بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الرد القاصم على صاحب العواصم
[المدعو خالد فضيل]
[المدعو خالد فضيل]
الحلقة الثانـية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والـاه.
أما بعـد:
فقد بيّنتُ في الحلقة الأولى بعضا من جهالات وفضائح وكذبات المدعو [خالد فضيل] وهذا أوان إكمالها وتتميها.
والله المستعان ولا رب سواه.
الوقفة السابعة: بطلان دعوى عدم قبول الحق من المهمش
قال –هداه الله وأصلحه-: « وأوغل منه في الخطأ والزلل ما نسب وعمل به من أنه: [ لو جاء المهمَّش بحق فإنه لا يقبل منه ]...».
قلت: هذا من الكذب قطعا، و « كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع »، والرد من وجهين:
الأول: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين؛ فائت بكلامه مسموعا أو مكتوبا أو نحوه مما يثبت به أنه قاله لا بمجرد نقل المجاهيل والبهاليل وإلا فإنك كذّاب أشر.
قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: « ومن أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل وإلا فكل أحد يقدر على الكذب».
« منهاج السنة 2/309 ».
ولهذا الكذب والافتراء والبهتان جعل الشيخ فركوس -نفع الله بعلمه- شرط النقل عنه، حتى لا يفتري عليه أمثالكم!
الثاني: إن الناظر في أقوال وكتابات ومواقف شيخنا –نفع الله بعلمه- يجد أنها تردُّ هذا وتدفعه بل تبطله وتدحضه.
أما قوله: فمن ذلك ما قاله –نفع الله بعلمه- في مقاله «تفنيد شبهة الملبسين»، « فقَدْ كان مِنْ عدلِ سَلَفِنا الصالح قَبولُ الحقِّ مِنْ أيِّ جهةٍ كان؛ إذ لا أثرَ للمتكلِّم بالحقِّ في قَبوله ورفضه؛ ولذلك استفاد علماؤنا مِنْ كُتُبِ ابنِ حجرٍ والنوويِّ والقرطبيِّ والغزَّاليِّ مِنَ الأشاعرة وغيرهم»؛ وفي هذا السياقِ قال ابنُ القيِّم - رحمه الله-: « فمَنْ هَدَاهُ اللهُ سبحانه إلى الأخذ بالحقِّ حيث كان ومع مَنْ كان ولو كان مع مَنْ يبغضه ويُعاديه، وردِّ الباطل مع مَنْ كان ولو كان مع مَنْ يُحِبُّه ويُواليه؛ فهو ممَّنْ هُدِيَ لِمَا اختُلِفَ فيه مِنَ الحقِّ ».
« الصواعق المرسلة 2/516، »، وانظره كذلك « في ضوابط الاستفادة من كتب المبتدعة».
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- استفاد من مقالات الطوائف الضالة في إبطال باطل الفرقة المقابِلة بالحق الذي عند مخالِفتها وإن كان كلاهما مخالِفة، بل كان يناقش قول الطائفة كمناقشته للفلاسفة في بعض المسائل التي انحرفوا فيها انحرافا بيّنا، فبيَّن بطلان قولهم على كل الأقوال التي عند الطوائف بما فيها قولهم، وزيادة على ذلك وضح تناقض قولهم نفسه، ومناقضته لسائر ما يقولون به، وبعضه استفاده من ردود الأشاعرة بل والمعتزلة، وإذا وُجد الحق في قول الشيعة فهو حتما قول لبعض أهل السنة فإنهم لا ينفردون عنهم بحق؛ بل « وكل من سوى أهل السنة والحديث من الفرق فلا ينفرد عن أئمة الحديث بقول صحيح بل لا بد أن يكون معه من دين الإسلام ما هو حق».
«منهاج السنة 5/111».
فالشاهد أن الحق لا يرد لكون قائله من الشيعة أو غيره، والواقع أنهم لا ينفردون عن أهل السنة بحق.
ولذلك قال –رحمه الله-: «ولهذا كانت الشيعةُ المتقدِّمون الذين صحبوا عليًّا أو كانوا في ذلك الزمان، لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيلِ عليٍّ وعثمان، وهذا ممَّا يعترف به علماءُ الشيعة الأكابرُ مِنَ الأوائل والأواخر، حتَّى ذَكَر مِثلَ ذلك أبو القاسم البلخيُّ. قال: سأل سائلٌ شريكَ بنَ عبد الله بنِ أبي نمرٍ، فقال له: أيهما أفضل: أبو بكرٍ أو عليٌّ؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وأنت مِنَ الشيعة؟! فقال: نعم، إنما الشيعيُّ مَنْ قال مِثلَ هذا، والله لقد رَقِيَ عليٌّ هذه الأعواد، فقال: ألا إنَّ خير هذه الأمَّةِ بعد نبيِّها أبو بكرٍ ثمَّ عمر، أفكُنَّا نردُّ قولَه؟ أكُنَّا نكذِّبه؟ والله ما كان كذَّابًا! ذَكَر هذا أبو القاسم البلخيُّ. في النقض على ابنِ الراونديِّ اعتراضَه على الجاحظ. نَقَله عنه القاضي عبد الجبَّار الهمذانيُّ في كتابِ تثبيت النبوَّة».
« منهاج السنة 1/6 ».
وأما تطبيقه لذلك فهو ما شهد به الكموج كما في الوقفة الثانية عشر!
ومن نظر في موقع شيخنا-نفع الله بعلمه- علم صدق هذا الكلام، راجع « تيسير الباري في توضيح إشكالات واعتراضات القاري».
ولكن لا عليكم يا شيخنا –نفع الله بعلمكم- مما يقوله الحاسدون الكذابون الذين يصدق عليهم قول نبينا
-صلى الله عليه وسلم-: « يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ، و ينسى الجذع أو الجدل في عينه معترضا».
« رواه ابن حبان في صحيحه، رقم: 5761، وهو في السلسلة الصحيحة 1/132، رقم: 33 ».
بل أمرُهم أمر من يرى الكحل في عينكم يظنه قذاةً، وهي لا تضر لو كانت كذلك، فكان أحرى به أن يكون مرآة أخيه يزينه بإماطتها لو كانت قذاة، فيأبى إلَّا أن يهوِّل أمرها ويشنِّع بها إذ لم ينل سعي صاحبها فيصفه بالعظائم
وقد قيل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لحسنها *** حسدا وبغيا إنه لَدَميم
وقيل أيضا:كضرائر الحسناء قلن لحسنها *** حسدا وبغيا إنه لَدَميم
فأكرهُ أن أكونَ له مجيبا *** يُخَاطِبني السَّفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ
كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيبا *** يزيدُ سفاهة ً فأزيدُ حلما
قال ابن القيم –رحمه الله-: « وأما الجاهل المقلد فلا تعبأ به ولا يسوءك سبه وتكفيره وتضليله، فإنه كنباح الكلب! فلا تجعل للكلب عندك قدرا أن ترد عليه كلما نبح عليك، ودعه يفرح بنابحه وأفرح أنت بما فضلت به عليه من العلم والإيمان والهدى، واجعل الإعراض عنه من بعض شكر نعمة الله التي ساقها إليك وأنعم بها عليك ».كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيبا *** يزيدُ سفاهة ً فأزيدُ حلما
« الصواعق المرسلة 3/1158».
ثم ازداد الكموج في بغيه وعدوانه فقال في آخر النقطة: « وانظر إلى تأصيل من أصل لها على أنها من منهج السلف ومن طريقة أهل السنة!».
قلت: من الذي قال-أيها الكموج الجاهل- أن هذا من منهج السلف!؟ ومن طريقة أهل السنة!؟
لكن كما قيل:
ومن يكن ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
الوقفة الثامنة: ادعاؤه حكم شيخنا-نفع الله بعلمه- بالظّن
قال –هداه الله وأصلحه-: « ومن أسوأ أقوال الشيخ فركوس التي نقلت عنه وهي مسجلة بصوته: [هذا من أي منطلق؟ نحن ننتظر، الجرح لا بد أن يكون مفسرا، كون الأمر جاء نتيجة نزاع ونتيجة ، لا نقيم له وزنا، ونحن على ما نحن عليه سائرون] وهذا حكم بالظن».
