إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

السيف القاضي على تعليق الدكتور ماضي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • السيف القاضي على تعليق الدكتور ماضي

    <بسملة1>


    السيف القاضي على تعليق الدكتور ماضي

    الحمد لله المنعوت بنعوت الجلال، الموصوف بصفات الكمال، المنـزَّه عن الصاحبة و الولد و المثال، و الصلاة و السلام على من بَلَغ في العبودية مقام الكمال نبينا محمد، و على آله و صحابته الراسخين في العلم رسوخ الجبال، و على من تبعهم بإحسان إلى يومٍ لا ينفع فيه ولد و لا والد و لا مال، أما بعد :
    فيقول الله تعالى في كتابه العزيز} و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن{ [ الاسراء: 53]، قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم : و قل يا محمد لعبادي يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة و المخاطبة.
    كما حدثنا خلاد بن أسلم قال : ثنا النضر، أخبرنا المبارك، عن الحسن في هذه الآية } و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن{ قال التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله، بل يقول له: يرحمك الله، يغفر الله لك". [ تفسير الطبري: ج14/623،624 ]
    فيأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه و سلم أن يأمر عباده المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم و محاورتهم الكلام الأحسن و الكلمة الطيبة، فإنه إذ لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، و أخرج الكلام إلى الفعال، و وقع الشر و المخاصمة و المقاتلة. [تفسير ابن كثير: ج5/86،87]
    قال ابن القيم -رحمه الله-: فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلَّم بعضهم بعضا بغير التي هي أحسن، فرُبَّ حرب وقودها جثث و هام، أهاجها قبيح الكلام.
    و في الصحيحين من حديث سهل بن حنيف قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم « لا يقولن أحدكم خبُثت نفسي، و لكن ليقل لقست نفسي » و خبثت، و لقست، و غثت متقاربة المعنى، فكره رسول الله صلى الله عليه و سلم لفظ الخبث، و أرشد إلى العدول إلى لفظ أحسن منه، و إن كان بمعناه تعليما للأدب في المنطق، و إرشادا إلى استعمال الحسن، و هو هجر القبيح في الأقوال، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق و الأفعال. [ الطرق الحكمية: ص111]
    فينبغي للمؤمن أن يقوم على جوارحه فيحفظَها، و يسدَّ على الشيطان كل مدخل، و أعظم مداخله اللسان، فإنه يرسل السرايا لتأتيه بالسبايا، و يأمر أعوانه أن يقوموا على هذا الثغر، فاحذر الهلكة، و احترز منه، و لك في ذكر الله حصن ممتنع، فما ناحت عين على ميت كما ناحت على قتلى إبليس.
    قال ابن القيم – رحمه الله-: فكذلك النفس يشارطها أولا على حفظ الجوارح السبعة، و هي رأس المال، و الربح بعد ذلك، فمن ليس له رأس مال فكيف يطمع في الربح؟ و هذه الجوارح السبعة، و هي : العين، و الأذن، و الفم، و اللسان، و الفرج، و اليد، و الرجل هي مراكب العطب، و النجاة، فمنها عَطَب مَنْ عطب بإهمالها و عدم حفظها، و نجا من نجا بحفظها و مراعاتها، فحفظها أساس كل خير، و إهمالها أساس لكل شر. [ إغاثة اللهفان: ج1/96]
    و قال كذلك : ثم يقول -أي الشيطان-: قوموا على ثغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم، و هو قبالة الملك، فأجروا عليه من الكلام ما يضره و لا ينفعه، و امنعوا أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى و استغفاره، و تلاوة كتابه و نصيحة عباده أو التكلم بالعلم النافع ... و اعلموا يابنـيَّ أن ثغر اللسان هو الذي أُهْلِكُ منه بني آدم، و أكبهم منه على مناخرهم في النار، فكم من قتيل و أسير و جريح أخذته من هذا الثغر. [ الداء و الدواء:ص234،235]
    فالعبد مأمور أن يقول خيرا أو يصمت، فليس هناك كلام يستوي التلفظ به أو الإمساك عنه، قال ابن رجب-رحمه الله-: فقوله صلى الله عليه و سلم « فليقل خيرا أو ليصمت » أمر بقول الخير، و الصمتِ عما عداه، و هذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قولُه و الصمتُ عنه، بل إما أن يكون خيرا فيكون مأمورا بقوله، و إما أن يكون غير خير فيكون مأمورا بالصمت عنه. [ جامع العلوم و الحكم: ج1/335،336]
    فهذه موعظة وجيزة وعظتك بها يا دكتور ماضي لعلها ترفع ما أوغر صدرَك، و تكون سببا في توبتك مما صدر منك في حق الشيخ محمد علي فركوس -حفظه الله- فقد بدا حاجب الحق، و أبصر الطريقُ، و استبان و اتَّضح لسالكه، فإني رأيتك -غفر الله لك- مِطْعانا فيمن خالفك، و لا يكون المؤمن طعانا و لا لعانا، و لك في الشيخ الكبير مطاعن، و كنتَ قديما تقول : الشيخ فركوس يعلم الله، و أنا كما يقول العامة : أمشي على اثنين كيلومتر، و الله ما طعنت فيه يوما ، هذه الحكاية التي يذكرها الشيخ، الله يوفقه و يهديه و يهدينا معه، أنني أطعن فيه، و يقول المشايخ الشيخ عبد المجيد و غيرهم أنني أطعن فيه، و الذي بعث محمدا بالحق ما طعنت فيه يوما، و مانيش مجنون باش نطعن في مثل الشيخ فركوس . [ صوتية بعنوان : عبد الخلق أقسم بالأيمان المغلظة أنه ما طعن في الشيخ فركوس]
    فقد جنيت على نفسك بما صدر منك في حق الشيخ الكبير، فحلفت بالله جهد اليمين، و أقسمت بالله جهد القسم ، أنك لا تطعن فيه، و لستَ بالمجنون حتى تصنع ذلك، فهل أصبحت اليوم ممن رُفع عنه القلم، فهي فتنة أنت أبو عُذْرِها، و أول من افتضَّها، و أول من جهر بها، انتشرت حتى بلغت كبد السماء، و للشيخ المظلوم دعوات تخرق الحجب، فدعوة المظلوم ليس بينها و بين الله حجاب، حتى طلع علينا ناشئة زعموا النقد العلمي للشيخ الكبير، و هو طعن في صورة نقد و إسقاط في صورة نصح، فطلع علينا المسمى عبد الله المكي بمقال، تكذَّب فيه على شيخنا، و تكلَّف الكذب، فضربه أخي عمار بالـمُــنكي، ففرَّ هاربا يبكي، فهل أنتم تاركوا لنا شيخنا، فهل أنتم تاركوا لنا شيخنا، فهل أنتم تاركوا لنا شيخنا.
    أفلا يتقي الله قوم بداية أمرهم الهوى، و آخر أمرهم الكذب، فإن الهوى فَضُوحٌ لصاحبه كالخمر تفضح شاربها، و يكفيك عنوان المقال : ملاحظات منهجية خطيرة على كتب الدكتور فركوس.
