<بسملة1>
كشف التلبيس والتغرير في شهادة المدعو مختار حرير
الحمد لله العليِّ الكبير، مؤيِّد أهل الصدق، كاشف أهل الكذب والتَّزوير، والصلاة والسَّلام على نبيِّنا مُحَمَّدِِ البشير النَّذير، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ما غرَّدَ على الأَيْك طَيْر، وأَرِجَ مِنَ الزَّهر عَبِير، أمَّا بعد؛
فإنَّ أعظمَ نعمة يُنعم اللهُ عزَّ وجلَّ بها على الإنسان في هذه الدنيا؛ أَنْ يهديَه صراطَه المستقيم، الذي ينتهي به إلى جنات النعيم، فالنَّظر إلى وجه رب العالمين، والفوز برضوانه، ومن رحمته ـ سبحانه ـ بعِبَاده، أنْ أمرنا بقراءة سورة الفاتحة عدَّة مرات في اليوم والليلة، وذلك في كل ركعة من كل صلاة، هذه السورة المتضمِّنة لأعظم دعاءٍ، وبِهِ تكون أعظم سعادة، قال ابن القيم رحمه الله: «وَقَوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} يتضمَّن بَيَانَ أَنَّ العَبْدَ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى سعادته؛ إِلَّا باستقامته على الصِّرَاط الْمُسْتَقيمِ، وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة؛ إِلَّا بهداية ربه لَهُ، كَمَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَى عِبَادَته؛ إٍلاَّ بِمَعونَتِه، فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة على الصِّرَاط؛ إِلاَّ بِهِدَايَتِه» (1).
ومن حكمته البالغة سبحانه وتعالى أنْ جعل على حافتي هذا الصراط المستقيم سبلا معوجة، من اتبعها؛ مالت به إلى طريقي الضلال أو الغضب، يقول ابن القيم رحمه الله: «وَقَولُهُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} يتضمَّن بَيَانَ طَرَفَيْ الانحراف عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، وَأَنَّ الانحرافَ إِلَى أحدِ الطَّرفَيْنِ: انحرافٌ إِلَى الضَّلال الَّذِي هُوَ فَسَادُ الْعلم والاعتقاد، والانحراف إِلَى الطَّرَف الآخر: انحرافٌ إِلَى الْغَضَب الَّذِي سَببه فَسَادُ الْقَصْد وَالْعَمَل» (2).
ولا شكَّ أنَّ أهل الحقِّ الثابتين عليه، لا بد أنْ يبتليَهم الله عز وجل بأصناف من السفهاء المغرورين، ممن فسد تصورهم، فهم يرون الحق باطلا والباطل حقا، فيحاربون أهل الحق بناء على ذلك، وهذا نتيجة فساد العلم والاعتقاد، أو بأصناف من الحاقدين الملبِّسين، ممن يعلم الحقَّ، فيكتمه، ويكابر مكابرة اليهود، وذلك نتيجة فساد القصد والعمل، قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}.
قال العلاَّمة السعدي: «فالعالِمُ عليه إظهارُ الحقِّ، وتبيينُه وتزيينُه، بِكُلِّ ما يَقْدِرُ عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغيرِ ذلك، وإبطالُ الباطل، وتمييزُه عن الحق، وتَشْيٍينُه، وتَقْبِيحُه للنُّفُوسِ بِكُلِّ طريقٍ مُؤدٍّ لذلك، فهؤلاء الكَاتِمُونَ عَكسوا الأمر، فانعكَسَتْ أحوالُهم».
وها نحن في هذه الأزمنة المتأخرة لا يزال أهل الحقِّ ـ وأهلُ العلم منهم خصوصا ـ مُحَارَبين من صنوف من المنحرفين: المعلنين ببدعهم، المجاهرين بمخالفة أصول هذا الصراط القويم، ولكن العلماء الأفذاذ ـ ولله الحمد ـ فنَّدوا شُبَههم، و كشَفوا زَيْفهُم؛ مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
وكانت للعلامة ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ اليد الطُّولَى في هذا الجهاد ـ بفضل الله وتوفيقه ـ، فنصح، وبيَّن، وحذَّر، ونفَعَ الله به الأُمَّة، حتَّى شاء الله أنْ يظهَرَ هؤلاء الصعافقة الذين جمعوا أوصافا قبيحة جِدًّا مِنْ تَطاولٍ على أهل العِلْمِ، والطَّعن فيهم بلا هَوادة، وحُبِّ التصدُّر والزَّعامة، والغرور، ووقاحة تفوق وقاحة أتباع الحلبي، الذين لم يخطر ببالهم يوما أنَّ من كان يُحذِّر منهم ـ في الظاهر ـ من هؤلاء الصَّعافقة سيتولى الريَّادة في محاربة الحق وأهله أشدَّ المحاربة، ومن أخبث أساليب هؤلاء ـ كغيرهم من أهل الباطل ـ: لبس الحق بالباطل، والتلاعب بالألفاظ والعبارات، وتقعيد القواعد الجديدة، وتحريف القواعد الأصيلة، ، مخالفين بذلك قولَ الله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}؛ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى ناهيا لليهود عما كانوا يتعمَّدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}؛ فنهاهم عنِ الشَّيئَيْن معًا، وأمرهم بإظهار الحقِّ، والتَّصريح به؛ ولهذا قال الضَّحَّاك، عن ابن عباس: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}؛ لا تَخْلِطوا الحقَّ بالباطل والصِّدقَ بالكذب».