قلت: إنما شفاء العي السؤال، فهلاّ سألت من هو أعلم منك –أيها الكموج الجاهل- حتّى يعلّمك! وحتى لا تفضح بين الناس! وفي الحقيقة هذا الكلام منك جناية على العلم الشرعي وعلى المنهج السلفي! بل يضحك عليك المجانين! فكيف يعقل –أيها الكموج الجاهل- أن تغفل بداية الكلام وهي حجة عليك! وعلى كل فالجواب من وجوه:
الأول: هذه الصوتية مسجلة خلسة وجاءت خيانة ولا عجب في هذا! فقد عرف الناس خيانتكم! وتجسسكم! وفجوركم في الخصومة! ومن أغرب ما وقع: المُسجل الذي وضعتموه في مكتبة شيخنا -نفع الله بعلمه- حتى تتجسسوا عليه! وهذا الفعل لا يقوم به إلا المرضى والسّفلة من الناس!
الثاني: كلام شيخنا –نفع الله بعلمه- كلام رجل عالم أصولي سلفي، متبع للأثر، لا يحابي في دين الله أحدا، ولا يخاف في الله لومة لائم، وبيان ذلك أنه –نفع الله بعلمه- سأل عن الدليل ومن أي منطلق كان التحذير؛ وهذا هو مذهب الراسخين في العلم.
قال ا بن جرير –رحمه الله-: « لو كان كل من ادُّعيَ عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادُّعيَ به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدثي الأمصار لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه ».
«مقدمة فتح الباري 427».
وقال –رحمه الله-: « ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح وما تسقط العدالة بالظن».
«مقدمة فتح الباري 429».
والشيخ محمد بن هادي أثنى عليه كبار العلماء في عصرنا، وشهدوا له بالعلم والحفظ وسلامة المنهج والقوة والشجاعة، وهم كثير منهم وعلى رأسهم العلامة ابن باز، والعلامة النجمي، والعلامة أمان الجامي، والعلامة الفوزان، والعلامة ربيع، والعلامة عبيد، وغيرهم –حفظ الله الأحياء ورحم الموتى-، فمن كان هذا حاله فإنه لا يقبل فيه إلا الجرح المفسر البين الواضح وضوح الشمس في رائعة النهار.
قال أبو عبد الله المروزي –رحمه الله-: « وكل رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم عنه وحملهم حديثه فلن يقبل فيه تجريح أحد جرّحه حتى يثبت ذلك عليه بأمر لا يجهل أن يكون جرحة».
«التمهيد لابن عبد البر 2/34».
والنبي -صلى الله عليه وسلم- « لم يقبل قول الواقع في مالك بن الدخشن بأنه منافق حتى تبين له من أين يقول ذلك، ثم لما تبينه لم يره نفاقا، فرد عليه قوله».
«السنن الكبرى للبيهقي 10/212».
الثالث: الجرح إذا جاء يطلب تفسيره –عموما- لغايتين:
الأولى: هل سبب جرح هذا الجارح لذلك المجروح سبب صحيح مقبول للجرح عند غيره وهل هو صحيح أم لا، وليس المقصود هنا الإجماع ولكن هل السبب مُعتبَرٌ..
قال الشيخ ربيع –حفظه الله-: « الشاهد أنه لا يجرح الشخص إلا بجارح معتبر عند الأئمة، والأمور التي قد يختلف فيها بعض الناس يرجح هذا العالم ما يراه راجحا ».
« أسئلة وأجوبة مهمة في علوم الحديث الحلقة الأولى».
الثانية: هل سبب الجرح - بعد كونه معتبرا مقبولا- متحقق في المجروح أم لا، فقد لا يكون متحققا بسبب مانع يمنع من ذلك؛ كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: « وقد تحصل للرجل موادتهم –أي للأعداء- لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرا ؛ كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه [[ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ]]، وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي في قصة الإفك، فقال : لسعد بن معاذ : [كذبت والله ؛ لا تقتله ولا تقدر على قتله]، قالت عائشة : [ وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية ]، ولهذه الشبهة [ سمى عمر حاطبا منافقا؛ فقال: [ دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق] فقال: «إنه شهد بدرا »، فكان عمر متأولا في تسميته منافقا للشبهة التي فعلها.
وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: [كذبت لعمر الله لنقتلنه ؛ إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين ]، هو من هذا الباب .
وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشم: منافق وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين، ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعا واحدا بل فيهم المنافق المحض؛ وفيهم من فيه إيمان ونفاق؛ وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان؛ ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك؛ صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك... ».
« مجموع الفتاوى 7/522 ».
وكذا لو قال قائل: فلان كذَّاب، أو حدادي، ولا يذكر حادثةً صحيحةً تدل على كذبه وحداديته، بل كلها مفترياتٌ عليه كنحو ما يذكرونه عن شيخنا-نفع الله بعلمه- من أكاذيب وتحريفات بسوء قصد أو فهم فلا يلحقه منها شيء، أو إن جاء كان ذلك بسبب خبر نقله إليه مَنْ ظنه صادقًا والعهدةُ على الناقل؛كقولهم أنه يوالي الصوفية! ويثني على المبتدعة، ويمدح ابن رشد وابن سينا وغيرها مما يعلم كاتب هذه السطور والمردود عليه والقاري من الموافق والخالف كذبه!
وهذه أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- اتهمت بتهمة عظيمة ولكنها في الحقيقة حصان رزان طاهرة شريفة عفيفة.
وقد يكون له عذر ؛ كمن لا يصلي في المسجد ولعل به سلسا مِنْ بول أو غائطٍ لا يمكن معه التحرز من تنجيس المسجد، أو لا يمكنه الاستيقاظ كما جاء عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةُ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ سُورَتَيْنِ فَقَدْ نَهَيْتُهَا عَنْهَا، قَالَ: فَقَالَ: «لَوْ كَانَتْ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ لَكَفَتِ النَّاسَ» ، وَأَمَّا قَوْلُهَا: يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَصُومُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَا أَصْبِرُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: «لَا تَصُومَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهَا: بِأَنِّي لَا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ، لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: «فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ».
«صحيح سنن أبي داود رقم 2122 ».
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليه بالنفاق أو نحوه بعد سماعه مباشرة.
قال الخطابي –رحمه الله-: « وقوله فإذا استيقظت فصل ثم تركه التعنيف له في ذلك أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده، ومن لطف نبيه ورفقه بأمته، ويشبه أن يكون ذلك منه على معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة؛ فصار كالشيء المعجز عنه وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه فعذر فيه ولم يؤنب عليه، ويحتمل أن يكون ذلك إنما كان يصيبه في بعض الأوقات دون بعض وذلك إذا لم يكن بحضرته من يوقظه ويبعثه من المنام فيتمادى به النوم حتى تطلع الشمس دون أن يكون ذلك منه في عامة الأوقات، فإنه قد يبعد أن يبقى الإنسان على هذا في دائم الأوقات وليس بحضرته أحد لا يصلح هذا القدر من شأنه ولا يراعي مثل هذا من حاله ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك مع زوال العذر بوقوع التنبيه والإيقاظ ممن يحضره ويشاهده والله أعلم».
« معالم السنن 2/136».
وقد يكون متأولا معذورا ؛ كاتّهام النـَّسائي بالتشيع بسبب تأليفه في خصائص علي –رضي الله عنه- وفضائله دون غيره من الصحابة وإن كان معذورا بكونه فعله لانحراف أهل الشام عن علي-رضي الله عنه-، ثم ألف في فضائل الصحابة ولم يذكره.
قال الوزير ابن حنزابة –رحمه الله- : «سمعت محمد بن موسى المأموني - صاحب النسائي قال:سمعت قوما ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب(الخصائص) لعلي - رضي الله عنه - وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال:دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب(الخصائص) رجوت أن يهديهم الله تعالى.
ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة، فقيل له: وأنا أسمع ألا تخرج فضائل معاوية - رضي الله عنه - ؟ فقال: أي شيء أخرج؟حديث:(اللهم لا تشبع بطنه) فسكت السائل. ».
« سير أعلام النبلاء 14/129».
استغل بعض الفرق هذا للطعن في الصحابي الجليل –رضي الله عنه- وفي الحقيقة عده بعض أهل العلم من فضائل الصحابي –رضي الله عنه-.