    أقول : إن المنهج الخطير هو أن يقوم الجاهل ليردَّ على العالم، و يشهِّر به - ليشتهر اسمه، و يصرف وجوه الناس إليه - و تقوم ناشئة بمحاربة عالم البلد، فإن محاربته من أقبح الخصال، و هي صد عن سبيل الله، و هي باللسان أعظم من المحاربة باليد، فلم يعرف القوم قدر أنفسهم و لا قدر من يردُّون عليه، و المقدِّمتان متلازمتان، يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: "إن المحاربة نوعان : محاربة باليد، و محاربة باللسان، و المحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد ... و لذلك كان النبي -صلى الله عليه و سلم- يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد، خصوصا محاربة الرسول -صلى الله عليه و سلم- بعد موته، فإنها إنما تمكن باللسان، و كذلك الإفساد قد يكون باليد، و قد يكون باللسان، و ما يُفِسد اللسانُ من الأديان أضعاف ما تفسده اليد، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد.[ الصارم المسلول: ج2/735]
    فما بال الذين جمعوا في محاربة الشيخ الكبير بين المحاربة باليد و المحاربة باللسان، فهذا من أعظم الإفساد في الأرض، فأطلقوا ألسنتهم يلوكون عِرْضَه، و كتبوا بأيديهم ما يبقى عليهم عارُه إلى يوم عَـرْضِه، و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، فلهم حظ من قوله تعالى: {و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 11،12]
    فإن كنتم تريدون الحطَّ من قدر الشيخ، و إن أنكرتم ذلك، فأنا أختار عــــزَّه و رفعته، و أحارب دونـه، فعرضي دون عرضه، لا أفعل ذلك إلا طاعة الله تعالى، لا رغبة و لا رهبة، و عندي من أظلم الناس من يقرن بين الشيخ و بين غيره في مرتبة واحدة بالمغرب، و لا يزال الشيخ مظلوما بمثل هذا الإقران، قال شيخ الإسلام في القاضي بدر الدين -رحمه الله- : "و عندي من أظلم الناس من يقرن بينه و بين غيره في مرتبة واحدة بالشام أو بمصر، و ما زال بدر الدين مظلوما بمثل هذا الإقران ... فأنا أحب و أختار كل ما فيه علو قدره في الدنيا و الدين، و لا أحب أن أجعله غرضا لسهام الأعداء، بل ما عملت معه و مع غيره و ما أعمل معهم فأجري فيه على الله الذي يقول: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره } .[ الزلزلة: 7،8 ]
    و كنت قد كتبت مقالا نصرت فيه الحق الذي مع الشيخ الكبير، و نقضت به تأسيس القوم [انظر بيان : تنبيه الأئمة بما وقع من سهو في بيان براءة الذمة ]، فإن الحق إذا ظهر لم يـَجُزْ دفعه و لا تركه لقول أحد من الناس، قال ابن القيم -رحمه الله-: "لا يجوز لحاكم و لا لوال ردُّ الحق بعد ما تبين، و ظهرت أمارته لقول أحد من الناس".[الطرق الحكمية: 63،64]
    و كان الدكتور ماضي-هداه الله- قد تعقَّبني في كلمة وردت في ذلك المقال خارجةٍ عن محل النزاع، فهي كضمير الفصل لا يختل الكلام بحذفه، فبدل أن يتوب من تلك الأخطاء الواضحة، أخذ يركب عزيـمة رأيه، و يجادل فيما لا طائل فيه، فما أبعد مرماك، و هذه الكلمة هي قولي : لقد سجل عليكم التاريخ تنكـــرَكم لعالم الجزائر، و كبيرها الشيخ محمد علي فركوس، و لخليفته من بعده -بإذن الله تعالى- بلا منازع الشيخ عبد المجيد جمعة.
    قال الدكتور-عفا الله عنه-: "حتى يكتب أحدهم بقلم أو باسم مستعار، و نحن نعرف من يكتب باسم أبي عبيد الله السلفي، و يقول : إن فلانا هو خليفة فلان، عجيب كيف تجعلون هذه الدعوة ملكا عضوضا، أليس الله هو من يولِّي هذه الدعوة من يشاء، و يجعل فيها إماما من يشاء، أم أنها الصوفية و التوارث على طريقة الصوفية، لأن الصوفية هم من يورِّثون الطريقة، فإنهم ربما ورَّثـوا الطريقة من ليس فيه دين أصلا، لعل إخواننا تأثروا بمثل هذا، و أعجبهم طريقة الصوفية، صاروا يقولون : فلان هو خليفة فلان في البلد الفلاني بلا منازع". [صوتية بعنوان : لقاء مفتوح مع طلبة العلم في مدينة القليعة ، الدقيقة : 49 ]
    أقول : غفر الله لك يا دكتور، فقد قرأت كلامي فعجمتَه، و لم تقف حق الوقوف على حروفه، فضيَّعتَ معانيه، و دلَّست عليَّ فيه، و أخذت فيه بـمَعدِل الباطل، و لعلك أوتيت من عُجمتك، فلم أقصد في كلامي بالخلافة خلافة الـــمُلك و التوارث الصوفي كما زعمت، و لو رجعت إلى معنى هذه الكلمة في اللغة العربية لعرفت الخطأ الذي وقعت فيه.
    جاء في تاج العروس : الخَلْفُ : القرن بعد القرن، و الخَلَفُ بالتحريك : الولد الصالح يبقى بعد أبيه، و يقال : هو خَلَفُ صدق من أبيه، إذا قام مقامه، و يقال : في هؤلاء القوم خَلَفٌ ممن مضى، أي يقومون مقامهم، و خَلَفُ الإنسانِ الذي يخلفه من بعده، و يقال في الفعل منه : خَلَفَه في قومه، و في أهله يخلفه خَلَفاً و خلافة، قال الأخفش : و الصحيح قول ثعلب أن الخَلَف يجيء بمعنى البدل و الخِلافة، فللفعل معنيان : خَلَفْتُه خَلَفا كنت بعده خَلَفا منه و بدلا، و خَلَفْتُه خَلْفا جئت بعده، و اسم الفاعل من الأول خليفة.[ انظر تاج العروس: ج23/240-246]
    و قال محمد بن جرير الطبري-رحمه الله-: القول في تأويل قوله تعالى جل و عز {خليفة} و الخليفة الفعيلة، من قولك خلف فلان فلانا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده.[ تفسير الطبري: ج1/479]، فهل عرفت الآن معنى الخلافة التي قصدتها في كلامي!؟
    و اعلم -هداك الله- أنه لا مانع أن يُسأل العالم عن أفقه من يخلفه، فيشير إلى من يراه أهلا لذلك، فقد سُئل السبكي من تُخلِّف بعدك؟ قال : "العلائي".[ الدرر الكامنة : ج2/92]، و عن طلحة بن عمرو قال : قيل لعطاء : من ترى صاحب مجلسك من بعدك؟ قال : هذا، و أشار إلى ابن جريج .[ الجرح و التعديل : ج5/356]، فرحم الله البخاري الذي قال : بابٌ : العلمُ قبل القول و العمل.
    و لو سُئل الشيخ الكبير من ترى صاحب مجلسك من بعدك؟ لا أظنه يشير إلا إلى الشيخ عبد المجيد جمعة -حفظه الله- و ليس هذا من باب الملك و التوارث الصوفي في شيء.
    و أما قولك : "حتى يكتب أحدهم بقلم، أو باسم مستعار، و نحن نعرف من يكتب باسم أبي عبيد الله السلفي".
    فأقول : أبو عبيد الله كنية و ليست اسما، فهناك فرق بين الاسم، و الكنية، و اللقب، فاللقب ما أشعر بذم أو مدح، و الكنية ما صُدِّر بأب أو أم و نحوه، و الاسم في باب العَلَمِ ما قابل الكنية و اللقب، قال صاحب الخلاصة :
    و اسما أتى و كنية و لقبا *** و أخِّرِنْ ذا إن سواه صحِبا