ومن هؤلاء المُلبِّسين هذا المدعو مختار حرير، المختار مِنْ قِبَلِ الصَّعافقة لمُهِمَّة قَذِرةٍ أخرى تضاف إلى مثيلاتها، يزعُم فيها أنَّه يناقش الشيخ حسنا آيت علجت حفظه الله، ولم يأت في تسويده إِلاَّ بالتَّلبيس والتناقضات العجيبة، مِمَّا يدلُّ على تخبُّطه في هذه الأحداث، كما سيظهر للقارئ، وأوَدُّ التَّنبيه على أَنَّ تعقُّباتي على هذا المحتار تكون على حسب ما ذكره في تسويده، فمن فَمِهِ نَدينُه، وبكلامه نُلزِمُه، والمقصود هو بيان تلبيسِه، وتناقضه.
وهذا؛ على فرض التسليم لِمَا ذكره من أخبار، وإلاَّ؛ فسردُهُ للعبارات دون سِباقٍ ولا لحِاقٍ مُحتمِلٌ للبَتْر والتَّحريف، وهو غير مستبعد من أمثاله، ممَّنْ يريدُ أَنْ ينصُرَ هواه بكل طريق، ولو بالكذب والتحريف.
ولو كان شاهدا بالقسط حقًّا؛ لشهِدَ على ما عايشه هو وأهل بلدته «معسكر» من الزيارات المتكررة، والتزكيات المتواترة، من بعض أصحاب المجلة ـ الذين يستميت في الذَّبِّ عنهم ـ لبلديِّه العابدين بن حنفية، ولكنَّه كتمها؛ اتباعا لهواه، ونُصرةً لباطله، والله المستعان.
وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}؛ وَاللَّيُّ هُوَ تَغْيِيرُ الشَّهَادَةِ، وَالْإِعْرَاضُ كِتْمَانُهَا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
ونعود الآن إلى ما قصدناه، من بيان ما في كلام المحتار من خبط وخلط وغلط:
قال المحتار: «وإنَّ ما مرَّت به الدَّعوة السَّلفية في الآونة الأخيرة، لم يخرج عن سَنن الفتن السابقة فقد ركبها جهلة، وخاض فيها أغمار، وركض فيها رويبضات».
أَمَّا هذه؛ فقد صدقْتَ فيها، فنفس الرويبضات الأغمار الذين ركبوا فتنة فالح الحربي، وخاضوا فيها من أمثال محمد مرابط وخالد حمودة، وأضرابهما، ومن كان وراءهم من بعض مشايخهم؛ هم الذين يركبونها الآن، ويركضون، ويصولون، ويجولون؛ لو كنت تعقل، ثم عاد بعضهم معتذرا للمشايخ، بعد أنْ أوْصَلوا الدَّعوة إلى طريق مسدود، فراجع تاريخ هذه الفتنة يتبيَّن لك ذلك بيقين.
ولا أدري! لعلك ستفعل ذلك أنت أيضا، وتأتي يوما نادما معتذرا إلى المشايخ، ويومئذٍ؛ لات حين مندم.
قال المحتار: «استغلوا فيها زلاَّتِ أفاضل...».
فهذا ـ والله ـ العجب! أكنتم حقا تعتقدون بطلان قواعد الحلبي وأساليبه؟! لأننا نرى أنَّ هذه القواعد والأساليب تظهر على ألسنتكم في كل مرة، وتقرِّرونها في كلامكم، وهذا بعدما فنَّدها الشيخ ربيع، ونسفها نسفا!!
وكلامك هذا الحقيقة يشبه كلام الحلبي، تمام الشَّبَه، كما أنَّه يتضمن اتهاما فظيعا، وتمييعا شنيعا:
أمَّا الاتهام الفظيع: ففي قولك «استغلوا»؛ فهل تبيين الضلالات والمخالفات يعد استغلالا؟!
وهل شققتَ على قلوبهم حتَّى عرفْتَ هذا القصدَ، فأخذتَ تطعن في نياتهم على طريقة الحلبي وأتباعه؟!
وأنت الذي تزعم بعد هذا بأسطر أنك أحسنت الظن بالشيخ جمعة عندما وصفته بالوهم، كما في قولك: «إنَّك لو أمعنت النَّظَرَ فيما قلتُه؛ لعَلِمتَ أنِّي أحسنتُ الظَّنَّ بجمعة، ولم أُسِئْ إليه كما تصوَّرتَ»...!
كيف يُحسنُ الظَّنَّ من استهلَّ مقاله طاعنا في نيات السلفيين وعلى رأسهم مشايخهم؟!
يقول العلاَّمة ربيع في مقاله: «الحلبي يُدَمِّر نفسَهُ بالجهل والعناد والكذب ـ الحلقة الأولى»:
«قوله [أي: الحلبي]: «10 - التَّصيُّدُ، والتربُّصُ، والتَّنبيشُ ـ حتى في الماضي ـ....».
