بسم الله الرحمن الرحيم.
*شرار الناس.*
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
*شرار الناس.*
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فهذه بعض الأحاديث التي أشارت إلى *شرار الناس* قمت بجمعها فبلغت *أحد عشر حديثا*، ثم عمدت إلى تخريجها ووضع تعليقات يسيرة من كلام الأئمة والعلماء تحتها، تكون لها كالإشارات المفهمة المغنية عن كثير من الاستطرادات، خاصة وأن غالبها أحاديث واضحة دلالتها ومفهوم المعنى المراد منها، أسأل الله بمنه وكرمه أن ينفعنا بها، آمين.[*]
[1]
*عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " شرار أمتي الثرثارون، المتشدقون المتفيهقون، وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقا". أخرجه أحمد (8822) باختلاف يسير، والبخاري في الأدب المفرد (1308) واللفظ له، والبزار (9442) مطولا باختلاف يسير، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (982).*
الثرثارون هم الذين يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق. والثرثرة كثرة الكلام وترديده. [و]المتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: المراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه لهم وعليهم. والمتفيهقون هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواهم، مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع، يقال: فهقت الإناء يفهق فهقا، وبئر مفهاق كثيرة الماء. وقيل: هذا من النكير والرعونة [1]. والحاصل أن كل ذلك راجع إلى معنى الترديد في الكلام ليميل بقلوب الناس وأسماعهم إليه[2] .
فيُكره التقعيرُ في الكلام بالتشدّق وتكلّف السجع والفَصاحة والتصنّع بالمقدمات التي يَعتادُها المتفاصحون وزخارف القول، فكلُّ ذلك من التكلُّف المذموم، وكذلك تكلّف السجع، وكذلك التحريّ في دقائق الإِعراب ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوامّ، بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظاً يفهمُه صاحبُه فهماً جليّاً ولا يستثقلُه[3] .
[وأيضا] هذا [الذم] -والله أعلم- إذا كان ممن يحاول تزيين الباطل وتحسينه بلفظ ويريد إقامته في صورة الحق، فهذا هو المكروه الذي ورد فيه التغليظ. وأما قول الحق فجميل على كل حال، كان فيه إطناب أو لم يكن إذا لم يتجاوز الحق، غير أن أوساط الأمور أعدلها. وقد اتفق علماء اللغة وغيرهم على مدح الإيجاز، والاختصار في البلاغة، وإدراك المعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة[4].
[2]
*عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: «أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله» أخرجه البخاري (1341) واللفظ له، ومسلم (528).*
هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم كما دلت عليه النصوص... فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم فلا شك في تحريمه، سواء كانت صورا مجسدة كالأصنام أو على حائط ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم، والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة.
فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من اشد الناس عذابا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى[5] .
[3]
*وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» . أخرجه مسلم (1924).*
[وتفسيره في حديث]: عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري: أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشأم، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه، حتى تقبضه " قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل أو الظل - نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلم إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون، قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال فذاك يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق " أخرجه مسلم (2940).
[توضيح]: قال عبد الله بن عمرو: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية. فقال عقبة: أما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون ظاهرين".
وجه الجمع بين القولين من وجهين: أحدهما: أنه إذا أراد الله تعالى إقامة الساعة أمات الأخيار فقامت على الأشرار. والثاني: أن يكون الأخيار نادرا في ذلك الزمان ويعم الشر[6] .
[4]
*عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تجد من شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه". أخرجه البخاري (6058) وفي الأدب المفرد (409) واللفظ له، ومسلم (2526).*
يريد أنه يأتي إلى كل قوم بما يرضيهم، كان خيرًا أو شرًا، وهذِه هي المداهنة المحرمة.