    قال ابن عقيل : المراد بالاسم هنا ما ليس بكنية و لا لقب كزيد و عمرو، و بالكنية ما كان أولَه أب أو أم كأبي عبد الله و أم الخير، و باللقب ما أشعر بمدح كزين العابدين، أو ذم كأنف الناقة.[ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: ج1/119]
    و اعلم يا دكتور أني كتبت بكنيتي الحقيقية، فأنا لا أحتاج إلى استعارة اسم أو كنية، و قد أوضحت في بعض كتاباتي العلة التي من أجلها صنعت ذلك فأغنى عن التَّكرار.
    و أما تدليسُك عليَّ فحذفُك الاستثناء الذي كان مذكورا في كلامي، فإني قلت : و لخليفته – بإذن الله تعالى- بلا منازع ، فحذفت هذا الاستثناء، فصار قولك : أليس الله هو من يولي هذه الدعوة من يشاء ... إلخ لغوا لا يُعتد به، فإنه لم يغب عن ذهني أن الله تعالى هو الذي يولى هذه الدعوة المباركة من يشاء، و قد ولاها الشيخَ الكبيرَ بشهادة القريب و البعيد، العالم و العامي، فلو سألت عجائز باب عَـــزُّون عن مفتي هذا البلد و عالمها لقُلن : هو تاج الرؤوس محمد علي فركوس.
    و أما قولك : و نحن نعرف من يكتب باسم أبي عبيد الله السلفي.
    فأقول : من أين لك أن تعرفني!؟ و أنا مستعد أن أحلف بالله العظيم متعلقا بأستار الكعبة أنك لا تعرفني، و ليس لك طريق إلى الكشف عني إلا طريق الواسطة التي كنتُ رددتُ عليه في أول مقال لي [ انظر مقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد حمودة ] ، و أظن أنه توصل إلى معرفتي بتلك القرائن التي جعلتها له في بعض كتاباتي، و هذا الذي كنت أريده، أن يعرفني من أردُّ عليه و لا يعرفني غيرُه، حتى لا تتسع دائرة الخلاف، فأنا لم أخفي نفسي في الحقيقة، و لكن المردود عليه قرأ المباني، و لم يقف على المقاصد و المعاني، و لا أدري ما أخبرك به حمودة عني، و كنت أظنه قد تاب مما كان عليه، و لكن الطبع خـوَّان، هذا الذي ترجَّح عندي في كشفك عن حالي، فإن كان لك طريق أخرى مسلسلة بالضعفاء دلَّتك عليَّ فاذكرها، حتى ننظر في سلسلة الإسناد، و نجمع طرق الخبر لنستخرج مداره و علته، ثم ننظر هل يصلح للاعتبار أو لا.
    و مع ذلك فإني أقول : أتظن أنك تخوفني بقولك: و نحن نعرف من يكتب باسم أبي عبيد الله السلفي، فإن كنت تريد أن تتحقق من الخبر الذي بلغك أحق هو، فأقول لك : أنا العبد الضعيف ياسين حماش، فماذا تعرف عني؟
    و قبل أن تحكم عليَّ بما أنا بريء منه، كما هي عادتك في إطلاق الأحكام، فإني أذكِّرك و غيرَك إن نفعت الذكرى بآية في كتاب الله تعالى، و بحديث في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فأما الآية فقوله تعالى: {و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا }[ الأحزاب:58]، و أما الحديث فقوله -صلى الله عليه و سلم- «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله، و من خاصم في باطل و هو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع، و من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال».[سنن أبي داود (3597) ]
    فإن أبيت إلا الطعن فيَّ، كما طعنت قبلُ في الشيخ الكبير، و هو من أعيان الأمة، و كنتَ بطعنك فيه مستحقا للعقوبة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حيث قال :" لو رمى رجلٌ بعضَ أعيان الأمة بالكفر، أو الكذب، أو شهادة زور، أو سبَّه سبا صريحا، فإنا لا نعلم مخالفا في أن هذا الرجل يعاقب على ذلك، كما يعاقب على ما انتهكه من المحارم انتصارا لذلك الرجل الكريم في الأمة، و زجرا عن معصية الله، كمن يسب الصحابة، أو العلماء، أو الصالحين". [الصارم المسلول: ج2/842]، فقد عاقبكم الشيخ الكبير بالتهميش، فكان حتما مقضيا و حكما مرضيا.
    هذا الحكم الذي اضطرب فيه بعضهم، فجعلوه مصطلحا، ثم صيَّروه فكرة، ثم انتهوا إلى أنه قاعدة، فأنكروه على الشيخ الكبير أشد الإنكار، و من عجيب ما سمعنا من هذه الردود و كثرتها، أنْ صار الرجل يردُّ على نفسه و هو لا يشعر، فقد قام الشيخ عبد الغني عوسات-هداه الله- بإلقاء محاضرة كاملة في الإنكار على من تكلم بهذا اللفظ، حتى جعله من المتأثرين بأهل الضلال : المأربي، والحلبي، والعرعور [ صوتية بعنوان: عبد الغني عوسات ينزل الشيخ فركوس منزلة الحلبي والمأربي في تأصيلاتهم ]، ثم خرجت له صوتية تُظهر أسبقيَّــتَه إلى استعمال هذا اللفظ، قال فيها : "أنت ديرو كالمعدوم همشه، وقال : لما تهمشو و تهمش الحاجة تبان، و قال : و المذبذبين هاذوك بالأسلوب الحسن و لخرين همش صراحة همشو كما يقول الجزائريون اضربو يعرف مضربو [صوتية بعنوان : عبد الغني عوسات ينكر على الشيخ فركوس فكرة التهميش و هو أول من استعملها ضد أتباع العيد شريفي ] فإذا أنكرت ما كنت تعرف يا مُحب فاعلم أنك واقع في الفتنة، دخل ابن مسعود على حذيفة رضي الله عنهما فقال: اعهد إليَّ، فقال له : ألم يأتك اليقين؟ قال : بلى و عزة ربي، قال : "فاعلم أن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، و تنكر ما كنت تعرف، و إيَّاك و التلون، فإن دين الله واحد". [ شرح السنة للبغوي : ج1/216]
    فصار من خاض في هذه المسألة مفجوعا بهذه الصوتية، و كان يوم صدورها يوم فضاحٍ، و نزلت عليهم كالصاعقة، فاكتفيت بها عن كتابة الحلقة الثانية من مقال الصاعقة [انظر مقال : الصاعقة على رأس الصعافقة ]، فإني لا أكتب تكـثُّرا كما يصنع بعضهم.
    فأقول : هلا أنكرتموها عليه كما أنكرتموها على الشيخ الكبير، حتى بلغ الأمر إلى الرفض! و هلا أخبرتم الشيخ عبيد-حفظه الله- أن الشيخ عبد الغني أول من استعمل لفظ التهميش، فرحم الله علي بن المديني لما سُئل عن أبيه قال : اسألوا غيري، فقالوا : سألناك: فأطرق ثم رفع رأسه و قال : هذا هو الدين، أبي ضعيف [ انظر المجروحين لابن حبان: ج2/15]
    فلا أجد لكم مخرجا من هذه القضية – فهي قضية و لا أبا حسن لها - إلا أن تعتذروا من الشيخ الكبير، و تكفوا عن محاربته، فقد نصره الله على من أراد إسقاطه بهذه الكلمة، كما أراد حمودة إسقاط الشيخ عبد المجيد بقوله : إنه يحقق كتب أهل البدع، و ذلك لما وثب عليه الأسد الحطوم، و أثخنته الجراحات، صار يطلب ثأره منه، فلا ثأرت يداك، و كما زعم أن الشيخ لزهر يبيع كتب أهل البدع - سبحان الله - أين كان هذا لما كنتَ تعيش تحت سقفه، و تأكل من خبزه، و تتمسح ببساطه!؟ أم إنها المصالح الشخصية في مقابل الدعوة السلفية، فبئس الصفقة هذه.
