إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المنة الكبرى ما لتحقيق درجة ( اليقين ) من العوائد العظمى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المنة الكبرى ما لتحقيق درجة ( اليقين ) من العوائد العظمى

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    أما بعد :
    فإن من المراتب العظيمة والمنازل الجليلة والمواهب الجزيلة التي يهبها الرب سبحانه لعبده، هي أن يوفق لتحقيق (درجة اليقين)، واليقين متى وصل إلى القلب امتلأ صاحبه نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهم وغم، فامتلأ محبة لله، وخوفا منه ورضا به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه، لذلك كان ( اليقين ) من الإيمان منزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون . فاليقين في الحقيقة هو روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح (1) .
    واليقين أصله من ( يقن ) : يقال : أيقن الأمر يوقن إيقانا، فهو موقن، ويقن ييقن يقنا، فهو يقن. فاليقين: العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر، فهو : نقيض الشك، والعلم نقيض الجهل، تقول علمته يقينا (2) .
    وفي شرح معنى ( اليقين ) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وأما " اليقين " فهو طمأنينة القلب، واستقرار العلم فيه وهو معنى ما يقولون: " ماء يقن " إذا استقر عن الحركة، وضد اليقين الريب. وهو نوع من الحركة والاضطراب يقال: رابني يريبني ومنه في الحديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف فقال: لا يريبه أحد (3) " ثم اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب، وعمل القلب، فإن العبد قد يعلم علما جازما بأمر؛ ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه؛ ولا خالق غيره؛ وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك :
    - إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام، وإن لم تكن ضدا لأصل العلم .
    - وإما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك " (4) .
    وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي : " (اليقين) هو العلم الذي لا تتطرقه الشكوك ولا الأوهام، لا يقبل التغير بحال" (5) .
    و(اليقين) وإن فسر بـ (العلم) إلا أن اليقين أخص من ( العلم)، وهذا لدلالته على العلم الراسخ، المثمر للعمل والطمأنينة (6) .
    وقد جاء مدح الله سبحانه في كتابه الكريم لأهل اليقين، وللموقنين وخصهم بأمرين :
    الأول : أنهم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الأفقية، ومن الآيات القرآنية الواردة في مدحهم الآتي :
    1 – قال الله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} [سورة البقرة: 4] .
    2 - قال الله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون } [سورة البقرة: 118].
    3 - قال الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل الرحمن : {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} [سورة الأنعام: 75] .
    4 – قال الله تعالى : { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } [ المائدة: 50].
    5 – قال الله تعالى : {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [سورة السجدة: 32] .
    6 – قال الله تعالى : { وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون } [سورة الجاثية: 4] .
    7 - قال الله تعالى: { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } [سورة الجاثية: 20].
    الثاني : الهدى والفلاح لأهل الإيقان من بين العالمين، قال الله تعالى: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [سورة البقرة: 4 - 5] .
    وفي المقابل قد جاء ذم الله تعالى لمن لا يقين عنده، ومن الآيات في ذلك الآتي :
    1 – قال الله تعالى : { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } [سورة النمل: 82] ، قال العلامة السعدي رحمه الله : " أي: إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته،{ أخرجنا لهم دابة} خارجة {من الأرض} أو دابة من دواب الأرض ليست من السماء. وهذه الدابة { تكلمهم } أي: تكلم العباد أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أي: لأجل أن الناس ضعف علمهم ويقينهم بآيات الله، فإظهار الله هذه الدابة من آيات الله العجيبة ليبين للناس ما كانوا فيه يمترون.
    وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث [ولم يأت دليل يدل على كيفيتها ولا من أي: نوع هي وإنما دلت الآية الكريمة على أن الله يخرجها للناس وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه والله أعلم " (7) .
    2 - قال الله تعالى : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون } [ الطور: 35-36] .
    قال ابن كثير رحمه الله : " أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده، لا شريك له، ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك " (8) .
    3 - قال الله تعالى عن أهل النار: {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [سورة الجاثية: 32] .
    والسلف الصالح من صدر هذه الأمة، هم : خير القرون المفضلة بنص الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه و يمينه شهادته "(9) .
    فهؤلاء الأخيار الأتقياء من الصحابة الكمل – رضي الله عنهم - ممن اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وإقامة دينه، ولم يكن الله - تعالى - ليختار - وهو العليم الحكيم - لصحبة نبيه إلا من هم أكمل الناس إيماناً، وأرجحهم عقولاً، وأقومهم عملاً، وأمضاهم عزماً، وأهداهم طريقاً، ويقينا راسخا فكانوا لمن جاء بعدهم قدوة في أقوالهم وأفعالهم، ودليل كون الصحابة ( أهل يقين )، ما جاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل" (10) .
    ففي الحديث الإخبار من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أن صلاح أول الصدر الأول كان من أحد أسباب صلاحه هو رسوخ ( اليقين ) في قلوبهم، قال عبد اله بن مسعود رضي الله عنه : " اليقين الإيمان كله " (11) .
    قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى : اليقين: هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال، فيوجب قوة التصديق حتى ينفي الريب ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به، وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله. وكذا قال الشعبي - أيضا - ... إنما مراده ( ابن مسعود ) : أن اليقين هو أصل الإيمان كله، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة فنشأ ذلك كله عن اليقين .
    قال الحسن البصري: ما طلبت الجنة إلا باليقين ولا هرب من النار إلا باليقين، ولا أديت الفرائض إلا باليقين، ولا صبر على الحق إلا باليقين . وقال سفيان الثوري: لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقا إلى الجنة وخوفا من النار .
    ويذكر عن لقمان قال: العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله، قال عبد الله بن عكيم: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفهما " (12) .
    ونذكر هنا مثالا لما اتصف به الجيل الطيب الخير من الإيقان الراسخ في أفئدتهم، والعلم الثابت في قلوبهم الذي أثمر لهم الإيمان التام، والأعمال الصالحة النافعة المشتملة على الإخلاص للمعبود، وصدق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فلا يطلق " الموقن " إلا على من استقر في قلبه العلم والعمل " (13) .
    ودونكم إخواني القراء الأمثلة الشاهدة على شدة يقين الصحابة – رضي الله عنهم –، وهي كالآتي :
    الأول : عن عائشة رضي الله عنها قالت: " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس فمن كان آمنوا به وصدقوه، وسمعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق " (14) .
    فليتمعن الناظر في ما خرج بين شفتي أبي بكر الصديق رضي الله عنه ذي الإيقان وهو قوله: " نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة" فيا له من كلام عظيم أخذ بمجامع الأفئدة، لذلك بسببه سمي – رضي الله عنه - بـ " الصديق " .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " وهذا مما يعرف به أن أبا بكر - رضي الله عنه - لن يكون أحد مثله، فإن اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد. قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه .
    وهكذا سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول، مؤمنين به مجاهدين معه، إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم.
    وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم – " أنه رفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" .
    وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم " وفي لفظ : " هل فيكم من رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب من صحب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم "، هذا لفظ بعض الطرق، والثلاث الطبقات متفق عليها في جميع الطرق، وأما الطبقة الرابعة فهي مذكورة في بعضها .
    وقد ثبت ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - على القرون الثلاثة في عدة أحاديث صحيحة، من حديث ابن مسعود وعمران بن حصين يقول فيها: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " ويشك بعض الرواة هل ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة .
    والمقصود : أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة، بل لحقائقها التي في القلوب، والناس يتفاضلون ذلك تفاضلا عظيما " (15) .
    الثاني : عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي باهلة، فانتهيت إليهم وأنا طاو، فأتيت وهم على الطعام، -وفي رواية: يأكلون دما- ، فرجعوا بي وأكرموني، قالوا: مرحبا بالصدي بن عجلان، قالوا: بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل. قلت: لا ولكن آمنت بالله وبرسوله، وبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم أعرض عليكم الإسلام وشرائعه، وقالوا: تعال كل، فقلت: ويحكم إنما جئت لأنهاكم عن هذا، وأنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيتكم لتؤمنوا به، فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ، فكذبوني وزبروني، فقلت لهم: ويحكم ائتوني بشيء من ماء فإني شديد العطش، قال: وعلي عمامتي، قالوا: لا ولكن ندعك تموت عطشا ! ، فانطلقت وأنا جائع ظمآن قد نزل بي جهد شديد. قال: فاغتممت، وضربت رأسي في العمامة فنمت في الرمضاء في حر شديد فأتيت في منامي بشربة من لبن لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منها، فشربت ورويت وعظم بطني، فقال القوم: أتاكم رجل من خياركم وأشرافكم فرددتموه، فاذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي. فأتوني بطعام! قلت: لا حاجة لي في طعامكم وشرابكم، فإن الله قد أطعمني وسقاني، فانظروا إلى الحال التي أنا عليها، فأريتهم بطني ، فنظروا، فآمنوا بي وبما جئت به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا عن آخرهم " (16) .
    الثالث : عن أنس رضي الله عنه، قال : أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع، فقال: " ويحك، أو هبلت(17) ، أو جنة واحدة هي، إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس " (18) .
    الرابع : عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟، وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم "، فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة "، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد " (19) .
    الخامس : عن جابر رضي الله عنه، قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا، فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية(20) غير أذنه" (21) .
    السادس : عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بُسَيْسَةَ (22) عينا (23) ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري، وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم، فقال: " إن لنا طلبة (24)، فمن كان ظهره (25) حاضرا فليركب معنا" ، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم(26) في علو المدينة، فقال: " لا، إلا من كان ظهره حاضرا "، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه (27) "، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض "، قال: - يقول عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الأنصاري: - يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: " نعم"، قال: بخ بخ (28)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يحملك على قولك بخ بخ ؟" قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها (29) ، قال: " فإنك من أهلها"، فأخرج تمرات من قَرَنِهِ (30)، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل" (31) .
    ظهر بهذا التقرير لكل ذي لب رفعة مرتبة مقام (اليقين)، وأهميته لأهل الدين، في ضرورة وجوب تحصيله، ولا سيما أهل العلم منهم، لأجل أن العلم النافع هو الذي يتولد من اليقين، وباليقين يثمر العمل والقوة والنشاط ، والاندفاع نحو الخير، وإلتزام منهج الهداية والنور، و الثبات على الهدى، والتسلح بالحقائق الشرعية والمعارف الإيمانية الداحضة لخيوط الباطل، وكلما ارتقى المرء في العلوم المفيدة المزكية للعقول، المطهرة للقلوب، المُصلحة للأحوال، كلما حصل له زيادة اليقين .
    ولزيادة ترسيخ ( الإيقان) في الأنفس والأذهان، وإبداء مقامه العظيم في الدين، أعرج على ذكر مثال مهم يختص بأحوال الناس قبالة ما أحدث من المقالات الباطلة والآراء البائسة، التي تختلف نتائجها وثمراتها باختلاف الناس :
    1- فتحدث لأناس الجهل والضلال.
    2 - ولأناس الشك والارتياب.
    3- ولأناس زيادة العلم واليقين.
    أما الذين تلتبس عليهم ويعتقدونها على عِلاَّتها، أو يقلدون فيها غيرهم من غير معرفة بها، بل يأخذونها مسلمة؛ فهؤلاء يضلون ويبقون في جهلهم يعمهون، وهم يظنون أنهم يعلمون ويتبعون الحق، وما أكثر هذا الصنف! فدهماء أهل الباطل كلهم من هذا الباب؛ ضلال مقلدون.
    وأما الذين تحدث لهم الشك؛ فهم الحذاق ممن عرف الشبه، وميز ما هي عليه من التناقض والفساد، ولم يكن عنده من البصيرة في الحق ما يرجع إليه؛ إنهم يبقون في شك واضطراب، يرون فسادها وتناقضها، ولا يدرون أين يُوجهون.
    وأما الذين عندهم بصيرة وعلم بالحق؛ فهؤلاء يزدادون علماً ويقيناً وبصيرةً؛ إذا رأوا ما عارض الحقَّ من الشبه، واتضح لهم فسادها، ورأوا الحق محكماً منتظماً، فإن الضدَّ يظهر حسنه بضده، ولهذا كانت معارضات أعداء الرسل للرسل وأتباعهم من أهل العلم والبصيرة لا تزيد أهل الحق إلا يقيناً وبصيرة.
    ويشبه هذا الابتلاء والامتحان الذي يعرض للعباد عند الأوامر الشرعية أو عند ترك النواهي؛ فإنه يحدث الشك والاضطراب أو الجهل والضلال؛ لأمثال المنافقين وضعفاء الإيمان، كما قال الله عنهم: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } [سورة الأحزاب: 12] حين اشتد الأمر، وتكالبت الأحزاب، وظنوا بالله ودينه الظنون الخاطئة .
    كما تحدث لأناس زيادة اليقين والإيمان، { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } [ سورة الأحزاب: 22] ؛ فالشبهات والمحن والابتلاء لهؤلاء الموفقين تخليص لإيمانهم، وزيادة لإيقانهم، وتأسيس لصدقهم، وهؤلاء هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا " (32).
    وهذا الطرح المتين من العالم الرباني السعدي رحمه الله في وصف ( أهل البصيرة واليقين والعرفان )، يرشد إلى ما عليه دعوة أهل السنة السلفيين، وهو أن سبيلهم المصفى بِمَنْأى عن كدر المقالات الباطلة والبدع المستهجنة، وما تـبَـوّءوا هذه المنزلة إلا لما وفقهم الله تعالى بمنه وفضله إلى أمور تحققت فيهم، ونأتي على شيء منها، فمن ذلك الآتي :
    الأول : هدايتهم إلى جناب التوحيد الصحيح، الذي هو أهم المهمات وأوجب الواجبات، حيث يعتقدون ويؤمنون بتفرد الله بصفات الكمال، وإفراده بأنواع العبادة، ويدخل في هذا ( توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والعبادة )، وأبين بإيجاز هذه الأقسام ، قصد توضيح تمام يقين أهل الدعوة السلفية، المبرهن عن صحة علومهم، وعظيم تصديقهم وهي كالآتي :
    القسم الأول : توحيد الربوبية : وهو: الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر، وهذا التوحيد يقر به الكافر والمسلم، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية (33)، قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله : وكثيراً ما يحتج على المشركين في شركهم وعبادتهم لآلهتهم من دون ربهم بإلزامهم باعترافهم بربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء، والرازق لكل شيء، فيتعين أن يكون هو المعبود وحده.