وإنما سمي ذو الوجهين مداهنًا؛ لأنه يظهر لأهل المنكر أنه عنهم راضٍ فيلقاهم بوجه سمحٍ بالترحيب والبشر، وكذلك يظهر لأهل الحق أنه عنهم راضٍ، وفي باطنه أن هذا دأبه في أن يرضي كل فريق منهم، ويريهم أنه منهم، وإن كان في مصاحبته لأهل الحق مؤيدا لفعلهم، وفي صحبته لأهل الباطل منكرًا لفعلهم. فبخلطته لكلا الطائفتين وإظهاره الرضا بفعلهم استحق اسم المداهنة للأسباب الظاهرة عليه المشبهة بالدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، ولو كان مع إحدى الطائفتين لم يكن مداهنًا، وإنما كان يسمى باسم الطائفة المنفرد بصحبتها.
وقد جاء في ذي الوجهين وعيد شديد، روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنه قال قال: "ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا". وروى أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة" فينبغي للمؤمن العاقل أن يرغب بنفسه عما يوبقه ويخزيه عند الله تعالى[7] .
وإنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس[8] ، [وهو] نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على اطلاعه على أسرار الطائفتين وهو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ويظهر لها أنه منها في خير أو شر وهي مداهنة محرمة[9] .
[والمقصود بهذا الوعيد] الذي يدخل بين الناس بالشر والفساد، ويواجه كل طائفة بما يتوجه به عندها مما يرضيها من الشر، فإن رفع حديث أحدهما على الآخر على جهة الشر فهو ذو الوجهين النمام، وأما من كان ذا وجهين في الإصلاح بين الناس، فيواجه كل طائفة بوجه خي، وقال لكل واحدة منهما من الخير خلاف ما يقول للأخرى، فهو الذي يسمى بالمصلح، وفعله ذلك يسمى الإصلاح، وإن كان كاذبا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا و ينمي خيرا"[10]
(فإن قلت) : كيف الجمع بين هذا الحديث وبين الحديث الآخر الثابت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - «أن رجلا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ائذنوا له فبئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له القول فقلت يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول؟ قال يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» (قلت) : لا منافاة بينهما فإنه - عليه الصلاة والسلام - لم يثن عليه في وجهه ولا قال كلاما يضاد ما قاله في حقه في غيبته إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام له، وإنما فعل ذلك تألفا له ولأمثاله على الإسلام ولم يكن أسلم في الباطن حينئذ، وإن كان قد أظهر الإسلام فبين - عليه الصلاة والسلام - ليعرف ولا يغتر به وتألفه رجاء صحة إيمانه وقد كان منه في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده ما دل على ضعف إيمانه وارتد مع المرتدين وجيء به أسيرا إلى أبي بكر - رضي الله عنه -.[11].
[5]
*عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة أو بئس رجل العشيرة" فلما دخل عليه لان له القول. قالت عائشة فقلت: يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول؟ قال "يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس، أو تركه الناس اتقاء فحشه ". وفي رواية: مثل معناه. غير أنه قال: "بئس أخو القوم وابن العشيرة". أخرجه البخاري (6032) ومسلم (2591) واللفظ له.*
"فشر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء فحشه، لا تراه إلا ملتبسا بجريمة، ولا تسمعه إلا ناطقا بالأقوال الأثيمة، فعينه غمازة، ولسانه لماز، ونفسه همازة، مجالسته شر، وصحبته ضر ، وفعله عدوان، وحديثه البذاءه، لا يذكر عظيما إلا شتمه، ولا يرى كريما إلا سبه وتعرض له بالسوء ونال منه، وسفه عليه"[12] .
[6]
*عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقه هم شرار الخلق والخليقة طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله قالوا يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق» . أخرجه أبو داود (4765)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3668).*
" سيكون في أمتي اختلاف ": يحتمل أن يكون المراد به: أهل اختلاف وفرقة, ويكون المعنى بهم: قوم صفتهم وحالهم ما ذكر, ويكون (قوم) بدل منه, وأن يكون المراد به نفس الاختلاف, أي: سيحدث فيهم اختلاف وتفرق, ويكون من فرقهم فرقة هذا شأنهم.
و" القيل " والقال والقول واحد.
وقوله: " لا يجاوز تراقيهم " أي: لا يجاوز أثر قراءتهم عن مخارج الحروف والأصوات, ولا يتعدى إلى القلوب والجوارح, فلا يعتقدون وفق ما يقتضي اعتقادا ولا يعلمون بما يوجب عملا.
