بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله معز المحق وناصره، ومذل المبطل وخاذله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له آمر الناس بالاستقامة على شرعه وتحقيق عبادته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بلغ ما أوحي إليه من ربه فأدى أمانته، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، أما بعد:
يقول الله تعالى (والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها).
قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي:
في تلك الآيات العشر يقسم الله سبع مرات بسبع آيات كونية هي: الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية، مع حالة لكل مقسم به، وذلك على شيء واحد، وهو فلاح من زكى تلك النفس وخيبة من دساها، ومع كل آية جاء القسم بها توجيها إلى أثرها العظيم المشاهد الملموس، الدال على القدرة الباهرة.
ثم قال في تفسير قوله تعالى (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها):
هذا هو جواب القسم فيما تقدم، فالواو قد حذفت منه اللام لطول ما بين المقسم به والمقسم عليه.
وقد نوه عنه الشيخ ـ رحمة الله تعالى علينا وعليه ـ عند الكلام على قوله تعالى (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار)، من سورة (ص)، وأنهم استدلوا على هذه الآية عليه.
والأصل: لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الفصل. و(زكاها) بمعنى طهرها، وأول ما تطهر منه دنس الشرك ورجسه، كما قال تعالى (إنما المشركون نجس) التوبة:28 وتطهيرها منه بالإيمان، ثم من المعاصي بالتقوى، كما في قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) النجم33، ثم بعمل الطاعات: (قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى) الأعلى. اهـ من أضواء البيان.
فهذه مقدمة عظيمة بين يدي البيان، لنعلم أن الله عز وجل قد رتب الفلاح والعزة والرفعة في الدارين بتزكية النفس وتطهيرها، بل هذا الذي أقسم عليه ربنا كما تقدم، ولا تكون النفس زاكية طاهرة حتى يحملها صاحبها على امتثال أمر الله عز وجل واجتناب نهيه، ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم، والحرص على الخير بلزوم الاستقامة وأسبابها، وأن يحذر المرء من أسباب الذلة والهوان، وذلك بتدسية النفس وتنجيسها، وارتكاب ما يوجب سخط الرب جل وعلا.
قال ابن القيم رحمه الله:
ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم.
وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال الله تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم)، وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفا من شرها، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. اهـ من الجواب الكافي.
ولسنا نريد بكتابة هذه الأسطر نصرة أنفسنا، ولا التزلف لعلمائنا إذ إننا نعتقد جازمين أننا وكل أهل السنة الأخيار بما فيهم صفوتهم وهم العلماء، فقراء إلى الله تعالى، قال عز من قائل: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، هذا وقد أخبرنا ربنا في كتابه الكريم أن الناس يوم القيامة يفرون من أقرب الناس إليهم، فكيف بمن غيرنا أقرب إليه منا، قال الله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه)، فالواجب على المسلم أن يسعى لتزكية نفسه وتطهيرها بما يحب ربنا ويرضى من تلكم الأعمال المرضية الظاهرة والباطنة، ومن الجهل بمكان أن يسعى العبد في طلب التزكيات من العلماء وطلبة العلم، وهو قائم على معصية الله، فإنها لا تنفعه التزكيات الفارغة في الدنيا، كما لا تنفعه في الآخرة ، فإن الله أبى إلا أن يذل من عصاه، قال بن القيم رحمه الله:
ومنها أن المعصية تورث الذل ولا بد، فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى، قال تعالى:( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله.
وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك.
وقال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وقال عبد الله ابن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسـك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك *** وأحبار سوء ورهبانـها
اهـ من الجواب الكافي.
إنما نريد والله المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل، إحقاق الحق ورفع مناره، ودحض الباطل وإخماد ناره، ونريد أن نذب عن أعراض إخواننا ومشايخنا الأجلاء، الذين صاروا مرما لأولئك المفتونين، ومهبط شتمهم، ومعقل ذمهم، وما ذاك إلا أنهم أبوا إلا طريقة أهل الحديث والسنة، علما وعملا ومعاملة، فتنكر لهم من كانوا يحسنون إليه، وذمهم من كانوا يمدحونه ويثنون عليه، ولو كان غلمان السوء كراما لردوا الإحسان بالإحسان، ولكن هم كما قيل:
ومن يصنع المعروف في غير أهله *** يلاقي الذي لاقا مجير أم عامر
أذم لها حين استجارت برحله *** لتأمن ألبان اللقاح الدرائر
وأسمنها حتى إذا ما تكاملت *** فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من *** أراد يد المعروف في غير شاكر
وأم عامر: كنية للضبع.
والدافع لكتابة هذا ولابد من دافع، ما قاله ذلكم المتلون الهابط في تغريداته، وخربشاته الدالة على خبث طويته وقبيح سريرته، وعظيم مكره وكبير حنقه على أهل السنة، فبعدما حسبناه منافحا عن السنة وعلى ثغور أهلها مرابطا، تبين لنا أنه على أم رأسه في هوة التمييع والتخذيل ساقطا:
ومرابط بعد الرباط مرابط***برباط زيغ للدني مرابط
أو لم ترى أن المرابط بعد ما***بلغ العلية للدنبة هابط
فمن تمام عدل الله أن أنطق السفيه ليخرج ما في قلبه من الضغن والحقد، وهذا مصداقا لقوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم*ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم)، ومن قبيح لحن قوله ما تقيأه في هذيانه الموسوم بـ(أنا هنا يا لزهر)، الذي ملأه بالسفاهة وقلة الأدب، فمن ذلك قوله:
لا شك أنّ لزهر يقصدني في هذه التغريدة! وهو بهذا يؤكد أنّه دائما ما يكون البادئ الظالم والمعتدي الجاني، يتهجّم على النّاس ويطعن فيهم بالتصريح والتلميح وإذا ما رَدّ المُعتدَى عليه تراه يَتَباكَى هو وأتباعه، ويَظهَر في صورة المظلوم، وإلاّ ففسّروا لي هذه الخرجة؟ هل مرابط هو صاحب القضية؟ طبعا لا؟ وهل هو الوحيد المطالب بالردّ على الشيخ؟! طبعا لا! ومع ذلك خذ منّي هذا الجواب يا لزهر، فقد صبرت طويلا وكنتُ من بداية الفتنة ملتزما معك بقاعدة: الدّفع بالأسهل فالأسهل، لكنّك لم تحفظ الدرس، ولا زلت تخطئ عندما تَستفزّ من لا يصلح أن يُستفزّ!. اهـ
قال متعقبه عفا الله عنه:
هذا إن دل فإنما يدل على قلة الحياء وموت القلب، قال بن القيم رحمه الله تعالى:
والحياء من الحياة ومنه الحيا للمطر لكن هو مقصور وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم. اهـ مدارج السالكين.
فكلام الهابط هذا خال من الحياء ولم يشتمل على أدب ولا علم، وقارئ ما سوده الهابط يظنه من كلام الدون من العوام والسفلة من الناس، فانظر إلى قوله: (لا شك أنّ لزهر يقصدني في هذه التغريدة)، وقوله: (وإلاّ ففسّروا لي هذه الخرجة؟) وقوله:( لكنّك لم تحفظ الدرس)، وقوله: (أم أنّك الآن متفرّغ «فارغ شغل»)، وقوله: (أنا لستُ حدّاديا يا لزهر! افهم هذا جيّدا)، وأعجب من هذا كله قوله: (ولا زلت تخطئ عندما تَستفزّ من لا يصلح أن يُستفزّ!.). فالرجل إذا مصاب بداء عضال وهو: جنون العظمة، وغره كثرة المطبلين المبطلين الذين يطبلون له ويؤزونه إلى المستقبحات من الفعال والأقوال أزا، حتى ساء فعله وخبثت طويته فتلوث منطقه:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُه *** وصدَّق ما يعتادُه مِن توهُّمِ
وعادى محبِّيه بقولِ عُداتِه***وأصبح في ليلٍ من الشكِّ مظلمِ
فلا يغرنك كثرة المصفقين فإن الناصح من أرشدك ودلك، على ما يصلح دنياك وآخرتك، لا من وافقك على باطلك، وها أنا أذكرك وصاحبك البليدي بما خطت أنامله يوم كان يمت إلى السلفية بصلة، عل الموعظة تجد إلى القلوب مسلكا، وهو من مقاله الموسوم: (ويعرف لعالمنا حقه):
قال ابن القيم -رحمه الله- عند قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: « إن العلماء ورثة الأنبياء »: هذا من أعظم المناقب لأهل العلم؛ فإن الأنبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم.
ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته، إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده ، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به ، إلا العلماء ، كانوا أحق الناس بميراثهم ، وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم ، فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث ، وهذا كما أنه ثابت في ميراث الدينار والدرهم ، فكذلك هو في ميراث النبوة ، والله يختص برحمته من يشاء ". مفتاح دار السعادة (1/66 )
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ » رواه أحمد، وقال سفيان بن عيينة: " أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء ".
ومما هو معلوم أن مجالس العلم يحضرها الملائكة السياحون، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن لله ملائكة سياحين يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوها تنادوا هلمُّوا إلى حاجتكم فيحيطون بهم إلى عنان السماء، ويسمعون منهم أذكارهم وأعمالهم الطيبة، ثم إذا عرجوا سألهم الله عما وجدوا، وهو أعلم سبحانه وتعالى، فيخبرونه بما شاهدوا » رواه أحمد.
فلا ينبغي لمن حضر هذه المجالس أن يحدث فيها شيئاً لا يليق بمنزلة الحاضرين، قال الشعبي رحمه الله: " يا طلاب العلم، لا تطلبوا العلم بسفاهة وطيش، اطلبوه بسكينة ووقار وتؤدة " ( روضة العقلاء / 34 ).
وقال رحمه الله: "إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلا، قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لا يَنَالُهُ إِلا الْعُقَلاءُ، فَلَمْ يَطْلُبْهُ، وَإِنْ كَانَ عَاقِلا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا، قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لا يَنَالُهُ إِلا النُّسَّاكُ، فَلَمْ يَطْلُبْهُ "، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: " وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا: لا عَقْلٌ وَلا نُسُك " رواه الدارمي.