قال الذهبي –رحمه الله-: « لعلَّ أن يقال: هذه منقبة لمعاوية لقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة) ».
« سير أعلام النبلاء 14/129».
وقال النووي –رحمه الله-: « وأما دعاؤه على معاوية أن لا يشبع حين تأخر ؛ ففيه الجوابان السابقان :
أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد.
والثاني : أنه عقوبة له لتأخره، وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه ، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له».
« شرح مسلم 16/156».
وهذه الحادثة لا تدل منه –رحمه الله- طعنا في الصحابي الجليل –رضي الله عنه-.
قال ابن عساكر –رحمه الله- : « وهذه الحكاية لاتدل على سوء اعتقاد أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ فِي معاوية بْن أَبي سفيان، وإنما تدل على الكف فِي ذكره بكل حال.
ثم روى بإسناده عَن أَبِي الْحَسَن علي بْن مُحَمَّد القابسي، قال: سمعت أَبَا علي الْحَسَن بْن أَبي هلال يَقُول: سئل أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ النَّسَائي عَنْ معاوية بْن أَبي سفيان صاحب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة».
« تهذيب الكمال 1/340 ».
وأما كونه ذكر فضائل الصحابة ولم يذكر فضائله –رضي الله عنه- فليس انحرافا ولا طعنا كما أن مالك ا –رحمه الله-كان قليل الرواية جدا عن علي وابن عباس –رضي الله عنهما-؛ فلما سئل عن ذلك أجاب عن السبب.
قال الزرقاني –رحمه الله-: « وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ: قَالَ الرَّشِيدُ لِمَالِكٍ: لَمْ نَرَ فِي كِتَابِكَ ذِكْرًا لَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَمْ يَكُونَا بِبَلَدِي وَلَمْ أَلْقَ رِجَالَهُمَا، فَإِنَّ صَحَّ هَذَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَإِلَّا فَفِي [ الْمُوَطَّأ ] أَحَادِيثُ عَنْهُمَا ».
«شر ح الموطأ 1/63».
الشاهد: أنه لابد أن يكون الجرح معتبرا وأن يكون متحققا ولا يوجد مانع يمنعه.
الوقفة التاسعة: قول شيخنا: كون الأمر جاء نتيجة نزاع ونتيجة نفوس
الكموج الجاهل أخذ هذه الكلمة فجعل يحشد لها الأدلة ويقيس عليها المسائل ويلوي الكلام! والحقيقة أن هذه الكلمة ليست حكما بالظن –كما توهمه الكموج-، ولا طعنا في الشيخ، بل هي تأكيد للكلام السابق؛ ذلك لأن الشيخ ربيعا –حفظه الله- لم يبين الأدلة الكافية الواضحة في تحذيره من محمد بن هادي-حفظه الله- غاية ما استند إليه هو تحذير الشيخ محمد من أناس قد أفسدوا الدعوة السلفية ودمّروها –وما المجالس السرية بخافية!-، فَعَلِمَ الشيخُ محمد عنهم ما لم يعْلَمه الشيخ ربيع –حفظه الله-، ولا يزال العلماء يختلفون في الرواة والأشخاص منذ القدم ولم يؤثر عنهم أن هذا الاختلاف سَبَبٌ لطعْن أحدهما في الآخر وسقوط عدالته! سواء كان المصيب هو المعدِّل أو المجرِّح، وكلام الشيخ ربيع في الشيخ محمد بن هادي بمبلغ علمه بناء على ثقته ببطانته بما أظهروه له لا يضر الشيخ ربيعا ولا محمدا، ولو كان كذلك لضَرَّ كلامُ محمد بن يحيى الذُّهلي في البخاري –لما وقعت الوحشة بينهما في محنة البخاري التي مات فيها- أو ضر أحدَهما، وكلاهما مجتهد، فالمصيب منهما مأجور أجرين، والمخطئ منهما متأول مغفور له غير مأزور بل هو مأجور، وما نال البخاريَّ من ذلك فهو من البلاء الموكّل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة.
وهذا النسائي –رحمه الله- يضعف أحمد بن صالح و « الناس مجمعون على ثقة أحمد بن صالح لعلمه وخيره وفضله، وإن أحمد بن حنبل وغيره كتبوا عنه، ووثقوه، وكان سبب تضعيف النسائي له أن أحمد بن صالح كان لا يحدث أحدا حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنه من أهل الخير والعدالة، فكان يحدثه ويبذل له علمه، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قدامة، فأتى النسائي ليسمع منه، فدخل بلا إذن، ولم يأته برجلين يشهدان له بالعدالة، فلما رآه في مجلسه أنكره، وأمر بإخراجه، فضعفه النسائي لهذا.
وقال الخطيب –رحمه الله-: احتج سائر الأئمة بحديث ابن صالح سوى النسائي، فإنه ترك الرواية عنه، وكان يطلق لسانه فيه، وليس الأمر على ما ذكر النسائي».
« سير أعلام النبلاء 12/168».
فلم يجرح العلماء النَّسائي –رحمه الله- بسبب تحذيره من ابن صالح –رحمه الله-؛ بل ردوا مقالته وحفظوا مكانته، كما فعلوا -أيضا- مع مالك بن أنس في ابن إسحاق وغيره في غيره –رحمهم الله-.
فالشيخ ربيع-حفظه الله- لم يبين الأدلة الكافية الواضحة في تحذيره من الشيخ محمد بن هادي-حفظه الله-، فكما لم يَقبل كلام الشيخ محمد بن هادي في من تكلم فيهم لعدم بلوغ الأدلة إليه مع أنها ظاهرة منتشرة فكذلك لا نَقبل كلام الشيخ ربيع في الشيخ محمد بن هادي حتى يأتي بأدلة أوضح من تلك.
الحاصل أن الاختلاف في الحكم على الرجال لم يكن سببا في طعن أحدهما في الآخر وسقوط عدالته، وإن وقع لسبب أو لآخر طعن من أحدهما في الآخر لم يضر ذلك عند غيرهما ممن يعرف فضلهما.
الوقفة العاشرة: تزكية من لا يعرف
قال –هداه الله وأصلحه-: « سمع الناس كلاما مسجلا بصوت الشيخ فركوس يطعن فيه على الشيخ ربيع بأنه: [يزكي من لا يعرفهم]... »
أولا: الذي صرّح بأن الشيخ ربيعا لا يعرف المقصودَيْن -العياب والهابط- هو حمودة نفسه! بل حتى مرابط أيضا!
فقد قال حمودة –هداه الله وأصلحه-: « مع التَّنبيه على أنَّ «قرأه وصحَّحه» لا يلزم منه أنه وافقه وأيَّده كما يريدون أن يوهموا النَّاس ويفهموهم، لأنَّ الشيخ ربيعًا يعرف الشَّيخ جمعة، ولا يعرف المردود عليهم فسمع من الشيخ جمعة ما عنده، لكنَّه لم يتكلَّم بموافقته أو تأييده... ».
وتكفينا شهادة شيخنا أزهر -حفظه الله- الذي قال: « وقد عاينتُ هذا بنفسي في آخر زيارة للشّيخ ربيع -حفظه الله- وسألتُه عن سبب تزكيته لمرابط وحمودة، وفي البلد مَن هو أحقّ منهما بهذا؛ لِعلمه ودعوته، فأجابني الشّيخ-مُستغرِبًا»-: إنّي لا أعرف مُرابط وحمودة «، وشهد على هذا مَعي مَن كان حاضرًا مِن إخواني، وهم ثلاثة نحسبهم مِن العدول والحمد لله ».
«التوضيح والتفنيد لما ضُمِّنَ من مؤاخذات في نصيحة الشيخين ربيعٍ وعبيد -حفظهما الله-».
ثم شيخنا –نفع الله بعلمه- لا يقصد جميع أحكام الشيخ ربيع –بل هذا من فهمك السقيم وسوء تصورك، والعجيب أنك صدّرتها بقولك « يزكي» الدَّالة على المضارعة! تقوُّلا وافتراء- وإنما يقصد ما يتعلق بهذه الأحداث، وخاصة حمودة ومرابط ولهذا قال للسائل: « زكى من قبل زوج ما يعرفهمش أصلا»؛ أي حمودة ومرابط.