هكذا يصف الأعمال الشريفة، والقيام بما أمر الله ورسوله من الذَّبِّ عن دينِ الله، والأمرِ بالمعروف، والنَّهيِ عنِ المنكر، ونقد الباطل، وبيان مخالفته لدين الله، وبيان الحق؛ يصف هذه الأمور العظيمة المشروعة بِضدِّها من أوصاف الباطل من التصيد والتربص والتنبيش عن الماضي» اهـ كلامه.
ومن الموافقات العجيبة في هذه الأحداث أنَّ الصعافقة اتهموا الشيخ فركوسا بحُبِّ الزَّعامة، وتقديس نفسه، كما فعل الحلبيُّ وأتباعه مع العلاَّمة ربيع حذو القُذَّة بالقذة!!
جاء في مقال مشرفي منتديات الحلبي، والذي هو بعنوان «السبب الأساس وراء إثارة الشيخ ربيع المدخلي للفتن بين السلفيين...!»، قولُهُم: «هذا الحال الذي نقمه الشيخ ربيع على أهل التحزُّباتِ؛ لَمْ يسْلَمْ هو ـ نَفْسُه ـ مِنَ التَّلبُّس به؛ فهو ـ وفقَّه الله ـ له غُلُوٌّ عجيب، وإحسانُ ظنٍّ بعيدٍ ـ لا بِغَيرِه، وإنَّما في نفسه وطروحاته! ـ؛ قد تصل إلى حدِّ التَّقديس لها».
وقارنوا ـ أيُّها المنصفون ، هذا الكلام مع قول هذا المحتار: «فأيقنتُ أنَّ تقديس الشيخ فركوس قد بلغ من القلوب مبلغا؛ بل وصار يُلقَّنُ للشَّباب تلقينا»!!
وأمَّا التَّمييع الشَّنيع: ففي قولك: «زلاَّت أفاضل»؛ وهذا تهوينٌ من شأن الانحرافات التي حذرنا منها الله ورسوله، وحاربها سلفنا الصالح، ولم يتساهلوا فيها أبدا، وما أشبه قولك (زلات) بقول الحلبي الذي ردَّ عليه فيه العلاَّمة ربيع، فقال:
«قوله: «11- الأخذ بالزلاَّت، والهفَوات، وسبْقِ اللسان...».
أقول: وهكذا يُهوِّن الحلبي من الضَّلالات الكبرى، فيصفُها بالزلاَّت، والهفوات، وسبْق اللسان...».
فما أشبه كلام المحتار بكلام الحلبي، وصدق الله القائل في كتابه: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}.
قال المحتار: «الأول: ما ليس له علاقة بالفتنة، وليس هذا محل بسط الكلام فيه، وقد أجابني عنها ـ ولم ينتقدني في واحدة منها ـ فقال: «هؤلاء شباب لا يحسنون وضع كلام العلماء في مواضعه، ولعلَّ اللهَ ابتلاك بهم ببعض ذنوبك».
فهذا جواب مسدَّدٌ من الشيخ ـ حفظه الله ـ مبنيٌّ على أخبارك التي نقلتها له، وليس طعنا في هؤلاء الشباب ـ كما تريد إيهامنا به ـ وقد شرح لك الشيخ ذلك ـ فيما بعد ـ، واستدلَّ لك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الظاهر أنَّ القياس عندك معطل، فقال لك ـ وأنت النَّاقل ـ: «الشَّيخ ربيع يحكم بما يصله، وأنت تعرف حتَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يقضي لمن هو ألحن بالحُجَّة من غيره».
والشيخ بدوره أجابك على حسب ما سمع منك.
ثم انظر كيف يفهم محتار فهما خاطئا، ثم يبني عليه فقال بعدها: «أقول للشيخ حسن: إن الشباب الذين اتصلوا بك أجزم يقينا أنك لا تعرفهم، وهم أنفسهم الذين وصفتهم بأنهم «لا يحسنون وضع كلام العلماء في مواضعه»، وقد حفظت منك مقولة ليتك أعملتها في هذه الفتنة، إذًا لسَلِمت من كثير من الأقوال التي قُلتَها، وهي قولك: «هذا زمن التثبُّت، والشَّيخ ربيع رأس المتثبِّتين في هذا الزَّمان».
فلما كان الأمر يتعلق بطعنه في الشباب، وأخذ فتوى ضدهم؛ لم يطلب منه إعمال هذه القاعدة ـ وهي التثبُّت ـ؛ بل فرِحَ أنَّه لم ينتقده في كلمة، ثمَّ لمَّا تعلَّق الأمر بنُصرة نفسه وزُمرته؛ أخرجها لنا، فكان من جنس من قال الله فيهم: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}.
قال العلاَّمة السعدي: «{وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ}؛ أي: إلى حكم الشرع {مُذْعِنِينَ} وليس ذلك لأجل أنه حكم شرعي، وإنما ذلك لأجل موافقة أهوائهم، فليسوا ممدوحين في هذه الحال، ولو أتوا إليه مذعنين؛ لأنَّ العبد حقيقة، من يتبع الحقَّ فيما يُحبُّ ويكرَهُ، وفيما يَسُرُّه ويُحْزِنُه، وأمَّا الذي يتبع الشرع عند موافقة هواه، وينبذه عند مخالفته، ويقدم الهوى على الشرع؛ فليس بعبد على الحقيقة».
