إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المصادر الأصيلة في التفسير.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المصادر الأصيلة في التفسير.

    <بسملة1>
    المصادر الأصيلة في التفسير

    د.عادل مقراني.
    أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر. قسنطينة
    .
    إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
    يقوم التفسير المقبول على أصلين عظيمين؛ الأول: صحة مصادر الاستدلال، والثاني: سلامة منهج الاستدلال ، كما أن الخلل والشذوذ والخطأ والاختلاف يكون بقدر انحراف المفسر في هذين الأصلين العظيمين، فكان من الواجب على المفسـر أن يصون مصادره ومنهجه عن كل دخيل مذموم ؛لأن الخطأ فيها جسيم، والعثرة قد لا تقال، والعذر قد لا يقبل، والتبعات أوزار.
    ويعدّ اختلاف المفسرين في مصادر التفسير من الأسباب المؤثرة في استنباطاتهم صحة وبطلانا ، وللمرجعية العقدية للمفسر أثر بالغ في تحديد مصادر التفسير ؛ لأن الانتساب العقدي للمفسر يُلزمه السير على منهج الفرقة العقدية التي ينتسب إليها ،فيقتفي أثر شيوخها، ويتبع أصولها وقواعدها، وينهل من مصادرها.
    والمتفحص لمصادر التفسير يجدها على ضربين؛ فالأول: أصيل عتيق، والثاني: دخيل مذموم.
    فالأصيل منها؛ القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين واللغة العربية الحقيقية دون المولدة، والاجتهاد المقبول دون غيره من المرفوض المذموم، وإليك بيانها :
    1 – المصدر الأول: القرآن الكريم :
    وهو أكثر اعتبارا عند المتقدمين، وعند من سار على نهجهم وعقيدتهم؛ لأن القرآن الكريم قد اشتمل على الإيجاز والإطناب، وعلى الإجمال والتبيين، وعلى الإطلاق والتقييد، وعلى العموم والخصوص، فما أوجز في موضع بسط في موضع آخر، وما أجمل في مكان بيّن في آخر، وما جاء مطلقا في آية قد يلحقه التقييد في أخرى، وما كان عاما في مكان قد يدخله التخصيص في مكان آخر، قال ابن جزي الكلبي رحمه الله: « تفسير بعض القرآن ببعض،فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال» .(1)
    ويتفاوت حظ المفسرين من هذا المصدر بقدر حظهم من علم القرآن ؛لذا كان أشرفها ،كما قال الشنقيطي رحمه الله:« أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا». (2)
    و تفسير كلام الله بكلام الله أقرب الطرق إلى الصدق والصواب، و أصح طرق التفسير قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنّه قد فسر في موضع آخر، وما اختصـر في مكان فقد بسط في موضع آخر.. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة». (3)
    وتفسير القرآن بالقرآن ينقسم إلى قسمين:
    أحدهما: توقيفي لا اجتهاد فيه ولا نظر: وضابطه :أنه إذا كان من فسر الآية بالآية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أو وقع عليه الإجماع أو صدر عن الصحابة ولم يعلم له مخالف، فهذا القسم لا شك أنّه أبلغ أنواع التفسير, ولا قول لأحد معه، ومثله لا يختلف فيه، وهو الذي يدخل دخولا أوليا في التفسير بالمأثور.
    الآخر: اجتهادي، وهو ما اعتمد فيه على صحة النظر، وقوّة الاستنباط، ومن ذلك حمل معنى آية على آية أخرى تكون مبينة وشارحة للآية الأولى، وهذا النوع منه المقبول ،ومنه المردود كأي اجتهاد في تفسير آية ما، ولا اعتبار في قبوله بكون الآية قد فسرت بآية أخرى، فكثير ما تجعل الآية أو لفظ منها لما لا يصح لها، وقد يكون حمل الآية على الأخرى اجتهادا مجردا خاليا عن الهوى والبدعة، لكنّه خلاف الرّاجح لوجود معارض أقوى منه، و اعتضاد غيره بوجه من وجوه الترجيح، وهذا النوع فيه تفصيل .
    2 – المصدر الثاني: السنة النبوية :
    وهذا النوع أحد أشرف النوعين لتفسير كلام الله تعالى ؛لأنه بيان المعصوم صلى الله عليه وسلم؛ ،كما قال ابن العربي رحمه الله:« وبعد تفسير النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا تفسير ,وليس للمعترض إلى غيره إلاّ النكير ، وقد كان يمكن لولا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن أحرّر في ذلك مقالا وجيزا ,وأسبك من سنام المعارف إبريزا ؛إلاّ أنّ الجوهر الأغلى من عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ أولى وأعلى». (4) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:« ... فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة القرآن». (5) وقال الآلوسي رحمه الله:«...وهل بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس, هيهات هيهات دون ذلك أهوال». (6)
    وتفسير القرآن بالسنة على نوعين:
    الأول: توقيفي، ويسمى بالتفسير النبوي، وهو ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ بيانا للقرآن الكريم بلفظه وموطنه ،وأخصه" ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ، وذلك تأويل جميع ما فيه: من وجوه أمره -واجبه وندبه وإرشاده-، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آية، التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأمته، وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه، إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ له تأويله بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها، دالة أمته على تأويله». (7)
    وإذا ثبت التفسير من جهة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكفى به بيانا لكلام الله تعالى ،قال شيخ الإسلام:" ومما ينبغي أن يعلم : أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة؛ فإنه قد عرف تفسيره ،وما أريد بذلك من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم». (8)
    ومن أمثلته:
    أ- أن ينص هو عن معنى الآية سواء بذكر المعنى ثم يذكر الآية الدالة عليه كما جاء من طريق ابن عَبَّاس رضي اللَّهُ عَنْهُمَا عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قال : «إنكم مَحشورونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرأَ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [ الأنبياء: 10].. (9)
    أو يبدأ بالآية ثم يبين معناها ،كما صح من طريق عقبة بن عامر قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وهو على المنبر يقول: « {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [ الأنفال: 60] ألا إن القوة الرمي ألا أن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي». (10)
    الثاني: اجتهادي: وهو ما ورد عنه في عموم سنته ،كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: "وسنة رسول الله ï·؛ تفسر القرآن». (11)
