<بسملة 2>
الإنكار العلني على ولاة الأمر في ميزان الشرع
الإنكار العلني على ولاة الأمر في ميزان الشرع
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
قال النبي <صلى الله عليه وسلم>: "من أراد أن ينصح السلطان فلا يبذل له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه ذلك، وإلا كان أدى الذي عليه". (1)
روى حنبل بن إسحاق في كتابه "محنة الإمام أحمد" بسنده عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: آمر أميري بالمعروف؟ قال: "إن خفت أن يقتلك فلا تغتب الإمام، وإن كنت لا بد فاعلا ففيما بينك وبينه". (2).
روى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي وائل قال: قيل لأسامة ابن زيد: لو أتيت فلانا -يعنون عثمان <رضي الله عنه>- فكلمته.
قال: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أن أسمعكم، إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه).
وفي رواية للبخاري أيضا قال: (كلمته دون أن أفتح بابا أكون أول من فتحه). (3).
قال الحافظ ابن حجر <رحمه الله>:
"قال المهلب: أرادوا من أسامة أن يكلم عثمان، وكان من خاصته، وممن يخف عليه في شأن الوليد بن عقبة، لأنه كان يظهر عليه ريح نبيذ، وشهر أمره، وكان أخا لعثمان لأمه، وكان يستعمله، فقال أسامة: (قد كلمته سرا دون أن أفتح بابا): أي باب الإنكار على الأئمة علانية، خشية أن تفترق الكلمة". (4)
وقال في الفتح: "وقال عياض: ومراد أسامة: أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام، لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به، وينصحه سرا، فذلك أجدر بالقبول". (5)*
وقال العلامة السِّندِيُّ في "حاشيته على مُسند الإمام أحمد": (قوله: "من أراد أن ينصح لسلطان"، أي: نصيحة السلطان ينبغي أن تكون في السِّرِ لا بين الخَلْقِ) اهـ. (6)
وقال الشيخ العلَّامة المُحَدِّث محمد ناصر الدين الألباني <رحمه الله> في "تعليقه على مختصر صحيح مسلم" : "يعني: المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملإ، لأن في الإنكار جِهارًا ما يٌخشى عَاقِبَتُه، كما اتَّفق في الانكار على عثمان جِهارًا، إذ نشأَ عنه قتله". (7)
وقال الإمام أحمد <رحمه الله>: حدَّثَنَا أبو النضر: ثنا الحشرج بنُ نَبَاتة العِبْسِيُّ: حَدَّثَنا سعيدُ بنُ جُمْهانَ قال: أتَيتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي أَوفى وهو مَحجوبُ البَصرِ، فسَلَّمتُ عليه، قال لي: مَن أنتَ؟ فقُلتُ: أنا سعيدُ بنُ جُمْهانَ، قال: فما فَعَلَ والدُكَ؟ قال: قُلتُ: قَتَلَتْه الأزارقةُ، قال: لَعَنَ اللهُ الأزارقةَ، لَعَنَ اللهُ الأزارقةَ، حَدَّثَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّهم كِلابُ النَّارِ، قال: قُلتُ: الأزارقةُ وَحدَهم أم الخَوارجُ كلُّها؟ قال: بلِ الخَوارجُ كلُّها، قال: قُلتُ: فإنَّ السُّلطانَ يَظلِمُ النَّاسَ، ويَفعَلُ بهم، قال: فتَناوَلَ يدي فغَمَزَها بيَدِه غَمزةً شَديدةً، ثُمَّ قال: وَيحَكَ يا ابنَ جُمْهانَ، عليك بالسَّوادِ الأعظمِ، عليك بالسَّوادِ الأعظمِ، إنْ كان السُّلطانُ يَسمَعُ منك، فأْتِه في بَيتِه، فأخبِرْه بما تَعلَمُ؛ فإنْ قَبِلَ منك، وإلَّا فدَعْه؛ فإنَّكَ لستَ بأعلمَ منه. (8).
وجاء في "ترتيب المدارك" عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس <رحمه الله> قوله: "حق على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئًا من العلم والفقه؛ أن يدخل على ذي سلطان يأمره بالخير، وينهاه عن الشر، ويعظه؛ لأن العالم إنما يدخل على السلطان يأمره بالخير، وينهاه عن الشر، فإذا كان فهو الفضل الذي ليس بعده فضل". (9).
ذكر ابن المفلح قول ابن الجوزي <رحمه الله>: "الجَائٍزُ مِنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مَعَ السَّلَاطِينِ التَّعْرِيف وَالْوَعْظ، فَأَمَّا تَخْشِينُ الْقَوْلِ نَحْو: يَا ظَالِم، يَا مَنْ لَا يَخَاف اللَّهَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُحَرِّك فِتْنَة يَتَعَدَّى شَرُّهَا إلَى الْغَيْر لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِز عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء قَالَ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ". (10).