أو لعلك ـ يا محتار ـ لِحُسْنِ ظنِّك بنفسك، تعتقد أنَّ خبركَ يجب أنَّ يُصدَّقَ دونَ تَردُّد؛ لأنَّك «الثِّقة» الذي لا يُرَدُّ خَبَرُه، وخَبَرُ غيرِكَ مَردُودٌ؛ سِيَّما إذا ما تَعَلَّقَ بِكَ، أو بِمَنْ تَنصُرُهُ وتُوَالِيه، لهذا نجِدُكَ تارة تتَّهِمُ المشايخَ، بأنَّهُم لا يتثَّبتُون، ويأخذُون بأخبارِ مَنْ لا يَعرفُونَه، كما فعلتَ هنا، وتارة تصفهم بالوهم، وتردُّ شهادتَهم، كما فعلت مع الشيخ جمعة، فأنت تكيل بمكيالين، وتزن بميزانين.
قال المحتار: «كيف سمحت لك نفسُك أن تقول في الشَّيخ ربيع: إنَّه يُكتب له، وإنَّه لا يدري ما يُنشَر باسمه؟! هل هان عندك عرض الشيخ ربيع، وضحَّيت به في سبيل نصرة ما تعتقد في هذه الفتنة؟».
وسنجيبك عن هذا السؤال بطريقين: طريق المَنْع، وطريق التسليم:
أمَّا طريق المنع: فنقول: من أين لك هذا؟ هل عندك تسجيل، و لا يكون ذلك إلا خلسة؛ أم هي مجرد أخبار تحتمل الصدق والكذب؟!
أمَّا طريق التسليم: فنقول: كَوْنُ الصَّعافقة قد استغلوا مكانة العلامة ربيع الرفيعة في قلوب السلفيين، للكتابة والنشر باسمه؛ تحقيقا لأغراضهم الدنيئة، وجعلوا أنفسهم بطانة سوء تُظهِرُ له الصِّدق، وتَنْشُر عنه الكذب، وتحجُبُ عنه من يُبَيِّن له كذبهم؛ بل توقِعُ بينه وبينه، وإذا حضر عنده من يبيِّن له حقائق الأمور؛ شوَّشوا عليه، وأظهروا الصَّخب في مجلس الشيخ...إلى آخر مكرِهِم وكَيدِهِمْ؛ هذا كُلُّه أمرٌ واقع، لا ينكره إلاَّ أحد شخصين: إمَّا متواطئ معهم، وإمَّا مُغفَّل مخدوع، ومن أمثلة ذلك :
1- كتب عبد الله بن صلفيق ـ قبل فترة ـ في مواقع التواصل، ونشر أنَّ الشيخ ربيعا ـ حفظه الله ـ أفتى لهاني بن بريك بالدخول في الوزارة ـ وحاشاه أن يفعل ذلك ـ، وطارت فتواه هذه في العالم أيَّما مطار، وشنَّع عليه بها أعداؤه ومناوئوه، ثم تبيَّن ـ بعد ذلك ـ أنَّ الشيخ ربيعا لم يكن يعلم ذلك. (*)
أليس هذا نشرًا باسم الشيخ ربيع وهو لا يعلم يا محتار؟
2- قال عبد الواحد المدخلي في صوتية له منشورة في النت: «إنَّ المشايخ ـ وعلى رأسهم العلامة ربيعا ـ ينشؤون مجالس شورى سرية داخل المملكة العربية السعودية»! ولا يشك سلفي أنَّ هذه طريقة التنظيمات الحزبية السريَّة، ومجرَّد تصديق هذا يُعَدُّ طعنًا في الشيخ ربيع.
ثُمَّ تبيَّن كذب عبد الواحد، كما نقل بعض إخواننا من المغاربة هذه الأيام أنَّ الشيخ ربيعا قال «ما عندنا مجلس شورى ولا مجالس سرية».(**)
أليس هذا نشرا للشيخ ربيع باسمه، وهو لا يعلم؟
فيا محتار؛ أهان عليك عرض الشيخ العلامة ربيع بأن ينسب إلى طريقة الحزبيين ـ وهو الذي حاربهم أشد الحرب؟!
أهان عليك عرض الشيخ العلامة ربيع بأن تنسب إليه فتاوى مخالفة لمنهج السلف؟!
بل من يقول في مثل هذه الأمور: «يُكتب له، ولا يدري ما ينشر باسمه»؛ هو الذي صان عرضه، ونزَّهه عن مثل هذه البوائق.
فأيُّ الفريقين أولى بالشيخ ربيع يا محتار؟
فمثل هؤلاء لا يؤتمنون فيما ينقلون عن الشيخ ربيع، و لا فيما ينقلون إليه ـ أيضا ـ، حتى و إن يصدر من فضيلته بعض الكلام في إخوانه و أبنائه، فلا غرو حينئد، إذا علمنا أن من ينقل له الأخبار هذه حالهم،و الله سبحانه وحده يعلم ما ينقلون له عن المشايخ من الزور والبهتان، فعدم قبول كلامه ـ في المشايخ السلفيين ـ والحالة هذه لا يعد طعنا في مكانة الشيخ و فضله و علمه، إنما الطعن في هؤلاء المجرمين، ومثل هذا قد وقع حتى لبعض أعلام السلف، قال أبو حاتم بن حبان: «كان سفيان بن وكيع شيخا فاضلا صدوقا ، إلا أنه ابتلي بوراق سوء ، كان يدخل عليه الحديث ، وكان يثق به ، فيجيب فيما يقرأ عليه . وقيل له بعد ذلك في أشياء منها ، فلم يرجع»(3).