    وهذا النوع الثاني فيه المقبول والمردود؛ لأنه محل نظر واجتهاد فقد يعترى الاستدلال به الخطأ والصواب؛ لأنه اجتهاد المفسر في الاستدلال بها على تفسير الآية أو اللفظة القرآنية.
    فالسنة مبينة وشارحة وموضحة للقرآن الكريم، كما بين شيخ الإسلام:" إن السنة تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه ... والسنة الثابتة لا تخالف كتاب الله بل توافقه وتصدقه؛ ولكن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عن فهم القرآن؛ فإن القرآن فيه دلالات خفية تخفى على كثير من الناس وفيه مواضع ذكرت مجملة تفسرها السنة وتبينها». (12)
    3 – المصدر الثالث : أقوال الصحابة ». (13):
    وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: « أفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم » (14) ، وقال ابن تيمية رحمه الله:« وحينئذٍ إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم ..». (15)
    قال فيه الإمام الشوكاني رحمه الله :« وأمّا ما كان منها ثابتا عن الصحابة رضوان الله عليهم فإن كان من الألفاظ التي نقلها الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره ». (16)
    قال الزركشي رحمه الله:« ينظر في تفسير الصحابي فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتماده» .». (17)
    فأعلم الناس بكلام الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أصحابه رضوان الله عليهم؛لذا لا يجوز العدول عن تفسيرهم ،كما قال شيخ الإسلام رحمه الله:"وفي الجملة من عَدَل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه. فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته، وطرق الصواب. ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا». (18)
    فالصحابة نقلة الوحي وحفاظه،وأخص الناس فهما له ،قال شيخ الإسلام رحمه الله ": فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله صلّى الله عليه وسلّم تلقيًا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن، وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادةً وشرعًا». (19)
    4- المصدر الرابع: أقوال التابعين :
    لقد ورث التابعون علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أشرف وأنفس ما حازوه وحصلوه منهم علم التفسير، فكانوا فرسانه بعدهم ،كما أن سند علم التفسير يدور عليهم ؛لذا كانت معرفة أقوالهم في التفسير أنفع من معرفة أقوال المتأخرين في جميع مباحث علوم الدين،قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك؛ فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة ، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم». (20)
    وقد نص أهل العلم على اعتبار قول التابعي في التفسير وجعله من أهم مصادر التفسير الأصيلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:« إذا لم تجد التفسير في القرآن،ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين »؛ (21) لأنهم أعلم الناس بالتفسير بعد الصحابة قال شيخ الإسلام :" ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه». (22)
    وقد تكلم العلماء على حجية وحكم تفسير التابعي بين قائل بعدم حجيته وقائل بحجيته المطلقة، ولعل القول بالتفصيل هو أصوب الأقوال في حكم تفسير التابعي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير، يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أمّا إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم وَيُرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك». (23)
    وتفسير القرآن بأقوال التابعين على أقسام:
    أولا: ما أجمعوا عليه: وهذا النوع حجة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « أمّا إذا أجمعوا على الشـيء فلا يرتاب في كونه حجة». (24)
    ثانيا: أن يرد عن أحدهم ولا يعلم له مخالف. وهذا النوع نقل فيه ابن القيم رحمه الله قولان لأهل العلم, قال: « فإن قيل: فبعض ما ذكرتم من الأدلة – أي على قبول قول الصحابي إذا قال قولا ولا يعلم له مخالف – يقتضـي أن التابعي إذا قال قولا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون قوله حجة !
    فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط لكثرتهم، وانتشـرت المسائل في عصـرهم، فلا يكاد يغلب على الظنّ عدم المخالف لما أفتى به الواحد منهم، فإن فرض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك، فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به، ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعي، وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية، وقد صرّح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليدا لعطاء، وهذا من كمال علمه وفقهه رضي الله عنه، فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء، فكأنّ قوله عندي أقوى ما وجد في المسألة، وقال في موضع آخر: وهذا يخرج على معنى قول عطاء، والأكثرون يفرقون بين الصحابي والتابعي، ولا يخفى ما بينهما من الفروق على أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عند الإمام أحمد روايتين ومن تأمل كتب الأئمة، ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي». (25)
    ثالثا: ما اختلفوا فيه: وهذا النوع ليس بحجة وإنمّا يعمل فيه بالمرجحات ،كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : « فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب،وأقوال الصحابة في ذلك». (26)
    5 – المصدر الخامس: اللغة العربية :
    لا يخفى على عارف بكتاب الله تعالى منزلة اللغة العربية ومكانتها في تفسيره، ولا أدل على هذا نزول القرآن الكريم بهذا اللغة العربية، كما قال الشاطبي رحمه الله :« لابدّ في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين،وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم،فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه ، وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب». (27)
    قال ابن عباس رضي الله عنهما:« التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ،
    وتفسير لا يعذر أحد بجهله ,وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلاّ الله تعالى ». (28)
    وقال مجاهد رحمه الله:« لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب ». (29)