    فانظر إلى هذا البرهان، وكيف ينتقل الذهن منه بأول وهلة إلى وجوب عبادة من هذا شأنه، ذلك أن آثار ربوبيته تنادي بوجوب الإخلاص له "(34) .
    ومن دلائله العظيمة ما جاء من قول الله تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [ سورة الذاريات: 21]، قال الإمام الجليل ابن القيم رحمه الله : " لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه؛ دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه.
    فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل.
    فإنه إذا نظر إلى نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمة، وأدلة التوحيد على ربه ناطقة شاهدة لمدبره، دالة عيه، مرشدة إليه ... " (35) .
    وآثار توحيد الربوبية على أهل العرفان والإيمان الفضلاء يتجلى في إيقانهم أن هذا الرب هو الخالق الذي أوجد جميع مخلوقاته بعد عدمها، وأنه الرازق الذي أجرى عل الخلق أرزاقهم، وكذلك هو المدبر : الذي تنْزل الملائكة من السماء إلى الأرض بتدبيره، وتصعد إلى السماء بتدبيره، ويسير السحاب بتدبيره، وتصرف الرياح بتدبيره، وكذا جميع خلقه، هو الذي يدبرهم على ما يريد، وأن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه الغني الحميد، وما سواه فقير إليه من كل وجه، ووقوعهم تحت قهره وسلطانه، وكل ذلك أورث لهم من ذوق طعم الإيمان وحلاوته. ويفسره ما جاء في الحديث عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا "(36) ، وعن سعد بن أبي وقاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا، غفر له ذنبه"(37) .
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كلام نفيس جدا : " وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين، وإليهما ينتهي. وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته. والرضا برسوله، والانقياد له. والرضا بدينه، والتسليم له، ومن اجتمعت له هذه الأربعة: فهو الصديق حقا، وهي سهلة بالدعوى واللسان، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها، من ذلك تبين أن الرضا كان لسانه به ناطقا، فهو على لسانه لا على حاله .
    فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه. فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا. وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له .
    والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده. ويتضمن إفراده بالتوكل عليه. والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه. وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به .
    فالأول: يتضمن رضاه بما يؤمر به. والثاني: يتضمن رضاه بما يقدر عليه .
    وأما الرضا بنبيه رسولا: فيتضمن كمال الانقياد له. والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه. فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته. ولا يحاكم إلا إليه. ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة. لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله. ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته. ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه. لا يرضى في ذلك بحكم غيره. ولا يرضى إلا بحكمه. فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم. وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور .
    وأما الرضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضا. ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليما، ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته.
    وهاهنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم. فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد. فإنه والله عين العزة، والصحبة مع الله ورسوله، وروح الأنس به، والرضا به ربا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا .
    بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب، وذاق حلاوته، وتنسم روحه. قال: اللهم زدني اغترابا، ووحشة من العالم، وأنسا بك. وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب، وهذا التفرد: رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذل عين العز بهم. والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم. فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدا من الخلق. ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان. وغايته: مودة بينهم في الحياة الدنيا. فإذا انقطعت الأسباب. وحقت الحقائق، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وبليت السرائر، ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر: تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران. وما الذي يخف أو يرجح به الميزان. والله المستعان، وعليه التكلان" (38) .
    القسم الثاني : توحيد الأسماء والصفات وهو : إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، ، قال تعالى: {ليس كمثله شيء} فهذا رد على الممثلة {وهو السميع البصير} [سورة الشورى: 11] رد على المعطلة.
    وقولهم في الصفات مبني على أصلين:
    أحدهما: أن الله سبحانه وتعالى منزه عن صفات النقص مطلقا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك، مع اعتقادهم ثبوت كمال ضده لله تعالى.
    والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء] من المخلوقات في شيء من الصفات.
    وتوحيدهم إنما هو من كمال الإيمان بالله تعالى، والعلم بهذا الباب العظيم من حيث تفاصيل أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعانيها الثابتة في الكتاب والسنة؛ وفهمها فهما صحيحا، ينتج عنه امتلأ القلوب بمعرفة الله، وتعظيمه، وإجلاله، ومحبته، والخشية والرهبة في القلب ، والإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره، وتمام اليقين، والرسوخ في العلوم، وقوة التصديق، ولهذا قال الله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء} [ سورة فاطر: 28] ، قال الحافظ الفقيه المفسر ابن كثير رحمه الله : أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى -كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء}[ سورة فاطر: 28] قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير " (39) .
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله : وأعظم النور وأبلغه ما يحصل للقلب بمعرفة الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله "(40) .
    وتوحيد الأسماء والصفات لا يكفي في حصول الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، من توحيد الربوبية والإلهية.
    القسم الثالث : توحيد الألوهية وهو : إفراده وحده بأجناس العبادة وأنواعها من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده، وإفرادها من غير إشراك به في شيء منها مع اعتقاد كمال ألوهيته .
    وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: ( لا إله إلا الله) فإن الإله هو : المألوه المعبود - هذا هو تفسير هذه اللفظة، بإجماع أهل العلم- الدالة على إخلاص العبادة بأنواعها له سبحانه، والبراءة من كل معبود سواه، والقيام بذلك علماً وعملاً، فإنّ هذا هو أصل الدين وقاعدته، والحكمة التي لأجلها خلقت الخليقة قال تعالى: { وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} [سورة الذاريات آية: 56] ، وشرعت الطريقة، وأرسلت لأجلها الرسل ،وبها أنزلت الكتب، وجميع أحكام الأمر والنهي تدور عليها وترجع إليها، (41) .. وهي أول ما يدخل في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله، وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل فهي قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام (42) .
    وبسبب الغفلة عن هذا الأمر الواجب، والانصراف عنه وعدم العناية به والدعوة إليه، قد كان من آثاره هذا الواقع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم من ذلة الشعوب، وإنتشار الفوضى، والاضطرابات، يضاف معه الإفساد في الأرض بالمعاصي، وصار الأمر كما قيل: إذا كثر الإمساس، قل الإحساس(43)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:" ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك، فسببه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، والدعوة إلى غير الله" (44) .