و قال أبو حاتم الرازي: «فأتيته مع جماعة من أهل الحديث فقلت لَهُ: إن حقك واجب علينا في شيخك وفي نفسك، ولو صنت نفسك وكنت تقتصر عَلَى كتب أبيك لكانت الرحلة إليك فِي ذلك، فكيف وقد سمعت؟ فقَالَ: ما الذي يُنقَم عليّ ؟ فقلت: قد أدخل وراقك بين حديثك ما ليس من حديثك. قال: فكيف السبيل فِي هذا؟ قلت: ترمي بالمخرجات وتقتصر عَلَى الأصول، ولا تقرأ إلا من أصولك، وتنحي هذا الوراق عَنْ نفسك، وتدعو بابن كرامة وتوليه أصولك فإنه يوثق بِهِ. فقَالَ: مقبولا منك.
قال: وبلغني أنَّ وراقه كان قد أدخلوه بيتا يتسمع علينا الحديث، فما فعل شيئا مما قاله»(4)
فما أشبه حال الصعافقة في بيت العلامة ربيع بهذا الوراق!.
قال المحتار: «كيف تقول عن الشَّيخ جمعة: «إنَّه وَهِمَ وهو أكبر منك سنا وعلما»؟! إنَّك لو أمعنتَ النَّظَرَ فيما قلتُه؛ لعَلِمتَ أني أحسنتُ الظَّنَّ بجمعة، ولم أُسئ إليه ـ كما تصوَّرتَ ـ، فالرَّجل طعن فيمن عُرف واشتَهَر عندك وعند غيرك بالعدالة ولم يُقِمْ على دعواه بيِّنة واحدة، بل وحلف المدَّعى عليه على نفي ما اتُّهِم به، فواجب المسلم أن يصون عِرضَ أخيه، ولا يطعن فيه إلَّا ببيِّنة كالشَّمسِ، فحَفِظتُ عِرض الشَّيخ بوقليل، والتمست العذرَ لجمعة بما لا يخلو منه بشر».
وهذا الكلام تضمن من التلبيس والتدليس والموالسة ما لا يخفى على من شمَّ رائحة العلم، سيَّما علم نقد الرجال، وبيانه: أن الشيخ جمعة ـ وهو من المشايخ المعروفين، المشهود لهم بالعلم ـ شَهد بأمْرٍ على بوقليل ـ وهو من صغار الطلبة المغمورين ـ وعلى هذا؛ فنحن نسألك: هل الأصل في الشيخ جمعة الوهم أم العلم؟
الجواب: العلم؛ بشهادة الكبار، ثم يأتي مثلك ـ من تلامذة هذا الصغير المغمور ـ وينسب الشيخ جمعة إلى الوهم في سرد شهادته على بوقليل، فأنت الذي يجب عليك الإثبات؛ لأنك خالفت الأصل؛ لذلك قال لك الشيخ حسن حفظه الله: «كيف تقول عن الشَّيخ جمعة: إنَّه وَهِمَ؛ وهو أكبر منك سنا وعلما؟!»، وهذا الكلام سليم لا غبار عليه، وبيانه من جهتين:
الأولى: أنك أسأت الأدب، فتكلمت بما يقدح في الشيخ جمعة دون دليل، وحقُّه أنْ تحترمَه، وتتحفَّظ في كلامك فيه، بينما أنت يا محتار تُشيِّخ بوقليل، وتبخل بهذا اللقب على الشيخ جمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».
الثانية: أنَّ الشيخ جمعة أعلم منك عموما، وبحال بوقليل خصوصا، لطول معاشرته له ومعرفته به، فكيف تحكم عليه بالوهم، والوهم منك أولى لقلة علمك عموما، وبحال بوقليل خصوصا لقلة معاشرتك له، كما صرحت بذلك؟!
وما استدللت به على رد شهادة الشيخ جمعة بقولك: «هؤلاء طلبة علم أفاضل عرفناهم» وقولك «فلم أر منه إلا الخير»؛ فهذا ما تعرفه أنت عنهم، والشيخ جمعة أعرف منك بهم، والقاعدة السلفية تقول: «من علم حجة على من لم يعلم».
وفي هذا يقول الصنعاني رحمه الله: «والحاصل؛ أنَّ الدليل قد قام على قبول خبر العدل؛ إما عن نفسه بأنْ يخبر بأنه ابن فلان أو أنَّ هذه داره أو جاريته، فهذا لا كلام في قبول خبره عنه بالضرورة الشرعية، بل يُقبَل خبر الفاسق بذلك، بل أبلغ من هذا أنه يجب قبول قول الكافر: لا إله إلا الله؛ ويُحقَنُ دمُه ومالُه، ونعامله معاملةَ أهل الإيمان لإِخبارِه بالتوحيد، وإِنْ كان معتقدًا لخلافه في نفس الأمر، كالمنافق.