وقال الإمام الآجري رحمه الله: فَإِذَا أَحَبَّ مُجَالَسَةَ الْعُلَمَاءَ جَالَسَهُمْ بِأَدَبٍ، وَتَوَاضُعٍ فِي نَفْسِهِ، وَخَفَضَ صَوْتَهُ عَنْ صَوْتِهِمْ، وَسَأَلَهُمْ بِخُضُوعٍ، وَيَكُونُ أَكْثَرَ سُؤَالِهِ عَنْ عِلْم مَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ فَقِيرٌ إِلَى عِلْمِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ، فَإِذَا اسْتَفَادَ مِنْهُمْ عِلْمًا أَعْلَمَهُمْ أَنِّي قَدْ أُفِدْتُ خَيْرًا كَثِيرًا، ثُمَّ شَكَرَهُمْ عَلَى ذَلِك.
وَإِنْ غَضِبُوا عَلَيْهِ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمْ، وَنَظَرَ إِلَى السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ غَضِبُوا عَلَيْهِ، فَرَجَعَ عَنْهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، لا يَضْجَرُهُمْ فِي السُّؤَالِ، رَفِيقٌ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، لا يُنَاظِرُهُمْ مُنَاظَرَةً يُرِيهُمْ أَنِّي أَعْلَمُ مِنْكُمْ.
وَإِنَّمَا هِمَّتُهُ الْبَحْثُ لِطَلَبِ الْفَائِدَةِ مِنْهُمْ، مَعَ حُسْنِ التَّلَطُّفِ لَهُمْ، لا يُجَادِلُ الْعُلَمَاءَ، وَلا يُمَارِي السُّفَهَاءَ، يُحْسِنُ التَّأَنِّي لِلْعُلَمَاءِ مَعَ تَوْقِيرِهِ لَهُمْ، حَتَّى يَتَعَلَّمَ مَا يَزْدَادُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ فَهْمًا فِي دِينِهِ. " ( أخلاق العلماء/51 ).
روى الخلال أن أحمد جاء إلى وكيع وعنده جماعة من الكوفيين فجلس بين يديه من أدبه وتواضعه . فقيل يا أبا عبد الله إن الشيخ ليكرمك فما لك لا تتكلم ؟ فقال : وإن كان يكرمني فينبغي لي أن أجله وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : ما استأذنت قط على محدث كنت أنتظر ، حتى يخرج إلي ، وتأولت قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ } . ( الآداب الشرعية ج2/ 7 )
وقال ابن مفلح: وينبغي احترام المعلم والتواضع له، وكلام العلماء في ذلك معروف ويأتي ذلك بعد نحو كراس في الفصول المتعلقة بفضائل أحمد بعد ذلك في الكلام في العلم والعالم وبعد فصول آداب الإنسان فيمن مشى مع إنسان ونحو ذلك.
وقد قال ابن حزم قبل السبق والرمي في الإجماع : اتفقوا على إيجاب توقير أهل القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الخليفة والفاضل والعالم وذكر بعض الشافعية في كتابه فاتحة العلم أن حقه آكد من حق الوالد لأنه سبب لتحصيل الحياة الأبدية ، والوالد سبب لحصول الحياة الفانية وعلى هذا تجب طاعته وتحرم مخالفته ، وأظنه صرح بذلك وينبغي أن يكون فيما يتعلق بأمر العلم لا مطلقا . والله أعلم . " ( الآداب الشرعية ج 1 / 463).
وهذا كلام طيب في غاية النفاسة، ولكن أين هو العمل بالعلم، وأين هو توقير العلماء، وقد نقلت يا بليدي اتفاق أهل العلم على ذلك في قول بن حزم رحمه الله: اتفقوا على إيجاب توقير أهل القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الخليفة والفاضل والعالم وذكر بعض الشافعية في كتابه فاتحة العلم أن حقه آكد من حق الوالد لأنه سبب لتحصيل الحياة الأبدية ، والوالد سبب لحصول الحياة الفانية وعلى هذا تجب طاعته وتحرم مخالفته ، وأظنه صرح بذلك وينبغي أن يكون فيما يتعلق بأمر العلم لا مطلقا . والله أعلم . " ( الآداب الشرعية ج 1 / 463).
فما صنع العمل بالعلم!!! أم هو التشدق بالقول، والتبجح به!!! ثم هل تعدون يا أذناب المميعة طليعتكم المشؤومة في الرد على علامة المغرب بشهادتكم أجمعين، من الأدب مع العلماء؟ أم من توقيرهم ومعرفة حقهم؟ أم من النصيحة للمسلمين؟ وهل استشرتم علماء هذه الأمة الكريمة ممن يعتد بقوله ويصدر عن فتواه؟ وهل تعدون الكذب على فضيلة الشيخ العلامة محمد بن هادي من توقير العلماء؟. فيا لله العجب كيف يتقلب العبد ظهرا لبطن في وقت وجيز، مما يحمل الموفق على سرعة اللجوء إلى الله والعكوف على دعاءه وحسن عبادته، وقد كان سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم، كثيرا ما يقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وكان يقول في دعاءه: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. فاللهم ثبتنا على دينك القويم إلى يوم نلقاك وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
ثم قال الهابط: الثانية: أنا لستُ حدّاديا يا لزهر! افهم هذا جيّدا، فقد تربيّنا على توجيهات أئمّتنا، وتعلّمنا من ديننا أن السلفيّ لا يعامل كما يعامل المبتدع! فكيف تُريدني أن أتحامق وأجعل الشيخ الفاضل الدكتور ماضي -حفظه الله- كصادق سلايمة؟!
قال متعقبه عفا الله عنه:
لو تربيت على أئمة الاسلام والسنة لعلمت أن الخطأ يرد على قائله كائنا من كان، وإنما يكون النظر إلى حال المردود عليه فإن كان من أهل السنة والإمامة في الدين يرد عليه خطأه وتصان كرامته، وإن كان من أهل الأهواء فلا كرامة له، ثم مالك تكيل بمكيالين لما تعلق الأمر بعلامة بلدك؟ فهل نزعت ثوب السلفية يوم أن شمرت عن ساعد التهويش والقلقلة وعزمت وشرذمة المميعة على نقد كلام ومواقف الشيخ فركوس حفظه الله ووفقه؟ فإذا كان الميزان هو موافقة الحق وطول الباع فيه، ورسوخ القدم في فنون الشرع، ودعوة الناس إلى ذلكم المنهاج النبوي، فشتانا بين جبل أشم وحزن، وكما قيل شتانا بين الثرى والثرية، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين.
قال المعتوه: الثالثة: لو كنتُ مُشهّرا بالشيخ عبد الخالق يا لزهر لشهرتُ بك من قبل! لأنّي منذ أن عرفتك وأنا أناصحك سرّا! وكم صبرت على عثراتك، وكنتُ سببا بفضل الله في كثير من المسائل التي رجعت عنها! وإن نسيتها فسأذكرها لك.
قال متعقبه عفا الله عنه:
المطلع على كلام هذا المخبول يظنه أكبر من الشيخ لزهر حفظه الله سنا وعلما وقدرا، وهو رويبضة سفيه، إن أحسن به الظن يقال فقد عقله، فنظير هذه الكلمات بل أكبر منها قالها في حق الشيخ الدكتور عبد المجيد جمعة حفظه الله ووفقه حيث قال: أنه آزر الشيخ عبد المجيد في مواقف كادت تعصف به وبالدعوة السلفية، فقلت في يومها: إذن الرجل به خبل في رأسه! نسأل الله العافية والسلامة، وسيأتي في التعليق على النقطة السابعة من نقاطه ما يحير اللبيب مما آل إليه هذا الصحفي المخبول.
ثم قال: الرابعة: أتعجّب -والله- من تفكيرك! أنسيتَ أنّني فارقتكَ واستقلتُ من العمل معك، وأقيمت عليّ الدنيا من أجل رفضي لمنهجك الغالي ومسلكك التشهيري! فكيف تطالبني اليوم أن أشهّر بالشيخ عبد الخالق وأناقض ما خالفتك فيه؟ يحسُن بكَ هذا لو طالبتَ به زمرة التقديس وأبواق الفتنة كسالمٍ ويونس ونبيل وإبراهيم ومراد وعبد الصمد وغيرهم من المفسدين، فلك فيهم غنية، وهم قادرون على التشهير بأمّة من الناس وليس بالشيخ عبد الخالق فحسب! أمّا مرابط فرجل سلفيّ وليس حدّاديا، أرجو أن تفهم هذا ولا تكرّر نفس الأخطاء.
قال متعقبه عفا الله عنه:
فالرد على المخالف منهج تشهيري وكل ما جاء عن السلف من كلام في رد الخطأ وبيان الصواب ولو كان ذلك ردا على أئمة الاسلام والسنة ممن هو منهم فهو تشهير عند الهابط، وهذا هو منهج أهل البدع الذين يحاولون جاهدين أن يعطلوا هذا الأصل الأصيل (الجرح والتعديل) فهنيئا لك اللحوق بركب أهل البدع والأهواء، قال الشيخ العلامة ربيع بت هادي المدخلي حفظه الله مجيبا على سؤال هذا نصه:
السؤال : لقد ذكر بعض العلماء أن علم الجرح والتعديل كان خاصا بزمن الرواة ، لكن الآن عام ألف وأربع مائة وعشرين ليس هناك شيئا اسمه الجرح والتعديل فما هو الصواب في ذلك ؟
الجواب : هذا والله من المهازل والمضحكات المبكيات: أن يقال مثل هذا الكلام , لماّ تكثر البدع ، ويكثر الإلحاد ، ويكثر العلمانيون والشيوعيون والروافض والصوفية والأحزاب الضالة ؛ توقف الإسلام ، وأطلق العنان للناس يمرحون ويسرحون ويقولون ما يشاءون ، ولا أحد يقول : هذا غلط ، أو هذا منكر ، ولا أحد يقول : هذا مفسد ، وهذا مصلح ؟!
هذا من الضياع ، وعدم الفقه في دين الله عزوجل ؛ فالسلف ألفوا كتبا في العقائد ينتقدون فيها أهل البدع والضلال ، وسمّوا أفرادا وجماعات فهل هذا يعني انتهى أيضا ؟!