أما غيرها فإن شيخنا -نفع الله بعلمه- يعترف بتمكُّن الشيخ في هذا الباب ورسوخ علمه فيه، وكيف لا وقد قال
–نفع الله بعلمه-: « إن الشيخ ربيعا –حفظه الله تعالى- معروف بعلمه وصناعته الحديثية وتقواه وحرقته على المنهج، والذين تكلم فيهم ظهروا على ساحات المظاهرات الأخيرة علنا وبرفع الأصوات على الوجه الذي لا يرتضى...وغير ذلك مما هو مخالف للعقيدة السلفية ومنهجها، فتأيد بذلك صحة طعنه فيهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشيخ ربيعا –حفظه الله- كان قد تكلم فيهم بدراية وعلم بأحوالهم وتبصر بمنهجهم، وبحق منذ أمد بعيد، وها هو قناعهم ينكشف في الفتنة الأخيرة... ».
مقال منشور في سحاب تحت عنوان: « دفاع الشيخ فركوس عن الشيخ ربيع -حفظهما الله-»
قلت: والله إن هذا لهو المنهج السلفي الصافي، وطريقة الراسخين في العلم، احترامٌ وتقديرٌ وإنزالٌ للناس منازلهم دون تعصب وتقليد.
وقال شيخنا –نفع الله بعلمه-: « وأما علماء المدينة ومشايخها ومن غير المدينة -أيضا- فأنا أجلهم وأقدرهم وأحترمهم وأتعاون معهم فيما ظهر لي أنه حق وصواب ومعروف، وأتمسك بموقفي فيما أراه حقا وصوابا حتى أرى خلافه بحجته وبرهانه، ولو خالف من يكبرني علما، ويفوقني قدرا ومكانة وعزة، وأربأ بنفسي أن أتعرض لواحد منهم، لا بذم ولا انتقاص ولا قدح، لا من قريب ولا من بعيد، لا في مجلس خاص ولا عام، وأنى يظن بي أني أتعرض إلى كرام الناس بالقدح، اللهم إلا من يجري اللوازم الباطلة من كلامي على غير مجراه، ويقرأ في سطوري قراءة محرف عن فحواه، أو يفهم سياق كلامي وسباقه على غير معناه؛ فمثله يجر أذيال الوقيعة والشقاق، ويحدث الفرقة وينشئ النفاق، ويصطاد في الماء العكر من غير أدب ولا أخلاق، فهذا مسؤوليتي عليه منتفية، وإني أبرأ إلى الله من أصحاب الفهم السقيم، والقصد اللئيم، والتأويل الذميم ».
« تفنيد شبهة الملبسين بإيراد أسماء المخالفين».
ثانيا: الشيخ ربيع –حفظه الله- حتى وإن كانت منزلته عالية، وإماما في هذا الفن؛ إلا أنه قد تخفى عليه أمور كسائر العلماء، ومن أهم الأسباب في هذا ما شاهده القاصي والداني؛ ألا وهي بطانة الشيخ المجرمة التي زيَّنت له أعمال القوم! فكانت تزكيته بناء على البطانة التي يثق فيها كما حدث لغيره من العلماء كابن باز والعباد وغيرهما.
قال الشيخ ربيع –حفظه الله- عن الشيخ عبد المحسن-حفظه الله-: « الشيخ عبد المحسن ما يقرأ ، مايقرأ أبداً، عنده بطانة مجرمة بارك الله فيك تزين الباطل».
« من جلسة الشيخ مع الفلسطينيين »
فهل قال أحد إن الشيخ ربيعا –حفظه الله- طعن في العلامة العباد –حفظه الله-!؟
وقال العلامة ربيع –حفظه الله-: « ومعروف مكر أهل البدع ومنهم جماعة التبليغ فقد جندوا من يخدمهم عند الشيخ ابن باز، ممن يلبس لباس السلفية فيطنب في مدحهم ويسهل لجماعاتهم ووفودهم الدخول على الشيخ ابن باز، فتتظاهر هذه الجماعات والوفود من مشارق الأرض ومغاربها بالسلفية فيصورون له أعمالهم في صورة أعمال سلفية عظيمة، ويبالغون فيها وينفخون فيها بكل ما أوتوا من خيالات كاذبة..ولا عتب على الشيخ إذا تعاطف معهم بعض تعاطفٍ بسبب ما قدموه له على الوجه الذي شرحناه، فهذا رسول اللـه صلى الله عليه وسلم، يقول: [ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوَ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّار ].
وفي لفظ: [ فَأَقْضِىَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ]، [ متفق عليه ]، فإذا كان هذا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بغيره ؟! ».
« النصر العزيز على الرد الوجيز 188 ».
فهل قال أحد أن العلامة ربيع طعن في العلامة ابن باز!؟
وقال العلامة الجامي –رحمه الله -: « وهذه نقطةٌ مهمةٌ ينْبَغِي أنْ يَنْتَبِهَ لَهَا العَاقِلُ؛ الإنسانُ مهما يكُون عَالماً وعَاقلاً ولبيباً البطانةُ تؤثِّر فِيهِ لأنّه يثقُ في البِطَانَةِ،يجعَلُ فيهم الثّقة، فتؤثّر».
هذا وكلام العلماء موافق –أيضا- لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي قال فيه: » مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى «
«البخاري في صحيحه رقم 6611، و 7198».
والحديث عن هذا يطول وسيأتي موضعه –إن شاء الله-.
الوقفة الحادية عشر: مقارنته بين تزكية الشيخ ربيع للشيخ فركوس والغلمان
من جهالات هذا الكموج قوله –هداه الله وأصلحه-: « فلئن زعم زاعم أن الشيخ ربيعا لا يعرفهم إلا بواسطة؛ فكيف يقال في معرفته للشيخ؟».
والجواب –أيها الكموج-: ما دام أنك جاهل ينبغي عليك أن تتعلم، وتَعْلَم أن العدالة تثبت بطريقين:
الأول: التزكية: وهذه يحتاجها من خفي أمره وكان غير معروف؛ كحمودة ومرابط وغيرهما، وتزكيته لهما إن كان فيهما الوصف الذي تتحقق لهما به فإنما تنفعهم لاتصافهم بها، وإن لم تكن فيهما فإنها تكون لهما فتنة لا تنفعهم، لأن الـمزكي إنما شهد بما علم ولا يزكي على الله أحدا، فيأتي جاهل من الجهلاء إلى من خطَّأ عالما في هذا فيقول: هذا يطعن في العلماء أو هو حدادي!!
الثاني: الشهرة والاستفاضة: فمن عرف بالصيت الجميل، والعلم الصحيح، والمنهج السليم لا يحتاج إلى تزكية وتوثيق وتعديل.
قال العلماء: « ومن اشتهرتْ عدالتُهُ بين أهلِ النقلِ ، أو نحوِهم من أهلِ العلمِ ، وشاعَ الثناءُ عليه بالثقةِ والأمانةِ استُغنيَ فيه بذلك عن بينةٍ شاهدةٍ بعدالتهِ تنصيصاً.
كمالكٍ، وشعبةَ، والسفيانَيْنِ، والأوزاعيِّ، والليثِ، وابنِ المباركِ، ووكيعٍ، وأحمدَ، وابنِ معينٍ، وابنِ المدينيِّ، ومَنْ جرى مجراهم في نَباهةِ الذكرِ واستقامة الأمرِ، فلا يُسألُ عن عدالةِ هؤلاءِ، وأمثالهِمِ، وإنّما يُسأل عن عدالةِ مَنْ خَفِيَ أمرُهُ على الطالبينَ .
ولما سُئِلَ أحمدُ بنُ حنبلٍ عن إسحاقَ بنِ راهويهِ ، فقال : [ مثلُ إسحاقَ يُسألُ عنه؟!]
وسُئِلَ ابنُ معينٍ عن أبي عُبيدٍ، فقال: [ مثلي يُسألُ عن أبي عبيد ؟! أبو عُبيدٍ يُسألُ عن الناسِ]...».
انظر: « مقدمة ابن الصلاح 50، وشرح التبصرة 107».
ومن هذا الصنف علماء العصر الحديث كالألباني وابن عثيمين وابن باز والفوزان والربيع وعبيد وفركوس ومحمد بن هادي وغيرهم
–رحم الله الأموات وحفظ الأحياء-.
