بسم الله الرحمن الرحيم
التضمين في كلام ربّ العالمين
قاعدة جليلة لفهم كلام الله عزّ و جلّ
إنَّ الحمد لله نَحمَده و نَستَعِينُه ونَستغفرُه, ونَعوذُ بالله من شُرُورِ أنفُسِنَا و سيِّئات أعمَالنا, من يَهدِه الله فلا مُضِلَّ لهُ, ومن يُضلل فَلا هادِي له, وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لهُ وأشهَدُ أن مُحمَدًا عبدُه ورسوله.
أمّا بعد:
فإنّ من نعم الله عزّ و جلّ على هذه الأمّة, أن أنزل إليهم كتابه العظيم, وذكره الحكيم, « الفرقان الفارق بين الحلال والحرام، والسعداء والأشقياء، والحق والباطل, وجعله برحمته هدى للنّاس عموما، وللمتقين خصوصا»(1), كيف لا و هو« نوره المبين الذي أشرقت له الظّلمات، ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات، والسّبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب، وبابُه الأعظم الذي منه الدخول فلا يُغلَق إذا غُلّقت الأبواب، وهو الصّراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء، والذّكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء، والنّزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء؛ لا تفنى عجائبه، ولا تقلع سحائبه، ولا تنقضي آياته، ولا تختلف دلالاته، كلّما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكيرا زادها هداية وتبصيرا، فهو نور البصائر من عماها، وشفاء الصّدور من أدوائها وجواها، وحياة القلوب، ولذة النفوس، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح والمنادي بالمساء والصباح: يا أهل الفلاح حيّ على الفلاح».(2)
هذا, و إنّ من أعظم المقاصد التي من أجلها أُنزل هذا القران, تدبّره و تفهّم معانيه , قال العلامة ابن القيم رحمه الله:« وأمّا التّأمّل في القُرآن فهو تحديقُ ناظر القلب إِلى معانيه، وجمع الفكر على تدَبُّره وتعقُّله، وهو المقصُود بِإنزَاله، لا مُجرَّدُ تِلاوته بلا فهمٍ ولا تدبُّر، قال اللَّهُ تعالَى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} وَقَالَ تَعَالَى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} وَقَالَ تَعَالَى {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} »(3)
قال الشوكانيّ رحمه الله في قوله تعالى{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ},قال:« وفي الآية دلِيل عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهِ، لَا لِمُجَرَّدِ التِّلَاوة بدون تدبّر»(4)
و قد حرص عُلماءنا-عليهم الرحمة- على تذليل العلوم الشرعية و تقريبها للنّاس, و من ذلك ما أودعوه في كتب علوم القرآن؛ من القواعد و الأصول التي يَنبني عليها فهم كلام الله عزّ و جلّ.
و بين أيدينا واحدةٌ من تِلك القواعد الجليلة التي تُعين على فهم كلام الله تعالى, ألا و هي قاعدة التضمين.
تــمهيــــــــــــــــــــــد
يقف المتأمل في كتاب الله عزّ وجلّ على الكثير من الآيات التي تتطلّع النّفس لمعرفة معناها, و إدراك مغزاها و الغوص في أسرارها, و كثيرًا ما يُشكل على الواحد منّا بعض الأساليب القرآنية, و لا يفهم معناها, و لا يقف على دقيق مغزاها.
من ذلك؛ ما تجده في كثيرٍ من الآيات, من ذكر الفعل معدّى بحرف تَعدِية لا يُناسبه؛ أي بغير حرف التعدية المعروف له في اللّغة العربية.
و بيان هذا بالمثال ؛ قوله تعالى{عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} فيشربُ إنّما يتعدَّى بمِن, فيُقال: عينا يشرب منها, فلا يُعقل أن يُشرب بالعين.
و قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، وإنّما: رفثت بها.
و مثال آخر؛ في قوله تعالى:{ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} و معلومٌ أنّ الصّلب إنّما يكون على جذوع النّخل.
كذلك في قوله:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} و معروف أنّه يقال : "إستوى على".