    أقول : إن الشيخ عبد المجيد-حفظه الله- عرض هذه الكتب على الشيخ ربيع-حفظه الله- فأقـــرَّه عليها، كما أخبرني بذلك، و لو نهاه عن نشرها لفعل، فإن كنتَ تعتقد أن الشيخ عبد المجيد أخطأ خطأ منهجيا بتحقيقه لهذه الكتب، فيلزمك أن تُـقِرَّ بأن الشيخ ربيعا أخطأ خطأ منهجيا لـمَّـا أقـرَّه على نشرها، فإن كنت تزعم أنك تنصر الحق فاكتب كتابة تُـثـبِت فيها خطأ الشيخ ربيع في هذه القضية، فإن قلت : أنت تريد مني أن أردَّ على الشيخ ربيع، و أنا لا أرد على العلماء، فأقول : لا تـجبن فإن واقعك يُكذِّب زعمك، ألست تنادي بالنقد العلمي؟ أم هو سيف الثأر تطعن به في ظهر من خالفك فقط، أم أنك تخاف جرح الشيخ ، و ترجو تزكيته، فإن أنكرت ذلك بلسان مقالك، فلسان حالك يدل عليه، فمن لم يـزكِّه عمله فلا زكاه الله، فإن قلت : رأى الشيخ ربيع في هذه الكتب ما يوافق الحق، فغلَّب مصلحة نشرها، و كانت نيته صالحة، فأقول : جزاك الله خيرا هذا هو الواجب على طالب العلم، أن يحسن الظن بالعلماء، وهذا الذي يوافق كلام الشيخ ابن باز- رحمه الله -في هذه المسألة، فأقول : رأى الشيخ عبد المجيد في هذه الكتب ما يوافق الحق، فغلَّب مصلحة نشرها، و كانت نيته صالحة، فنحن نُحسن الظن به و بالشيخ ربيع و بجميع العلماء، فإن قلت : قد رجع الشيخ ربيع، و أنكر مؤخرا على الشيخ عبد المجيد تحقيقَه لهذه الكتب، أقول : الرجوع لا يكون إلا عن خطأ، فيبقى الإلزام قائما.
    و أنا أعلم أنك ستحاول الهروب من هذا الإلزام، لأنك لا تقدر عليه، فإنه لا يختلف عاقلان أن الإقرار على الخطأ خطأ، من أجل هذا كان الأنبياء معصومين من الإقرار على الخطأ [انظر مجموع الفتاوى :ج19/123] و أنت أثبت الخطأ في أحد الجانبين، و لم تُرِد إحسان الظن، فيلزمك إثباته في الطرف الآخر إلا أن تكون خائفا، فهل عرفت الآن الفرق بين الشجاعة و التهور!؟
    و أقول أيضا : لقد أصبحت تكثر، و تنكر على الشيخ عبد المجيد تحقيقَه لكتب أهل البدع، و تنكر ثناءَه عليهم، على قانونكم الأعرج، و تخليطكم الأفلج بين علم التراجم، و علم الجرح و التعديل، و تستدلون عليه بما يساعدكم، و تتركون ما لا يوافـقكم، تلبيسا و تدليسا، فأنا أسوق لكم مثالا واحدا جنديا صامدا لا قِبَلَ لكم به، يكفي في هدم قلعتكم، و كشف عورتكم، و إفسادكم للعلوم.
    قال ابن كثير في ترجمة البيضاوي الأشعري ( ت 685هــــ) :
    البيضاوي صاحب التصانيف : هو القاضي الإمام العلامة ناصر الدين عبد الله بن الشيرازي، قاضيها و عالمها و عالم أذربيجان و تلك النواحي، مات بتبريز سنة خمس و ثمانين و ستمائة، و من مصنفاته : المنهاج في أصول الفقه، و هو مشهور، و قد شرحه غير واحد، و له شرح التنبيه في أربع مجلدات، و له الغاية القصوى في دراية الفتوى، و شرح المنتخب، و الكافية في المنطق، و له الطوالع – طوالع الأنوار مصنَّف في علم الكلام-، و شرح المحصول أيضا، و له غير ذلك من التصانيف المفيدة، و قد أوصى إلى القطب الشيرازي أن يُدفن بجانبه بتبريز، و الله سبحانه أعلم .[البداية و النهاية : ج17/606]
    فاسمع يا مُحِب ما قاله حمودة في ردِّه على الشيخ عبد المجيد جمعة منكرا عليه ما وقع في ترجمته لعليش، و أسْقِطْ كلامَه على ترجمة ابن كثير السلفي للبيضاوي الأشعري.
    - قال حمودة : فهل خاف الله و اتقاه رجل وصف هذه الكتب بالنفع ... هل يفعل هذا رجل سلفي؟! بل هل كُتبت هذه الترجمة بقلم سلفي؟! [البيان الواضح : ص11]
    - وقال : فالترجمة إذن قبل أن تحكي حال المترجَم هي تحكي حال المترجِم – أضحك الله سِنَّك يا مُحب -، تحكي حاله في علمه و فهمه و عقيدته، و لقد حكت ترجمة جمعة لعليش حاله من جهتين :
    1- من الجهة العلمية، حيث إنه لم يكلِّف نفسه عناء كتابة ترجمة محققة، بل نقل الترجمة كما وجدها في بعض الكتب، فكان حاله كحال حاطب الليل، الذي ربما أخذ الأفعى التي تلدغه بدل الحطب الذي يشعله.
    2- و من جهة ضعف ولائه للمنهج السلفي، و العقيدة السلفية – ألا تستحي من الكذب-، حيث خرج يعظم أعلام التصوف و الأشعرية، و يصفهم بالإمامة في الدين، و يشيد بكتبهم و تصانيفهم في العقيدة الأشعرية - هذا في تصورك الفاسد-
    [ المصدر السابق : 14]
    - و قال : و الله إن نفوس أهل التوحيد لتنفر من ذكر هؤلاء الأشخاص و قبورهم، و تشمئز من ذلك و تستوحش منه، فلا أدري كيف يكتب هذا و يقوله من عرف التوحيد و أنست نفسه به ؟! إنه زيغ القلوب و عمى البصائر، نسأل الله العافية ! [ المصدر السابق : ص12]
    أقول : قارن أخي الحبيب بين ترجمة الإمام السلفي ابن كثير للبيضاوي الأشعري و بين كلام هذا الذي طلع علينا، و صار يُخرج لنا من كيسه أشياء عجيبة ، و احكم عليه بما تشاء، فقد استباح الرجلُ حريم العلم، و صار يعبث فيه بما يراه و يهواه، و صار يطعن في أئمة الإسلام و هو لا يشعر، هذه هي نتيجة التعالم، و هذه هي بضاعتك أردُّها عليك : إنه زيغ القلوب و عمى البصائر، نسأل الله العافية.
    - عقيدة البيضاوي و مذهبه :
    كان البيضاوي متكلما أشعريا متصوفا شافعي المذهب، ظهر ذلك في كتاباته في التفسير و غيرها من العلوم التي كتب فيها : كالفقه، و المنطق، و العقيدة، ففي علم الكلام ألَّف كتاب الطوالع، و الإيضاح، و مصباح الأرواح و غيرها، فكتابه طوالع الأنوار قال فيه الأسنوي : هو كتاب دقيق للغاية و أجلُّ مختصر صُنف في علم الكلام.
    و قد ظهر علم الكلام و العقيدة الأشعرية في تفسير البيضاوي ظهورا بـيِّنا، فقد كان يجنح إلى مذهب التأويل في تفسير الآيات التي فيها ذكر الصفات الخبرية عن المولى عز و جل، فمثلا في قوله تعالى { الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم } الآية، قال البيضاوي : حَمْـلُهم إيَّـاه و حفيفُهم حوله مجاز عن حفظهم و تدبيرهم له أو كناية عن قربهم من ذي العرش و مكانتهم عنده و توسطهم من نفاذ أمره.
    و في قوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } الآية، قال البيضاوي : حالٌ أو استئناف مؤكد على سبيل التخييل.[ انظر رسالة الدكتوراه : البيضاوي و منهجه في التفسير : ص12/13، إعداد يوسف أحمد علي، جامعة أم القرى]