وإنْ كان خبره عن غيره كروايته للأخبار قُبل أيضاً، وإنْ كان عن صفة غيره بأنه عدل أو فاسق قُبِل أيضاً؛ إذ الكل خبر عدل، وقبول خبره ليس تقليداً له؛ بل لِمَا قام عليه من الدليل في قبول خبره، هذا تقرير كلام أهل الأصول وغيرهم» (5).
فانظر ـ أيها المنصف ـ إلى كلام الحائر المحتار وإلى كلام الشيخ حسن آيت علجت حفظه الله، وأيُّهما وافق أهل العلم في كلامه.
أمَّا ما ذكرته من كلام ابن القيم رحمه الله أنَّ كلَّ أحدٍ ما عدا الله ورسوله عُرضةٌ للوهم، فهذا تحصيل حاصل، ولا أحد يُنكرُه.
وتقول بلا حياء «فهل أنت تُبَرِّئ جمعة من الوهم؟!فهي العصمة إذا!»
فهل تخطئة الشيخ حسن لك في اتهام أهل العلم بالوهم دون بينة يُعدُّ نفيًا للوهم عنهم؟ أما لك عقل يا هذا؟!
أم أنك تبرئ نفسك من الجهل والقول بلا علم؟! فلعلك تدَّعي العصمة لنفسك!
وقولك «ثم دعني أقول لك: كيف تقول عن الشَّيخ ربيع ما قلت؛ وهو أكبر منك سنا وعلما؟!»؛ قد تقدَّم الردُّ عليه مفصلا بما يحصُلُ به المقصود إن شاء الله، ونحن لا نقول لك: إنَّك تدَّعي العصمة للعلامة ربيع؛ تأدُّبا مع الشيخ حفظه الله.
قال المحتار: «قولك: «ثم من تعتقد أنه أعلم من في الجزائر؟» فقلت: الشيخ فركوس، فقال: «طيِّب؛ إذًا هو ظلوم جهول؛ ظلومٌ يعرفُ غيْرَ ما يذكُرُ عن هؤلاء، وظلَمَهُمْ، أو جهولٌ لم يعرِفِ التَّعامُل مع الأمر»؛ تعجَّبت ولا أزال من ذكر الشيخ حسن لهذا اللَّازم وما مناسبته فيما كنا نتكلم فيه؟»
تعجبتَ من ذلك؛ لأنك لا تفهم ـ للأسف ـ، والشيخ حسن تنبَّه لهذا؛ فما برِح ينصحُك بالسكوت لعِلمِه بقلة علمك وفهمك، وأنَّ هذا الأمر ليس لأمثالك ممن لم يؤتَوْا من العلم إلاَّ قليلا؛ بل هو للعلماء الأذكياء الأزكياء.
ويوضحه قولك: «فاتَّصلت به، وذكَّرته بما دار بيني وبينه من كلام وذكرته بأقواله وما فهمت منها، وطلبت منه أن يكلِّم الشبابَ فإنهم يتَّهمونني بالكذب، فغيَّر الموضوع...»؛
ويقال لك: هذا دليل آخر على أنك أُتيتَ من جهة فهمك للكلام، حيث أنَّك فهمت أنَّ الشيخ حسنًا لم ينصحك بالشيخ فركوس، وإلا فليخبرنا العقلاء ما معنى أن يقول لك شخص في معرض نصحك: «وإلاَّ في الحقيقة هذه ليست بفتنة عامَّة بل هي فتنة على من التبس عليه الحقُّ بالباطل، وإلاَّ فإنَّا نعتقد أنَّ الحقَّ مع الشَّيخ فركوس ـ حفظه الله ـ»؛ أتراه يأمرك باتباع الباطل؟ ما لك كيف تحكم!
وقولك «تعجَّبت ولا أزال من ذكر الشيخ حسن لهذا اللَّازم وما مناسبته فيما كنا نتكلم فيه؟!»؛ فالمناسبة واضحة جدا، فإقرارك بأن الشيخ فركوسا أعلم من في الجزائر؛ يستلزم إقرارك بأنه من الصادقين الورعين الشاهدين بالقسط، الحكماء في تصرفاتهم، وذلك وصْفُ العلماء ونعْتُهُمْ، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ قال العلاَّمة السعدي: «وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة...، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه».
والشيخ فركوس من العلماء الذين لم يُعْلَمْ عنهم إلا الصدق والحكمة والعقل والورع، وهذا مما يشهد به العدو قبل الصديق، وقد شهد الشيخ فركوس على أصحاب المجلَّة بشهادات كثيرة تدينهم بالانحراف عن الحق منهجا وسلوكا، فإمَّا أنَّه ظلوم يفتري عليهم الكذب؛ وحاشاه، وإمَّا أنَّه جهول يرى الحقَّ باطلا والباطل حقًّا، وذهب يطعن فيهم بمجرد زلاَّت وهفوات ـ كما زعمت أنت ومن يطبِّل لك ـ، وكلا الأمْرَيْن ينقض شهادتك له بالعلم، كما أسلفت لك؛ فعدم فهمِك لكلام الشيخ حسن سببه عيُّك وفدامتك، كما قيل:
وكم من عائِبٍ قَولاً صَحيحًا ** وآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السّقِيمِ
ثم انتقل المحتار بعد هذا إلى خيط العنكبوت الذي يتعلَّق به الصعافقة، ويجترُّونه في تغريداتهم ـ خارج السرب ـ وهي اتهام مخالفيهم بالتصوُّف، والتقليد، وهذا بناء على فهومهم السقيمة، واستنتاجاتهم الخاسرة، وظنونهم السيِّئة.