في هذه الأمثلة نجد أنّ الأفعال عُدّيت بغير حروف التعدية المعروفة لها في اللّغة, و لا شكّ أنّ من يعلم حقيقة الإعجاز في النّظم القرآنيّ, يُدرك أنّ هذه الألفاظ إنّما سيقت لمعنًى مرادًا بذلك و لم تُسق عبثا, فهو كلام ربّ العالمين , الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}
فما هو السّر في هذا يا ترى ؟
«إختلف علماء العربية في هذه الأحرف على قولين:
القول الأول: أنّ هذه الأحرف قد ينوب بعضها عن بعض مثل ما قيل في قوله تعالى{لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} قالوا: (إلى) هنا بمعنى: (مع), و هذا قول الكوفيين.
القول الثاني: أنّ تعدية الفعل بحرف جر لا يناسبه, معناه: أن يُثبت معنى الفعل الأصلي و معه معنى فعل مُضمّن فيه في داخله يُناسب حرف الجرّ, وهذا قول البصريين و أهل التحقيق, ففي قوله تعالى{لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه}, المراد السؤال, و مع السؤال فعل آخر نستنتجه من حرف الجرِّ المذكور الذي هو: (إلى) الذي يناسب: الضمّ ,فيكون معنى الآية: أنّه قد سأل و أيضا حدث منه الضمّ و الجمع, و هذا نُبّه عليه بـ(إلى)»(5)
قاعــــــــدة التضمين
القول الثاني الذي سبقت الإشارة إليه هو المسمى "بقاعدة التضمين" و تفصيل الكلام فيما يأتي:
تعريف: « التضمين: إشراب اللّفظ معنى لفظ آخر وإعطاؤه حكمه؛ لتصير الكلمة تؤدي مؤدى كلمتين»(6)
أو يقال:التضمين:«أن يُثبت معنى الفعل الأصلي و معه معنى فعل مُضمّن فيه في داخله يناسب حرف الجرّ»(7)
مثال ذلك: قوله تعالى: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} «الجادة أن تقول: يَشربُ من العين, لأنّ (يشرب) إنّما يتعدى بالحرف(من), لكن لمذا قال في الآية: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ؟
قالوا: ليفيد ذلك معنيَيْن؛ أفاد معنى شربهم, و أفاد معنى ريِّهم و استمتاعهم بها؛ فجاء بالفعل(يشرب), ثمّ جاء بالتعدية بحرف (الباء) الذي يناسب فعلا آخر غير (يشرب) و هو فعل (يرتوي, و يستمتع), فقال{يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}؛ أي يشربون و يرتوون و يستمتعون بهذه العين»(8)
و«القول بالتضمين أعرق في البلاغة من القول بتعاقب الحروف؛ لأنه يبقى سؤالٌ لمن يقول بتعاقب الحروف، وهو أنَّ المتكلِّمَ ما ترك المعنى الظاهر إلى هذا المعنى إلا لسبب، خصوصًا إذا عُلِمَ أنَّ النص يستقيم بالحرف الذي يُزعم فيه التعاقب، فلو قيل: لقد ظلمك بسؤال نعجتك مع نعاجه، لاستقام الكلام، ولما كان في المعنى أيُّ مشكلٍ، لكن لما تُركَ هذا الظاهر واختير حرف آخر لا يتناسب مع الفعل أو شبيهه، فإن ذلك قد دلَّ على إرادة معنى يحتاج إلى تحرير وتنقيب، وهو ما ذهب إليه من قال بالتضمين»(9)
و لهذا قال بالتضمين؛ المحققون من أهل العلم, و على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية, و تلميذه ابن القيّم رحمهما الله تعالى ,و غيرهما من أهل التحقيق.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله:« والعرب تُضَمِّنُ الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض، كما يقولون في قوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} أي: مع نعاجه و {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} أي: مع الله ونحو ذلك. والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه، وكذلك قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ضمن معنى يزيغونك ويصدونك، وكذلك قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} ، ضمن معنى نجيناه وخلصناه، وكذلك قوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ضُمِّن يَروَى بها، ونظائره كثيرة»(10)
قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله معلقا على كلام شيخ الإسلام: «والصحيح كما قال أنه بالفعل، فَيُضَّمن الفعل معنى يتعدى بمثله إلى ما هو متعد إليه الآن وهنا {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} أي: بضمّ؛ السؤال هنا ضُمِّن معنى الضمّ، أي: ضمِّ نعجتك إلي نعاجه، وليس المعنى بسؤال نعجتك (مع نعاجه), أي ليس المعنى أن نجعل (إلى) بمعنى (مع)»(11)
و في تقرير هذه القاعدة يقول العلاّمة ابن القيم رحمه الله:« الفِعل المُعَدى بالحروف المتعددة لا بدّ أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف, فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه ورغبت فيه وعدلت إليه وعدلت عنه وملت إليه وعنه وسعيت إليه وسعيت به.