    فتفسير كتاب الله تعالى متوقف على معرفة اللغة العربية، لأن جهل اللسان العربي يعني سوء البيان للكتاب، قال الإمام الشافعي رحمه الله: « لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها». (30)
    ففهم مراد الله تعالى متوقف على فهم لغة العرب ومعرفة علومها؛ فبها نزل الكتاب، وخوطب العباد، قال ابن تيمية رحمه الله:« فمعرفة العربية التي خوطبنا بها ممّا يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه»، (31)وقال الإمام الشاطبي رحمه الله :«الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص فلابدّ من اشتراط العلم بالعربية»، (32) فالمأثور من العربية هي اللغة الحقيقية لا المولدة، كما قال ابن بدران :« بل الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل به القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعرف خاطبهم الله ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك، وهذه قاعدة كبيرة من قواعد التفسير ». (33) وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله: « إن القرآن كلام عربي فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم، لمن ليس بعربي بالسليقة». (34)
    فحظ المفسر من فهمه لكتاب الله تعالى بقدر حظه من هذه اللغة؛ ذلك أن «الشـريعة عربية ، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلاّ من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط... فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة... فإذا انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة». (35)وقال ابن تيمية رحمه الله :« فلا بدّ في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل عليه مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه، فمعرفة العربية التي خوطبنا بها ممّا يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالات الألفاظ على المعاني». (36)
    كما أن الوقوف على دقائق معاني القرآن لا تنكشف إلاّ لمن له معرفة باللغة،كما قال ابن قتيبة رحمه الله :« وإنمّا يعرف فضل القرآن من كثر نظره واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات». (37) قال ابن فارس رحمه الله :« إن العلم بلغة العرب واجب على كل متعلق من العلم بالقرآن والسنة والفتيا بسبب، حتى لا غناء بأحد منهم عنه، وذلك أن القرآن نازل بلغة العرب ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ عربي، فمن أراد معرفة ما في كتاب الله عز و جل، وما في سنة رسول الله صلى عليه وسلم من كل كلمة غريبة أو نظم عجيب، لم يجد من العلم باللغة بدًّا». (38)
    6- المصدر السادس : الاجتهاد المحمود المقبول.
    بذل المفسرون جهدهم لبيان مقاصد وهدايات القرآن الكريم؛ الذي يتوقف وضوحه وجلاءه على مدى إدراك المفسـر لهذه الحقيقة، ولهذه الخصيصة القرآنية ، وهي قابليته لتعدد الفهوم, كما قال الجصاص رحمه الله:« وقوله تعالى {؟ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[النحل: 44].فحثنا على التفكر فيه، وحرضنا على الاستنباط والتدبر، وأمرنا بالاعتبار لنتسابق إلى إدراك أحكامه، وننال درجة المستنبطين والعلماء الناظرين، ودل بما نزل من الآي المحتملة للوجوه من الأحكام التي طريق استدراك معانيها السمع على تسويغ الاجتهاد في طلبها، وأن كلا منهم مكلف بالقول بما أداه إليه اجتهاده واستقر عليه رأيه ونظره، وأن مراد الله من كل واحد من المجتهدين اعتقاد ما أداه إليه نظره إذا لم يكن لنا سبيل إلى استدراكه إلاّ من طريق السمع، وكان جائزا تعبد كل واحد منهم من طريق النظر بمثل ما حصل عليه اجتهاده، فوجب من أجل ذلك أن يكون من حيث جعل لفظ الكتاب محتملا للمعاني أن يكون مشرعًا واحدا من المجتهدين ما دل عليه عنده فحوى الآية، وما في مضمون الخطاب ومقتضاه من وجوه الاحتمال فانظر على كم اشتملت هذه الآية بفحواها ومقتضاها من لطيف المعاني وكثرة الفوائد، وضروب ما أدت إليه من وجوه الاستنباط، وهذه إحدى دلائل إعجاز القرآن إذ غير جائز وجود مثله في كلام البشر». (39)
    وهذا النوع من الرأي الصائب في التفسير هو طريق صحيح لتفسير كلام الله تعالى, وهو باب الاجتهاد الذي يختص به كل علم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: « فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها – في النهي عن الرأي المجرد – عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأمّا من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوالاً في التفسير ولا منافاة؛ لأنّهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد فإنّه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: {؟لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}[آل عمران: 187].ولما جاء في الحديث المروي من طرق : «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» (40)
    » (41) ، وقال ابن المبارك رحمه الله :« ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر، وخذ من الرأي ما يفسـر لك الحديث، وهذا هو الفهم الذي يختص الله به من يشاء من عباده». (42)
    وقد فتح الله تعالى على كثير من أهل التفسير هذا الباب فأعطوا علومًا وفهومًا، وصارت تفاسيرهم مرجعًا لهذه الأمة في التبصر بمعاني كلام الله تعالى، كما قال صاحب التحرير والتنوير رحمه الله: « وهل اتسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معاني القرآن إلاّ بما رزق به الذين أوتوا العلم من فهم في كتاب الله ». (43) ولكن هذا الرأي الصائب المحمود تنقطع دونه أعناق الرجال كما قال الآلوسي رحمه الله:
    « فالذي ينبغي أن يعول عليه أن من كان متبحرا في علم اللسان مترقيا منه إلى ذوق العرفان في رياض العلوم الدينية أو في مرتعها ,وفي حياضها أصفى مكرع يدرك إعجاز القرآن بالوجدان لا بالتقليد، وقد غدا ذهنه لما أغلق من دقائق التحقيقات أحسن إقليد، فذاك يجوز له أن يرتقي من علم التفسير ذروته ويتمطى منه صهوته ». (44)
    والمقدم من هذا النوع على غيره رأي أفقه الأمة وأبرهم قلوبا، وأعمقهم علما، وأقلهم تكلفا، وأصحهم قصدًا، وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكا، وأصفاهم أذهانا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل وفهموا مقاصد الرسول،ونسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، ونسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم،قال الإمام الشافعي رحمه الله:«وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ». (45)