ونقول: إن المبتدعين الذين كانوا في عهد السلف يناقشون ويُبيّن ضلالهم والآن لا يجوز , حرام , الآن الكلام على أهل البدع حرام ، وعلى العلمانين حرام ، وعلى الزنادقة حرام ، وعلى الروافض حرام ، وعلى الصوفية حرام ، ماشاء الله ، هذه دعوة إلى وحدة الأديان أو ماذا ؟! نستغفر الله ونتوب إليه, هذا ضلال , يجب أن يبقى الجرح والتعديل يُذَبُّ به عن دين الله وعن سنة رسول الله إلى يوم القيامة , وأن تُسلّ السيوف أكثر من ذلك لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى ، ودحض الكفر والباطل .
والسلف قالوا : إن الذبّ عن السنة أفضل من الضرب بالسيوف , فالذبّ عن السنة يكون بالجرح والتعديل .
وبهذه المناسبة أقول لكم : إن الحاكم رحمه الله في كتابه (معرفة علوم الحديث) قال - وكلامه حق - : الجرح والتعديل علمان :
علم الجرح : وهو علم مستقل ، وهذا يرد منهج الموازنات الباطل , علم الجرح علم مستقل ، ولهذا ألّف كثيرٌ من الأئمة كتباً مستقلة في الجرح فقط , خصّصوها للجرح مثل البخاري في الضعفاء ، والنسائي في المتروكين ، وابن حبان في المجروحين ، وابن عدي في الكامل ، وهكذا الذهبي وابن حجر ، وغيرهم كثيرون ، ألفوا مؤلفات خاصة بالجرح فقط ؛ لأنه علم مستقل , وهذا يقصم ظهر منهج الموازنات ، ويقصم ظهور أهله .
وأئمة آخرون ألفوا كتباً في الثقات ، مثل الثقات للعجلي ، والثقات لابن حبان عرفتم هذا ؟
إذا كان السلف يؤمنون بأن الجرح والتعديل علمان مستقلان ؛ فكيف تأتي الموازنات ؟ واحد يؤلّف كتابا خاصا بالجرح ليس فيه أيّ ثغرة لمنهج الموازنات, فهمتم هذا بارك الله فيكم .
الجرح والتعديل باقٍ إلى يوم القيامة , الناس يريدون أن يستفيدوا من هذا العالم فتقول لهم : هذا عالم فاضل وعلى السنة , تزكيه بارك الله فيك , وهذا العالم رافضي , هذا صوفي يقول بوحدة الوجود , هذا علماني , هذا شيوعي يتستر بالإسلام .. هذا كذا .. هذا كذا ... واجب عليك أن تبيّن , هذا واجب وهو من الجهاد ، ولا ينقطع وليس خاصا بالرواة .
ولمّا ذكر الترمذي في كتابه العلل الذي هو في آخر سننه قال : هذا العلم يعني الناس استنكروا على علماء الحديث الجرح قال : وقد جرح فلان وفلان جرح فلان معبد الجهني ، وجرح فلان جابر الجعفي ، فبدأ بأهل البدع , لماذا ؟ لأن هذا يُنتقد لبدعته لا لأنه راوٍ .
ثم ألّف السلف في الرد على أهل البدع كما قلنا ، ولم يخصصوا الجرح والتعديل بالرواة فقط : مبتدع ليس من أهل الحديث أبدا , معتزلي , جهمي , مرجئ ...الخ ، ليس له علاقة بالرواية ، لكنه مبتدع فجرحوه , فمن أين لهؤلاء أن باب الجرح أغلق , هذه مثل دعوة المذهبيين المتعصبين أن باب الاجتهاد أغلق من القرن الثاني ، وبعضهم يقول الثالث ، وبعضهم يقول الرابع ، يعني خلاص ، الله عز وجل شلّ عقول المسلمين من ذلك الوقت إلى الآن ، عقولهم مشلولة ، لا يستطيعون أن يفهموا كلام الله ولا سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم - وهذا حكم جائر ، وافتراء على الله تبارك وتعالى ، وكذلك هذه فرية ؛ الذي يقول : إن الجرح انقطع وأغلق بابه ، هذا والله يجني على الإسلام , اتق الله يا أخي ، لا تسدّ باب الجرح والتعديل ، ولن يسمع لك أهل الحق وأهل السنة . اهـ نقلا عن الشبكة
ثم قال السفيه: فكيف تطالبني اليوم أن أشهّر بالشيخ عبد الخالق وأناقض ما خالفتك فيه؟ يحسُن بكَ هذا لو طالبتَ به زمرة التقديس وأبواق الفتنة كسالمٍ ويونس ونبيل وإبراهيم ومراد وعبد الصمد وغيرهم من المفسدين، فلك فيهم غنية، وهم قادرون على التشهير بأمّة من الناس وليس بالشيخ عبد الخالق فحسب! أمّا مرابط فرجل سلفيّ وليس حدّاديا، أرجو أن تفهم هذا ولا تكرّر نفس الأخطاء.
قال متعقبه عفا الله عنه:
إن هؤلاء الذين تشهر بهم من خيرة إخواننا ومنهم شيخنا الفاضل سالم موريدة حفظه الله ووفقه، فالرجل نحسبه على خير كثير، فهو صاحب سنة وعلم غزير، وقد وصفه الشيخ وصي الله عباس في مجلس جمعنا به والشيخ سالم والشيخ عبد القادر حري وفقه الله والأخ سحبان وبعض إخواننا بمكة المكرمة زادها الله شرفا، بقوله: (أعجبني هذا العالم)، هذا وكون الرجل على ثغرة من ثغور أهل السنة في معقل من معاقل الشرك لا ينكره إلا مخذول، فكفى تخذيلا وصدا عن سبيل الله أن يطعن على من هذه منزلته بالهوى والكذب والبهتان.
وأما الشيخ يونس بن حجر والشيخ نبيل باهي الذي نحسب أن له من شقي اسمه نصيب وفقه الله ونفع به والشيخ برهيم البويران الذي أقض مضاجع المميعة بتلكم الردود العلمية المفيدة التي حوت من كلام الشيخ ربيع وبيان منهجه شيئا كثيرا، وكذلك إخواني مراد قرازة شاعر أهل السنة، والأخ عبد الصمد سليمان وفقه الله الناصح لمن عظمتموه فأنزلتموه في منزلة العلماء المحققين، قبل الفتنة وبعدها، فهؤلاء من خيرة من عرفنا من أهل السنة، نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدا، وإن كان بعضهم لم أره قط ولا التقيت به ولكن جمعنا الله بهم في هذه الدنيا على كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يديم علينا نعمه وأن يثبتنا وإخواننا ومشايخنا على دينه القويم، وأن يجمعنا بهم ونبينا صلى الله عليه وسلم في دار النعيم إن ربي لجواد كريم.
وهم والحمد لله كما وصفتهم يشهرون بأهل البدع والمميعة والمخذلة، ويسترون على أهل السنة وينصحون لهم كما هو معلوم من حالهم، وهذا يعرفه كل من تولى كبر الطعن على حملة السنة في بلدنا هذا.
ولو كنت سلفيا، لما دافعت عن عبد الخالق وقد علمت كذبه وتلونه فهو الذي لم يكتف بنشر بيان (براءة الذمة) الذي تضمن الكذب والطعن والتبرؤ من نهج من عرف بالتمسك بالسنة، مكتوبا حتى قرأ الكذب والطعن بفمه نسأل الله العافية، وطعونه وسوء أدبه قد علمه كل من اطلع على ما يقوله وينشر عنه، وهزالته في العلم وخلطه في مسائله يعلمه كل من له صلة بالعلم وأهله، ولقد حدثني من أثق به أن الشيخ فركوس يقول عند عبد الخالق عشرات بل مئات الأخطاء في العقيدة وغيرها، نسأل الله العافية والسلامة، من ذلك قوله: في تأويل قوله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) قال الروح المراد به هنا جبريل.
وهذا بصوته كما هو منشور معلوم.
وكون عبد الخالق من رؤوس المفرقين الطاعنين على علماء السنة، لا ينكره إلا مخادع غشاش لئيم.
وقولك: لست حداديا، هذا يكذبه واقعك، فهل من منهج السلف أن تجمع أخطاء إمام من أئمة السنة في مؤلف واحد وتنشر لأجل تحذير الناس منه، والتشكيك في علمه وفضله، أجب!، أم التشهير بمن تاب من أصول أهل السنة كما فعلتم مع الشيخ لزهر حفظه الله ورعاه، أم سب العلماء والكذب عليهم والوقيعة فيهم ليس من الحدادية، فاعلم يا أيها الهابط أنت ومن هو على شاكلتك من المخذلة أنكم على خطى الحدادية حذو القذة بالقذة، وإن تنصلتم منها أبى الله إلا أن تظهر للعيان بادية كالشمس صحوا ليس دونها سحاب.
ثم قال: الخامسة: منذ متى رأيتَني أُشهّر بالمشايخ السلفيين! فيوم أن كنتُ معك وكانت بيني وبين الشيخ عبد الخالق وباقي المشايخ أشياء –كنتَ المتسبّب فيها- ومع ذلك لم أكن أنكِر عليهم علانية، ولم أشهّر بما كنت أعتقد أنها أخطاء صدرت منهم! فمن الحُمق أن تطالبني اليوم بما كنت أمقتُه الأمس! فأين هي العقول يا قومنا؟!