وإن تقارب معنى الأدوات عسر الفرق نحو: قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النّحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر, وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيُشْرِبون الفعل المتعدي به معناه, هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذّاق أصحابه, يُضمّنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف, وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن وهذا نحو قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} فإنهم يضمنون يشرب معنى يروي؛ فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين:
أحدهما: بالتصريح به.
والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار.
وهذا من بديع اللّغة ومحاسنها وكمالها... وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها فإنّه لا دلالة فيه على الريّ، وأن يقال: يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللّزوم، فإذا قال: يشرب بها، دلّ على الشرب بصريحه وعلى الري عن طريق الباء فتأمله.»(12)
و تأمّل –أيّها الكريم-في كلام العلّامة ابن القيّم رحمه الله, كيف يصف القائلين بتناوب الحروف بظاهرية النُّحاة, بينا جعل القول بالتضمين قول فُقهاء اللّغة, و طريقة إمام الصّناعة سيبويه و حُذّاق أصحابه, قال ابن العربي المالكي رحمه الله:« وكذلك عادة العرب أن تحمل معاني الأفعال على الأفعال لما بينهما من الارتباط والاتصال، وجَهِلَت النّحوية هذا فقال كثير منهم: إنّ حروف الجر يُبدَل بعضها من بعض، ويَحمل بعضها معاني البعض، فخفي عليهم وضع فعل مكان فعل وهو أوسع وأقيس، ولجؤوا بجهلهم إلى الحروف التي يضيق فيها نطاق الكلام والاحتمال»(13)
فإن قيل:ما علامة التضمين؟
قيل:«أن يأتي حرف التعدية غير مناسب مع الفعل الظاهر,ممّا يُشير إلى معنى فعل آخر»(14)
قال السيوطيّ رحمه الله في الإتقان(3/136):« أَنْ يَأْتِيَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا بِحَرْفٍ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ التَّعَدِّي بِهِ»
فإن قيل: لمذا لم يَأت أصلا بالفعل المًضمّن الذي يُناسب حرف التعدية الذي ذُكر في الآية؟
قيل: «لكي تشتمل الآية على معنى الفعلين.»(15)
يقول العلامة بن عثيمين رحمه الله:« لماذا هنا قلنا إن تضمين الفعل أولى من التجوز بمعنى الحرف؟ لأن تضمين الفعل يؤدي معنى زائداً على معنى الفعل، بخلاف ما إذا جعلنا الحرف متجوزاً فيه فإنه يبقي الفعل على دلالته لمعناه فقط، ونحوِّل معنى الحرف إلى معنى يناسب لفظ الفعل، فالتضمين إذاً أوضح وأولى»(16)
تنبيه مهم: يجدر التنبيه إلى أنّ أهل البدع-من أهل التأويل الباطل- قد يثبتون الفعل المُضمَّن دون الظاهر و هذا خلاف منهج الحق, فأهل السنّة و الجماعة يقولون: الفعل الظاهر مرادٌ, و يُثبتون معه الفعل المُضمّن, فتنبه لمثل هذا.