    والله تعالى أعلم
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الهوامش:

    (1) التسهيل لعلوم التنزيل (1/15) .
    (2) مقدمة أضواء البيان (1/7)
    (3) مقدمة في أصول التفسير – ضمن مجموع الفتاوى- (13/363).
    (4) أحكام القرآن( 3 / 193 ).
    (5) مجموع الفتاوى( 13 / 363 ).
    (6) روح المعاني( 1 / 96 ).
    (7) جامع البيان في تأويل القرآن: الطبري (1/73).
    (8) مجموع الفتاوى (13/27-28).
    (9) أخرجه: البخاري كتاب الأنبياء باب قوله تعالى
    : {واتخذ الله ابراهيم خليلا}، [ النساء: 125]،رقم 4629
    (10) أخرجه:مسلم كتاب الإمارة باب فضل الرمي وذم من علمه ونسيه ،رقم 1917.
    (11) مجموع الفتاوى (12/131).
    (12) مجموع الفتاوى(21/131).
    (13) سبق الكلام على تفسير الصحابي في مقال خاص، العدد التاسع والثلاثون.
    (14) بيان فضل علم السلف على الخلف, ص:5.
    (15) مقدمة في أصول التفسير- ضمن مجموع الفتاوى- (13/364).
    (16) فتح القدير ( 1 / 12 ).
    (17) البرهان في علوم القرآن ( 2 / 172 ).
    (18) مجموع الفتاوى(13/362)
    (19) بغية المرتاد ،ص: 332.
    (20) مجموع الفتاوى (13/23).
    (21) المصدر نفسه (13/364)
    (22) مجموع الفتاوى(13/362)
    (23) مجموع الفتاوى ( 13 / 370 ).
    (24) المصدر نفسه ( 13 / 370 ).
    (25) إعلام الموقعين (4/155).
    (26) مجموع الفتاوى ( 13 / 370 ).
    (27) الموافقات (2/164).
    (28) جامع البيان ( 1 / 74 – 76 ).
    (29) البرهان في علوم القرآن : الزركشي( 1 / 292 ).
    (30) المصدر نفسه، ص: 50 .
    (31) مجموع الفتاوى( 7 / 116 ).
    (32) الموافقات( 4 / 117 ).
    (33) محاسن التأويل :جمال الدين القاسمي (1/147) .
    (34) التحرير والتنوير (1/18).
    (35) الموافقات( 4 / 115 ).
    (36) مجموع الفتاوى (7/116).
    (37) تأويل مشكل الحديث ، ص: 12.
    (38) الصاحبي في فقه اللغة، ص: 50.
    (39) أحكام القرآن ( 4 / 34 ).
    (40) أخرجه أبو داود كتاب كراهة منع العلم ،برقم 3658,و ابن ماجه في سننه(1/97) برقم 264، وأخرجه الحاكم في مستدركه كتاب العلم، برقم 344, وقال فيه: هذا حديث تداوله الناس بأسانيد كثيرة تجمع و يذاكر بها و هذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه (1/140).
    (41) مقدمة في أصول التفسير – ضمن مجموع الفتاوى- (13/373).
    (42) إعلام الموقعين (1/82).
    (43) التحرير والتنوير: الطاهر بن عاشور ( 1 / 28 ).
    (44) روح المعاني ( 1 / 6 – 7 ).
    (45) إعلام الموقعين: ابن القيم ( 1/ 101 ).
    الملفات المرفقة
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2018-11-20, 05:04 PM.