    ومما يضاد إصلاح الأرض: إفسادها بالشرك بالله تعالى، كما بين ذلك ربنا الله تعالى قائلا في كتابه: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها }[ سورة الأعراف: 56]، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:" قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي، والداعي إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله مفسد؛ فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره والشرك به هو: أعظم الفساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله، ومخالفة أمره، قال الله تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس }[ سورة الروم: 41].، قال عطية في الآية : "ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم "،وقال غير واحد من السلف : " إذا قحط المطر فالدواب تلعن عصاة بنى آدم، فتقول : اللهم العنهم فبسببهم أجدبت الأرض، وقحط المطر".
    وبالجملة، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، أو مطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم، هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره، إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، وبالأمر بالتوحيد، ونهى عن فسادها بالشرك به، ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم"(45) .
    قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى:" ومن المعلوم أن هذه العوامل قام بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة أولا، ثم في المدينة ، "ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا الذي صلح به أولها"، كما قال أهل العلم والإيمان، ومن جملتهم الإمام المشهور مالك بن أنس إمام أهل الهجرة في زمانه، والفقيه المعروف أحد الأئمة الأربعة قال هذه المقالة، وتلقاها أهل العلم في زمانه وبعده، ووافقوا عليها جميعا: " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ".
    والمعنى: أن الذي صلح به أولها وهو اتباع كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم هو الذي يصلح به آخرها إلى يوم القيامة.
    ومن أراد صلاح المجتمع الإسلامي، أو صلاح المجتمعات الأخرى في هذه الدنيا بغير الطريق والوسائل والعوامل التي صلح بها الأولون فقد غلط، وقال غير الحق، فليس إلى غير هذا من سبيل، إنما السبيل إلى إصلاح الناس وإقامتهم على الطريق السوي، هو السبيل الذي درج عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، ودرج عليه صحابته الكرام، ثم أتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا، وهو العناية بالقرآن العظيم، والعناية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوة الناس إليهما والتفقه فيهما، ونشرهما بين الناس عن علم وبصيرة وإيضاح ما دل عليه هذان الأصلان من الأحكام في العقيدة الأساسية الصحيحة" (46) .
    ولما كان هذا الإهتمام بالتوحيد ومحاربة البدع والتنديد من أسس أهل السنة، فقد أثمر لهم ذلك مجموعة من النعوت والخلال لا تعرف عند من تنكب طريق الرشد، وسلك طرق الغي، وهي كالآتي :
    1 - مجانبتهم للبدع والأهواء المضلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:" وكلما كان الرجل أتبع لمحمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم توحيدا لله وإخلاصا له في الدين، وإذا بعد عن متابعته نقص من دينه بحسب ذلك، فإذا كثر بعده عنه ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى إتباع الرسول"(47) .
    2 – انفتاح معرفة قدر التوحيد عند الله تعالى ، وقدر الشرك ، وهذا لما تحقق لهم من حقائق معاني شروط ( شهادة أن لا إله إلا الله ) الثقال ، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : " وقد تفاوت الناس في هذا التوحيد، الذي هو معنى لا إله إلا الله؛ فهما وعلما، واعتقادا وعملا، أعظم تفاوت: فمنهم من يقولها: عن علم ويقين، صدقا مخلصا من قلبه، وأدى حقوقها، وعمل بمقتضاها، من المعاداة لأهل الشرك بالله، والموالاة لأهل التوحيد، متقدمهم، ومتأخرهم، واستقام على ذلك، ولم يأت بما يبطلها .."(48) .
    3 - كمال عقولهم، فصحت لهم المدارك والأعمال والسلوك، قال العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى:" وكلما كان الرجل عن الرسول أبعد كان عقله أقل وأفسد، فأكمل الناس عقولا أتباع الرسل وأفسدهم عقولا المعرض عنهم وعما جاءوا به، ولهذا كان أهل السنة والحديث أعقل الأمة، وهم في الطوائف كالصحابة في الناس"(49) .
    4 – رزانة عقولهم، فلا تندفع مع الطائشين عند تتابع الزلال والمحن، يدل عليه قول الله تعالى : { فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} [ الروم: 60] ،قال العلامة ابن القيم رحمه الله : " فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر؛ فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم، وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين لما خفوا، ولما استخفوا، فمن قل يقينه قل صبره، ومن قل صبره خف واستخف.
    فالموقن الصابر رزين ملآن، ذو لب وعقل، ومن لا يقين له ولا صبر خفيف طائش، تلعب به الأهواء والشهوات، كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف. والله المستعان "(50) .
    5- حسن فهومهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا لصفاء قلوبهم من سوء القصد .
    6- الثبات والاستقرار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله، وكان من أهل الحق والإستقامة، والإعتدال ... "(51) .
    7 – وهذه نعوت كذلك متنوعة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال : "فهم أكمل الناس عقلا وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا،ً وأقومهم جدلاً، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهاما، وأحدهم بصرا ومكاشفة، وأصوبهم سمعا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجداً وذوقا وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل.
    فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمون أحد وأسد عقلا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق يقوي الإدراك ويصححه، قال تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى} [سورة محمد: 17] ، وقال: { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لأتيناهم من لدنا أجراً عظيما ولهديناهم صراط مستقيما } [ سورة النساء: 66] " (52).
    8 – صدعهم بكملة الحق المجلجلة، وإرسالها في وجوه المخالفين صيحة داوية، وهذا من عناصره : التحلي باليقين بقطع تعلق قلوبهم بالمخلوقين، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : " فمن حقق اليقين، وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا، ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك كان زاهدا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له شيء من الدنيا كما قال عمار: كفى بالموت واعظا، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلا.
    وقال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحدا على رزق الله، ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره، فإن الله تبارك وتعالى - بقسطه وعلمه وحكمه - جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط "(53) .
    من مجمل ما تقدم نخلص إلى نتيجتين :
    الأولى : أن العلم بالتوحيد – عند أهل السنة السلفيين - أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق. ونيله من أشرف المواهب،) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والعلم الأعلى هو العلم بالأعلى. كما قال: {سبح اسم ربك الأعلى} [سورة الأعلى:1]، فكذلك العلم به سيد جميع العلوم وهو أصل لها "(54) .
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله عند حديثه على أركان ( علم اليقين(55)) الثلاثة، ومنها : الوقوف على ما قام بالحق سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله، وهو علم التوحيد، الذي أساسه: إثبات الأسماء والصفات. وضده: التعطيل والنفي، والتهجم. فهذا التوحيد يقابله التعطيل.
    وأما التوحيد القصدي الإرادي، الذي هو إخلاص العمل لله، وعبادته وحده: فيقابله الشرك، والتعطيل شر من الشرك، فإن المعطل جاحد للذات أو لكمالها. وهو جحد لحقيقة الإلهية. فإن ذاتا لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا ترضى، ولا تغضب، ولا تفعل شيئا. وليست داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة، ولا مجانبة له، ولا مباينة له، ولا مجاورة ولا مجاوزة، ولا فوق العرش، ولا تحت العرش، ولا خلفه ولا أمامه، ولا عن يمينه ولا عن يساره: سواء هي والعدم.