    هذا هو البيضاوي الذي ترجم له الإمام السلفي ابن كثير، فهل غاب عن هذا الإمام علومٌ و معارفُ أدركها حمودة، و هل يجهل ابن كثير المنهج السلفي، و هل حكت ترجمتُه للبيضاوي حالَه في علمه و فهمه و عقيدته !؟ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، و أرى أن تصورك للمنهج السلفي يحتاج إلى تصحيح، فكنت قديما مع الغلاة فالح الحربي و حزبه، و أصبحت اليوم مع المميعين أصحاب المجلة و من معهم، و السلفية وسط بين الإفراط و التفريط و الغلو و الجفاء.
    و أقول الآن سيرا على قانونكم الأعرج : أنت يا حمودة تشيد ببعض إخوان المستشرقين، و تجعلهم من كبار المحققين، و لا أريد أن أتتبع كل من أثنيت عليه، فيكفي اللبيبَ مثالٌ واحد، و أقتصر على رأسهم، لأن في قطع الرأس ذهابَ الجسد، فهذا عبد السلام هارون - عفا الله عنه و غفر له - يقول : إن المستشرقين إخواننا - و هي كلمة يهتز لها عرش السلفيين - و شركاؤنا، لكن ليس من الحكمة و لا الكرامة في شيء أن تكون خطانا متأثرة بخطاهم في كل أمر من أمورنا الثقافية [تحقيق النصوص و نشرها: ص8].
    و يقول كذلك في تقديمه لكتاب الحيوان للجاحظ- رئيس الفرقة الجاحظية المعتزلية - ما نصه:
    و المادة الرابعة من مواد هذا الكتاب هي تلك المحاولة، و ذلك الكلام الذي ولَّده المعتزلة، و قد دفع بهم ذاك التيار العارم إلى مواطن شتى من نواحي الحجاج و الجدل، و كأنما خلق الله كل رجل من أهل الاعتزال لسانا دائبَ التصرفِ و العمل، فهم إن فرغوا من الكلام في الصفات و الخالق، و في التعديل و التجويز، و في الوعد و الوعيد، فزعوا إلى الكلام في السانحة و الخاطرة، و فيما يظهر للعين أنه دقيق مهين [ مقدمة التحقيق : ص22]
    فهذا كتاب استخلص صاحبه مادته من المباحث الكلامية، و الشبه الاعتزالية، لم يتعرض مؤلفه فيه لإنكار مسألة واحدة عقدية - فيما أعلم و هي قليلة بالنسبة للكتاب إلا أنها موجودة فيه - و هو عندك من أئمة المحققين، في حين تنكر على الشيخ عبد المجيد جمعة – حفظه الله- تركَه التعليقَ على مسألة أو مسألتين في العقيدة، لعل الشيخ لم ينتبه لها، فأي ميزان هذا، إنه ميزان الهوى، الذي صرت تبخس الناس به بخسا فاحشا، فعِبْت بسببه غيرك، و صرت تحمل الحطب بين القوم، و تريد أن تحرش بيني و بين الشيخ عبيد-حفظه الله- ... إلخ، فليست هذه أخلاق المتعلمين، فاحترم نفسك، و الزم آداب الطلب- هداك الله- كأنك لا تعيش إلا لإثارة الفتن، فالدعوة إلى الله تعالى تحتاج إلى الحكمة، فتعلَّم أبوابها ثم اطرقها، فقد آذيت المشايخ أذية عظيمة، و حاضرُك يحكي ماضيك، و لا نزال في فتنة ما عاش فينا مثلُك، و إن السلفية لتتعوذ من شَرِّك و شر أمثالك.
    و أنتم بهذه الطريقة أشد علينا من الحدادية، فإن الحدادي لا يسلم منه الخلفي و لا السلفي، و أما أنتم فيسلم منكم الخلفي في الموضع الذي لا يسلم منكم فيه السلفي، و هو راجع إلى سوء تصوركم للمنهج كما سبق.
    فاحذر يا مُحِب أن تكون من الذين ألقى الله العلم على لسانه، و لم يجعل ذلك في قلبه، فإن العلم علمان : علم في القلب، و علم في اللسان، فاطلب النافع من العلمين، و الناس في طلب العلم قسمان : قسم من يطلب العلم، و قسم من يطلب الاسم، فإذا شعر بسقوط اسمه أقام الدنيا و لم يقعدها، قال شيخ الإسلام : و في الكلام المعروف عن الحسن البصري، و يروى مرسلا عن النبي صلى الله علي و سلم « العلم علمان، علم في القلب، و علم في اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، و علم اللسان حجة الله على عباده [ مجموع الفتاوى : ج7/23]
    و من العجيب الذي صرنا نسمعه اليوم، و الأعاجيب كثيرة، وصفهم للمشايخ بالـمفرقين، و كنا قديما نسمع هذه الكلمة من الإخوان المفلسين في حق السلفيين، فما الذي تغير اليوم معاشر الثابتين، فصار الإخوان يرموننا من القوس التي كان يرمي بها الإخوان.
    أما بالنسبة إلى مسألة تأثُّرِ مشايـخِنا بالحلبي و نحوه، التي أثارها الشيخ عبد الغني -هداه الله- فإني أقول : لم نسمع من مشايخنا قواعد أصَّلوها من أنفسهم، و لا نعرف لهم تأثرا بالحلبي و لا بغيره من أهل الضلال، ولا نراهم وقفوا هذه الوقفة إلا للدفاع عن المنهج السلفي الصافي، و وجدناهم متمسكين بالقواعد العتيقة التي أصلها السلف، مثل قاعدة : مَنْ علم حجة على من يعلم، و قاعدة : الجرح مقدم على التعديل، و قاعدة :كل يؤخذ من قوله و يترك إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم، و قاعدة : بلدي الرجل أعلم ببلديه، هذه القاعدة التي يقول فيها المعلمي-رحمه الله- : الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعنا شديدا لا يزيده ثناء بعض الغرباء عليه إلا وهنا، لأن ذلك يُشعر بأنه كان يتعمَّد التخليط، فتـزيَّـن لبعض الغرباء، و استقبله بأحاديث مستقيمة فظن أن ذلك شأنه مطلقا فأثنى عليه، و عرف أهل بلده حقيقة حاله [ التنكيل : ج2/763]، رحمك الله يا إمام، و ابك يا مُحِب بعد اليوم على العلم، فهذا أوان ذهابه.
    هذه القاعدة التي أراد بعضهم أن يعبث بها، و يصرفها عن وجهها، و يقول : هي ليست على إطلاقها، فأقول :
    - هل يعلم الشيخ ربيع -حفظه الله- أن الدكتور ماضي طعن في الشيخ محمد علي فركوس طعنا لم يصدر من رؤوس أهل البدع.
    - هل يعلم الشيخ ربيع أن الشيخ عبد الغني-هداه الله- طعن في الشيخين عبد المجيد جمعة و الشيخ لزهر، و قال : ما لقيتش واحد أكذب من جمعة عبد المجيد ، ما لقيتش واحد أكذب من أزهر سنيقرة [صوتية بعنوان : عبد الغني يفجر في الخصومة و يقول ما لقيتش واحد أكذب من جمعة عبد المجيد]
    - هل يعلم الشيخ ربيع أن الشيخ عبد الغني قال : أنا الآن نَـحِّيت يدي منهم[الصوتية السابقة]، و هم إذا جلسوا عنده قالوا نحن نريد الإصلاح، فيلقَون الشيخ ربيعا بوجه، و يلقون المخالفين لهم بوجه، فاختاروا أحد الوجهين، فليست هذه مسألة فقهية حتى يكون لكم فيها روايتان.
    - هل يعلم الشيخ ربيع أنه قد نشأت ناشئة تحارب الشيخ فركوس، و تشهِّر به في مواقع التواصل بإقرار من بعض أصحاب المجلة إنْ لم أقل كلهم، فلو قامت ناشئة تزعم النقد العلمي للشيخ ربيع أو غيره من علماء الأمة، و قيل لهم اتقوا الله و لا تشهِّروا بالعلماء، لقالوا : عندنا في ذلك سلف، حمودة و جماعته و من خلفه من أصحاب المجلة، فبئس ما صنع الخلف و بئس ما صنع السلف، و لا يدخل ما طلبته قبلُ من حمودة في حق الشيخ ربيع، لأن ذلك خرج مخرج الإلزام، فلا مدخل لكم عليَّ.