قال متعقبه عفا الله عنه:
ها أنت اليوم تشهر بخيرة المشايخ السلفيين وتتستر على المفرقين ولو تعلق ذلك بخير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عن خير من وطئ الحصى بعد الرسل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، بل وصلك بك سوء الأدب وقلة الحياء إلى الحضيض غذ صرت تطلق ألفاظا يتنزه السلفي أن يقولها فيمن هو دون مشايخ السنة بمراحل كثيرة ولكن والله لأنت أولى بالحمق ممن تصفهم به، وأنت أولى بقولك: فأين هي العقول يا قومنا؟!. وما حالك والشيخ الكريم لزهر سنيقرة حفظه الله ووفقه إلا كما قيل:
ومنزلة الفقيه من السفيه ............... كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في قرب هذا ............... وهذا فيه أزهد منه فيه
وقال السفيه: السادسة: أنّ كلّ من خبَرَكُم في هذه الفتنة يطعنُ في نواياكم وهو مرتاح البال! فوالله وبالله وتالله ما حملكَ على هذه الجَلَبة إلاّ حبّ الانتقام، وقد كنتُ في وقت مضى أترجّاكُم أنتَ ومن معك، وأطالبُكم بنصرة الصحابة في مواطن كثيرة ولم أجد منكم عُشْرَ هذا التجاوب! وأمّا ما ثبت من تجاوبك يا لزهر فقد كان بطلب وإلحاح.
قال متعقبه عفا الله عنه:
هذا لأهميته وتعلقه بالعقيدة الصحيحة، أفرده بفصل أذكر فيه كلاما نفيسا لشيخ الاسلام في هذا الزمن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله علك تراجع نفسك، فتتوب إلى الله مما أنت فيه من مخالفتك لسبيل المؤمنين أنت ومن يصفق لك من الجهلة، وتكف عن رمي الأبرياء بما استفحل فيك من الجهل بالعقيدة الاسلامية الصحيحة.
فصل:
4/393- وعن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: بعثَنَا رسولُ اللَّه ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا الْقَوْمَ عَلى مِياهِهمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنهُمْ، فَلَمَّا غَشيناهُ قَالَ: لا إِلهَ إلَّا اللَّه، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدينَةَ بلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أُسامةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ. متفقٌ عَلَيهِ.
وفي روايةٍ: فَقالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أَقَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ! إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَومَئذٍ.
5/394- وعن جُنْدبِ بنِ عبداللَّه : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بعثَ بَعْثًا مِنَ المُسْلِمِينَ إِلى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَأَنَّهُم الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إِذا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَأَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ غفلَتَه، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلمَّا رَفَعَ السَّيْفَ قَالَ: لا إِله إِلَّا اللَّهُ، فقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلى رَسُول اللَّه ﷺ فَسَأَلَهُ، وأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَر الرَّجُلِ كَيْفَ صنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ! أَوْجَعَ في المُسْلِمِينَ، وقَتلَ فُلانًا وفُلانًا - وسَمَّى لَهُ نَفرًا - وإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لا إِله إِلَّا اللَّهُ، قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أَقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: نَعمْ، قَالَ: فَكيْفَ تَصْنَعُ بلا إِله إِلَّا اللَّهُ إِذا جاءَت يوْمَ القيامَةِ؟! قَال: يَا رسولَ اللَّه! اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وكَيف تَصْنَعُ بِلا إِله إِلَّا اللَّهُ إِذا جاءَت يَوْمَ القِيامَةِ؟! فَجَعَلَ لا يَزيدُ عَلى أَنْ يَقُولَ: كيفَ تَصْنَعُ بِلا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جاءَتْ يَوْمَ القِيامَةِ؟! رواه مسلم.
6/395- وعن عبدِاللَّه بنِ عتبة بن مسعودٍ قَالَ: سمِعْتُ عُمَر بْنَ الخَطَّابِ يقولُ: إِنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْي في عَهْدِ رَسُول اللَّه ﷺ، وإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِما ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنا خَيْرًا أَمِنَّاهُ، وقرَّبناه، وَلَيْس لنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شيءٌ، اللَّهُ يُحاسِبُهُ فِي سرِيرَتِهِ، ومَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَه حَسنَةٌ رواه البخاري.
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله، وأصحابه، ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث - حديثان مع أثر عمر - كلها تدل على وجوب الأخذ بالظواهر، وأما السَّرائر فإلى الله ، وتقدمت الأحاديث في هذا الباب، فالواجب على أهل الإيمان أن يتَّقوا الله، وأن يُراقبوا الله، وأن يأخذوا الناس بما ظهر من أعمالهم، أما اتِّهامهم في سرائرهم، وأخذهم بشيءٍ لا يعلمونه؛ فهذا إلى الله .
فالواجب العمل بظاهر الإنسان، وما يدل عليه الشرعُ في حقِّه، أما باطنه، وسريرته؛ فإلى الله ؛ ولهذا تقدَّم قوله ﷺ: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقِّها، وفي اللفظ الآخر: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم، وأموالهم، إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله، والأحاديث في هذاالمعنى كثيرة.
وهكذا بطرقه لما قتل بعض الرجال الحرقة، والسبب في ذلك أنَّه أوجع في المسلمين، ولحقه هو وبعض الأنصار، فلما غشياه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري، وأما أسامة فطعنه برمحه حتى قتله، فلما رُفِعَ أمرُه إلى النبي ﷺ عاتب أسامةَ في ذلك وقال: أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟! وجعل يُكررها عليه، ثم قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوُّذًا لما رأى السلاح، قال: هلا شققتَ عن قلبه حتى ترى ذلك؟! قال أسامة: فما زال يُكرر ذلك عليَّ حتى تمنيتُ أني أسلمتُ يومئذٍ.
والمقصود أنَّ مَن ظاهره الكفر ثم أسلم يُقْبَل إسلامه، ويُوكل أمره وسريرته إلى الله كما فعل صاحبُ أسامة وغيره.
وهكذا ما قال عمرُ : كان الناسُ يُؤخذون بالوحي على عهد النبي ﷺ، وإن الوحي قد انقطع - أي: بموت النبي ﷺ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمَن أظهر خيرًا قرَّبناه، وأمِنَّاه، وليس لنا من سريرته شيءٌ، الله الذي يُحاسبه على سريرته، ومَن أظهر شرًّا لم نُقربه، ولم نأمنه، وهذا هو الواجب: مَن أظهر الشرَّ اتُّهم بالشر، وظُنَّ به الشرّ، ولا ينبغي الاعتماد عليه، ولا تقريبه، بل ينبغي زجره، وإبعاده، وتذكيره، ووعظه حتى يستقيم، وإقامة ما يستحق من تعزيرٍ أو حدودٍ، أمَّا مَن أظهر الخير فإنَّه يستحق التكريم، وأن يُؤْمَن، وأن يُوثَق به، وأن يُشَجَّع على ما ظهر منه من الخير.
هذا هو الواجب على المسلمين فيما بينهم، أما اتِّهام الناس في سرائرهم، وإلغاء الحقائق؛ فلا، لكن مَن كان معروفًا بالشرك، وعبادة القبور؛ فما ينفعه قول: "لا إله إلا الله"، إذا كان معروفًا بالشرك، والتَّعلق على الأموات، والاستغاثة بهم، مثل: مُشركي اليوم من عُبَّاد البدوي، وعُبَّاد الحسين، وعُبَّاد الجيلاني، وعُبَّاد غيرهم، وأبي حنيفة في العراق، وفي مصر، وفي الشام، وفي غيرها، وعُبَّاد ابن عربي، هؤلاء ما ينفعهم قول: "لا إله إلا الله"، يجب أن يُستتابوا مع القدرة، فإن تابوا وإلا قُتِلوا، وقولهم: "لا إله إلا الله" وهم يعبدون غير الله ما ينفعهم؛ لأنَّهم قد نقضوها بشركهم، وأعمالهم الخبيثة، مثل المنافقين في عهد النبي ﷺ، يقول أحدهم: "لا إله إلا الله" وهو في الدَّرك الأسفل من النار، ما تنفعهم؛ لأنَّهم خالفوها، وعاندوها، فهكذا عُبَّاد الأوثان، وعُبَّاد الأصنام، وعُبَّاد القبور، هم كفَّار مشركون وإن قالوا: "لا إله إلا الله" كالمنافقين؛ لأنَّهم قالوها باللسان، ونقضوها بالفعال، فلا تنفعهم، ولهذا يقول ﷺ: مَن قال: لا إله إلا الله صدقًا من قلبه، وفي اللفظ الآخر: وكفر بما يُعْبَد من دون الله، وفي اللفظ الآخر: مُسْتَيْقِنًا بها قلبه، أما أن يقولها وهو يعمل الشرك فلا تنفعه - نسأل الله العافية.
والله ولي التوفيق. اهـ من موقع الشيخ على الشبكة مفرغا ومسموعا.
وأما قولك: وقد كنتُ في وقت مضى أترجّاكُم أنتَ ومن معك، وأطالبُكم بنصرة الصحابة في مواطن كثيرة ولم أجد منكم عُشْرَ هذا التجاوب! وأمّا ما ثبت من تجاوبك يا لزهر فقد كان بطلب وإلحاح.
فيقال جوابا على فريتك هذه: كل من اجتمع بالشيخ لزهر حفظه الله يعلم منه شدة تمسكه وكبير دعوته للتمسك بالوحيين بفهم الصحابة الكرام وهذا لا يكاد يخلو منه مجلس من مجالس الشيخ وفقه الله تعالى، وأما دفاعه عن الصحابة فمعلوم منشور، وحتى ما نشرته أنت من دفاعك فهو بإذن الله في ميزان الشيخ لزهر، ذلك لأنك نكرة ما قرأ الناس كلامك إلا لأنه منشور في ذلكم السرح المبارك، أو بتقديم الشيخ لك وللعياب الذي تنكر هو بدوره للشيخ لزهر ولمشايخ السنة السلفيين. وهنا سؤال هذا الذي تقدم ذكره من كلام الشيخ ودفاعه عن الصحابة رضي الله عنكم، هل كان كله بإعاز منك؟ أم هو ما وقر في قلب الشيخ تجاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهلا عرفت قدر نفسك لكي تريح وتستريح.
ثم أين غيرتك الموهومة على صديق هذه الأمة الذي ظهر صاحبك ماضي أحب إليك من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن الصديق وأرضاه، حتى تكلفت الذب عنه مما هو يظهر التراجع منه، وهذا من عجيب فعالك.
يتبع بإذن الله ..........
وكتب: العبد الفقير إلى عفو ربه المعترف بتقصيره وعظيم ذنبه أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
الحمد لله معز المحق وناصره، ومذل المبطل وخاذله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له آمر الناس بالاستقامة على شرعه وتحقيق عبادته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بلغ ما أوحي إليه من ربه فأدى أمانته، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، أما بعد:
يقول الله تعالى (والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها).
قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي:
في تلك الآيات العشر يقسم الله سبع مرات بسبع آيات كونية هي: الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية، مع حالة لكل مقسم به، وذلك على شيء واحد، وهو فلاح من زكى تلك النفس وخيبة من دساها، ومع كل آية جاء القسم بها توجيها إلى أثرها العظيم المشاهد الملموس، الدال على القدرة الباهرة.
ثم قال في تفسير قوله تعالى (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها):
هذا هو جواب القسم فيما تقدم، فالواو قد حذفت منه اللام لطول ما بين المقسم به والمقسم عليه.
وقد نوه عنه الشيخ ـ رحمة الله تعالى علينا وعليه ـ عند الكلام على قوله تعالى (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار)، من سورة (ص)، وأنهم استدلوا على هذه الآية عليه.
والأصل: لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الفصل. و(زكاها) بمعنى طهرها، وأول ما تطهر منه دنس الشرك ورجسه، كما قال تعالى (إنما المشركون نجس) التوبة:28 وتطهيرها منه بالإيمان، ثم من المعاصي بالتقوى، كما في قوله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) النجم33، ثم بعمل الطاعات: (قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى) الأعلى. اهـ من أضواء البيان.
فهذه مقدمة عظيمة بين يدي البيان، لنعلم أن الله عز وجل قد رتب الفلاح والعزة والرفعة في الدارين بتزكية النفس وتطهيرها، بل هذا الذي أقسم عليه ربنا كما تقدم، ولا تكون النفس زاكية طاهرة حتى يحملها صاحبها على امتثال أمر الله عز وجل واجتناب نهيه، ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم، والحرص على الخير بلزوم الاستقامة وأسبابها، وأن يحذر المرء من أسباب الذلة والهوان، وذلك بتدسية النفس وتنجيسها، وارتكاب ما يوجب سخط الرب جل وعلا.
قال ابن القيم رحمه الله:
ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم.
وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال الله تعالى: (ومن يهن الله فما له من مكرم)، وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفا من شرها، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. اهـ من الجواب الكافي.
ولسنا نريد بكتابة هذه الأسطر نصرة أنفسنا، ولا التزلف لعلمائنا إذ إننا نعتقد جازمين أننا وكل أهل السنة الأخيار بما فيهم صفوتهم وهم العلماء، فقراء إلى الله تعالى، قال عز من قائل: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، هذا وقد أخبرنا ربنا في كتابه الكريم أن الناس يوم القيامة يفرون من أقرب الناس إليهم، فكيف بمن غيرنا أقرب إليه منا، قال الله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه)، فالواجب على المسلم أن يسعى لتزكية نفسه وتطهيرها بما يحب ربنا ويرضى من تلكم الأعمال المرضية الظاهرة والباطنة، ومن الجهل بمكان أن يسعى العبد في طلب التزكيات من العلماء وطلبة العلم، وهو قائم على معصية الله، فإنها لا تنفعه التزكيات الفارغة في الدنيا، كما لا تنفعه في الآخرة ، فإن الله أبى إلا أن يذل من عصاه، قال بن القيم رحمه الله:
ومنها أن المعصية تورث الذل ولا بد، فإن العز كل العز في طاعة الله تعالى، قال تعالى:( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله.
وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك.
وقال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وقال عبد الله ابن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسـك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك *** وأحبار سوء ورهبانـها
اهـ من الجواب الكافي.
إنما نريد والله المعين وهو حسبنا ونعم الوكيل، إحقاق الحق ورفع مناره، ودحض الباطل وإخماد ناره، ونريد أن نذب عن أعراض إخواننا ومشايخنا الأجلاء، الذين صاروا مرما لأولئك المفتونين، ومهبط شتمهم، ومعقل ذمهم، وما ذاك إلا أنهم أبوا إلا طريقة أهل الحديث والسنة، علما وعملا ومعاملة، فتنكر لهم من كانوا يحسنون إليه، وذمهم من كانوا يمدحونه ويثنون عليه، ولو كان غلمان السوء كراما لردوا الإحسان بالإحسان، ولكن هم كما قيل:
ومن يصنع المعروف في غير أهله *** يلاقي الذي لاقا مجير أم عامر
أذم لها حين استجارت برحله *** لتأمن ألبان اللقاح الدرائر
وأسمنها حتى إذا ما تكاملت *** فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من *** أراد يد المعروف في غير شاكر
وأم عامر: كنية للضبع.
والدافع لكتابة هذا ولابد من دافع، ما قاله ذلكم المتلون الهابط في تغريداته، وخربشاته الدالة على خبث طويته وقبيح سريرته، وعظيم مكره وكبير حنقه على أهل السنة، فبعدما حسبناه منافحا عن السنة وعلى ثغور أهلها مرابطا، تبين لنا أنه على أم رأسه في هوة التمييع والتخذيل ساقطا:
ومرابط بعد الرباط مرابط***برباط زيغ للدني مرابط
أو لم ترى أن المرابط بعد ما***بلغ العلية للدنبة هابط
فمن تمام عدل الله أن أنطق السفيه ليخرج ما في قلبه من الضغن والحقد، وهذا مصداقا لقوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم*ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم)، ومن قبيح لحن قوله ما تقيأه في هذيانه الموسوم بـ(أنا هنا يا لزهر)، الذي ملأه بالسفاهة وقلة الأدب، فمن ذلك قوله:
لا شك أنّ لزهر يقصدني في هذه التغريدة! وهو بهذا يؤكد أنّه دائما ما يكون البادئ الظالم والمعتدي الجاني، يتهجّم على النّاس ويطعن فيهم بالتصريح والتلميح وإذا ما رَدّ المُعتدَى عليه تراه يَتَباكَى هو وأتباعه، ويَظهَر في صورة المظلوم، وإلاّ ففسّروا لي هذه الخرجة؟ هل مرابط هو صاحب القضية؟ طبعا لا؟ وهل هو الوحيد المطالب بالردّ على الشيخ؟! طبعا لا! ومع ذلك خذ منّي هذا الجواب يا لزهر، فقد صبرت طويلا وكنتُ من بداية الفتنة ملتزما معك بقاعدة: الدّفع بالأسهل فالأسهل، لكنّك لم تحفظ الدرس، ولا زلت تخطئ عندما تَستفزّ من لا يصلح أن يُستفزّ!. اهـ
قال متعقبه عفا الله عنه:
هذا إن دل فإنما يدل على قلة الحياء وموت القلب، قال بن القيم رحمه الله تعالى:
والحياء من الحياة ومنه الحيا للمطر لكن هو مقصور وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم. اهـ مدارج السالكين.
فكلام الهابط هذا خال من الحياء ولم يشتمل على أدب ولا علم، وقارئ ما سوده الهابط يظنه من كلام الدون من العوام والسفلة من الناس، فانظر إلى قوله: (لا شك أنّ لزهر يقصدني في هذه التغريدة)، وقوله: (وإلاّ ففسّروا لي هذه الخرجة؟) وقوله:( لكنّك لم تحفظ الدرس)، وقوله: (أم أنّك الآن متفرّغ «فارغ شغل»)، وقوله: (أنا لستُ حدّاديا يا لزهر! افهم هذا جيّدا)، وأعجب من هذا كله قوله: (ولا زلت تخطئ عندما تَستفزّ من لا يصلح أن يُستفزّ!.). فالرجل إذا مصاب بداء عضال وهو: جنون العظمة، وغره كثرة المطبلين المبطلين الذين يطبلون له ويؤزونه إلى المستقبحات من الفعال والأقوال أزا، حتى ساء فعله وخبثت طويته فتلوث منطقه:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُه *** وصدَّق ما يعتادُه مِن توهُّمِ
وعادى محبِّيه بقولِ عُداتِه***وأصبح في ليلٍ من الشكِّ مظلمِ
فلا يغرنك كثرة المصفقين فإن الناصح من أرشدك ودلك، على ما يصلح دنياك وآخرتك، لا من وافقك على باطلك، وها أنا أذكرك وصاحبك البليدي بما خطت أنامله يوم كان يمت إلى السلفية بصلة، عل الموعظة تجد إلى القلوب مسلكا، وهو من مقاله الموسوم: (ويعرف لعالمنا حقه):
قال ابن القيم -رحمه الله- عند قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: « إن العلماء ورثة الأنبياء »: هذا من أعظم المناقب لأهل العلم؛ فإن الأنبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم.
ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته، إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده ، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به ، إلا العلماء ، كانوا أحق الناس بميراثهم ، وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم ، فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث ، وهذا كما أنه ثابت في ميراث الدينار والدرهم ، فكذلك هو في ميراث النبوة ، والله يختص برحمته من يشاء ". مفتاح دار السعادة (1/66 )
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ » رواه أحمد، وقال سفيان بن عيينة: " أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء ".
ومما هو معلوم أن مجالس العلم يحضرها الملائكة السياحون، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن لله ملائكة سياحين يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوها تنادوا هلمُّوا إلى حاجتكم فيحيطون بهم إلى عنان السماء، ويسمعون منهم أذكارهم وأعمالهم الطيبة، ثم إذا عرجوا سألهم الله عما وجدوا، وهو أعلم سبحانه وتعالى، فيخبرونه بما شاهدوا » رواه أحمد.
فلا ينبغي لمن حضر هذه المجالس أن يحدث فيها شيئاً لا يليق بمنزلة الحاضرين، قال الشعبي رحمه الله: " يا طلاب العلم، لا تطلبوا العلم بسفاهة وطيش، اطلبوه بسكينة ووقار وتؤدة " ( روضة العقلاء / 34 ).
وقال رحمه الله: "إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلا، قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لا يَنَالُهُ إِلا الْعُقَلاءُ، فَلَمْ يَطْلُبْهُ، وَإِنْ كَانَ عَاقِلا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا، قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لا يَنَالُهُ إِلا النُّسَّاكُ، فَلَمْ يَطْلُبْهُ "، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: " وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا: لا عَقْلٌ وَلا نُسُك " رواه الدارمي.