قال المحتار «وأمَّا قولك: «لا تأت عندي، بل أنصحك بأن تذهب إلى الشَّيخ فركوس: مرَّةً ومرَّتين وثلاث مرَّات، وانظر في وجهه؛ لعلَّ الله يُبَصرُّك بالحق»؛ فإنَّ هذه العبارة حوَت من الخلل والفساد ما لا يخفى على من أبقت له هذه الفتنة مسكة عقل، وقد طاش عقلي يوم أن سمعتها منك وأرَّقني التماس الأعذار لك»
طاش عقلك؛ لأنك لا تفهم ـ كما تقدَّم مرارا ـ، وذهبت تلصق بالشيخ حسن تهمة هزيلة جدا ـ أنت نفسك لا تعتقدها، كما أن الغريق لا يعتقد نجاته من الغرق بمجرد تعلقه بقشة هزيلة إنما يدفعه إلى ذلك الاضطراب واليأس ـ.
وعبارة الشيخ حسن تضمنت لك توجيهين:
الأول: الذهاب إلى الشيخ فركوس مرة، مرتين، وثلاث مرات...
الثاني: النَّظر إلى وجهه.
وقوله: «لعلَّ الله يُبَصرُّك بالحق»؛ راجع إلى الأمرين بلا شك، ولم يقل لك: اذهب مرة أو مرتين أو ثلاث للنَّظر إلى وجهه، إنما قال: «وانظر إلى وجهه»، فكيف فهمتَ ـ أنت ومن يطبل لك ـ أنَّ الواو تفيد التعليل؟
فمن المعلوم عند أهل اللسان العربي أنَّ الواو لمطلق الجمع، وأنَّها تقتضي المغايرة، ولكن لعُجْمَةِ ألسنتكم، وعقولكم، حصرتم الحكم في علَّة واحدة، وهو راجع لعلَّتين مختلفتين:
الأولى منهما: هي الأصل؛ لأنها متعلقة بسماع الأدلة، وهي الذَّهاب إلى الشيخ مرة أو مرتين أو ثلاث.
والثانية: وهي معينة على استبانة الحق لأصحاب الفراسة الصَّادقة، والقلوب الحيَّة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}.
ويزداد الأمر بيانا ووضوحا، بتفصيل التوجيهين، بأنْ يُقال:
التوجيه الأول: مقصوده سماع شهادات الشيخ على القوم، وبيان وجه مخالفاتهم، ونصحه لهم مدة طويلة، ولقد أجاد الشيخ فركوس ـ حفظه الله ـ، وأفاد، وبيَّن، وأزال اللُّبْسَ وأزاح الغشاوة عن كثير من الحيارى؛ فنتج عن ذلك أنَّ أغلب الشباب السلفي على قلب رجل واحد مع الحقِّ، في جميع ربوع البلاد ولله الحمد.
ولو أخذت ـ يا محتار ـ بنصيحة الشيخ حسن؛ لكنت تبصرت، واهتديت للحق؛ ولكنك بقيت في دوامة وحيرة {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}.
أما التوجيه الثاني: وهو نصحك بالنظر إلى وجه الشيخ فركوس، وأنَّ هذا قد يكون عونا لك على قبول الحق الذي يقرره في مجالسه؛ فله أصل في الشَّرع، فقد أخرج الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ» (6).
وقد ذكر الشُّرَّاح أنَّ هذا النظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد يراد به أحد أمرين:
الأول: النظر إلى سمته، وقصده، أو هيئته، قال القاضي أبو بكر بن العربي: «قوله: «اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ »؛ يعني: قصده وسمته في قول، وسحناءه الكريمة؛ في قول آخر، وكلاهما قوي، والأول أقوى» (7).
الثاني: أن يكون اللفظ على ظاهره؛ أي: أنه استبان وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم، فعَلِمَ من ذلك أنَّه ليس بوجه كذاب، وذلك لِمَا يُلقِيهِ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ المَهَابة والجلالة على الصَّادقين، قال العلاَّمة المباركفوري: «أي: بوجْهِ ذِي كَذِبٍ، فإنَّ الظاهر عنوان الباطن» (8).
ويُعَضِّدُ هذا المعنى قول ابن القيم رحمه الله: «والكذب له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه برقُعًا منَ المَقْتِ، يراه كُلُّ صادق؛ فسِيمَا الكاذب في وجهه ينادي عليه؛ لمن له عينان، والصادق يرزقه الله مهابة وجلالة، فمن رآه هابه، وأحبَّه، والكاذب يرزقه إهانة ومقتا، فمن رآه مقَتَه، واحتقره، وبالله التوفيق» (9).