الوقفة الثانية عشر : تعديل الفتاوى من غير تنبيه
انتقد الكموج شيخنا –نفع الله بعلمه- بأنه يعدّل الفتاوى ويغيّر فيها دون أن ينبّه على ذلك فعدّه من الأمور التي تضر بالدّين!
فقال-هداه الله وأصلحه-: « ومما يدخل في هذا الباب وهو مضر بالدين ما يفعله الشيخ فركوس من تغيير الفتاوى التي في الموقع بعد أن يبيَّن له الغلط من غير تنبيه ولا بيان للخطأ القديم من الصواب الحادث، وفي هذا مفاسد ومحاذير متعددة:
منها كراهته أن ينسب لنفسه الغلط، وليس هذا من شأن أئمة الدين...» إلى آخر ما قاءه في مقاله!!
قلت:
أولا: الحمد لله الذي أنطقك –على غير إرادة منك- فقد بيّنت هنا أن الشيخ –نفع الله بعلمه- يتراجع عن الأخطاء إن ظهرت له سواء من المهمَّش أو غيره، وهذا يبطل ادعاءك ويبين افتراءك كما في الوقفة السابعة!
ثانيا: كيف عرفت أن الشيخ يكره أن ينسب إليه الخطأ!؟ أعلمت علم الغيب أم اتخذت عند الله عهدا حتى تعلم ما يفكر فيه الشيخ؟!
اعلم يا هذا أنك ستجازى وستحاسب عن كل صغيرة وكبيرة، وستسأل عن النقير والقطمير وعن الصغير والحقير فأَعِدَّ للسؤال جوابا!
وليس هذا الاتهام والدخول في النيات في هذا الموضع فقط! بل مقاله مملوء بهذا، ومن أسوأ ما قاله –عامله الله بما يستحق-: « ولو أن ناظرا نظر بعين العلم والعدل لرد كلام الشيخ فركوس في مشايخ الإصلاح بسبب كونه كلاما مبنيا على أمور شخصية... ».
سبحان الله! عندما طلب الدليل من السائل وسأل من أي منطلق كان تحذير الشيخ ربيع –حفظه الله- اعتبرتموه طعنا في الشيخ ربيع وقدحا فيه! ثم في المقابل تتعصبون للباطل وتتهمون الشيخ صراحة بأنه ما حذر من رجال المجلة إلا لأمور شخصية! فأين العدل والإنصاف!؟
ثم يزداد في الطعن الصريح الواضح فيقول-عامله الله بعدله-: « وإذا نظرنا إلى ميزان الشيخ فركوس في الجرح والتعديل وجدناه يطعن فيمن يطعن فيه أو يظن أنه يطعن فيه، فمن ذلك طعنه في أناس منحرفين كالحجوري وبوروبي وغيرهم، ومن طعن فيهم الشيخ لظنه أنهم يطعنون فيه –والظن أكذب الحديث- الشيخ خالد حمودة... ».
قلت: أما حمودة العياب؛ فقد طعن في شيخنا –نفع الله بعلمه- وكان في وقت ما يمر على شيخنا –نفع الله بعلمه- ولا يلقي عليه حتى السلام! فلما جاء معتذرا ذليلا قَبلَ منه ذلك شيخُنا –نفع الله بعلمه-، فلو كان شيخنا ينتصر لنفسه لطرده وألقاه خارج المكان!
أما يحي الحجوري –الذي يقول عنه الهابط "فضيلة الشيخ حفظه الله" بعدما حذر منه العلماء!- والبوروبي-الذي رد عليه الشيخ نور الدين بتقريظ شيخنا- فلا يحتاج إلى جواب!
غير أني أقول لا يُستغرب أن تتعاونوا معهما-كما تعاونتم مع غيرهم عندما كتبتم براءة الذمة-! لضرب الدعوة السلفية، والطعن في الشيخ وإخوانه-نفع الله بهم-!
ويزداد في غيه وباطله فيقول–عامله الله بما يستحق-: « وأما تزكية من يظهر له الاحترام والود العظيم-ولوكان منحرفا- فهو ما فعله الشيخ مع محمد حاج عيسى ولزهر وجمعة وغيرهم ممن دخل معهم..».
قلت:
أما الشيخ جمعة-حفظه الله- فهو ابن عبد البر الجزائر وكاسر المميعة والاحتوائيين فلا يحتاج إلى ثناء مني!
وأما الشيخ أزهر –حفظه الله- فهو أسد المنابر الهزبر الشجاع فاضح الحزبيين وأهل البدع فلا يحتاج إلى دفاع من مثل عبد المؤمن!
وأما قضية تزكية شيخنا –نفع الله بعلمه- لمحمد حاج عيسى فالجواب باختصار:
1- محمد حاج عيسى كان طالبا جامعيا ولم يكن معروفا حاله بعد عند شيخنا.
2- كلام شيخنا –نفع الله بعلمه- لم يكن تزكية وإنما قال بما هو معمول به أكاديميا.
3- شيخنا –نفع الله بعلمه- قد تكلم في الرجل، وهذا يعرفه الصادقون منكم إن وُجد!
4- الشيخ حذر من الجمعية وممن ينخرط فيها، وحاج عيسى منها!
5- الشيخ حذف رسالة حاج عيسى التي قرظها، وهذا يدل على أنه نفض يديه منه ومن منهجه!
ثم اتهم شيخنا-نفع الله بعلمه- باستقبال المنحرفين فيقول:–عامله الله بما يستحق-: « ويُستقبل المنحرفون الذين يعظمون الشيخ كعبد الحميد الحجوري وعدة فلاحي الرافضي، ولا يهم منهجهم وعقيدتهم ما دامت سيرتهم مع الشيخ حسنة ».
يكاد المرء يضحك من ركبتيه! ووالله لولا جهله –الكموج- لقلت عنه إنه مجنون لا عقل له! عبد الحميد الحجوري وعدة فلاحي يعظمان شيخنا!
أما عبد الحميد الحجوري: فطعوناته فاجرة، وردوده ظالمة، وكتاباته منتشرة، وافتراءاته معلومة، فكيف يعظّم شيخنا!؟
آه نسيت لعل الطعن الفاجر الصريح الذي لا يقبل التأويل بالنقد البناء عندكم يعتبر تعظيما! ولهذا أنتم تعظمون شيخنا في هذه الأيام! فتنسبون إليه ما تنسبون! فمعذرة إن لم أفهم قصدك أيها الجاهل!
ثم أنتم تنفون بالمقابل عن الشيخ خالد بن عبد الرحمن المصري تعظيم الشيخ ربيع، مع أنه قال كلمة واحدة شديدة في تخطئته شفعها بأضعافها تعظيما، أبيتم إلا أن تحملوها على الانتقاص، وللعلماء أمثالها وأشد منها، ولم تبلغ ما فعلتموه مع شيخنا –نفع الله بعلمه- لأن فيها فجورا في الخصومة وافتراء عليه!
والحقيقة أن عبد الحميد الحجوري كان يطعن في شيخنا طعنات شديدة كشيخه! فجاء إلى الجزائر في رحلة دعوية –كما يسمونها- وفي اليوم الأول ذهب عبدُ الغني عوسات إلى مقر إقامته والتقى به!-وهذه لا يتكلمون عنها بل يغضون الطرف عنها-! ثم عاد إليه مرة أخرى في ليلة الوداع!!!
ولقاؤه بشيخنا –نفع الله بعلمه- لم يكن بطلب من شيخنا وإنما من طرف الوفد المرافق! ولهذا لما جاء إلى المكتبة استفسر شيخُنا –نفع الله بعلمه-: « ما المراد أو المغزى من الزيارة؟!».
وعبد الحميد الحجوري في واقع الأمر أفحمه الشيخ –نفع الله بعلمه-؛ فكان شيخنا يتكلم والآخر ساكت بل اعتذر ووعد خيرا؛ لأنه ركب الطائرة وتَعالَج في المستشفى بإشراف النساء، ثم يتبجح أنه أقنع الشيخ حتى تراجع عن أخطائه المزعومة أو نحو ذلك، وهذا قبل رجوعه لليمن وأياما بعد لقائه بالشيخ –نفع الله بعلمه-.
علما أن الشيخ ربيعا-حفظه الله- لم يكن قد حذر من شيخه يحي الحجوري بعد!
