بسم الله الرحمن الرحيم
قصة رحلتي إلى العاصمة لزيارة علماءنا الأكابر
قصة رحلتي إلى العاصمة لزيارة علماءنا الأكابر
الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده
فبتوفيق من الله و فضله الكريم المنّان، منّ الله علي بزيارةعلمائنا الأكابر ومشايخنا الأعلام، الشيخ العلامة ريحانة الجزائر فركوس حفظه الله و الشيخ الوالد لزهر و الشيخ عبد المجيد جمعه العالم الهٌمام ،
فكانت رحلة من أجمل رحلات عمري و أعظمها نفعا على الإطلاق ،و كيف لا و أنا أقرّ عيني بالنّظر الى مشايخنا و الأخذ من علمهم و فوائدهم و هديهم و سمتهم .و سألخص فوائد هذه الرحلة لأحبتي و إخوتي و أشاركهم بعض قصّتي.
1- شيخنا فركوس حفظه الله طود أشم و جبل في العلم حقّا و صدقا، أجوبته محرّرة مسدّدة بالأدلّة و أقوال أهل العلم،و لا يمكن للشيخ أبدا أن يجيب السائل دون أدلة و تحرير و بسط لمسألته وذكر لأقوال السلف ، و دائما ما يسأل السّائل هل فهمت؟هل هو واضح؟ فهمت أم أعيد؟؟
2- لاحظت من تواضعه حفظه الله و رأفته و اهتمامه بطلاّبه عجبا ؛فقد كان الإخوة وقوفا خارج المكتبة تحت المطر فوقف الشيخ و نظر نظرة شفقة على أبناءه وقال بصوت المشفق الحنون "الطلبة مساكن واقفين في البرد تحت المطر ...أطفِئ المكيف" وكان مكيف مكتبته شغالا.
3-من الفوائد التي دوّنتها و حرّرتها في مجلسه حفظه الله تراجع الشيخ عن قوله بتحريم نزع المرأة للشّعر الزائد في وجهها و فصّل لنا المسالة تفصيلا شافيا كافيا و وضّح لنا لماذا عدل عن قوله بالتحريم الى القول بالجواز.
و فوائد أخرى كثيرة ولكن الشيخ كما تعلمون لا يأذن بنشر مجالسه.
بعد مجلس شيخنا فركوس حفظه الله و رعاه عزمت على اللقاء بشيخنا الوالد لزهر ،فصلّيت في المسجد الذي يصلي فيه صلاة الظهر لكن شاء الله أن يغيب الشيخ ولم ألتقي به ، و رغبتي للقاءه حفظه الله دفعتني للمكوث في المسجد إلى صلاة العصر تخلّله قيلولة خفيفة بسبب التّعب و طول السفر. دعوت الله أن يلاقيني بالشيخ و فعلا بعد أن أنهينا الصلاة و إذا بالإخوة ملتفّين حول شيخنا فذهبت مسرعا و قبلت شيخنا و هو بتواضعه و مزاحه مع طلبته، يصدّ كلّ من يريد تقبيل رأسه . وسأله أحد الطّلبة عن الإضراب فقال لا تضربوا معهم تدرُسون .قال له الطالب لا يُدرّسوننا ..إلا أستاذ واحد .قال : ولو درّسكم نصف أستاذ أنتم لا تدخلوا معهم في إضراب .ثم سألني حفظه الله عن حالي و حال والديَّ حفظهما الله و دعا لهما شيخنا جزاه الله خيرا. وأجاب عن بعض الأسئلة ثم اعتذر منا لكثرة انشغالاته و انصرف و انصرفت و أنا تغمرني سعادة لا يمكن وصفها أبدا.
ثم وفق الله و* يسّر أن أبيت ليلتي في فندق بجوار شيخنا جمعه ، عازما على صلاة الصّبح معه بإذن الواحد الأحد ، وفعلا التقيت بشيخنا الوقور ،و والله الذي رفع السماء بلا عمد لم تر عيني أوقر منه ولا أشد حياء ولا تواضعا منه. لدرجة أنّ الأسئلة انتهت و لم يوجد بيننا ولا منّا من يسأل الشّيخ و ساد الصّمت و الشيخ واقف لا يستطيع أن يقول لنا أنصرفوا أو جزاكم الله خيرا ،والجو بارد، و شيخنا حفظه الله واقف و يمسك بمرفقه الأيسر لعله يؤلمه وساكت يطرق في الأرض*. تأثرت كثيرا بهذا المنظر وبقي راسخا في ذهني ثم يأتي الصعافقة الأشرار و يسبون الشيخ و يصفونه بأقذر العبارة قاتل الله الهوى*.