وقال الإمام الآجري رحمه الله: فَإِذَا أَحَبَّ مُجَالَسَةَ الْعُلَمَاءَ جَالَسَهُمْ بِأَدَبٍ، وَتَوَاضُعٍ فِي نَفْسِهِ، وَخَفَضَ صَوْتَهُ عَنْ صَوْتِهِمْ، وَسَأَلَهُمْ بِخُضُوعٍ، وَيَكُونُ أَكْثَرَ سُؤَالِهِ عَنْ عِلْم مَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ فَقِيرٌ إِلَى عِلْمِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ، فَإِذَا اسْتَفَادَ مِنْهُمْ عِلْمًا أَعْلَمَهُمْ أَنِّي قَدْ أُفِدْتُ خَيْرًا كَثِيرًا، ثُمَّ شَكَرَهُمْ عَلَى ذَلِك.
وَإِنْ غَضِبُوا عَلَيْهِ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمْ، وَنَظَرَ إِلَى السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ غَضِبُوا عَلَيْهِ، فَرَجَعَ عَنْهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، لا يَضْجَرُهُمْ فِي السُّؤَالِ، رَفِيقٌ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، لا يُنَاظِرُهُمْ مُنَاظَرَةً يُرِيهُمْ أَنِّي أَعْلَمُ مِنْكُمْ.
وَإِنَّمَا هِمَّتُهُ الْبَحْثُ لِطَلَبِ الْفَائِدَةِ مِنْهُمْ، مَعَ حُسْنِ التَّلَطُّفِ لَهُمْ، لا يُجَادِلُ الْعُلَمَاءَ، وَلا يُمَارِي السُّفَهَاءَ، يُحْسِنُ التَّأَنِّي لِلْعُلَمَاءِ مَعَ تَوْقِيرِهِ لَهُمْ، حَتَّى يَتَعَلَّمَ مَا يَزْدَادُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ فَهْمًا فِي دِينِهِ. " ( أخلاق العلماء/51 ).
روى الخلال أن أحمد جاء إلى وكيع وعنده جماعة من الكوفيين فجلس بين يديه من أدبه وتواضعه . فقيل يا أبا عبد الله إن الشيخ ليكرمك فما لك لا تتكلم ؟ فقال : وإن كان يكرمني فينبغي لي أن أجله وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : ما استأذنت قط على محدث كنت أنتظر ، حتى يخرج إلي ، وتأولت قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ } . ( الآداب الشرعية ج2/ 7 )
وقال ابن مفلح: وينبغي احترام المعلم والتواضع له، وكلام العلماء في ذلك معروف ويأتي ذلك بعد نحو كراس في الفصول المتعلقة بفضائل أحمد بعد ذلك في الكلام في العلم والعالم وبعد فصول آداب الإنسان فيمن مشى مع إنسان ونحو ذلك.
وقد قال ابن حزم قبل السبق والرمي في الإجماع : اتفقوا على إيجاب توقير أهل القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الخليفة والفاضل والعالم وذكر بعض الشافعية في كتابه فاتحة العلم أن حقه آكد من حق الوالد لأنه سبب لتحصيل الحياة الأبدية ، والوالد سبب لحصول الحياة الفانية وعلى هذا تجب طاعته وتحرم مخالفته ، وأظنه صرح بذلك وينبغي أن يكون فيما يتعلق بأمر العلم لا مطلقا . والله أعلم . " ( الآداب الشرعية ج 1 / 463).
وهذا كلام طيب في غاية النفاسة، ولكن أين هو العمل بالعلم، وأين هو توقير العلماء، وقد نقلت يا بليدي اتفاق أهل العلم على ذلك في قول بن حزم رحمه الله: اتفقوا على إيجاب توقير أهل القرآن والإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الخليفة والفاضل والعالم وذكر بعض الشافعية في كتابه فاتحة العلم أن حقه آكد من حق الوالد لأنه سبب لتحصيل الحياة الأبدية ، والوالد سبب لحصول الحياة الفانية وعلى هذا تجب طاعته وتحرم مخالفته ، وأظنه صرح بذلك وينبغي أن يكون فيما يتعلق بأمر العلم لا مطلقا . والله أعلم . " ( الآداب الشرعية ج 1 / 463).
فما صنع العمل بالعلم!!! أم هو التشدق بالقول، والتبجح به!!! ثم هل تعدون يا أذناب المميعة طليعتكم المشؤومة في الرد على علامة المغرب بشهادتكم أجمعين، من الأدب مع العلماء؟ أم من توقيرهم ومعرفة حقهم؟ أم من النصيحة للمسلمين؟ وهل استشرتم علماء هذه الأمة الكريمة ممن يعتد بقوله ويصدر عن فتواه؟ وهل تعدون الكذب على فضيلة الشيخ العلامة محمد بن هادي من توقير العلماء؟. فيا لله العجب كيف يتقلب العبد ظهرا لبطن في وقت وجيز، مما يحمل الموفق على سرعة اللجوء إلى الله والعكوف على دعاءه وحسن عبادته، وقد كان سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم، كثيرا ما يقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وكان يقول في دعاءه: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. فاللهم ثبتنا على دينك القويم إلى يوم نلقاك وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
ثم قال الهابط: الثانية: أنا لستُ حدّاديا يا لزهر! افهم هذا جيّدا، فقد تربيّنا على توجيهات أئمّتنا، وتعلّمنا من ديننا أن السلفيّ لا يعامل كما يعامل المبتدع! فكيف تُريدني أن أتحامق وأجعل الشيخ الفاضل الدكتور ماضي -حفظه الله- كصادق سلايمة؟!
قال متعقبه عفا الله عنه:
لو تربيت على أئمة الاسلام والسنة لعلمت أن الخطأ يرد على قائله كائنا من كان، وإنما يكون النظر إلى حال المردود عليه فإن كان من أهل السنة والإمامة في الدين يرد عليه خطأه وتصان كرامته، وإن كان من أهل الأهواء فلا كرامة له، ثم مالك تكيل بمكيالين لما تعلق الأمر بعلامة بلدك؟ فهل نزعت ثوب السلفية يوم أن شمرت عن ساعد التهويش والقلقلة وعزمت وشرذمة المميعة على نقد كلام ومواقف الشيخ فركوس حفظه الله ووفقه؟ فإذا كان الميزان هو موافقة الحق وطول الباع فيه، ورسوخ القدم في فنون الشرع، ودعوة الناس إلى ذلكم المنهاج النبوي، فشتانا بين جبل أشم وحزن، وكما قيل شتانا بين الثرى والثرية، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين.
قال المعتوه: الثالثة: لو كنتُ مُشهّرا بالشيخ عبد الخالق يا لزهر لشهرتُ بك من قبل! لأنّي منذ أن عرفتك وأنا أناصحك سرّا! وكم صبرت على عثراتك، وكنتُ سببا بفضل الله في كثير من المسائل التي رجعت عنها! وإن نسيتها فسأذكرها لك.
قال متعقبه عفا الله عنه:
المطلع على كلام هذا المخبول يظنه أكبر من الشيخ لزهر حفظه الله سنا وعلما وقدرا، وهو رويبضة سفيه، إن أحسن به الظن يقال فقد عقله، فنظير هذه الكلمات بل أكبر منها قالها في حق الشيخ الدكتور عبد المجيد جمعة حفظه الله ووفقه حيث قال: أنه آزر الشيخ عبد المجيد في مواقف كادت تعصف به وبالدعوة السلفية، فقلت في يومها: إذن الرجل به خبل في رأسه! نسأل الله العافية والسلامة، وسيأتي في التعليق على النقطة السابعة من نقاطه ما يحير اللبيب مما آل إليه هذا الصحفي المخبول.
ثم قال: الرابعة: أتعجّب -والله- من تفكيرك! أنسيتَ أنّني فارقتكَ واستقلتُ من العمل معك، وأقيمت عليّ الدنيا من أجل رفضي لمنهجك الغالي ومسلكك التشهيري! فكيف تطالبني اليوم أن أشهّر بالشيخ عبد الخالق وأناقض ما خالفتك فيه؟ يحسُن بكَ هذا لو طالبتَ به زمرة التقديس وأبواق الفتنة كسالمٍ ويونس ونبيل وإبراهيم ومراد وعبد الصمد وغيرهم من المفسدين، فلك فيهم غنية، وهم قادرون على التشهير بأمّة من الناس وليس بالشيخ عبد الخالق فحسب! أمّا مرابط فرجل سلفيّ وليس حدّاديا، أرجو أن تفهم هذا ولا تكرّر نفس الأخطاء.
قال متعقبه عفا الله عنه:
فالرد على المخالف منهج تشهيري وكل ما جاء عن السلف من كلام في رد الخطأ وبيان الصواب ولو كان ذلك ردا على أئمة الاسلام والسنة ممن هو منهم فهو تشهير عند الهابط، وهذا هو منهج أهل البدع الذين يحاولون جاهدين أن يعطلوا هذا الأصل الأصيل (الجرح والتعديل) فهنيئا لك اللحوق بركب أهل البدع والأهواء، قال الشيخ العلامة ربيع بت هادي المدخلي حفظه الله مجيبا على سؤال هذا نصه:
السؤال : لقد ذكر بعض العلماء أن علم الجرح والتعديل كان خاصا بزمن الرواة ، لكن الآن عام ألف وأربع مائة وعشرين ليس هناك شيئا اسمه الجرح والتعديل فما هو الصواب في ذلك ؟
الجواب : هذا والله من المهازل والمضحكات المبكيات: أن يقال مثل هذا الكلام , لماّ تكثر البدع ، ويكثر الإلحاد ، ويكثر العلمانيون والشيوعيون والروافض والصوفية والأحزاب الضالة ؛ توقف الإسلام ، وأطلق العنان للناس يمرحون ويسرحون ويقولون ما يشاءون ، ولا أحد يقول : هذا غلط ، أو هذا منكر ، ولا أحد يقول : هذا مفسد ، وهذا مصلح ؟!
هذا من الضياع ، وعدم الفقه في دين الله عزوجل ؛ فالسلف ألفوا كتبا في العقائد ينتقدون فيها أهل البدع والضلال ، وسمّوا أفرادا وجماعات فهل هذا يعني انتهى أيضا ؟!