    والمشرك مقر بالله وصفاته، لكن عبد معه غيره. فهو خير من المعطل للذات والصفات، فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته، ونعوت كماله، وتوحيده" (56) .
    الثانية : بيان عظم يقين أهل السنة وآثاره النفيسة عليهم، فحصل لهم التقدم والتفاوت عن غيرهم ، وفي هذا قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : " فرحم الله امرأ نصح نفسه، وعرف أن وراءه جنة ونارا، وأن الله عز وجل جعل لكل منهما أعمالا. فإن سأل عن ذلك، وجد رأس أعمال أهل الجنة: توحيد الله تعالى، فمن أتى به يوم القيامة، فهو من أهل الجنة، قطعا، ولو كان عليه من الذنوب مثل الجبال، ورأس أعمال أهل النار: الشرك بالله، فمن مات على ذلك، فلو أتى يوم القيامة بعبادة الله الليل والنهار، والصدقة والإحسان، فهو من أهل النار قطعا، كالنصارى، الذين يبني أحدهم صومعة في البرية، ويزهد في الدنيا، ويتعبد الليل والنهار، لكنه خلط ذلك بالشرك بالله، تعالى الله عن ذلك، قال الله عز وجل: { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [سورة الفرقان: 23] ، وقال تعالى: { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء} [سورة إبراهيم: 18] . .
    فرحم الله امرأ، تنبه لهذا الأمر العظيم، قبل أن يعض الظالم على يديه، ويقول: { يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} [سورة الفرقان: 27] .
    نسأل الله: أن يهدينا، وإخواننا المسلمين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم العلماء، الذين علموا ولم يعملوا، وطريق الضالين، وهم العباد الجهال " (57) .
    الثاني : يتسم موقف أهل السنة والتوحيد بتعظيم ( النص الشرعي ) فيظهرون الطواعية والانقياد والاستسلام التام، كما عليه سلف الأمة الأخيار ولذلك كان ( تعظيم النص الشرعي) أصل من أصول منهج السلف العظيمة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده "(58) .
    وقال العلامة ابن القيم رحمه الله : " وإذا أردت فهم هذا فانظر هل كان في الصحابة من إذا سمع نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه بقياسه، أو ذوقه، أو وجده، أو عقله، أو سياسته؟ وهل كان قط أحد منهم يقدم على نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلا أو قياسا، أو ذوقا، أو سياسة، أو تقليد مقلد؟ فلقد أكرم الله أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه من هذا حاله، أو يكون في زمانهم، ولقد حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على من قدم حكمه على نص الرسول بالسيف، وقال: هذا حكمي فيه، فيالله ! كيف لو رأى ما رأينا، وشاهد ما بلينا به من تقديم رأي كل فلان وفلان على قول المعصوم صلى الله عليه وسلم، ومعاداة من اطرح آراءهم، وقدم عليها قول المعصوم؟ فالله المستعان، وهو الموعد، وإليه المرجع "(59) .
    وأدلة هذا الأصل العظيم، والتأكيد عليه كثيرة مستفيضة، ومن هذه الأدلة الآتي :
    1 - قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } [سورة الحجرات : 1] .
    قال أبو عبد الله القرطبي : أصل في ترك التعرض لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وإيجاب اتباعه والاقتداء به "(60) .
    2 – قال الله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } [سورة النساء: 65] .
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله : " فأقسم سبحانه بأجل مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع ابواب الدين. فإن لفظة " ما " من صيغ العموم فإنها موصلة تقتضي نفي الإيمان أو يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم. ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه حيث لا يجدون في أنفسهم حرجا - وهو الضيق والحصر - من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالإنشراح، ويقابلوه بالتسليم لا أنهم يأخدونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لابد أن يكون أخذه بقبول ورضا وانشراح صدر.
    ومتى أراد العبد أن يعلم هذا فلينظر في حاله، ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها { بل الأنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} [سورة القيامة: 14 -15].
    فسبحان الله! كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم أن لو لم ترد؟ وكم من حرارة في أكبادهم منها، وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها ؟ ، ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر.
    ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى { ويسلموا تسليما } فذكر الفعل مؤكدا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين. وهو التسليم والخضوع له والإنقياد لما حكم به طوعا ورضا، وتسليما لا قهرا ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرها، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شئ إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه وأبر به منها وأقدر على تخليصها. فمتى علم العبد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستسلم له، وسلم إليه، انقادت له كل علة في قلبه ورأى أن لا سعادة له إلا بهذا التسليم والإنقياد " (61).
    والحامل لأهل السنة على تعظيم ( النص الشرعي ) ينطلق من الأصل الكبير الجليل وهو (تعظيم الله تعالى) أساس العبودية، ومجمع الإيمان، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : " أول مراتب تعظيم الحق عز وجل: تعظيم أمره ونهيه، وذلك المؤمن يعرف ربه عز وجل برسالته التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس ومقتضاها : الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز وجل واتباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالاً على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالايمان والتصدق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر "(62) .
    الثالث : تلقي أحكام الدين أصوله وفروعه من علماء السنة السلفيين، أصحاب اليقين وتعظيم نصوص الوحيين، ومن أبين ما يدل القارئ الفاضل على رسوخهم مما يميزهم عن غيرهم الآتي :
    أ - أن الضلالات والآراء الفاسدة لا تصدر من قبلهم، قال العلامة الشاطبي- رحمه الله- : " أن البدع لا تقع من راسخ في العلم، وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها "(63) .
    ب - رسوخ أقدامهم في مواطن الشبهات حين تضل الأفهام، وتتزلزل الأقدام، قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - : " إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر، ما أزالت يقينه و لا قدحت فيه شكا، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة "(64) .
    وحرس العلم وجيشه إنما أثمر ثماره الجنية عند الراسخين في العلم؛ الثابتي الأقدام في علم الشريعة(65) ، لاتصافهم بمعالم مهمة وهي :
    1 - اليقين والثبات.
    2 -الصبر عن الأهواء المخالفة للشرع (66) .
    3 – معرفة قدر أنفسهم، وتنزيلها منزلتها .
    4 – ما كان في قلوبهم من تعظيم الكتاب والسنة .
    وبهذا استحق هؤلاء الهداة أن يكونوا أئمة في الدين، قال الله تعالى: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، [سورة السجدة: 24]، وقال سبحانه عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [سورة النحل: 120-121] .
    وفي شرح درجة الإمامة في الدين يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:" بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"(67).
    وبضد منهج أهل الرسوخ واليقين والإيمان القائم على دلائل الكتاب وأنوار السنة وقفو الآثار السلفية تجد أن أهل الضلال قد استولى عليهم الفساد والانحراف في دينهم ، يعود هذا لشيئين :
    الأولى : تكلمهم بالباطل، وإعتقاده، والمراد ( البدع والضلالات )، والفساد الحاصل إنما هو من جهة (الشبهات) .