" يمرقون من الدين " أي: يخرجون منه خروج السهم من الرمية, وهي الصيد الذي ترميه, فعيلة بمعنى مفعول, والتاء فيه لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية, شبه دخولهم في الدين وخروجهم منه من غير توقف وتمسك بشيء من علائقه بمروق السهم فيما يرمى به من غير حاجز يحجزه وحائل يتشبث به.
" لا يرجعون حتى يرتد على فوقه " أي: لا يرجعون إلى الدين حتى يرتد السهم إلى جانب رأسه, و (الفوق): المشقوق من رأس السهم, الذي يوضع فيه الوتر, علق رجوعهم إلى الدين بما يعد من المستحيلات, مبالغة في إصرارهم على ما هم عليه, وحسما للمع في رجوعهم إلى الدين, كما قال تعالى: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40].
" هم شر الخلق " لأنهم جمعوا بين الكفر والمراءاة, فاستبطنوا الكفر, وزعموا أنهم أعرق الناس في الإيمان, وأشدهم تمسكا بالقرآن, فضلوا وأضلوا, و (الخلق): مصدر يعبر به عن المفعول للمبالغة, والخليقة واحد الخلائق, جمع بينهما للمبالغة والتوكيد.
" طوبى لمن قتلهم ": فإنه غاز, " وقتلوه " فإنه شهيد
" قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: التحليق: لا يدل على أن الحلق مذموم, فإن الشيم والحلى المحمودة قد يتزيا بها الخبيث تسليا وترويجا لخبثه وفساده على الناس[13] .
[7]
*عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام فأولئك شرار أمتي» . أخرجه الطبراني (8/127) (7512) وتمام في الفوائد (1683) وأبو نعيم في الحلية (6/90)، حسنه الألباني في صحيح الجامع (3663) والسلسلة الصحيحة (1891).*
"أي: من شرارهم وهذا من معجزاته فإنه إخبار عن غيب وقع والواحد من هؤلاء يطول أكمامه ويجر أذياله تيها وعجبا مصغيا إلى ما يقول الناس له وفيه شاخصا إلى ما ينظرون إليه منه قد عمي بصره وبصيرته إلى النظر إلى صنع الله وتدبيره وصم سمعه عن مواعظ الله يقرأ كلام الله ولا يلتذ به ولا يجد له حلاوة كأنه إنما عنى بذلك غيره فكيف يلتذ بما كلف به غيره وإنما صار ذلك لأن الله عز اسمه خاطب أولي العقول والبصائر والألباب فمن ذهب عقله وعميت بصيرته في شأن نفسه ودنياه كيف يفهم كلام رب العالمين ويلتذ به وكيف يحلو بصره وهو يرى صفة غيره"[14] .
[وهؤلاء من شرار الأمة] "لأنهم توسعوا في نعم الله وجعلوا شكر نعمة التوسع في الأقوال وملأوا الأشداق بها أو لأن ذلك التوسع لا يكون من الحلال فإنه لا يتسع في الغالب لذلك وهو نهي عما ذكر من الصفات"[15] .
[8]
*عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن خيار عباد الله من هذه الأمة الذين إذا رُؤوا ذُكِر الله تعالى، وإن شرار عباد الله من هذه الأمة المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العنت ". رواه الخرائطي في " مساوىء الأخلاق " (1/113 1) وهو في السلسلة الصحيحة (2849).*
"(خيار أمتي الذين إذا رؤوا ذكر الله) تقدم أنه يحتمل إما بتذكيرهم للعباد أو بما يعلوهم من حسن الهيئة والسمت الدال على معرفتهم لله. (وشرار أمتي المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة) بما ينقلونه ويفتعلونه. (الباغون البرآء العنت) هما منصوبان على المفعولية لاسم الفاعل وتقدم أن هؤلاء من الثمانية الذين هم أبغض الخليقة إلى الله تعالى وأنه يعذرهم، (والعنت) بفتحتين المشقة والفساد والهلاك والإثم والغلظ والخطأ والزنا كل ذلك قد جاء، والحديث يحتملها كلها أي الذين يبغونهم ما شق عليهم مما هم براء منه"[16] .