ونقول: إن المبتدعين الذين كانوا في عهد السلف يناقشون ويُبيّن ضلالهم والآن لا يجوز , حرام , الآن الكلام على أهل البدع حرام ، وعلى العلمانين حرام ، وعلى الزنادقة حرام ، وعلى الروافض حرام ، وعلى الصوفية حرام ، ماشاء الله ، هذه دعوة إلى وحدة الأديان أو ماذا ؟! نستغفر الله ونتوب إليه, هذا ضلال , يجب أن يبقى الجرح والتعديل يُذَبُّ به عن دين الله وعن سنة رسول الله إلى يوم القيامة , وأن تُسلّ السيوف أكثر من ذلك لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى ، ودحض الكفر والباطل .
والسلف قالوا : إن الذبّ عن السنة أفضل من الضرب بالسيوف , فالذبّ عن السنة يكون بالجرح والتعديل .
وبهذه المناسبة أقول لكم : إن الحاكم رحمه الله في كتابه (معرفة علوم الحديث) قال - وكلامه حق - : الجرح والتعديل علمان :
علم الجرح : وهو علم مستقل ، وهذا يرد منهج الموازنات الباطل , علم الجرح علم مستقل ، ولهذا ألّف كثيرٌ من الأئمة كتباً مستقلة في الجرح فقط , خصّصوها للجرح مثل البخاري في الضعفاء ، والنسائي في المتروكين ، وابن حبان في المجروحين ، وابن عدي في الكامل ، وهكذا الذهبي وابن حجر ، وغيرهم كثيرون ، ألفوا مؤلفات خاصة بالجرح فقط ؛ لأنه علم مستقل , وهذا يقصم ظهر منهج الموازنات ، ويقصم ظهور أهله .
وأئمة آخرون ألفوا كتباً في الثقات ، مثل الثقات للعجلي ، والثقات لابن حبان عرفتم هذا ؟
إذا كان السلف يؤمنون بأن الجرح والتعديل علمان مستقلان ؛ فكيف تأتي الموازنات ؟ واحد يؤلّف كتابا خاصا بالجرح ليس فيه أيّ ثغرة لمنهج الموازنات, فهمتم هذا بارك الله فيكم .
الجرح والتعديل باقٍ إلى يوم القيامة , الناس يريدون أن يستفيدوا من هذا العالم فتقول لهم : هذا عالم فاضل وعلى السنة , تزكيه بارك الله فيك , وهذا العالم رافضي , هذا صوفي يقول بوحدة الوجود , هذا علماني , هذا شيوعي يتستر بالإسلام .. هذا كذا .. هذا كذا ... واجب عليك أن تبيّن , هذا واجب وهو من الجهاد ، ولا ينقطع وليس خاصا بالرواة .
ولمّا ذكر الترمذي في كتابه العلل الذي هو في آخر سننه قال : هذا العلم يعني الناس استنكروا على علماء الحديث الجرح قال : وقد جرح فلان وفلان جرح فلان معبد الجهني ، وجرح فلان جابر الجعفي ، فبدأ بأهل البدع , لماذا ؟ لأن هذا يُنتقد لبدعته لا لأنه راوٍ .
ثم ألّف السلف في الرد على أهل البدع كما قلنا ، ولم يخصصوا الجرح والتعديل بالرواة فقط : مبتدع ليس من أهل الحديث أبدا , معتزلي , جهمي , مرجئ ...الخ ، ليس له علاقة بالرواية ، لكنه مبتدع فجرحوه , فمن أين لهؤلاء أن باب الجرح أغلق , هذه مثل دعوة المذهبيين المتعصبين أن باب الاجتهاد أغلق من القرن الثاني ، وبعضهم يقول الثالث ، وبعضهم يقول الرابع ، يعني خلاص ، الله عز وجل شلّ عقول المسلمين من ذلك الوقت إلى الآن ، عقولهم مشلولة ، لا يستطيعون أن يفهموا كلام الله ولا سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم - وهذا حكم جائر ، وافتراء على الله تبارك وتعالى ، وكذلك هذه فرية ؛ الذي يقول : إن الجرح انقطع وأغلق بابه ، هذا والله يجني على الإسلام , اتق الله يا أخي ، لا تسدّ باب الجرح والتعديل ، ولن يسمع لك أهل الحق وأهل السنة . اهـ نقلا عن الشبكة
ثم قال السفيه: فكيف تطالبني اليوم أن أشهّر بالشيخ عبد الخالق وأناقض ما خالفتك فيه؟ يحسُن بكَ هذا لو طالبتَ به زمرة التقديس وأبواق الفتنة كسالمٍ ويونس ونبيل وإبراهيم ومراد وعبد الصمد وغيرهم من المفسدين، فلك فيهم غنية، وهم قادرون على التشهير بأمّة من الناس وليس بالشيخ عبد الخالق فحسب! أمّا مرابط فرجل سلفيّ وليس حدّاديا، أرجو أن تفهم هذا ولا تكرّر نفس الأخطاء.
قال متعقبه عفا الله عنه:
إن هؤلاء الذين تشهر بهم من خيرة إخواننا ومنهم شيخنا الفاضل سالم موريدة حفظه الله ووفقه، فالرجل نحسبه على خير كثير، فهو صاحب سنة وعلم غزير، وقد وصفه الشيخ وصي الله عباس في مجلس جمعنا به والشيخ سالم والشيخ عبد القادر حري وفقه الله والأخ سحبان وبعض إخواننا بمكة المكرمة زادها الله شرفا، بقوله: (أعجبني هذا العالم)، هذا وكون الرجل على ثغرة من ثغور أهل السنة في معقل من معاقل الشرك لا ينكره إلا مخذول، فكفى تخذيلا وصدا عن سبيل الله أن يطعن على من هذه منزلته بالهوى والكذب والبهتان.
وأما الشيخ يونس بن حجر والشيخ نبيل باهي الذي نحسب أن له من شقي اسمه نصيب وفقه الله ونفع به والشيخ برهيم البويران الذي أقض مضاجع المميعة بتلكم الردود العلمية المفيدة التي حوت من كلام الشيخ ربيع وبيان منهجه شيئا كثيرا، وكذلك إخواني مراد قرازة شاعر أهل السنة، والأخ عبد الصمد سليمان وفقه الله الناصح لمن عظمتموه فأنزلتموه في منزلة العلماء المحققين، قبل الفتنة وبعدها، فهؤلاء من خيرة من عرفنا من أهل السنة، نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدا، وإن كان بعضهم لم أره قط ولا التقيت به ولكن جمعنا الله بهم في هذه الدنيا على كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فنسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يديم علينا نعمه وأن يثبتنا وإخواننا ومشايخنا على دينه القويم، وأن يجمعنا بهم ونبينا صلى الله عليه وسلم في دار النعيم إن ربي لجواد كريم.
وهم والحمد لله كما وصفتهم يشهرون بأهل البدع والمميعة والمخذلة، ويسترون على أهل السنة وينصحون لهم كما هو معلوم من حالهم، وهذا يعرفه كل من تولى كبر الطعن على حملة السنة في بلدنا هذا.
ولو كنت سلفيا، لما دافعت عن عبد الخالق وقد علمت كذبه وتلونه فهو الذي لم يكتف بنشر بيان (براءة الذمة) الذي تضمن الكذب والطعن والتبرؤ من نهج من عرف بالتمسك بالسنة، مكتوبا حتى قرأ الكذب والطعن بفمه نسأل الله العافية، وطعونه وسوء أدبه قد علمه كل من اطلع على ما يقوله وينشر عنه، وهزالته في العلم وخلطه في مسائله يعلمه كل من له صلة بالعلم وأهله، ولقد حدثني من أثق به أن الشيخ فركوس يقول عند عبد الخالق عشرات بل مئات الأخطاء في العقيدة وغيرها، نسأل الله العافية والسلامة، من ذلك قوله: في تأويل قوله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) قال الروح المراد به هنا جبريل.
وهذا بصوته كما هو منشور معلوم.
وكون عبد الخالق من رؤوس المفرقين الطاعنين على علماء السنة، لا ينكره إلا مخادع غشاش لئيم.
وقولك: لست حداديا، هذا يكذبه واقعك، فهل من منهج السلف أن تجمع أخطاء إمام من أئمة السنة في مؤلف واحد وتنشر لأجل تحذير الناس منه، والتشكيك في علمه وفضله، أجب!، أم التشهير بمن تاب من أصول أهل السنة كما فعلتم مع الشيخ لزهر حفظه الله ورعاه، أم سب العلماء والكذب عليهم والوقيعة فيهم ليس من الحدادية، فاعلم يا أيها الهابط أنت ومن هو على شاكلتك من المخذلة أنكم على خطى الحدادية حذو القذة بالقذة، وإن تنصلتم منها أبى الله إلا أن تظهر للعيان بادية كالشمس صحوا ليس دونها سحاب.
ثم قال: الخامسة: منذ متى رأيتَني أُشهّر بالمشايخ السلفيين! فيوم أن كنتُ معك وكانت بيني وبين الشيخ عبد الخالق وباقي المشايخ أشياء –كنتَ المتسبّب فيها- ومع ذلك لم أكن أنكِر عليهم علانية، ولم أشهّر بما كنت أعتقد أنها أخطاء صدرت منهم! فمن الحُمق أن تطالبني اليوم بما كنت أمقتُه الأمس! فأين هي العقول يا قومنا؟!