أما فلاحي: فإن مما لاشك فيه أن هدفه الأول في هذه البلاد –حرسها الله بالتوحيد- هدم الدعوة السلفية، والتنقيص من شيخنا –نفع الله بعلمه-؛ فما من لقاء –عادة- إلا ويتنقص من شيخنا ويطعن فيه، فهل تسمي هذا تعظيما وتبجيلا !؟ اللهم احفظ لنا عقولنا!
والحقيقة هي: أن فلاحي لم يكن في ذاك الوقت معلنا العداء للسّلفية هذا أولا، وثانيا فلاحي كان مستشارا للوزير في ذلك الوقت فكيف يرفضه ويرده شيخُنا!؟
وبعد دحض كل هذه الطعنات الشديدة أقول: والله ما رأيت سخلة قط أشأم على الصعافقة منك، وما سوداؤك إلا كمثل ريح الجورب العرقِ!
وقد قيل:
يؤذي القليل من اللئام بطبعه*** من لا يقل كما يقل ويلؤم
ومن البلية عذل من لا يرعوي *** عن غيه وخطاب من لا يفهم
وتراه أصغر ما تراه ناطقاً *** ويكون أكذب ما يكون ويقسم
وإذا أشار محدثا فكأنه***قرد يقهقه أو عجوز تلطم
ثالثا: هذا من جهالات الكموج –وجهالاته كثيرة-؛ لأن المعروف أن هذه المسألة مما اختلف فيها، والصحيح الذي عليه المحققون أن العالم إذا غير فتواه وقوله فإنه ليس واجبا عليه أن يبين ذلك عند كل رجوع، إلا إذا خالف نصا لا معارض له أو إجماع أمة.ومن البلية عذل من لا يرعوي *** عن غيه وخطاب من لا يفهم
وتراه أصغر ما تراه ناطقاً *** ويكون أكذب ما يكون ويقسم
وإذا أشار محدثا فكأنه***قرد يقهقه أو عجوز تلطم
قال النووي –رحمه الله-: « ويلزم المفتى إعلامه قبل العمل وكذا بعده حيث يجب النقض ».
« المجموع 1/45 ».
وقال ابن القيم -رحمه الله-: « فإن قيل: فما تقولون لو تغير اجتهاد المفتي فهل يلزمه إعلام المستفتي؟
قيل: اختُلف في ذلك ، فقيل : لا يلزمه إعلامه؛ فإنه عمل أولا بما يسوغ له، فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثما، فهو في سعة من استمراره.
وقيل: بل يلزمه إعلامه؛ لأن ما رجع عنه، قد اعتقد بطلانه، وبان له أن ما أفتاه به ليس من الدين، فيجب عليه إعلامه، كما جرى لعبد الله بن مسعود حين أفتى رجلا بحل أم امرأته التي فارقها قبل الدخول، ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا القول، فرجع إلى الكوفة وطلب هذا الرجل ، وفرق بينه وبين أهله .
وكما جرى للحسن بن زياد اللؤلؤي لما استفتي في مسألة فأخطأ فيها ولم يعرف الذي أفتاه به، فاستأجر مناديا ينادي: إن الحسن بن زياد استُفتي في يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ؛ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه ، ثم لبث أياما لا يفتي حتى جاء صاحب الفتوى، فأعلمه أنه قد أخطأ وأن الصواب خلاف ما أفتاه به.
قال القاضي أبو يعلى في كفايته : من أفتى بالاجتهاد ، ثم تغير اجتهاده : لم يلزمه إعلام المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلمه.
والصواب التفصيل: فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعاً، لكونه خالف نص الكتاب أو السنة التي لا معارض لها، أو خالف إجماع الأمة فعليه إعلام المستفتي.
وإن كان إنما ظهر له أنه خالف مجرد مذهبه، أو نص إمامه، لم يجب عليه إعلام المستفتي، وعلى هذا تخرّج قصة ابن مسعود رضى الله عنه ، فإنه لما ناظر الصحابة في تلك المسألة ، بينوا له أن صريح الكتاب يحرمها ، لكون الله تعالى أبهمها ، فقال تعالى: [وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ] وظن عبد الله أن قوله: [الَّلاتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ] راجع إلى الأول والثاني، فبينوا له أنه إنما يرجع الى أمهات الربائب خاصة، فعرف أنه الحق ، وأن القول بحلها ، خلاف كتاب الله تعالى، ففرق بين الزوجين ولم يفرق بينهما بكونه تبين له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو ».
«إعلام الموقعين 4/224 ».
وسئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: « إذا أفتى الإنسان فتوى لأحدٍ من الناس ثم ذهب هذا المفتي وبعد حين من الزمن راجع هذا المفتي أقوال أهل العلم فوجد فتواه خطأ فماذا يعمل ؟ وهل عليه إثم ؟ نرجو الإفادة بهذا .
فأجاب رحمه الله تعالى: " إذا كانت الفتوى الأولى عن اجتهاد، وكان هو جديراً بأن يجتهد ، ثم بعد البحث والمناقشة تبين له خطأ اجتهاده الأول فإنه لا شيء عليه.
وقد كان الأئمة الكبار يفعلون مثل هذا ، فتجد عن الواحد منهم في المسألة الواحدة عدة أقوال.
أما إذا كانت فتواه الأولى عن غير علم وعن غير اجتهاد ، ولكنه يظن ظنًّا ، وبعض الظن إثم، فإنه يحرم عليه أصلاً أن يفتي بمجرد الظن أو الخرص؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد قال على الله بلا علم ، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب؛ لقوله تعالى: [ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ]
وعليه أن يبحث عن الذي استفتاه حتى يخبره بأن فتواه خطأ وغلط، فإذا فعل هذا فأرجو أن يتوب الله عليه.
ومسألة الفتيا بغير علم مسألة خطيرة ، لأنه لا يضل بها المستفتي وحده ، بل ربما ينشرها المستفتي بين الناس ، ويَضِل بها فئام من الناس ، وهي خطأ وظلم ».
« فتاوى نور على الدرب».
وقال شيخنا –نفع الله بعلمه-: « والمفتي إن عدل عن فتواه إلى غيرِها كأنْ يتزوَّجَ المستفتي بفتوى مجتهدٍ ثمَّ غَيَّر المفتي اجتهادَه، فلا يلزم المستفتيَ أن يسرِّح زوجته، بعد تغيُّرِ الفتوى كما لا يلزم المفتي إعلامه بالتغير؛ لأنَّ اجتهاده الثاني لا ينسخ اجتهاده الأول، فلا يعامله معاملة الشرع للنصوص؛ ذلك لأن» الشَّارِعَ رَافِعٌ وَوَاضِعٌ لاَ تَابِعٌ«، فإذا نسخ القول الأول رفع اعتباره رفعًا كليا بخلاف المجتهد ففي كلا اجتهاديه طالب حكم الشرع ومتبع لدليله في اعتقاده أولاً وفي اعتقاده ثانيًا، فإن حصل له غلط في اجتهاده الأول يجوز على نفسه في اجتهاده الثّاني ما اعتقدَه في اجتهادِه الأوّلِ ما لم يرجعْ إلى نصٍّ قاطعٍ أو إجماعٍ قائمٍ. ومنه يتبيَّن أنّ المجتهدَ ليس برافعٍ ولا واضعٍ،كما هو عليه أمرُ الشّرعِ؛ لأنَّ قول الشّارعِ إنشاءٌ ومنه يتبيَّن أنّ المجتهدَ ليس برافعٍ ولا واضعٍ، كما هو عليه أمرُ الشّرعِ؛ لأنَّ قول الشّارعِ إنشاءٌ وأقوالَ المجتهدين إخبارٌ، فليس لها حكمُ النّاسخِ من قولِ الشّارعِ لأنَّ في نقضِه عدمَ استقرارِ الحكمِ، ويُفْضِي إلى وقوعِ الشَّغَبِ بين النّاسِ، إذ لو نُقِضَ الاجتهادُ بالاجتهادِ لنُقِضَ النّقْضُ، وتسلسل واضطربتِ الأحكامُ، ولم يُوثَقْ بها، وقد صحَّ عن عُمَرَ بْنِ الخطّابِ رضي الله عنه في مسألةِ المشتركةِ أنّه قال: [ تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا ].