فانظر ـ أيها الأخ الموفَّق ـ إلى هذا المعنى الجليل الذي قرره الإمام ابن القيِّم، ولكن أين محتار ـ ورِبْعُه من الصعافقة ـ من هذه المعاني؟!
وَمِنَ العُقولِ جَداوِلٌ وَجَلامِدٌ ** وَمِنَ النُفوسِ حَرائِرٌ وَإِماءُ
- ومن ذلك أيضا ما رواه اللالكائي بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَدْعُو إِلَى السُّنَّةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْبِدْعَةِ عِبَادَةٌ» (10).
- وروى ابن بطة عن الفضيل بن عياض: «نظر المؤمن إلى المؤمن جلاء القلب، ونظر الرجل إلى صاحب بدعة، يورثه العمى؛ يعني في قلبه» (11).
فكلام الشيخ حسن ـ حفظه الله ـ موافق لكلام السلف وعلماء الأمة، وسياق كلامه يدل على هذا المعنى ـ فضلا عن منهجه ـ.
وإنَّ الواحد منَّا يجد نفسه يناقش هؤلاء الصعافقة في بديهيات ومسلَّمات، وذلك بسبب احتجاجهم بشبه واهية سقوطها يغني عن إسقاطها.
ثم قلتَ ـ يا محتار ـ بعد أن أوغلت في التضليل: «فدخل النَّاس في دين الله أفواجا ولم يحتاجوا إلى النَّظر في وجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»!!
وهنا وقعت على أمِّ رأسك؛ فلشدة حرصك على نصرة تهمتك الباطلة، وإلصاقها بالشيخ ـ حفظه الله ـ؛ تكلمتَ بالباطل وفي حق النبي صلى الله عليه وسلم!
فكيف نفهم قولك هذا؛ وعبد الله بن سلام رضي الله عنه يقول «فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ»؟!
فهل احتاج إلى النظر إلى وجهه أم لا؟ بل قد نفعه الله عز وجل بذلك، حتى علم صدق النبي صلى الله عليه وسلم قبل أنْ يسأله، فلما سأله؛ أسلم من فوره رضي الله عنه، فقولك هذا قولٌ على الله بلا علم، وكذبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم!
وسبحان من جعل من سننه الكونية التي لا تتبدل أن يجازيَ المرء بنقيض قصده، ويكشف كذبه من حيث لا يشعر، وما أشبه حالك مع الشيخ حسن بحال أحد شيوخ البطائحية الذي وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: «وَكَانَ مِنْ مُدَّةٍ قَدْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْهُمْ شَيْخٌ بِصُورَةِ لَطِيفَةٍ، وَأَظْهَرَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ، فَأَعْطَيْته طُلْبَتَهُ، وَلَمْ أَتَفَطَّنْ لِكَذِبِهِ؛ حَتَّى فَارَقَنِي، فَبَقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ هَذَا خَفِيَ عَلَيَّ تَلْبِيسُهُ إلَى أَنْ غَابَ ـ وَمَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيَّ تَلْبِيسُ أَحَدٍ بَلْ أُدْرِكُهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ـ، فَبَقِيَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي وَلَمْ أَرَهُ قَطُّ إلَى حِينِ نَاظَرْتُه، ذَكَرَ لِي أَنَّهُ ذَاكَ الَّذِي كَانَ اجْتَمَعَ بِي قَدِيمًا، فَتَعَجَّبْت مِنْ حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ أَنَّهُ هَتَكَهُ فِي أَعْظَمِ مَشْهَدٍ يَكُونُ حَيْثُ كَتَمَ تَلْبِيسَهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» (12).
وختاما؛ فهذه بضع أسطر لبيان حال هذا المخذول الحائر، وأنه ليس على شيء ـ هو ومن يطبل له من الحاقدين ـ.
وأقول لك ولغيرك من الصعافقة السفهاء: إنَّ صاحب الباطل لا يفلح، وأمره مفضوح بفضح الله عز وجل إياه، وفجوركم هذا لن تضروا به إلا أنفسكم، ومشايخنا بعون الله سائرين في طريقهم لن يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ما داموا على الحق ثابتين، وله ناصرين، وهم في تعاملهم معكم مقتدون بسلفهم الصالح في الإعراض عن السفهاء، كما قال التَّابعي الجليل أيوب السختياني رحمه الله: «لَسْتُ بَرَادٍّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ أَشَدَّ مِنَ السُّكُوتِ» (13).
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
كتبه : زكي بن ناصر
العاصمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامشالعاصمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفوائد ص 19.
(2) من تمام كلامه المذكور أعلاه.
(3)ّّّّ السير (12/152).
(4)تهذيب الكمال (11/202).
(5) توضيح الأفكار (2/118 ـ 119).
(6) رواه الترمذي في سننه (2485)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (616).
(7) عارضة الأحوذي (9/210)
(8) تحفة الأحوذي (7/158).
(9) إعلام الموقعين (1/95).
(10) «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» رقم (11).
(11) الإبانة الصغرى رقم (181).
(12) مجموع الفتاوى (11/462).
(13) الشريعة للآجري، رقم (132).
(*)


(**) رابط الصوتية: https://www.youtube.com/watch?v=IbkgNBLwFGE
تعليق