وقال ابن النحاس <رحمه الله>: "ويختارُ الكلامَ مع السلطانِ في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد، بل يَوَدُّ لو كلَّمه سرًّا، ونصحه خُفيةً من غير ثالث لهما". (11).
وقال الشوكاني <رحمه الله>: " ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله". (12).
ويُروى عن الإمام الشافعي <رحمه الله> قوله: (13).
تَعَمَّدني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي *** وجنِّبني النصيحة في الجماعهْ
فَــإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّـاسِ نَوْعٌ *** من التوبيخِ لا أرضى استماعـهْ
وَإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي *** فَلاَ تَــجْزَعْ إذَا لَـمْ تُعْـطَ طَاعَــهْ
قال ابن رجب الحنبلي <رحمه الله>: "قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير"، فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح، وهو أن النصح يقترن به الستر، والتعيير يقترن به الإعلان". (14).
وقال العلَّامة عبد الرحمن بن ناصر السِّعديُّ <رحمه الله>: "على من رأى منهم -أي ولَّاة الأمور- ما لا يحل؛ أن ينبههم سراً لا علناً، بلطف، وعبارة تليق بالمقام، ويحصل بها المقصود، فإن هذا مطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولّاة الأمور، فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خيرٌ كثير، وذلك علامة االصدق والإخلاص". (15).
وقال العلَّامة عبد العزيز ابن باز <رحمه الله>: " ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير.
أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل: فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا من دون ذكر من فعله، فذلك واجب؛ لعموم الأدلة.
ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها لا حاكما ولا غير حاكم.
ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه: قال بعض الناس لأسامة بن زيد: ألا تكلم عثمان؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه، إلا أسمعكم؟ إني أكلمه فيما بيني وبينه دون أن أفتتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من افتتحه.
ولما فتح الخوارج الجهال باب الشر في زمان عثمان رضي الله عنه وأنكروا على عثمان علنا عظمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي رضي الله عنهما بأسباب ذلك، وقتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني، وذكر العيوب علنا، حتى أبغض الكثيرون من الناس ولي أمرهم وقتلوه". (16)
وقال الشيخ العلَّامة محمَّد بن صالح العثيمين <رحمه الله>: "فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علناً، وإنكار ذلك عليه في المحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ، وغير ذلك، ليس من باب النصيحة في شيء، فلا تغترَّ بمن يفعل ذلك، وإن كان عن حسن نية، فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح المقتدى بهم، والله يتولى هُداك". (17).
والحمد لله ربِّ العالمين.
إِنْتِقَاء:
مُحَمَّد أَمِين إِمْلُول البِجَائِي
- عَفَا الله عَنْه -
إِنْتِقَاء:
مُحَمَّد أَمِين إِمْلُول البِجَائِي
- عَفَا الله عَنْه -
--------------------------------------------------------------
(1) - [أخرجه أحمد (٣/٤٠٤)، والحاكم وصححه(٣/٢٩٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/٥٢١)، والطبراني (١٧/٣٦٧) من طرق عن عياض بن غنم رضي الله عنه مرفوعا. وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٣٠): "رجاله ثقات، وإسناده متصل". وصححه الألباني في "ظلال الجنة" (ص٥٢١)].
(2) - [محنة الإمام أحمد (ص٨٤)].
(3) - أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (٣٢٦٧). وفي كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر (٧٠٩٨). ومسلم في الزهد، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله (٢٩٨٩).
(4) - [فتح الباري (٥٢/١٣)].
(5) - المصدر السابق.
(6) - [حاشية السندي المطبوعة مع المسند، ط. الرسالة (٥٠/٢٤)].
(7) - [مختصر صحيح مسلم، ت: الألباني، (٣٣٥)].
(8) - [تخريج مسند الإمام أحمد (١٩٤١٥)، وحسَّنه الألباني في "تخريج السنة" (٥٢٣)].
(9) - [ترتيب المدارك (٩٥/٢)].
(10) - [الآداب الشرعية لابن المفلح (١٩٧)].
(11) - [تنبيه الغافلين عن أحكام الجاهلين (٦٤)].
(12) - [الفرق بين النصيحة والتعيير (٩)].
(13) - [ديوان الإمام الشافعي (١٩٤)].
(14) - [الرياض الناضرة للسعدي (٤١)]
(15) - [مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (٢١٠/٨)].
(16) - [انظر: "معاملة الحكام" للبرجس (١٢٨)]
* - [ الأدلة الشرعية في بيان حق الراعي والرعية ]
تعليق