<بسملة1>
فيض المحبرة بذكر بشائر زيارة شيخنا جمعة لولاية بسكرة -حرسها الله-
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن من نعم الله على عباده أن جعل لهم «القلم أحد اللسانين»، فإذا تشنجت عضلة اللسان، تحركت عجلة البيان، فتغلغلت بين السطور، وأخرجت مكنون الصدور، وسطرت جميل العبارات، وهطلت بسيول العبرات، فتم حينها الفرح والسرور، والسعادة والحبور.
«وقد أقسم الله بالقلم في كتابه المنزل، على نبيه الخاتم المرسل، فقال جل في علاه: (ن والقلم وما يسطرون)، وامتن الله به على نبيه الكريم، فقال: (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم).
قال سهل بن هارون: (القلم أنف الضمير، إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره).
وقال العتابي: (الأقلام مطايا الأذهان).
وقال ابن المقفع: (القلم بريد القلب).
وقال أحمد بن يوسف: (القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع، إذا نسخ حلله، وأودعها حكمه)» اهـ.(أدب الكتاب للصولي، ص62).
وإن من أحق أن تبرى له الأقلام، وترفع له الأعلام، وتُفرغ لأجله المحابر، وتُنسخ فيه الدفاتر، طلوع البدور المضيئة، وظهور النجوم الوضيئة، التي هي زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوما للشياطين.
ومن تلكم النجوم المتلألئة في سماء جزائرنا الحبيبة، فضيلة الشيخ الحيي الوقور التقي الصبور أبي عبد الرحمن عبد المجيد جمعة -حفظه الله ووقاه شر المجرمين- الذي أطل في هذه الأيام المباركة على مدينة بسكرة المحروسة (كان ذلك ابتداء من يوم الأربعاء 08 جمادى الآخر 1440 هـ)، فكان نعم النجم حين طل، حيث بزغ ضوءه وما أفل، أجاد وأفاد، وأمتع وأعاد، طاف البلاد تدريسا وتعليما، وعقد المجالس توجيها وتفهيما، فكانت المحافل عرسا بهيجا، والاجتماعات لقاء أجيجا.
ومن أروع ما ختم به زيارته، وأحسن ما أكمل به إطلالته، ما حصل بسببه من اجتماع وتآلف، وتوافق وتحالف، وإذابة لشيء من الجليد، وصقل أدران القلب ببعض التشديد والتسديد، حيث شنف مسامعنا بتوجيهاته السديدة، وهز قلوبنا بنصائحه الرشيدة، فنفى نزغات الشيطان، وأزال طغيان الإنسان، وخرج الإخوة مسلمين، متحابين متعانقين -لا كتعانق المداهنين المميعين-، فبارك الله فيه من أب رحيم، ووالد كريم.
وفي ثنايا تلكم النصائح قواعد جليلة، ووصايا جميلة، يستنير بها الدعاة في سيرهم في دروب الحياة، ويتبصر بها النُخبة في سعيهم في طرق النجاة، فينفون الخلافات، ويرممون التشققات، ومن بين أهم تلكم المحطات:
1/ أن صاحب الأصول السلفية لا يخرج من المنهج السلفي إذا أخطأ في بعض الجزئيات مالم يخالف أصلا من الأصول المتقررة، كالشجرة ذات الجذور العميقة الحية إذا ذبلت ورقة من أغصانها فإنها تسقط وتنبت مكانها أختها، وتبقى أغصانها وأوراقها وجذورها في نمو مستمر متفرعة في سماء الإيمان، متجذرة في عمق العقيدة.
2/ أنه ينبغي التفريق بين القاعدة العامة التي تندرج تحتها الكثير من الجزئيات وبين الجزئية الواحدة أو الجزئيتين التي قد تكون حكاية حال لا عموم لها، فالخطأ في جزئية واحدة أو جزئيتين ينبغي أن يقيد بتلك الحادثة، والأمر اللازم العام هو الذي يجعل أصلا للرجل وديدنا له وسبيلا يمشي عليه، ومما يمثل له في هذا المقام: الفرق في التعبير بين الذي يكذب في حادثة معينة فيجب أن يقيد بتلك الحادثة ولا يجوز أن يطلق الكلام عنه بلا زمام ولا خطام، وبين كاذب وهو الذي يتكرر منه الكذب ولا يكون كثيرا، وبين الكذاب وهو الذي يكذب كثيرا حتى يكون صفة لازمة له.
3/ نسبة قول من أقوال أهل العلم إلى أحدهم، وورود خلاف تلك النسبة عن نفس العالم لا يكون طعنا في الناقل أو تكذيبا له أو ادعاء منه دائما، لأن العالم قد يقول القول اليوم ويرجع عنه غدا، وكما قيل (الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد)، ومن أوضح الأمثلة في ذلك المسائل التي كتبت عن الإمام أحمد -رحمه الله- فأحيانا تصل إلى ثلاث روايات أولاها الجواز، وثانيها عدمه، وثالثها التوقف، أو قد يكون تغير قول العالم بحسب محتوى السؤال وتفاصيله وطريقة عرضه وحال المسؤول وغير ذلك.
4/ الحرص على التثبت من الأخبار، والتيقن من النقولات، وفحصها وتنقيتها من آفات الرواة، ومخلفات الزيادات.