فلم يُبْطِلِ الأوّلَ، ثمَّ جَرَتْ هذه الكلمةُ العُمَرِيّةُ مجرى المثل ...ولا يجب على المفتي إخبار المستفتي بتغير فتواه -كما تقدم- إلا إذا ظهر للمفتي قطعية خطئه لمقابلة اجتهاده لنص لا معارض له أو إجماع أمة، إذ ما تقرر في الأصول أن [ لا اجتهاد في مورد النص أو الإجماع] في هذه الحال وجب عليه إخطاره بالحكم وإعلامه به ».
المقالة الشهرية « في آداب المستفتي وجوانب تعامله بالفتوى رقم 41».
فهل نبّه عمر-رضي الله عنه- السائل الأول على كونه على غير مضمون فتواه وليس نصها فقط!؟ وهل أعلم غيره أيضا!؟
وكذا مسألة التطبيق لم يعلم بنسخها ابن مسعود –رضي الله عنه- كما جاء في «صحيح مسلم 1219 »، عن الأسود وعلقمة قالا: أتينا عبد الله بن مسعود فى داره فقال: « أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا لا، قال: فقوموا فصلوا فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، - قال - وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، - قال - فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، - قال - فضرب أيدينا وطبق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخذيه ،- قال - فلما صلّى قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه وليجنأ وليطبق بين كفيه فلكأنى أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأراهم ».
ومن هذا –أيضا- ما جاء عن أبى سعيد الخدري قال: خرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الإثنين إلى قباء حتى إذا كنا فى بني سالم وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « أعجلنا الرجل ». فقال عتبان يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « إنما الماء من الماء ».
« رواه مسلم 801 ».
وهذا الحكم منسوخ ولكن كثيرا من الصحابة لم يعلم بالنسخ إلا في زمن متأخر؛ كما جاء عن أبى موسى –رضي الله عنه- قال: اختلف فى ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء.
وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل.
قال: أبو موسى فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لى فقلت لها يا أماه - أو يا أم المؤمنين - إنى أريد أن أسألك عن شىء وإنى أستحييك. فقالت لا تستحيى أن تسألنى عما كنت سائلا عنه أمك التى ولدتك فإنما أنا أمك. قلت فما يوجب الغسل قالت على الخبير سقطت قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل ».
« رواه مسلم 812 ».
وعن عائشة زوج النبى -صلى الله عليه وسلم- قالت إن رجلا سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « إنى لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل ».
« رواه مسلم 813 ».
قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: « ومن المنسوخ أن جماعة من أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الإقحاط ؛ بل يرون الماء من الماء حتى ثبت عندهم النسخ، ومنهم من لم يثبت عنده النسخ وكانوا يصلون بدون الطهارة الواجبة شرعا لعدم علمهم بوجوبها ويصلي أحدهم وهو جنب ».
«مجموع الفتاوى 23/39».
فهل جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع الصحابة سواء في المدينة أو مكة أو في غيرها من بلدان الإسلام ليخبرهم بالحكم؟ وهل أرسل إليهم رسلا ليخبروهم بالنسخ؟ والأمر –كما يعلم الجميع- متعلق بالصلاة التي هي عمود الدّين!
فإن قيل: من لم يبلغه عمل بمبلغ علمه واجتهاده فله أجر الاجتهاد وإن فاته أجر الإصابة وعمله صحيح بحسب اعتقاده ووسعه ولم يكلفه الله إلا ذلك.
قيل له: وهذا ينطبق على حالتنا تماما.
ومن أوضح الأمثلة –أيضا- على ذلك تحريم المتعة التي لم يعلم بها بعض أفاضل الصحابة حتى ممن كان قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم كابن عباس –رضي الله عنه-.
ذكر ابن القيم في « زاد المعاد 3/403»، اختلاف الناس فيها على أربعة أقوال:
الأول: أنها حرمت في خيبر كما عند « مسلم 3497 »، عن علي رضي الله عنه
الثاني: يوم الفتح كما في « مسلم 3493»، عن سبرة –رضي الله عنه-
الثالث: أنه عام حنين، وهذا في الحقيقة هو القول الثاني، لاتصال غزاة حنين بالفتح.
والرابع: أنه عام حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة.
وقال ابن حجر –رحمه الله- في « فتح الباري 9/74»، بعد نقله لكلام السهيلي: « فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن: خيبر ثم عمرة القضاء ثم الفتح ثم أوطاس ثم تبوك ثم حجة الوداع وبقي عليه حنين لأنها وقعت في رواية قد نبهت عليها قبل، فإما أن يكون ذهل عنها أو تركها عمدا لخطأ رواتها أو لكون غزوة أوطاس وحنين واحدة...»، ثم بيّن –رحمه الله- ما يتعلق بها فليراجعه من شاء.
ثم في الأخير جاء التحريم النهائي الأبدي إلى يوم القيامة عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المتعة وقال « ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه ».
« رواه مسلم 3496».
الشاهد أن ابن عباس –رضي الله عنه- لم يكن يعلم بالنسخ إلا في خلافة عمر! فلو كان واجب البيان لكان له علم بالحرمة وكيف لا وهو القريب المتّبع للنبي صلى الله عليه وسلم.
عن علي –رضي الله عنه- أنه سمع ابن عباس –رضي الله عنه- يلين فى متعة النساء فقال: « مهلا يا ابن عباس فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية ».
« رواه مسلم 3500».
ولهذا وذاك قال شيخنا-نفع الله بعلمه-: « والمستفتي تابع للمفتي في اجتهاده وفتواه، ولا يترتب على العمل بالفتوى عتاب وقضاء ولا كفارة ولا عقاب، بل هو مأجور للامتثال للأمر الوارد في قوله تعالى : ?فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ?[النحل:43] وقوله صلى الله عليه وسلم:"ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنّما شفاء العي السؤال"، اللّهم إلاّ إذا ظهر في المسألة المستفتى فيها خطأ قطعا لكون المفتي خالف نصا لا معارض له أو إجماع أمة، فعلى المفتي أن يخبر المستفتي إن كان قد عمل بالفتوى الأولى، وعليهما أن يعدلا عن العمل بها، وإذا كانت الفتوى الأخرى المعتمدة توجب أحكاما ترتبت هذه الأحكام عليهما».
في فتوى بعنوان: « السن الذي ينقطع فيه دم الحيض وما يترتب عليه من أحكام».
فكان عليك -إذ كنت جاهلا- أن تسأل لتتعلم لا لتعارض بجهلك وتسيء للشيخ بغبائك!
ثم يقال –للكموج وغيره- هذا التراجع عن الفتوى هو في حد ذاته اجتهاد أيضا فقد يكون القول الأول هو الصواب-ما لم يكن من قبيل ما ذكر شيخنا-!
رابعا: ليس لك أن تعيب الشيخ بهذا، بل علم حقيقة الأمر والحُكم فيه وهل يلزم التنبيه عليه أم لا يلزم إنما ذلك إلى العلماء لا إليك! فلو يعطى الناس بدعواهم لقال من شاء ما شاء، ورد من شاء ما شاء! ولو فتح باب التصويب والتخطئة للطلبة –فضلا عن الجهلة من أمثالك-! والحكم من خلال ما يرونه خطأ سواء كان مسلَّما لهم أم لا، وسواء كان الطالب ممكَّنا أو لم يكن -كهذا الناقد الناقص-لم يسلم لنا أحد.
فالشيخ ربيع –حفظه الله- تجد كثيرا من الطويلبة انتقدوه وطعنوا فيه بأمور الحق فيها معه، وبعضها نعتقد أنه أخطأ فيها ولكنه لا يستحق أن يُطعن فيه لأجلها، ولو سلمنا أن هناك ما أخطأ فيه لا عن اجتهاد أو تأويل فالله يغفر له لعظيم جهاده، وهو غير معصوم، والقول في غيره كالقول فيه؛ الألباني اتهم بالإرجاء، وابن عثيمين بأمور أخرى، وعلماء المملكة اتهموا بموالاة الكفار وعمالة السلطان وغير ذلك، والمرجع في ذلك قوله تعالى: «وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً».