    - هل يعلم الشيخ ربيع أن كل من وقف مع الشيخ فركوس في هذه المحنة ضايقته الدولة خاصة أئمة المساجد حتى وصل الأمر إلى شطب بعضهم من الإمامة.
    - هل يعلم الشيخ ربيع أن هناك من المسؤولين من أراد أن يـجرَّ الشيخ فركوس في المحاكم، و يقوم بغلق موقعه السلفي.
    - هل يعلم الشيخ ربيع أن ما يقوم به هؤلاء الناشئة في محاربة الشيخ فركوس قد فرح به أهل الضلال و للبدع، فهم الآن يقفون معهم ضده.
    - هل يعلم الشيخ ربيع أن من أراد اليوم أن يشتهر، و يظهر اسمه كتب مقالا في الشيخ فركوس، يزعم فيه النقد العلمي له ! و القائمة مفتوحة، فقاعدة بلدي الرجل قاعدة كاشفة.
    و القواعد التي أصلها السلف ثابتة لا تتغير فيجب التزامها، و لم نعلم من المشايخ - حفظهم الله - إلا ذلك، و لم نسمع منهم تقعيدا جديدا.
    بل أقول : قد سمعنا من بعض المخالفين لهم قاعدتين باطلتين ناشئتين من المنهج الذي التزموه، نطق بهما الدكتور ماضي، أما القاعدة الأولى فقوله : الرجوع فرع الإقرار[ صوتية بعنوان : كلمة الشيخ عبد الخالق ماضي// نصيحة للدعاة في الجزائر، الدقيقة :06]، و أما القاعدة الثانية فقوله : التقليد فرع التقديس [ صوتية بعنوان : لقاء مفتوح مع طلبة العلم في مدينة القليعة، الدقيقة : 28]
    فهاتان قاعدتان لم يُقم صاحبُهما دليلا صريحا على صحتهما، وقد قرر الشيخ عبد الغني-هداه الله-شرطية ذلك في الصوتية التي أشرتُ إليها سابقا، فوجدنا عندكم ما أنكره الشيخ عبد الغني من التقعيد، و لم نجد ما اشترطه من التدليل [ صوتية بعنوان : عبد الغني عوسات ينزل الشيخ فركوس منزلة الحلبي و المأربي في تأصيلاتهم، الدقيقة : 03]
    فقد نطق الدكتور بقاعدتين لا أعلم أحدا من أهل العلم تكلم بهما، فإن كان عندك أثارة من علم فاذكر مصدرهما، و لأجل أني لا أعلم أن أحدا تكلم بهما فإني أكسرهما و أردُّهما حتى يتبين خلاف ذلك، لأن كل ما لم يقم عليه دليلٌ مكسور، غير مجبور.
    ـ كسر القاعدة الأولى : الرجوع فرع الإقرار.
    أقول : هذه قاعدة واسعة، يدخل منها كل ضال و مبتدع، فلو قامت الحجة على رجل أشعري مثلا و طُلب منه الرجوع و الاستغفار، لقال : الرجوع فرع الإقرار، و أنا لا أقر أني مخطئ فيما ذهبت إليه، و لأجل هذا حجب الله التوبة عن المبتدع، قال سفيان الثوري : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها، و البدعة لا يتاب منها. [ شرح السنة للبغوي : ج1/216]
    قال شيخ الإسلام : معنى قولهم إن البدعة لا يُتاب منها : أن المبتدع يتخذها دينا لم يُشرعه الله و لا رسوله، قد زُين له سوء عمله فرآه حسنا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا، لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه أو بأنه ترك حسنا مأمور به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب و يفعله، فما دام يرى فعله حسنا و هو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب [ مجموع الفتاوى :ج10/9]
    و لو أقمتَ الحجة كذلك على الحلبي و طلبت منه الرجوع و الاستغفار، لقال : الرجوع فرع الإقرار و أنا لا أقر أني مخطئ فيما ذهبت إليه، و لو أقمت الحجة على عبد المالك رمضاني و طلبت منه الرجوع و الاستغفار، لاستدل عليك بـهذه القاعدة، هذا الأخير الذي صار يفضح القوم بصوتيات تنزل عليهم كالصواعق المرسلة، لم يجدوا لها جوابا مقنعا إلا أن قالوا : كيف تقبلون كلام الرمضاني، و هو عندكم مجروح؟
    أقول : هذه شبهة خفيفة في ميزان العلم، فإن الله تعالى لم يأمرنا بردِّ خبر الفاسق و شهادته جملة، و إنما أمرنا بالتثبت فيه، فإذا احتفت بخبره قرائن تدل على صدقه قُبل خبره، قال ابن القيم في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } الآية :
    و هاهنا فائدة لطيفة، و هي أنه سبحانه لم يأمرنا بردِّ خبر الفاسق و تكذيبه و ردِّ شهادته جملة، و إنما أمر بالتبين، فإذا قامت قرائن و أدلة من خارج تدل على صدقه عُمل بدليل الصدق، و لو أخبر به مَنْ أخبر [ مدارج السالكين: ج1/276]
    فقولكم : الرجوع فرع الإقرار مردود بما سبق، و لأن الرجوع وحده لا يكفي في تحقيق التوبة كما هو معروف في موضعه، و قد قال الله تعالى { إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا } الآية.
    ـ كسر القاعدة الثانية : التقليد فرع التقديس.
    أقول : هذا إطلاق باطل و تقعيد عاطل، لأن التقليد جائز في الجملة كما أن الاجتهاد جائز في الجملة، فالاجتهاد لا يجب على جميع أفراد الأمة، كما أن التقليد لا يـحرُم على جميع أفراد الأمة، يقول شيخ الإسلام : و الذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، و التقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد و يحرمون التقليد، و لا يوجبون التقليد على كل أحد و يحرمون الاجتهاد، و أن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، و التقليد جائز على العاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟
    هذا فيه خلاف، و الصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، و إما لضيق الوقت عن الاجتهاد، و إما لعدم ظهور دليل له، فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، و انتقل إلى بدله و هو التقليد. [مجموع الفتاوى: ج20/203/204]
    فقد عرفت يا مُحِب بطلان هاتين القاعدتين، فليت شعري مَنْ الـمتأثر بالحلبي!؟
    و في ختام هذا الكتاب أقول لك يا دكتور ماضي : أتظن أني عاجز أن أصنع معك أو مع غيرك كما صنع حمودة مع الشيخ عبد المجيد، لست أعجز عن ذلك، و لكن عندي من التربية العلمية و الأدبية – و الحمد لله – ما يمنعني من ذلك، و قد نهاني الله تعالى عن تتبع عورات المسلمين، و أمرني بسترها، و ليس عندي من الوقت ما أنفقه في التفتيش عن عيوب غيري، فأنا مشغول بتتبع عورات نفسي، و المشغول لا يشغل، فقد ختمت عليكم بابي، و أسأل الله تعالى أن يهديكم جميعا.
    و أقول لهذه الفئة المحاربة للشيخ محمد علي فركوس حمودة و من يقودهم حمودة، لو اجتمعتم على حربي كما اجتمعتم على حرب الشيخ، فإني لا أبالي بجمعكم، و أقول لكم كما قال بعضهم لقومه لما جمعوا لحربه :
    إن قومي تجمعوا *** و بقتلي تحدَّثوا
    لا أبالي بجمعهم *** كل جمع مؤنَّث

