بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلاهادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد :
فبين يديك أيها الموفق صورة مشرقة وسيرة عطرة عن العلامة الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى تحمل في طياتها الدروس والعبر، وهذا مع عالمين جليلين كبيرين وهما: العلامة ذهبي العصر عبد الرحمن المعلمي، والعلامة حامد الفقي رحمهما الله تعالى ومن خلال هذا النموذج القيم يظهر بجلاء المقام الرفيع والتقدم العلمي للشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، وهو إذ ذاك في طراوة شبابه، كما يستفاد ما عليه الأعلام الهداة من الارتباط والتواصل الهادف والتعاون بنشر كتب السنة وبيان فضلها، وتعريف الناس بالدين الإسلامي المصفى.
وإلى ذكر النموذجين:
1 - العلامة المعلمي وإحالته على كتاب العلامة الألباني، قال: "وفي كتاب (فضائل الشام) للربعي سبع عشرة حكاية عن كعب قال فيها مخرجه الشيخ ناصر الدين الأرناؤط « كل الأسانيد لا تصح » وفي هذا تصديق لما قلته مراراً أن غالب ما يروى عن كعب مكذوب عليه. وبعد فلو صح شيء من ذلك فإنما كان كعب يخبر عن صحف اليهود، ومعقول أن يكون فيها أمثال ذلك " (1) .
2 - ثناء الشيخ حامد الفقي رحمه الله تعالى على الشيخ الألباني رحمهما الله تعالى، فجاء في تقديمه لكتاب نظرية العقد لشيخ الإسلام قوله : " ثم أخذت أبحث عن نسخة أخرى، حتى تخرج النسخ أدق وأصوب، ولتتميم النقص الذي أكلته الرطوبة والعبث من نسختنا؛ فكتبت إلى الأخ السلفي البحَّاثة الشيخ: ناصر الدين الأرنؤوطي بـ: "دمشق"، أطلب إليه معاونتي في العثور على نسخة أخرى، فكتب إليَّ أنَّ عند آل الشطي الأمجاد نسخة جيدة سليمة، فأرسلت إليه النسخة بالطائرة، فراجعها مراجعة دقيقة، وكمَّل مواضع النقص فيها ... " (2) .
وقد جاء في آخر حاشية طبعة كتاب نظرية العقد لشيخ الإسلام ابن تيمية ( ط : الفقي) : " انتهى مقابلة وتصحيحا يوم الثلاثاء8 شوال سنة 1368 هجرية الموافق 2 آب سنة 1949 دمشق أبو عبد الرحمن ناصر الدين نوح نجاتي الألباني ".
وقد كان عمر الشيخ الألباني رحمه الله وقتها ( 35 سنة)، وليقارن هذا مع الوصف المتقدم من كلمة الشيخ حامد الفقي للشيخ الألباني رحمهما الله بـ ( السلفي والبحاثة )، وهذا النعت من الشيخ الفقي كم حمل معه من الأثر الطيب وحسن وقعه في نفس سامعه، و يقتبس من هذا: فائدة الكلام الحسن وجميل أثره على من توجه إلى تحصيل العلوم والفضائل، والانتهاض به إلى رحاب النجاح والنبوغ، ومن طالع سير العلماء لاح له جملة وافرة من الأمثلة، ومن ذلك ما جاء من قول الحافظ الإمام الذهبي رحمه الله تعالى عن معلمه علم الدين البرزالي : " وكان هو الذي حبب إلي طلب الحديث فإنه رأى خطي فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثر قوله في وسمعت وتخرجت به في أشياء" (3)
فانظر ماذا فعلت الكلمة الحسنة في الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله، الذي صار بعد ذلك من جهابذة الحديث ونقّاده الكبار حتى قال فيه الحافظ أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله : " وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال " (4) .
وبعد هذا كله، فمن جميل ما يسطر عن أهمية الارتباط والتواصل العلمي كلمة للعالم المحقق الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله، قال : " وعلماء الدين أحوج الناس إلى التواصل والتعاون خصوصًا في العصر الذي تفشّى فيه وباء الإلحاد، وقلَّت الرغبة في العلوم الدينية، بل كادت تعم النُّفْرة عنها، واستغنى كلّ أحد برأيه .
فعلماء الدين مفتقرون إلى التعاون لإيجاد طرقٍ تقرَّب المسافة بينهم وبين المتعلّمين العلومَ الحديثة، وتُجْلى فيها المسائل الدينية في معارض تتفق وطريقَ التفكير العصري، فيُسْتطاع بذلك إيقاف الوباء عن زيادة الانتشار ومعالجة المرضى، بل والدعاية المثمرة إن شاء الله .
فأمّا الدواء المعروف الآن، وهو التكفير والتضليل، فإنه لا يزيد الداء إلا إعضالاً، ومثله مثل رجل ظهر ببعض أصابعه برص فقطعه! فظهر البرص بأخرى فقطعها!! فقيل له: حنانيك قبل أن تقطع جميع أعضائك ! " (5).