[9]
*عن عائذ بن عمرو رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن شر الرعاء الحطمة» الحديث . رواه مسلم (183).*
الرعاء: جمع راعٍ.
الحطمة: الذي يحطم الناس ويشق عليهم ويؤذيهم، فهذا شر الرعاء. وإذا كان هذا شر الرعاء؛ فإن خير الرعاء اللين السهل، الذي يصل إلى مقصوده بدون عنف. فيُستفاد من هذا الحديث فائدتان:
الفائدة الأولى: أنه لا يجوز للإنسان الذي ولاّه الله تعالى على أمر من أمور المسلمين أن يكون عنيفاً عليهم؛ بل يكون رفيقاً بهم.
الفائدة الثانية: وجوب الرفق بمن ولاه الله عليهم بحيث يرفق بهم في قضاء حوائجهم وغير ذلك، مع كونه يستعمل الحزم والقوة والنشاط، يعني لا يكون ليناً مع ضعف، ولكن ليناً بحزم وقوة ونشاط[17] .
[10]
*عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطي به" . أخرجه الترمذي (1652)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.*
قوله: يسأل بالله ولا يعطي به: يحتمل بناء الفعلين للفاعل، ويكون المعنى: يسأل غيره بحق الله، ثم إذا سئل هو به لا يعطي، بل ينكص، ويبخل،. ويحتمل بناء الأول للمفعول: أي يسأله غيره بالله فلا يجيب، يعني أنه يسأله صاحب حاجة، بأن يقول له: أعطني بالله، وهو يقدر، ولا يعطيه شيئا، بل يرده خائبا.
وكلا الاحتمالين صحيحان[18] .
[11]
*عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يظهر معدن في أرض بني سليم يقال له: فرعون أو فرعان - وذلك بلسان أبي الجهم - قريب من السواء يخرج إليه شرار الناس، أو يحشر إليه شرار الناس ". أخرجه أبو يعلى في مسنده (6385) وقال الهيثمي: رواته ثقات[19] .*
(المعادن) المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنحاس وغير ذلك، وأحدها: معدن. كذا في النهاية.
قلت: ومما لا شك فيه أن شرار الناس إنما هم الكفار، فهو يشير إلى ما ابتلي به المسلمون اليوم من جلبهم للأوربيين والأمريكان إلى بلادهم العربية لاستخراج معادنها وخيراتها. والله المستعان[20] .
هذا آخره، والله أعلم، وصلى الله وسلم على النبي الأكرم.
*أبو أمامة أسامة بن الساسي لعمارة.*
*عين الكبيرة . سطيف . الجزائر*
*أبو أمامة أسامة بن الساسي لعمارة.*
*عين الكبيرة . سطيف . الجزائر*
[*] كنت قد نشرت مقالا بعنوان خيار الناس على هذا المنتدى الطيب لمن أراد الرجوع إليه.
[1]شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بـ (الكاشف عن حقائق السنن) 10/3106.
[2]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 7/3019.
[3]الأذكار للنووي 372.
[4]التوضيح لشرح الجامع الصحيح 24/450.
[5]فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب 3/202-204.
[6]كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي .4/142.
[7]شرح صحيح البخاري لان بطال 9/251.
[8]نقله ابن حجر عن القرطبي في الفتح 10/475.
[9]شرح النووي على مسلم 16/79.
[10]المفهم للقرطبي 6/589.
[11]طرح التثريب 8/91.
[12]إصلاح المجتمع للبيحاني 199.
[13]تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة 2/505.
[14]فيض القدير 4/129.
[15]التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني 6/499.
[16]التنوير شرح الجامع الصغير 5/531.
[17]شرح رياض الصالحين للعثيمين 3/638.
[18]انظر ذخيرة العقبى في شرح المجتبى للأثيوبي 23/93.
[19]مجمع الزوائد 3/78.
[20]قاله الألباني في السلسلة الصحيحة 4/506.
تعليق