قال الطاهر بن عاشور -عفا الله عنه- في تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) (النور15):
(فَفي قَوْلِهِ: (بِألْسِنَتِكم) تَشْبِيهُ الخَبَرِ بِشَخْصٍ وتَشْبِيهُ الرّاوِي لِلْخَبَرِ بِمَن يَتَهَيَّأُ ويَسْتَعِدُّ لِلِقائِهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ فَجُعِلَتِ الألْسُنُ آلَةً لِلتَّلَقِّي عَلى طَرِيقَةٍ تَخْيِيلِيِّةٍ بِتَشْبِيهِ الألْسُنِ في رِوايَةِ الخَبَرِ بِالأيْدِي في تَناوُلِ الشَّيْءِ. وإنَّما جُعِلَتِ الألْسُنُ آلَةً لِلتَّلَقِّي مَعَ أنَّ تَلَقِّيَ الأخْبارِ بِالأسْماعِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا التَّلَقِّي غايَتُهُ التَّحَدُّثُ بِالخَبَرِ جُعِلَتِ الألْسُنُ مَكانَ الأسْماعِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الأيْلُولَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحِرْصِهِمْ عَلى تَلَقِّي هَذا الخَبَرِ فَهم حِينَ يَتَلَقَّوْنَهُ يُبادِرُونَ بِالإخْبارِ بِهِ بِلا تَرَوٍّ ولا تَرَيُّثٍ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ أيْضًا).
قال الشيخ عبد الرزاق البدر في شرح الرسالة المغنية في السكوت ولزوم البيوت للحافظ ابن البنا-رحمه الله-:
«وقالت الحكماء: مثل الكلمة كالسهم لا يمكن رده»، واضح المثل؟، عندما يكون الإنسان في يده سهم ويرمي به ولم يصد، ثم يجد أنه قد اتجه إلى إنسان وهو لا يريد أن يقتله، هل يستطيع أن يرد السهم وهو في طريقه إلى الإنسان؟
الكلمة مثل السهم إذا خرجت من لسانك ما تستطيع أن تسترجعه لأنها خرجت انتهت، كنت تملكها قبل أن تخرج لكن بعد أن خرجت وانطلقت من لسانك فمثلها كمثل السهم إذا انطلق لا يمكن لصاحبه أن يرده؛ هذا كلام حكمة مثل الكلمة كالسهم لا يمكن رده.
«وإنما جعل للإنسان لسان واحد وأذنان، حتى يكون ما يسمع أكثر مما يتكلم، وهو على رد ما لم يقل أقدر منه على رد ما قد قال»، هذا واضح، الشيء الذي لم تقله أنت في عافية وفي فسحة وقادر على رده، لكن إذا ذهب الكلام فيعسر رده لأنك تحملت من وراءه تبعات وتبعات...
يقول أبو حاتم في «روضة العقلاء»: «الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه، ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد ليسمع أكثر مما يقول، لأنه إذا قال ربما ندم وإن لم يقل لم يندم، وهو على رد ما لم يقل أقدر منه على رد ما قال، والكلمة إذا تكلم بها ملكته، وإن لم يتكلم بها ملكها، والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته، وإن لم ترفع لم تضره، كيف لا يصمت، فرب كلمة سلبت نعمة» اهـ.
فالمستشعر لهذه الدرر الغالية، والجواهر النفيسة يحس بروح الأبوة، وعبق الأخوة، ونسائم الرحمات، ودلائل البركات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ثم إنه لتظهر لك -أخي الكريم- في نفق مظلم من أنفاق جماعة الاحتواء، وصورة مخزية من صور مجمع الالتواء، تصف هذا العالم الجليل، والشيخ السليل، بالمفرق الكبير، والمصعفق الخطير، من غلام حقير، ومجنون شرير، سماه شيخنا جمعة بالهابط، ووصفه محدثكم بالساقط.
فقل لي بربك: هل من يقوم بمثل هذه الجهود الكبيرة في إصلاح ذات البين بأسلوب حكيم، ومسلك عظيم، يوصف بمثل هذا؟، وهل من يجلس خمس ساعات متواليات لفض النزاعات يوصف بالمفرق الكبير؟، بله هل من يجلس من بعد صلاة العصر إلى قبيل الفجر دفعة واحدة-كما حصل مع الإخوة التونسيين- في مجلس نصح وصلح يقال عنه المصعفق الخطير؟
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ::: إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ألا إنه التفريق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والسنة والبدعة، وألا إنها الأيام الخداعات التي أخبر بها رسول رب البريات، وإنه البهتان والظلم والطغيان، والله الموعد وعليه التكلان.
ثم إني أقول لك ولمن يؤزك: هلا سترتم علينا عوراتكم، وحبذا لو غطيتم عنا سوءاتكم، فقد صارت ظاهرة في وضح النهار، والشمس بادية لها أنوار، وتنوعت من الخيانة إلى الكذب، وتعددت من المهانة إلى السب، وصدق من قال أنهم: (لما خانوا هانوا).
وأخيرا نقول لجماعة المجمع: (لكم الطعون ولنا الفنون)، وسبكم وشتمكم لن يزيد مشايخنا إلا يقينا وثباتا، وتسلية ونباتا، وقد والله سمعوا المدح كثيرا، فأحبوا أن يسمعوا شيئا من الذم ليعلموا أنهم على الطريق، لأن أقدامهم راسخة في الأرض، وقلوبهم معلقة ببارئهم في السماء، ومن خزيكم وخسارتكم أن جعل الله سياج الطعون ينتهك من قبلكم-بعد أن كان مهابا حتى من بعض المخالفين- لتكون سنة سيئة تتحملون وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والله الموعد وهو المستعان وحده على ما تصفون.
إلى ديان يوم الحق نمضي ::: وعند الله تجتمع الخصوم
وصلى الله وسلم على رسوله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
تعليق