الحاصل: أن ما قاله –الكموج- لا يلزم بيانه في كل مرة؛ لأن مثل هذه الإلزامات واردة على غير شيخنا –نفع الله بعلمه- ومنهم الشيخ ربيع –حفظه الله تعالى-، فهلا تشجع –الكموج- وقال إنَّ فعل العلماء هذا مضر بالدين!
بل هذا الشيخ الألباني –عليه رحمة الله- ضعّف أحاديث ثم صححها والعكس ولم ينبّه على ذلك في كل تغيير للحكم، حتى جاء من جاء فكتب تراجعاته –عليه رحمة الله-، بعضها بنص الشيخ الألباني في كتبه، وبعضها باجتهاد من جامع التراجعات، وبعضُها يُسلَّم له وبعضُها يخالفه غيرُه فيها، فقد يكون من قبيل اجتهادين يجوز أن يكون الأول منهما صوابا ما لم يتبين بالدراسة الحديثية قطعًا كونُه خطأً محضًا، وقد يكون بعض جامعي التراجعات اعتمد على تاريخ الطباعة دون مراعاة أن بعضها بقي مخطوطا إلى وفاة الشيخ الألباني-رحمه الله- ولم يطبعه مع كونه متقدما على غيره لأنه لم يرض بطباعته حتى يحقِّق بعض ما فيه ويعدِّل فيكون هو المتقدم تأليفا ونظرا، وإن كان متأخرا طباعةً وهكذا...
وكذلك الأئمة الذين سبقوه كالأئمة الأربعة وغيرهم؛ تجد عندهم قولين أو أكثر في المسألة الواحدة، ولم يعلم عنهم أنهم بيّنوا كل تراجع!
ومن المعلوم أن كل عالم لو كرر النظر في كتابه فإنه يحذف أو يزيد أو يعدل وهكذا، جاء في «كشف الظنون 1/14 »، « وقد كتب أستاذ البلغاء القاضي الفاضل: عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني معتذرا عن كلام استدركه عليه : إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا ؟ وها أنا أخبرك به وذلك أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابه في يومه إلا قال في غده : لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جلة البشر ».
حتى في الكتب الحديثية منها؛ كموطإ مالك –مثلا- تجد رواية يحي بن يحي ورواية أبي مصعب بينهما اختلاف في بعض الأحاديث وهما الأكثر اتفاقا من سائر المؤطآت فكيف بغيرها! ورواية القعنبي أوسع الروايات في موطأ مالك، وللدارقطني وغيره اختلاف الموطآت.
قال ابن عبد البر –رحمه الله-: « وقد تأمَّلت روايةَ يحيى فيما أَرْسَلَ من الحديث ووصل في [الموطَّأ]، فرأيتها أشدّ موافقةً لرواية أبي مصعب في [الموطأ] كلّه من غيره، وما رأيت روايةً في [الموطَّأ] أكثر اتِّفاقًا منها ».
« التمهيد 2/339».
وقدّم بقي بن مخلد رواية أبي مصعب لأسباب منها أنها أكثرها عرضا وآخرها رواية، وكل هذا مدعاة للزيادة والنقصان، والتعديل والإضافة.
قال بقيُّ بن مخلد-رحمه الله-: «لما وضعت مُسْنَدِي جاءني عبيدُ الله وإسحاقُ ابنا يحيى ابن يحيى فقالا لي: بلغنا أنَّك وضعتَ كتابًا قدَّمتَ فيه أبا مصعب الزُّهري ويحيى بنُ بكير، وأخَّرت أبانا، فقلت لهما: أمَّا تقديمي لأبي مصعب فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: « قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تقَدَمُوهاَ»، وأمَّا تقديمي لابن بكير فلسِنِّه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: « كَبِّرْ، كَبِّرْ»، ولأنَّه سمع «الموطَّأ» من مالك سبع عشرة مرَّة، وأباكما لم يسمع منه إلاَّ مرَّة واحدة، فخرجا من عنده، وخرجا معه إلى حدِّ العداوة ».
« الصلة لابن بشكوال 1/72، وسير أعلام النبلاء 13/289 ».« ».
فهل وضّح الإمام مالك –عليه رحمة الله- التعديل الذي قام به؟! وهل بيّن –رحمة الله- ما أضافة أو نقص؟!
خامسا: أما محاولة الكموج الجاهل التلبيس على الناس وأن شيخنا –نفع الله بعلمه- أورد كلاما مخالفا ولم يُنبِّه عليه فالجواب:
شيخنا –نفع الله بعلمه- بيَّن ووضح كما في الطبعة الثانية والومضات والاستدراكات التي على موقعه في تيسير الباري في توضيح إشكالات واعتراضات القاري، وليس بالضرورة أن تكون على الوجه الذي يريده المعترض هنا.
ثم الغرض من نقل شيخنا كان لبيان ما يتعلق بالموضوع دون نقد كل الكلام؛ وهذا هو الذي فعله شيخ الإسلام
–رحمه الله- في استدلاله بقول ابن رشد كما في « درء تعارض العقل والنقل 3/398 وما بعدها »، للرد على ابن سينا والرازي والغزالي على ما في كلام ابن رشد من حق وباطل دون التزام لبيان موضع الخطإ فيه عند كل خطإ ولا بعد الكلام المنقول مع طوله حتى إنه يلتبس على من لا دراية له بموضع الصواب والخطإ، فيقول: قال ابن تيمية وهو لابن رشد أو لغيره لعدم التنبيه من ابن تيمية-رحمه الله- ولطول النقل، فقد يروج على القارئ غير المتبصر فيقبله ويظنه حقا، أو في أحسن الأحوال يلتبس عليه الأمر لأنه يظنه من كلام ابن تيمية –رحمه الله- ويغيب عنه أنه لابن رشد -لطول النقل وعدم التنبيه- وهذا حتى لو قرأ القارئ الكتاب من بدايته إلى أن يتم فصلا كاملا، فكيف –والحالة هذه- مع دقة الموضوع وخفاء الحق فيه وكثرة الشبه وو..
ونفس الشيء فعله مع كلام الأشعري والباقلاني في الرد على المتأخرين كالجويني ومن وافقه من الأشاعرة ولم ينبه على كل خطإ في كلامهما؛ لأن الغرض كان في خطإ المتأخرين فيما خالفوهما فيه دون ما أخطآ فيه.
سادسا: أما قوله –هداه الله وأصلحه-:« فيقرأ بعض الناس الخطأ ولا يبلغهم الصواب فيعتقدونه».
والجواب على هذا أن المفتي إذا لم يخالف نصا لا معارض له أو إجماع أمة-كما سبق-؛ فإن المستفتي تابع لمفتيه، وممتلا للأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَسَۡٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم»: أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ«، ولا يترتَّب -على العمل بالفتوى- عِتابٌ ولا قضاءٌ، ولا كفَّارةٌ ولا عقابٌ، بل هو مأجورٌ إن شاء الله.
ينظر فتوي «في السنِّ الذي ينقطع فيه دمُ الحيض وما يترتَّب عليه مِنْ أحكام للشيخ فركوس».
يتبع...
عبد المؤمن عمار الجزائري
بعد ظهر السبت 10 رجب 1440 هـ
الموافق لـ 16 مارس 2019 م
بعد ظهر السبت 10 رجب 1440 هـ
الموافق لـ 16 مارس 2019 م
تنبيهات:
1/ اختلف في ضبط ابن الدخشن: ضبط بضم الدال المهملة وإسكان الخاء المعجمة وضم الشين المعجمة وبعدها ميم .
وضبط في الثانية بزيادة ياء بعد الخاء على التصغير .
وفي بعضها في الثانية مكبر أيضا ثم إنه في الأولى بغير ألف ولام ، وفي الثانية بالألف واللام .
قال القاضي عياض رحمه الله : رويناه دخشم مكبرا ودخيشم مصغرا .
وقال: ورويناه في غير مسلم بالنون بدل الميم مكبرا ومصغرا .
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : ويقال أيضا : ابن الدخش بكسر الدال والشين . والله اعلم.
شرح النووي على مسلم 1/243
2/ ما يتعلق بحاج عيسى مستفاد من الأخ خالد حطالي-وفقه الله-.
3/ بعد كتابة المقال أرسلته إلى أخي الفاضل أبي شعيب علي -وفقه الله-، فكانت منه إضافات مهمة -جزاه الله خيرا.
تعليق