  • #2
    جزاكم الله خيرا أستاذ عادل، وبارك الله فيكم. ونفع بكم وبما تقدمون.

    تعليق


    • #3
      جزاكم الله خيرا وبارك فيكم شيخ عادل وثقل بما تكتب موازينك يوم القيامة. آمين.

      تعليق


      • #4
        جزاكم الله خيرا شيخنا وبارك فيكم
        نسأل الله أن يجعل هذا المقال في ميزان حسناتكم يوم القيامة

        تعليق


        • #5
          لله درك شيخنا الدكتور، بارك الله فيك ورفع قدرك.

          تعليق


          • #6
            بارك الله فيك واحسن اليك

            تعليق


            • #7
              جزاك الله خيرا ورحم الله والديك

              تعليق


              • #8
                بارك الله فيك شيخ عادل و جعل هذا المقال في ميزان حسناتك

                تعليق


                • #9
                  جزاك الله خيرا

                  تعليق


                  • #10
                    مقال ماتع، جزاك الله خيرا شيخنا وبارك فيه.

                    تعليق


                    • #11
                      بحث نافع وماتع، أسأل الله أن يرفع به درجتك في عليين.
                      اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه
                      وسيم بن أحمد قاسيمي -غفر الله له-

                      تعليق


                      • #12
                        جزاك الله خيرا شيخنا الحبيب، ووفقك في الدارين
                        مقال مفيد سديد

                        "ولا تُهمل فإن الوقتَ يسري
                        وإن لم تغتنمه فقد أضعتَ"

                        تعليق


                        • #13
                          جزاك الله خيرا شيخنا
                          مقال نافع و ماتع نفعنا الله به
                          جعله الله من ميزان حسناتك

                          تعليق


                          • #14
                            بارك الله فيك يا ابا عبد الرحمان

                            تعليق


                            • #15
                              جزاك الله خيرًا شيخ عادل,على ما أتحفتنا به.

                              تعليق

                              الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 12 زوار)
                              يعمل...
                              X