*سألت شيخنا عن حدود مجالسة المخالفين بغرض النصح،فقال حفظه الله : متى غلب على ظنك أنه سيرجع و يتوب. فإن رأيت منه إصرارا و عنادا فلا تجالسه.*تجالسه مادمت تؤمٍّل رجوعه*.نوح عليه السلام مكث ألف سنة يدعو قومه فلما تبين له عنادهم و إصرارهم دعا عليهم {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا}. انتهى كلامه.
وسألته حفظه الله عن متابعة الإمام المواضب على تسليمة واحدة في كل الصلوات ،فقال يٌتابَع.
وسألته عن حكم صلاة المأمومين وراء إمام مسافر يأتي الجمعه فقط و يصلي بنا العصر اربعا .قال صلاته باطلة لأن القصر واجب وهو أتم العصر أما صلاتنا نحن المأمومون فصحيحة.
و قلت له شيخنا غيّرت رقمك و أنا قدمت من بلعباس لأخذ رقمك الجديد قال لي : "رقمي هو هو لم أغيره ولكن انظر و أخرج هاتفه حفظه الله و أراني تنبيهات الرسائل فإذا هي 999 رسالة غير مقروءة و قال هذه الطاقة القصوى للعدّاد و إلا فالعدد أكبر من هذا بكثير فكيف أستطيع أن اردّ عليها جميعا ؟
و مشينا معه حتى باب سكناه و في الطريق استوقفه شباب من الجيش الوطني و سألوه سؤالان عن تقصير الصلاة فأجابهم الشيخ و دعى الله لهم و فرحوا فرحا عظيما .ونحن وقوف عند مدخل العمارة أين يسكن الشيخ والصمت مطبق والله ما سمعنا منه توديعا ولا اعتذارا ولا أيّ كلمة سبحان الله ، وطال وقوفنا معه حتّى استحييت أنا وودّعت الشيخ و الدمع في عيني فالمنظر كان مؤثرا جدّا .حياء الشيخ و تواضعه يفوق الوصف.
ثم يسر الله أن أصلي الجمعة عند الشيخ عبد القادر حرّي الذي كثيرا ما سمعت عنه و عن خطبه البليغة.فإذا هي خطبة عن تقوى الله و تفسير قوله تعالى {و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب}
فكانت خطبة وجلت منها القلوب و ذرفت منها العيون لدرجة أن المؤذّن لم يستطع اقامة الصلاة نطق التكبيرتين الأوليتين و غلبه البكاء فسكت ،فأشار الشيخ حفظه الله لأخ آخر باقامة الصلاة و الذي ايضا غلبه البكاء اثناء الإقامة فأتمّها بمشقة.فكان جوا إيمانيا مهيبا و زاده خشوعا تلاوة الشيخ الرائعة التي أبكت من لم تبكه الخطبة.
و بعد الصلاة مباشرة اتجهتُ مع الإخوة نحو مجلس الشيخ فركوس أفواجا أفواجا والحمد لله وصلنا في الوقت فأتحفنا الشيخ بعلمه و توجيهاته و نصحه، و الإخوة في الخارج كأن على رؤوسهم الطير.وكان مقابل مكتبة الشيخ عرس فصدّعووا رؤوسنا بالمفرقعات و فاتنا الكثير من الفوائد.والأمر الطريف أن العروس جاء إلينا ينفسه و اعتذر قال "هذا عرسي ،انا هو العروس سامحوني الله غالب تزوجت كبير "وكان شائب الرأس و اللحية.(ابتسامة)
*من فوائد الرحلة أنّي التقيت بإخوة من آفلو و تمنراست و الأغواط و عين الدفلى و غليزان و تموشنت فسبحان الذي جعل المنهج السلفي يجمعنا و يآخي بيننا.
وانتهت رحلتي . و في النفس عزم على الرجوع بإذن الله للقيا مشايخنا فبلقاهم تقرّ العيون و تُشحذ الهمم .
حفظ الله مشايخنا وبارك في علمهم و أعمارهم و جعلهم شوكة في حلوق أهل البدع و الاهواء.
أحبّكم في الله مشايخنا و آباءنا .
هذا و الحمد لله أولا و آخرا و الصلاة و السلام على رسول الله.
كتبه
ناصر العباسي في طريق العودة من العاصمة حرسها الله.
ناصر العباسي في طريق العودة من العاصمة حرسها الله.
تعليق