    الثانية : عملهم بخلاف ما يرشد إليه العلم الصحيح، وهذا يراد به ( فسق الأعمال)، والفساد هنا إنما هو بسبب ( الشهوات ) .
    ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه .
    وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون" (68) .
    و أصل كل فتنة قامت وراجت في الناس سوقها إنما تتولد من شيئين:
    1 - تقديم الرأي على الشرع (فتنة الشبهة) المانعة من كمال التصديق .
    2 – تقديم الهوى على العقل (فتنة الشهوة) المانعة من كمال الامتثال .
    قال العلامة ابن القيم : "وكل من له مسكة من عقل، يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، و لا في أمة إلا فسد أمرها أتم الفساد ، فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من هدى، وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } [سورة الملك: 10] " (69) .
    وفي شرح خطة هذا الضرب وحالهم مع النصوص يقول العلامة اللألكائي رحمه الله" فهو راكض ليله ونهاره في الرد على كتاب الله تعالى وسنة - رسوله صلى الله عليه وسلم - والطعن عليهما، أو مخاصما بالتأويلات البعيدة فيهما، أو مسلطا رأيه على ما لا يوافق مذهبه بالشبهات المخترعة الركيكة، حتى يتفق الكتاب والسنة على مذهبه، وهيهات أن يتفق ..
    ولو أخذ سبيل المؤمنين، وسلك مسلك المتبعين، لبنى مذهبه عليهما واقتدى بهما، ولكنه مصدود عن الخير مصروف" (70).
    الرابع: حصول الفرقان لهم، وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة (71)، والفتن عامة، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [ سورة الفرقان:29 ] .
    فأوضحت هذه الآية الكريمة على أن أساس الفرقان لكل ما سبق، إنما يرجع إلى التحلي بتقوى الله تعالى، قال بكر المزني رحمه الله تعالى:" لما كانت فتنة ابن الأشعث، قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى، فقال: العمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله".
    قال الحافظ الذهبي رحمه الله معلقا : أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بترو من العلم والإتباع، ولاينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن دوام على هذه الوصية فقد فاز"(72) .
    وهذا الفرقان إنما تحقق لأهل الحق بالإخلاص لله تعالى، وصدق المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:" فمن كان أعظم اتباعا لكتابه الذي أنزله ونبيه الذي أرسله كان أعظم فرقانا، ومن كان أبعد عن اتباع الكتاب والرسول، كان أبعد عن الفرقان، واشتبه عليه الحق بالباطل كالذين اشتبه عليهم عبادة الرحمن، بعبادة الشيطان والنبي الصادق بالمتنبئ الكاذب، وآيات النبيين بشبهات الكذابين، حتى اشتبه عليهم الخالق بالمخلوق"(73) .
    وأما من كان فاقدا للفرقان على النحو المذكور، فإن أمره كما قال العلامة ابن القيم : " فمن لم يكن فرقه قرآنيا محمديا، فلا بد له من قانون يفرق به: إما سياسة سائس فوقه، أو ذوق منه أو من غيره، أو رأي منه أو من غيره، أو يفرق فرقا بهيميا حيوانيا بحسب مجرد شهوته وغرضه أين توجهت به، فلا بد من التفريق بأحد هذه الوجوه.
    فلينظر العبد من الحاكم عليه في الفرق، وليزن به إيمانه قبل أن يوزن، وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، وليستبدل الذهب بالخزف، والدر بالبعر، والماء الزلال بالسراب الذي { يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [سورة النور: 39] قبل أن يسأل الرجعة إلى دار الصرف، فيقال: هيهات! اليوم يوم الوفاء، وما مضى فقد فات، أحصي المستخرج والمصروف، وستعلم الآن ما معك من النقد الصحيح والزيوف "(74) .
    وأيضا مما يعطيه الله تعالى للمتقي ذي الفرقان والإيقان: الفراسة الصائبة، وأصلها من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك ويستنير(75)، قال الله تعالى: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [ سورة الأنعام : 122] .
    وهذه الفراسة إنما يختص بها فقط أفراد من الناس، كما يدل عليه حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم "(76) ، وهذه الفراسة إنما هي :" على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة " (77)، هذا مع ".... جودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر ... وتفريغ القلب من حشو الدنيا وتطهيره من المعاصي، وكدورة الأخلاق، وفضول الدنيا " (78)، لأجل ذلك اختص بهذا النوع الإيماني من الفراسة أفراد من الناس؛ وممن عرف بنور الفراسة الصائبة من هذه الأمة الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد كان أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتعد فراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة (79)، وكذلك من بعدهم من أئمة السلف .
    وعلماء عصرنا اليوم؛ عصر الفتن، - أيضا- اتسموا بالفراسة الصائبة، والبصيرة النافذة، والنظر إلى مآلات الأمور وعواقبها، ومن تلك الدلائل: تحذير الناس من خطر الفتن المبيرة، وفضح ما يحاك لهم من خيوط المكر، عن طريق المغرضين وسماسرة الأعداء ، ولأجل ذلك كان لهم في هذه المسائل والنوازل القدح المعلى، والباع الأعلى، لاسيما في ظل النزوات الثورية، مثلما حصل – ولا زال وقانا الله وإياكم الفتن وشرها - من الثورات المسماة بـ ( الربيع العربي)، وما كان قبلها من دعاية للمسيرات والمظاهرات، التي تلوح فيها الشعارات المؤنقة؛ التي ظاهرها جميل، وباطنها يقبع على العذاب الوبيل، فمن آثارهم الحسنى الكلمات النيرة والفتاوى الرصينة القاضية بحرمة هذه الأعمال ، والسعي في إطفاء نار الفتنة بعد اقتداحها، والمطلع لن يجد ما يدل على تناقض أقوالهم أو اختلاف أطروحاتهم مما يضاد تقريرات مذهب أهل الحق، قال العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: فما تجد سنيا يحمل لواء هذه المظاهرة، ولا يدعو إلى هذه المظاهرات إلا الهمج الرعاع، وماذا يستفيد المجتمع؟ فالعراق يقصف بالطائرات !، والمظاهرات في شوارع اليمن أو غيره، ولقد أحسن محمد بن سالم البيحاني إذ يقول :
    هيهات لا ينفع التصفيق ممتلأً
    به الفضاء ولا صوت الهتافات
    فَلْيَحْيَ أو فليمت لا يستقيم بها
    شعب ولا يسقط الجبار والعاتي
    يا أسكت الله أفواهًا تصيح له
    فكم بلينا بتصفيقٍ وأصوات
    وكم خطيبٍ سمعنا وهو مندفع
    وما له أثـــــرٌ ماض ولا آت (80)
    وقال الإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تأصيل رائق عن طاعة ولاة الأمور، والحذر من غشهم، يدرك منه المنصف العاقل حرص علماء السنة السلفيين على سلامة الأمة وإبعادها عن كل ما يمزق وحدتها، ويضعضع كيانها ، وهذا نص كلامه - رحمة الله عليه - : " فإنَّ الأعداء يسعون لإثارة الفتن بين المسلمين، وإغراء الأغرار الذين لا خلاق لهم بذلك، وإحداث الثورات الموهنة للإسلام والمسلمين، وتبريرهم ذلك بطلب حقوقهم، وهذا محادَّة لله ولرسوله وخيانة للدين والبلاد والمجتمع؛ فالشارع يحُثُّ الناس على لزوم الطاعة والسكينة مع بذل النصيحة، ويأمر بالصبر على طاعة الولاة حتى ولو جاروا، ولكنه يأمر بالصبر ويأمر مع ذلك بالنصيحة لولاة الأمور؛ لأنَّ هذا أصل الخير، وبذلك تندفع شرور كثيرة.