    و إني تاركٌ مناظرتكم – فقراءة مقالاتكم تورث قسوة القلب- مقبلٌ على ما ينفعني إلا أن أضطر، فإن المناظرة إذا انتهت إلى جحد الأدلة لم يؤمر بإقامتها بعد ذلك، يقول شيخ الإسلام : إن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بـــــيِّــــنة بنفسها ضروريـــة، و جحدها الخصم كان سوفسطائيا، و لم يؤمر بمناظرته بعد ذلك، بل إن كان فاسد العقل داووه، و إن كان عاجزا عن معرفة الحق – و لا مضرة فيه – تركوه، و إن كان مستحقا للعقوبة عاقبوه مع القدرة. [درء تعارض العقل و النقل : ج7/174]، و أرى القوم قد ضربوا في كل قسمٍ بسهمٍ.
    فمن أراد الآن أن يعيبني، أو يعيِّـــــرني، أو يجهِّلني، أو يسيء الأدب معي، و لا حظ في العلم لمن ترك الأدب ... إلخ، فإني لا ألتفت إليه، و قد عهدنا منكم هذه الخشونة، و عرفناها في مِعْراض كلامكم، وعرف الناس بـها بضاعتكم، فقد فضحكم الصبحُ فقوموا.
    أكتفي بهذا و أستغفر الله مما طغى به القلم، و الله أعلم و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

