية"(11/25)؛ قال: "أجمع العلماء على قبوله وصحَّة ما فيه". تؤكِّد بالضَّرورة على هذه الكليَّة التي فيه، وهي صحَّة أحاديثه وصحَّة دينه.
(الوجه الرَّابع): أنَّ كلَّ مسلم عاقل؛ له حبٌّ لدينه وحبٌّ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّه يحبُّ هذه الأحاديث المنتشرة في تلك المصنَّفات الكثيرة من الصِّحاح والسُّنن والمسانيد والموطَّآت والجوامع، ويدافع عنها بكلِّ ما أوتي به من قوَّة علميَّة وعمليَّة، ضدَّ الأعداء والطَّاعنين، مثل ذاك (سليم) و(عدنان إبراهيم) و(الرَّوافض) وغيرهم. وهذه حقيقة لا يختلف عنها أهل الإسلام قاطبة.
فالطَّعن في "الأربعين النَّوويَّة" ــ مثلاً ــ أو في "رياض الصَّالحين" أو في "بلوغ المرام" أو في "معاجم الطَّبرانيِّ" أو في "مصنَّف ابن أبي شيبة" أو عبد الرزَّاق أو في غيرها، فإنَّ هذا كلَّه هو طعنٌ في حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما تعلم. فلا فرق بينها إلاَّ لكونها أنَّها جميعها قد جمعت أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فما بالك والحال ذلك؛ إذا تعلَّق هذا الطَّعن بالصَّحيحين أو بأحدهما؟!! وما بالك إذا تعلَّق بـ (صحيح البخاري)؟!!
(الوجه الخامس): وهو أنَّ الأصل في هذا المجهول، وكذا فينا نحن وفي جميع المسلمين أينما كانوا وحلُّوا، أن نتعاون جيمعاً في محاربة هذه البدع الفاضحة، وهذه الطُّعونات من هنا وهنالك؛ وهي في الحقيقة كما يعلم ــ هذا المجهول وغيره ــ بأنَّها طعنٌ للسنَّة كلِّها، وبالتَّالي هو طعنٌ للقرآن الكريم، من غير تفريق بينهما لمن له بصيرة بالحال، ولمن وقع على حقائق التَّاريخ ومجرياته. ثمَّ النَّتيجة الحتميَّة التي لا مفرَّ منها ــ وهي تحصيل حاصل كما يقال ــ طعنٌ للإسلام وللدِّين برمَّته.
لذلك علينا أن ننتبه جيِّداً لمثل هذه الخزعبلات والمغالطات، وكذا إلى الدَّعاوى الباطلة العاطلة، لأمثال هؤلاء المجاهيل والخفافيش المعاندين، وأن نكون لها حذرين ومتيقِّظين دائماً وأبداً، وعالمين بما نحكم به فيما ينشرونه أو فيما يقرِّرونه، وأن نحترس أيضا ــ وهو الأهمُّ! ــ بما يبيِّتونه في الخفاء من الكيد والتَّآمر ضدَّ الإسلام وتاريخه ورجاله ومصادره، وبالخصوص ضدَّ الصَّحابيُّ الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، وضدَّ الإمام البخاريُّ و"صحيحه" الذي هو أصل بحثنا وردِّنا.
والله الموفَّق وهو الهادي إلى السَّبيل.
وصلَّى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
كتبه العبد الفقير راجي عفو ربِّه:
أبو حامد الإدريسي
يوم الجمعة 05 رمضان 1440هـ الموافق لـ 10 ماي 2019م
أبو حامد الإدريسي
يوم الجمعة 05 رمضان 1440هـ الموافق لـ 10 ماي 2019م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكره أبو عبيد الهروي في "الغريبين"(3/970) وابن الأثير في "النِّهاية"(2/442).
(2) ويروى عن أبي موسى الأشعريِّ؛ قال: "إنَّ هذه الفتنة باقرة كداء البطن لا يدري أين يؤتى له". كما في "غريب الحديث"(3/417) "الفائق"(1/123).
(3) ذكره أبو عبيد الهروي في "الغريبين"(6/1896) وابن الأثير في "النِّهاية"(5/131)، وأئمَّة أهل اللُّغة كالأزهري في "تهذيب اللُّغة"(15/373) وابن منظور في "لسان العرب"(12/596) وغيرها.
(4) أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى"(2/14) وذكره النَّووي في "المجموع"(1/169) وكذا في "شرح صحيح مسلم"(7/48) والعراقي في "طرح التثريب"(2/5) وابن حجر في "الفتح"(1/14).
(5) ينظر قول أبي داود في "طرح التثريب"(2/5-6) وفي "شرح السيوطي لسنن النسائي"(7/241-242).
(6) وهنالك من ينسبه للإمام الشَّافعي.
(7) أنظر "الأحاديث الأربعين النَّوويَّة"(ص/40) لعبد الله بن صالح المحسن.
(8) أبو طاهر السِّلفي في مقدِّمته على شرح الخطابي آخر "معالم السنن"(4/367)، و"سير أعلام النُّبلاء"(13/212) و"تهذيب التَّهذيب"(4/172).
(9) جاء في هامش تحقيق العلاَّمة أبو غدَّة لـ "رسالة أبي داود إلى أهل مكة"(ص/34) قول الإمام النَّووي: إنَّ "سنن أبي داود" لم تستوعِب الصَّحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمها، وكم في "صحيح البخاري" و"مسلم" من حديث حكميٍّ ليس في "سنن أبي داود".
(10) ونقل هذه القصَّة الذَّهبيُّ في "تذكرة الحفَّاظ"، وابن حجر في "التَّهذيب"، وطاش كبرى زاده في "مفتاح السَّعادة".
(11) أنظر "شرح النَّووي على مسلم"(1/14).
(12) ونعني بها طبعا العقيدة والمنهج.
(13) أنظر "تاريخ بغداد"(2/22) للخطيب البغدادي و"سير أعلام النُّبلاء"(12/419) للذَّهبي.
(14) أنظر "النُّكت على صحيح البخاري"(1/96) للحافظ ابن حجر العسقلاني.
تعليق