    وأما الثورات والقدح في الولاة والسعي فيما يتفرع عن ذلك فيترتب عليه شرور كثيرة قد رأى الناس آثارها؛ لهذا حذَّر الشارع منها أعظم تحذير، ولا يسعى بذلك إلا من لا دين له ولا خُلُق ولا إنسانية وأمانة، بل ولا عقل صحيح؛ فإن الإنسان وإن لم يكن معه دين فالعقل الصحيح يأمر بالمدافعة عن القوم والأحساب والأوطان، وينهى عن كل ما ينافي ذلك، كما قال تعالى عن المنافقين: {ولِيعلمَ الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} [سورة آل عمران:167] .
    فإنَّ هؤلاء المنافقين نُصِحوا بأحد الأمرين:
    - إما أن يكون لهم دين صحيح، فيقاتلوا في سبيل الله.
    - أو يكون لهم إنسانية وعقل فيدافعوا عن أحسابهم.
    فمن لا دين له ولا عقل فهو أضلُّ سبيلًا من الأنعام، فكيف مع هذا إذا أعان أعداء الإسلام والمسلمين وانخدع بتغريرهم وإغرائهم وأطماعهم؟! فهذا أشد الناس جرمًا وأعظمهم ظلمًا وأبلغهم غيًا وضلالًا، لهذا يجب على المسلمين الحذر والتحذير ممن هذه صفته، وقمع شره بكل وسيلة "(81) .
    وما حصل من إتحاد كلمة علماء الزمان في هذا الباب، مرده هو ارتوائهم من مشرب الحق، يقول أبو المظفر السمعاني رحمه الله : " مما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها قولهم في ذلك واحد وفعلهم واحد لا ترى بينهم اختلافا ولا تفرقا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا قال الله تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [سورة النساء:82]، وقال تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } " [ سورة آل عمران: 103]" (82) .
    وختاما : لاح من هذا كله جلالة قيمة اليقين ومنزلته الكبيرة الفخمة، فحري بأهل الإسلام بعد أن وقفوا على هذه المعاني من القيام لترسيخ ( اليقين) والنهوض إلى طلبه، وأن ييبنوا عليه معارفهم وعلومهم وإيمانهم ، وهكذا يزرع في الناشئة، والمسلك لذلك هو أخذه من منبعه الأصلي وهي الأصول الصحيحة الراسخة من نصوص الوحيين، وما كان عليه الأوائل الأخيار ممن باشر اليقين قلوبهم، في باب العقائد والأخلاق والأعمال، وسار عليه أئمة الهدى ومصابيح الدجى إلى يومنا ، فهذه هي ينابيع اليقين الحقة، التي منها يكون العلم الراسخ، ومنه يتولد العمل والطمأنينة و والرزانة والحلم، ومع مصاحبة الصبر يبلغ العبد الكمال، ويحظى بالفوز بخير الدنيا والآخرة .
    ورحم الله الإمام العلامة ابن القيم قال في ( الكافية الشافية (83)) عن أهل السنة وأشار إلى ( يقينهم وصبرهم ) :
    يا رب ثبتهم على الإيمان واجـ ... ـعلهم هداة التائه الحيران
    وأقم لأهل السنة النبوية الـ ... أنصار وانصرهم بكل زمان
    واجعلهم للمـــــــــتقين أئمة ... وارزقهم صبرا مـــع الإيقان
    وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا التقييد من العمل الخالص لوجهه الذي يرضاه ويثيب فاعله وألاَّ يكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا إلى أحد من خلقه فنضل.
    والحمد لله رب العالمين. وصلى اللَّه على عبده ورسوله محمد النبي الصَّادق الكريم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، والله سبحانه أعلم .

    .ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
    (1) : مدارج السالكين(2/374) بتصرف .
    (2) : الصحاح للجوهري (6/2219) ولسان العرب لابن منظور (13/ 457) مادة يقن .
    (3) : أخرجه النسائي في سننه (2818)، وصححه العلامة الألباني في التعليقات الحسان (5089) من حديث البهزي رضي الله عنه .
    (4) : الفتاوى (3/329) .
    (5) : العذب النمير (1/ 412) .
    (6) : تيسير الكريم الرحمن (ص: 942) .
    (7) : المصدر السابق (ص610) .
    (8) : تفسير القرآن العظيم (7/437) .
    (9) : أخرجه البخاري في صحيحه (3651 )، ومسلم في صحيحه (6635).
    (10) : رواه الطبراني في الأوسط (7/332) وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/254) .
    (11) : فتح الباري لابن حجر(1/ 48( ، وقال رحمه الله : هذا التعليق طرف من أثر وصله الطبراني بسند صحيح وبقيته : ( والصبر نصف الإيمان)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعا ولا يثبت رفعه ".
    (12) : فتح الباري (ص14-15-16ط: الغرباء الأثرية) بتصرف.
    (13) : الفتاوى (16/ 337) .
    (14) : أخرجه عبد الرزق في المصنف (5/321) (9719) والآجري في الشريعة (3/ 1538)،(4/ 1799) والحاكم في المستدرك (3/65) و اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/ 852) وصححه العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة (306) .
    (15) : منهاج السنة النبوية (6/223-إلى - 226) .
    (16) : أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8/ 279) ، والحاكم في المستدرك (3/744)، وهو في " السلسلة الصحيحة (2706) للشيخ الألباني رحمه الله .
    (17) : هبلت بضم الهاء بعدها موحدة مكسورة أي: ثكلت وهو بوزنه وقد تفتح الهاء يقال هبلته أمه تهبله بتحريك الهاء أي: ثكلته وقد يرد بمعنى المدح والإعجاب قالوا: أصله إذا مات الولد في الهبل هو موضع الولد من الرحم فكأن أمه وجع مهبلها بموت الولد فيه . ( الفتح 7/305) .
    (18) : أخرجه البخاري في صحيحه (3982) .