وهذه جمل مختصرة تبين الغايات النبيلة التي يهدف إليها التواصل العلمي :
فمنها : التعاضد على رفع راية التوحيد والسنة، وهداية الناس بتوعيتهم بالعلوم النافعة .
ومنها : التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر على أذى المخالفين، وجهادهم بالرد عليهم، وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم، والتحذر من كيدهم .
ومنها : إيصاد الأبواب على الأعادي من إشاعة الأخبار الكاذبة، والنمائم، وبث الفتن، وغير ذلك من أراجيف الغواة .
ومنها : حسم أسباب الشر والعداوة والبغضاء بينهم وأن يجعلوا هذا الأمر نصب أعينهم، ويسعون له بكل طريق، لأن المطلوب واحد والقصد واحد، والمصلحة مشتركة فيحققوا هذا الأمر بمحبة كل من كان من أهل العلم، ومن له قدم فيه واشتغال أو نفع، ولا يدعون الأغراض الضارة تملكهم وتمنعهم من هذا المقصود الجليل، فيحب بعضهم بعضاً ويذب بعضهم عن بعض، ويبذلون النصيحة لمن رأوه منحرفاً عن الآخرة " .
ومنها : مذاكرة العلوم بالمساجلات العلمية الهادفة، والمطارحات النقدية الهادئة ، واقتباس بعضهم من آراء بعض، ومن ثمار ما تشمل عليه المذاكرة الآتي :
1 - حصول الاستفادة بإضافة علوم جديدة طارئة، ولقد أحسن القائل :
إذا اجتمعوا جاؤوا بكل طريفة ..... ويزداد بعض القوم من بعضهم علماً
وعن عون بن عبد الله بن عتبة قال: " لقد أتينا أم الدرداء فتحدثنا عندها فقلنا: أمللناك يا أم الدرداء، فقالت: " ما أمللتموني لقد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئا أشفى لنفسي من مذاكرة العلم أو قال: مذاكرة الفقه " (6) .2 - عون كبير على استذكار ما نسي من محفوظات، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى : " إن إحياء الحديث مذاكرته" قال: فقال له عبد الله بن شداد: يرحمك الله كم من حديث أحييته في صدري قد كان مات" (7) .
3 - تتوضح المشكلات، وتحل المسائل العويصات، بالبحث والتحرير، والجواب المسدد.
4 - الإبانة عن أحوال العلماء، وما عليه سيرهم الحسنى في موضوع المباحثة والمراجعة من خلق خفض الجناح، والتجافي عن الكبر، ومذاهب العجب، وهذا نتيجة تحققهم بمنزلة الرعاية لحقائق الإيمان، ومشاهد الإحسان، ومن عيون ما ورد حكاية العلامة المحدث يوسف ابن المِبْرد الحنبلي عن الحافظ ابن رجب - رحمهما الله تعالى -، قال: " أخبرتُ عن القاضي علاء الدين بن اللَّحَّام أنه قال: ذكر لنا مرةً الشيخُ مسألة فأطنب فيها، فعجبْتُ من ذلك ومن إتقانه لها، فوقعت بعد ذلك بمحضر من أرباب المذاهب وغيرهم فلم يتكلَّم فيها الكلمة الواحدة، فلما قام، قلتُ له: أليس قد تكلَّمت فيها بذلك الكلام، قال: إنَّما أتكلم بما أرجو ثَوابه، وقد خِفْتُ من الكلام في هذا المجلس، أو ما هذا معناه". (8)
إلى غير ذلك من الثمار والفوائد الطيبة .
وإن من آكد المواطن التي يتأكد فيها التواصل وإقامة الراوبط الأخوية وتقويتها هو ما يكون عند حلول الخطوب وظهور المفتونين بزخارف الهذيان ممن يظن أنهم من أهل البصيرة والإيمان، ومن دلائل ما يدل على أهمية هذا الأمر وإشتداد الحاجة الماسة إليه ما ورد من عيون رسائل العلامة الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى وقوله لأحد إخوانه :" ومن مدة ما جاءنا منك مراسلة، وعادة الإخوان يتفقد بعضهم بعضاً، لا سيما أوقات الفتن التي تموج، وعند الحوادث التي هي على الأكثر تروج ". (9) .
هذا آخر ما سقناه في هذا المختصر ، والحمد لله حمدا كثيرا كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، وعظيم سلطانه، وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين آمين.
__________________________________________________ __________________________
(1) : الأنوار الكاشفة (ص128) .
(2) : ثبت مؤلفات الألباني لعبد الله الشمراني ( ص41) .
(3) : ثلاث تراجم نفيسة للأئمة الأعلام (ص: 40) .
(4) : نزهة النظر (ص257) .
(5) : آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (15/422).
(6) : جامع بيان العلم وفضله (1/ 429) .
(7) : نفس المصدر السابق (1/ 428).
(8) : الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد (1/ 52) .
(9) : الدرر السنية في الأجوبة النجدية (8/ 409) .
تعليق