فمثلا في قوله تعالى:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء}«المعنى: أنّه-جلّ و علا- علا على السماء قاصدًا عامدًا, علا و قصد و عمد, بخلاف المؤوِّلين فإنّهم يقولون:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} بمعنى: قصد, و يُزيلُون معنى العُلو, و هذا غير طريقة أهل السنّة».(17)
فإن قيل: ما هو الضابط في معرفة الفعل المُضمَّن؟
قيل:« : الضابط في معرفة الفعل المُضمّن هو حرف التعدية؛ فإنّه هو الذي يشير إلى الفعل المضّمن, و على المفسِّر أن ينظر في السياق و السباق, و ينظر في الفعل المضمّن المناسب لهذا الموضوع»(18)
و ممّا يُبّن أهمية هذه القاعدة و ضرورة الإعتناء بهذا الأسلوب؛ وروده في القرآن بكثرة ,قال العلامّة عبد الرحمان المعلمي رحمه الله:« والتضمين كثير في القرآن»(19)
أمثلة لقاعدة التضمين
المثال الأوّل: قوله تعلى:{ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ }
«ضُمِّن الفعل (لأصلِّبنّكم) معنى فعل آخر, و هو (لأغرسنّ)؛ فيصير معنى الآية: :{ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ }:أي لأغرسنّ لحومكم في جذوع النّخل. ففرعون لم يُرد-فقط- مجرد التصليب؛ لأنّ التصليب قد يكون: تعليق الشيء بدون غرسٍ بالمسامير, و هذا المعنى غير مُراد, و إنّما أراد أن يغرس لحومهم في جذوع النّخل حتى تصير فيها, فجاء حرف (في) لإفادة هذا المعنى, و لو قُلت: (في) ناب عن حرف (على) و أصل الكلام: لأصلبنّكم على جذوع النّخل؛ لما أفدتَ المعنى المُراد, و قصّرت في فهم الآية» (20)
المثال الثّاني: قوله تعلى:{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}
«ضُمِّن معنى: يُزيغونك, و يُحرّفونك, و يُحيدونك. فلمَّا كان هذا الفعل مُضمّنًا معنى فعل آخر جاء بحرف التعدية (عن), فقال: :{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ؛أي: يُزيغونك و يحرفونك و يحيدونك عن الذي أوحينا إليك. فليس مجرَّد معنى الآية: أنّهم فتنوك و أنت باق لم يتزحزح يقينك في القرآن. لا, بل الآية تُبيّن أنّهم لم يقتصروا على مُجرّد تشكيكه في شيء و هو باقٍ عليه, بل أرادوا إخراجه عن الصراط السويِّ و حرْفه عنه؛ و إزاغته عنه, و لهذا جاء بحرف الجرِّ (عن), و بهذا الأسلوب تكتسب الآية معنى الفتنة و معنى الزيغان.» (21)
المثال الثالث: قوله تعلى:{ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}
«فعل (نصر) ضُمِّن معنى فعل آخر, و هو الفعل (نجّى): (نجّيناه من)؛ فكان نصرُه بنجاته, و كانت نجاته بنصرٍ, بينما لو قال: نجَّيناه من القوم, كان المعنى-فقط-مقصورًا على التَنْجِية دون معنى النّصر, لكن لمّا جاء بإستعمال كلمة (نصر), و جاء بحرف التعدية (مِن) أشار إلى معنى النّصر, و الفعل المُضمَّن (نجَّى), فهي نجاةٌ بنصر؛ لأنّه قد تحصل نجاة بذلّة و بعدم نصر؛ فهو قد ينجو من الأمر, و لكن بدون نصر؛ لكن الله عزّ و جلّ هنا يريدُ إثبات المعنيين أنّهما حصلا؛ معنى النّجاة, و معنى النّصر, فقال: { وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} , و هذا المعنى لا يوجد إذا قُلت: (من) بمعنى (على). »(22)
و غيرها من الآيات الكثيرة من كتاب ربنا سُبحانه و تعالى.
الخلاصـــــــــــــــــــــــــة
و ممّا سبق يُمكن الخلوص إلى ما يلي:
أولا: أنّ أحرف الجرّ لا ينوب بعضها عن بعض على قول المحققين من أهل العلم.
ثانيا: إذا ذُكر الفعل بغير حرف التعدية المعروف له في اللغة العربية, فإنّ هذا يُسمى تضمينًا.
ثالثا: علامة التضمين أن يأتي حرف التعدية غير مناسب مع الفعل الظاهر ممّا يشير إلى فعل آخر.