    بقلم مقيده : أبي عبيد الله يــــاســـين حماش
    عـــفا الله عنــــه و غـــــفـــر له
    01 ربيع الثاني 1440 هــ الموافق لــــ 8 ديسمبر 2018 م

  • #2
    جزاك الله خيرا وبارك فيك، وذب الله عن عرضك النار يوم الدين .
    غفر الله له

    تعليق


    • #3
      بارك الله فيكم أخي ياسين
      حفظ الله شيخنا العلامة محمد علي فركوس
      و لا يطعن في الشيخ إلا أحد رجلين إما جاهل أو صاحب هوى.

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا أخانا الحبيب

        تعليق


        • #5
          بارك الله فيك أخي ياسين

          تعليق


          • #6
            جزاك الله خيراً

            تعليق


            • #7
              جزاكم الله خيرا أخي أبا عبيد الله وبارك الله فيكم.

              تعليق


              • #8
                جزاك الله خيرا أبا عبيد الله ..

                تعليق


                • #9
                  جزاك الله خيرا ونفع بك

                  تعليق


                  • #10
                    جزاك الله خيرا أخي ياسين ونفع بك.

                    تعليق


                    • #11
                      جزاك الله خيرا وبارك فيك ونفع بك مقال ماتع رائع فيه فوائد مسندة جمة أحسن الله إليك

                      تعليق


                      • #12
                        سلمت يداك أخي الكريم فقد دافعت بعدل وبينت بعلم وخاطبت بحلم...كيف يفلح قوم تعرضوا لكبيرهم بالذم والطعن قبح الله الهوى كيف يردي بصاحبه

                        تعليق


                        • #13
                          جزاكم الله خيرا، و بارك فيكم، و ثبتكم على الحق.

                          قال سليمان بن موسى : ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة : حكيم من أحمق، و برٌّ من فاجر، و شريف من دنيء.
                          و أزيدك رابعا : و عالم من جاهل.

                          تعليق


                          • #14
                            جزاك الله خيرا وبارك الله فيك ،
                            فالشيخ أبو عبد المعز علم عالم معلم حبر .،و إن رغمت أنوف الشانئين .
                            وهو مثال حي للعالم الأبي الصبور ، فحفظه الله وبارك الله فيه و نفعنا بعلمه .

                            تعليق


                            • #15
                              بارك الله فيك أخي ياسين على ما دونته في هذا المقال الرائع في الدفاع عن الشيخ فركوس حفظه الله من كل شر وسوء ، نصرة للحق وأهله ، أسأل الله أن ينفع بما كتبته وأن يجعله في ميزان حسناتك يوم القيامة

                              تعليق

                              الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                              يعمل...
                              X