    (19) : أخرجه أحمد في المسند (37/247)، وابن شبة في "تاريخ المدينة" ( 1/128-129)، وحسنه الشيخ الألباني في أحكام الجنائز (ص146) ، تنبيه : من رجال الحديث هنا (حميد ابن زياد أبو صخر ابن أبي المخارق الخراط صاحب العباء المدني) قال ابن عدي: وهو عندي صالح الحديث، وإِنَّما أنكرت عليه هذين الحديثين المؤمن مؤالف وفي القدرية اللذين ذكرتهما وسائر حديثه أرجو ان يكون مستقيما [ الكامل(3/70) ]، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يهم [ تقريب التهذيب (ص: 181) ] ومن أوهامه في هذا الحديث : قوله: ( ابن أخيه)، والصواب أنه ( ابن عمه ) من بعيد، وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، وعمرو بن الجموح: هو ابن زيد بن حرام الأنصاري.
    والوهم الثاني : الذي وقع فيه هو ذكره لدفن المولى معهما في قبر واحد ولم يتابعه عليه أحد، فالذي في صحيح البخاري (1351) أنهما دفنا معا دون المولى ، وعليه أهل السير والمغازي كابن إسحاق ومالك والواقدي. [من التعليق على مسند أحمد ط الرسالة(37/248) ] .
    (20) : أي : شيئا يسيرا تصغير هنة أي شيء فصغره لكونه أثرا يسيرا .
    (21) : أخرجه البخاري في صحيحه (1351) .
    (22) : قال القاضي عياض في إكمال المعلم (6/ 322) : كذا فى جميع النسخ بياء باثنتين تحتها بين السينين مصغراً، وكذا ذكره أبو داود وأصحاب الحديث، والمعلوم فى كتب السير: " بسبس " بباء واحدة غير مصغر، وهو بسبس بن عمرو ويقال: ابن بشر من الأنصار من الخزرج ويقال: حليفهم.. "، قال النووي - متعقبا - : " يجوز أن يكون أحد اللفظين اسما له والآخر لقبا " [ شرح النووي على مسلم (13/ 44).
    (23) : أي: متجسسا ورقيبا .
    (24) : بفتح الطاء وكسر اللام أي شيئا نطلبه .
    (25) : الظهر: الدواب التي تركب .
    (26) : بضم الظاء وإسكان الهاء أي : مركوباتهم في هذا استحباب التورية في الحرب وأن لايبين الإمام جهة إغارته وإغارة سراياه لئلا يشيع ذلك فيحذرهم العدو . [ شرح النووي على مسلم (13/ 45) ] .
    (27) : أي: قدامه متقدما فى ذلك الشئ لئلا يفوت شئ من المصالح التى لاتعلمونها .
    (28) : فيها لغتان إسكان الخاء وكسرها منونا وهي كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير.
    (29) : أي: والله ما فعلته لشيء إلا لرجاء أن أكون من أهلها .
    (30) : أي : جعبة النشابة.
    (31) : أخرجه مسلم في صحيحه (1901) .
    (32) : مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للعلامة السعدي (ص166-167).
    (33) : تيسير العزيز الحميد (ص: 17) .
    (34) : القواعد الحسان لتفسير القرآن (ص: 41) .
    (35) : التبيان في أيمان القرآن (ص 457) وينظر ما بعده فهو نفيس ومهم .
    (36) : أخرجه مسلم في صحيحه (34) .
    (37) : أخرجه مسلم في صحيحه (386) .
    (38) : مدارج السالكين (2/ 171-172) .
    (39) : تفسير القرآن العظيم (6/ 544) .
    (40) : فتح رب البرية بتلخيص الحموية (ص: 10) .
    (41) : عيون الرسائل والأجوبة على المسائل(1/ 272-273) .
    (42) : طريق الهجرتين (ص: 296) .
    (43) : حاشا بلاد التوحيد فقد حماها الله وصانها من مظاهر الشرك والبدع .
    (44) : الفتاوى (15/25).
    (45) : المصدر السابق (15/24).
    (46) : فتاوى ابن باز (1 /244).
    (47) : الفتاوى(17/498)، وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2 / 759 – 760مهم).
    (48) : الدرر السنية (11/ 310-311) .
    (49) : الصواعق المرسلة (3 /864) .
    (50) : التبيان في أيمان القرآن ( ص 137-138) .
    (51) : منهاج السنة النبوية (4 /313) .
    (52) : الفتاوى (4/9-10) .
    (53) : جامع العلوم والحكم (2/ 181) .
    (54) : جامع المسائل (5 /268) .
    (55) : لليقين ثلاث درجات ومراتب: حق اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، كما قال تعالى: {كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} [سورة التكاثر: 5 - 7] ينظر التبيان في أيمان القرآن (ص 284 وما بعده) .
    (56) : مدارج السالكين (2/378-379) .
    (57) : الدرر السنية (2/ 101-102) .
    (58) : الفتاوى (13/ 28) .
    (59) : مدارج السالكين (1/334) .
    (60) : الجامع لأحكام القرآن (16/302) .
    (61) : الرسالة التبوكية ( ص25-26) .
    (62) : الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 10) .
    (63) : الاعتصام (3/352) .
    (64) : مفتاح دار السعادة (1/140) .
    (65) : الإعتصام (2 /6) .
    (66) : قرة عيون الموحدين(ص329) .
    (67) : المستدرك على فتاوى ابن تيمية (1/145)، والفتاوى(3 /358) .
    (68) : اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 119) .
    (69) : إعلام الموقعين (2/ 127).
    (70) : شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 10).
    (71) : تفسير السعدي (ص 319) .
    (72) : سير أعلام النبلاء (4 /601).
    (73) : الفتاوى (13 /6).
    (74) : مدارج السالكين (1/ 180) .
    (75) : الجامع لأحكام القرآن (5/43)، وينظر: مدارج السالكين (1/100).
    (76) : أخرجه البزار في "مسنده" (رقم6935)، والطبري في تفسيره" (17/121)، والطبراني في المعجم الأوسط (3/207) ، وأبو الفضل الزهري في حديثه (رقم120)، والقضاعي في مسند الشهاب (رقم1005)، وهو حديث حسن، حسنه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد(11/170)، والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم1693).
    (77) : مدارج السالكين (2/362).
    (78) : الجامع لأحكام القرآن (5/43)، وينظر: مدارج السالكين (1/100).
    (79) : مدارج السالكين (2/362-363).
    (80) : غارة الأشرطة (2/451) .
    (81) : نصيحة في الحث على التمسك بالدين وعلومه والتحذير من ضد ذلك" – مجموع مؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي (26/148-150).
    (82): الانتصار لأصحاب الحديث (ص:45-46 ط: الجيزاني) .
    (83) : (ص1059) .
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن كمال بن خميسي; الساعة 2019-03-17, 09:59 PM. سبب آخر: المنة الكبرى ما لتحقيق درجة ( اليقين ) من العوائد العظمى

  • #2
    جزاكم الله خيرا يا شيخ كمال و بارك فيكم
    مقال ماتع بله رسالة في بابها ، سدد الله خطانا و خطاكم

    تعليق


    • #3
      الله يبارك فيك أخي الكريم .

      تعليق


      • #4
        جزاكم الله خيرا مقال ماتع نفع الله بكم أخونا الفاضل الكريم

        تعليق

        الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 3 زوار)
        يعمل...
        X