رابعا: أهل السنّة و الجماعة في باب التضمين يقولون: المعنى الأول مُراد-أي الفعل الظاهر-, و معه المعنى الثاني الذي يناسب حرف التعدية.
خامسا: الضابط في معرفة الفعل المُضمّن هو حرف التعدية؛ فإنّه هو الذي يشير إلى الفعل المضّمن, و على المفسر أن ينظر في السياق و السباق, و ينظر في الفعل المضمّن المناسب لهذا الموضوع.
سادسا: من فوائد التّضمين, أن تشمل الآية معنى الفعلين, و بالتالي يكون المعنى أوضح .
سابعا: أنّ هذا الأسلوب كثيرٌ في القرآن, فينبغي العناية به.
و ختاما, يقول العلامة بن عثيمين رحمه الله:« قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) فبركة القرآن في تلاوته وتدبره، والعمل به، وما يحصل فيه من التأثير على القلب لزيادة الإيمان، ومعرفة الله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه، وكذلك ما حصل فيه من التأثير على الأمم، حيث فتح الله بهذا القرآن مشارق الأرض ومغاربها كل هذا من بركاته،وكذلك ما حصل للمتمسكين به من الرفعة والعزة والظهور على جميع الأمم، وكذلك ما يحصل للمتمسك به من صحة القصد، وسلامة المنهج، والسعادة في الدنيا والآخرة، فالمهم أن بركات هذا القرآن لا تحصى».(23)
فنسأل الله أن يجعل هذه القاعدة مفتاحا للغوص في معاني القرآن و تفهّم معانيه, كما نسأله سبحانه و تعالى ألا يجعل ما علمنا علينا وبالا و أن يرزقنا الإخلاص في القول و العمل إنّه سبحانه قريب مجيب.
ملاحظة:
- هذا أوّل مقال لي في هذا المنتدى الطيّب و الصرح المبارك(24), فمن رأى فيه خطأً أو خللاً, فليُنبهني عليه, لأُصححه و أُصوبه, و له منّي جزيل الشكر.
- أردتُ بهذا المقال تقريب الفائدة لإخواني, و إلّا فقد تكلم عن هذا الموضوع كثير من أهل العلم كما هو مبثوث في كتبهم, كذا جُمعت فيه بعض الرسائل الجامعية , فمن أراد الإستزادة فما عليه إلا بالتشمير.
والله أعلم, و صلى الله على نبيّنا محمد و على آله و صحبه و سلم.
كتبـــــــــــــــــه:
أبو أنس مالك حماني
عفا الله عنه
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1440هـ
الموافق لـ20 نوفمبر 2018 ن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1) [من مقدمة تفسير ابن سعدي]
2) [من مقدمة مدارج السالكين]
3) [مدارج السالكين ص 320]
4) )[فتح القدير (494/4)]
5) ]شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ صالح آل الشيخ ص55 (بتصرف)]
6) [شرح الألفية للأشموني(466/1)]
7) [ شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ صالح آل الشيخ ص56]
8) [ شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ محمد بازمول ص150(بتصرف يسير)]
9) [شرح مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية, شرح د. مساعد الطيار ص121]
10) [مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ص51]
11) [شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ بن عثيمين ص59]
12) [بدائع الفوائد(423/2)]
13) [ أحكام القرآن لإبن العربي(243/1)]
14) [شرح مقدمة في أصول التفسير للشيخ محمد بازمول]
15) [ شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ محمد بازمول ص145]
16) [شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ بن عثيمين ص60]
17) [شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ صالح آل الشيخ ص58 (بتصرف)]
18) [شرح مقدمة أصول التفسير للشيخ محمد بازمول ص145]
19) [أثار المعلمي(134/8)]
20) [شرح مقدمة في أصول التفسير للشيخ محمد بازمول ص142]
21) [المصدر السابق ص144]
22) [المصدر السابق ص149]
23) [شرح مقدمة في أصول التفسير ص23]
24) [منتديات التصفية و التربية السلفيّة الجديدة.(www.tasfia-tarbia.org/vb/)]
تعليق