قال متعقبه عفا الله عنه:
ها أنت اليوم تشهر بخيرة المشايخ السلفيين وتتستر على المفرقين ولو تعلق ذلك بخير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عن خير من وطئ الحصى بعد الرسل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، بل وصلك بك سوء الأدب وقلة الحياء إلى الحضيض غذ صرت تطلق ألفاظا يتنزه السلفي أن يقولها فيمن هو دون مشايخ السنة بمراحل كثيرة ولكن والله لأنت أولى بالحمق ممن تصفهم به، وأنت أولى بقولك: فأين هي العقول يا قومنا؟!. وما حالك والشيخ الكريم لزهر سنيقرة حفظه الله ووفقه إلا كما قيل:
ومنزلة الفقيه من السفيه ............... كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في قرب هذا ............... وهذا فيه أزهد منه فيه
وقال السفيه: السادسة: أنّ كلّ من خبَرَكُم في هذه الفتنة يطعنُ في نواياكم وهو مرتاح البال! فوالله وبالله وتالله ما حملكَ على هذه الجَلَبة إلاّ حبّ الانتقام، وقد كنتُ في وقت مضى أترجّاكُم أنتَ ومن معك، وأطالبُكم بنصرة الصحابة في مواطن كثيرة ولم أجد منكم عُشْرَ هذا التجاوب! وأمّا ما ثبت من تجاوبك يا لزهر فقد كان بطلب وإلحاح.
قال متعقبه عفا الله عنه:
هذا لأهميته وتعلقه بالعقيدة الصحيحة، أفرده بفصل أذكر فيه كلاما نفيسا لشيخ الاسلام في هذا الزمن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله علك تراجع نفسك، فتتوب إلى الله مما أنت فيه من مخالفتك لسبيل المؤمنين أنت ومن يصفق لك من الجهلة، وتكف عن رمي الأبرياء بما استفحل فيك من الجهل بالعقيدة الاسلامية الصحيحة.
فصل:
4/393- وعن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: بعثَنَا رسولُ اللَّه ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا الْقَوْمَ عَلى مِياهِهمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنهُمْ، فَلَمَّا غَشيناهُ قَالَ: لا إِلهَ إلَّا اللَّه، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدينَةَ بلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا أُسامةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَقَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ؟! فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذلِكَ الْيَوْمِ. متفقٌ عَلَيهِ.
وفي روايةٍ: فَقالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أَقَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! قلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ! إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَومَئذٍ.
5/394- وعن جُنْدبِ بنِ عبداللَّه : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ بعثَ بَعْثًا مِنَ المُسْلِمِينَ إِلى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَأَنَّهُم الْتَقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إِذا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَأَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ غفلَتَه، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلمَّا رَفَعَ السَّيْفَ قَالَ: لا إِله إِلَّا اللَّهُ، فقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلى رَسُول اللَّه ﷺ فَسَأَلَهُ، وأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَر الرَّجُلِ كَيْفَ صنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ! أَوْجَعَ في المُسْلِمِينَ، وقَتلَ فُلانًا وفُلانًا - وسَمَّى لَهُ نَفرًا - وإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لا إِله إِلَّا اللَّهُ، قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: أَقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: نَعمْ، قَالَ: فَكيْفَ تَصْنَعُ بلا إِله إِلَّا اللَّهُ إِذا جاءَت يوْمَ القيامَةِ؟! قَال: يَا رسولَ اللَّه! اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وكَيف تَصْنَعُ بِلا إِله إِلَّا اللَّهُ إِذا جاءَت يَوْمَ القِيامَةِ؟! فَجَعَلَ لا يَزيدُ عَلى أَنْ يَقُولَ: كيفَ تَصْنَعُ بِلا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جاءَتْ يَوْمَ القِيامَةِ؟! رواه مسلم.
6/395- وعن عبدِاللَّه بنِ عتبة بن مسعودٍ قَالَ: سمِعْتُ عُمَر بْنَ الخَطَّابِ يقولُ: إِنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْي في عَهْدِ رَسُول اللَّه ﷺ، وإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِما ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنا خَيْرًا أَمِنَّاهُ، وقرَّبناه، وَلَيْس لنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شيءٌ، اللَّهُ يُحاسِبُهُ فِي سرِيرَتِهِ، ومَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَه حَسنَةٌ رواه البخاري.
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله، وأصحابه، ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث - حديثان مع أثر عمر - كلها تدل على وجوب الأخذ بالظواهر، وأما السَّرائر فإلى الله ، وتقدمت الأحاديث في هذا الباب، فالواجب على أهل الإيمان أن يتَّقوا الله، وأن يُراقبوا الله، وأن يأخذوا الناس بما ظهر من أعمالهم، أما اتِّهامهم في سرائرهم، وأخذهم بشيءٍ لا يعلمونه؛ فهذا إلى الله .
فالواجب العمل بظاهر الإنسان، وما يدل عليه الشرعُ في حقِّه، أما باطنه، وسريرته؛ فإلى الله ؛ ولهذا تقدَّم قوله ﷺ: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقِّها، وفي اللفظ الآخر: أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم، وأموالهم، إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله، والأحاديث في هذاالمعنى كثيرة.
وهكذا بطرقه لما قتل بعض الرجال الحرقة، والسبب في ذلك أنَّه أوجع في المسلمين، ولحقه هو وبعض الأنصار، فلما غشياه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري، وأما أسامة فطعنه برمحه حتى قتله، فلما رُفِعَ أمرُه إلى النبي ﷺ عاتب أسامةَ في ذلك وقال: أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟! وجعل يُكررها عليه، ثم قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوُّذًا لما رأى السلاح، قال: هلا شققتَ عن قلبه حتى ترى ذلك؟! قال أسامة: فما زال يُكرر ذلك عليَّ حتى تمنيتُ أني أسلمتُ يومئذٍ.
والمقصود أنَّ مَن ظاهره الكفر ثم أسلم يُقْبَل إسلامه، ويُوكل أمره وسريرته إلى الله كما فعل صاحبُ أسامة وغيره.
وهكذا ما قال عمرُ : كان الناسُ يُؤخذون بالوحي على عهد النبي ﷺ، وإن الوحي قد انقطع - أي: بموت النبي ﷺ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمَن أظهر خيرًا قرَّبناه، وأمِنَّاه، وليس لنا من سريرته شيءٌ، الله الذي يُحاسبه على سريرته، ومَن أظهر شرًّا لم نُقربه، ولم نأمنه، وهذا هو الواجب: مَن أظهر الشرَّ اتُّهم بالشر، وظُنَّ به الشرّ، ولا ينبغي الاعتماد عليه، ولا تقريبه، بل ينبغي زجره، وإبعاده، وتذكيره، ووعظه حتى يستقيم، وإقامة ما يستحق من تعزيرٍ أو حدودٍ، أمَّا مَن أظهر الخير فإنَّه يستحق التكريم، وأن يُؤْمَن، وأن يُوثَق به، وأن يُشَجَّع على ما ظهر منه من الخير.
هذا هو الواجب على المسلمين فيما بينهم، أما اتِّهام الناس في سرائرهم، وإلغاء الحقائق؛ فلا، لكن مَن كان معروفًا بالشرك، وعبادة القبور؛ فما ينفعه قول: "لا إله إلا الله"، إذا كان معروفًا بالشرك، والتَّعلق على الأموات، والاستغاثة بهم، مثل: مُشركي اليوم من عُبَّاد البدوي، وعُبَّاد الحسين، وعُبَّاد الجيلاني، وعُبَّاد غيرهم، وأبي حنيفة في العراق، وفي مصر، وفي الشام، وفي غيرها، وعُبَّاد ابن عربي، هؤلاء ما ينفعهم قول: "لا إله إلا الله"، يجب أن يُستتابوا مع القدرة، فإن تابوا وإلا قُتِلوا، وقولهم: "لا إله إلا الله" وهم يعبدون غير الله ما ينفعهم؛ لأنَّهم قد نقضوها بشركهم، وأعمالهم الخبيثة، مثل المنافقين في عهد النبي ﷺ، يقول أحدهم: "لا إله إلا الله" وهو في الدَّرك الأسفل من النار، ما تنفعهم؛ لأنَّهم خالفوها، وعاندوها، فهكذا عُبَّاد الأوثان، وعُبَّاد الأصنام، وعُبَّاد القبور، هم كفَّار مشركون وإن قالوا: "لا إله إلا الله" كالمنافقين؛ لأنَّهم قالوها باللسان، ونقضوها بالفعال، فلا تنفعهم، ولهذا يقول ﷺ: مَن قال: لا إله إلا الله صدقًا من قلبه، وفي اللفظ الآخر: وكفر بما يُعْبَد من دون الله، وفي اللفظ الآخر: مُسْتَيْقِنًا بها قلبه، أما أن يقولها وهو يعمل الشرك فلا تنفعه - نسأل الله العافية.
والله ولي التوفيق. اهـ من موقع الشيخ على الشبكة مفرغا ومسموعا.
وأما قولك: وقد كنتُ في وقت مضى أترجّاكُم أنتَ ومن معك، وأطالبُكم بنصرة الصحابة في مواطن كثيرة ولم أجد منكم عُشْرَ هذا التجاوب! وأمّا ما ثبت من تجاوبك يا لزهر فقد كان بطلب وإلحاح.
فيقال جوابا على فريتك هذه: كل من اجتمع بالشيخ لزهر حفظه الله يعلم منه شدة تمسكه وكبير دعوته للتمسك بالوحيين بفهم الصحابة الكرام وهذا لا يكاد يخلو منه مجلس من مجالس الشيخ وفقه الله تعالى، وأما دفاعه عن الصحابة فمعلوم منشور، وحتى ما نشرته أنت من دفاعك فهو بإذن الله في ميزان الشيخ لزهر، ذلك لأنك نكرة ما قرأ الناس كلامك إلا لأنه منشور في ذلكم السرح المبارك، أو بتقديم الشيخ لك وللعياب الذي تنكر هو بدوره للشيخ لزهر ولمشايخ السنة السلفيين. وهنا سؤال هذا الذي تقدم ذكره من كلام الشيخ ودفاعه عن الصحابة رضي الله عنكم، هل كان كله بإعاز منك؟ أم هو ما وقر في قلب الشيخ تجاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهلا عرفت قدر نفسك لكي تريح وتستريح.
ثم أين غيرتك الموهومة على صديق هذه الأمة الذي ظهر صاحبك ماضي أحب إليك من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن الصديق وأرضاه، حتى تكلفت الذب عنه مما هو يظهر التراجع منه، وهذا من عجيب فعالك.
يتبع بإذن الله ..........
وكتب: العبد الفقير إلى عفو ربه المعترف بتقصيره وعظيم ذنبه أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.