<بسملة1>
خطورة التهاجر لغير مصلحة
إن اجتماع المسلمين وتآلفهم من أعظم مقاصد هذه الشريعة السمحة. ولذلك شرعت عبادات وطاعات تكون سببا لهذا الاجتماع كالجماعة والسلام وبذل الخير ونحو ذلك، وحرمت كل ما يؤدي إلى الفرقة والاختلاف كالخمر والميسر وخطبة الرجل على خطبة أخيه.
وهذا يدل على أن التهاجُرَ بين المسلمين محرَّم؛ بل قد وردت النصوص الصريحة في ذلك؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: لا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَدابَروا، وكونوا عِبادَ الله إخوانًا، ولا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجر أخاه فوق ثلاثة أيَّام. البخاري ومسلم.
والمراد به الهجر الذي يكون لأجل حظوظ الدنيا، فالأصلُ تحريمُ هذا النوع من الهجر، وإنما أبيح لمدَّة ثلاثة أيَّام بلياليهنَّ فقط؛ لأجل أن هذه المدة كافيةٌ لإزالة ما في الخاطر إذا لم يَستَرسِل الهاجر مع نزغ الشيطان .
والهجر بغير مُسوِّغ شرعي من عمل الشيطان؛ فعن جابر رضِي الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: إنَّ الشيطان قد أيس أنْ يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم. رواه مسلم.
ثم إن الهاجر لأخيه بغير حق معرض نفسه لوعيد شديد؛ فعن هشام بن عامر رضِي الله عنه أنَّه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجر مُسلِمًا فوق ثلاث ليالٍ؛ فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، وأولهما فَيْئًا يكون سبقُه بالفَيْء كفَّارةً له، وإنْ سلَّم فلم يقبل وردَّ عليه سلامه ردَّت عليه الملائكة وردَّ على الآخَر الشيطان، وإنْ ماتَا على صرامهما لم يَدخُلا الجنَّة جميعًا أبدًا.رواه أحمد .
فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ الهجر لحظوظ الدنيا كبيرةٌ من كبائر الذنوب وقد عَدَّ الهجر من الكبائر ابن عبدالبر في التمهيد، وشيخ الإسلام ابن تيميَّة، وابن حجر الهيتمي، فقال في الزواجر عن اقتِراف الكبائر: الكبيرة السادسة والسبعون بعد المائتين: التهاجُر بأنْ يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيَّام لغير غرضٍ شرعي.
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى : عن حكم هجر المسلم؟ فأجاب فضيلته:هجر المسلم في الأصل حرام، بل من كبائر الذنوب إذا زاد على ثلاثة أيام.
ومن هنا نقول: أيها الهاجر لأخيه بغير حق اتق الله وبادِرْ بالتوبة واقطَع الهجرَ، واعلَم أن مبادرتك بترك الهجر سببٌ لتكفير جرم معصية الهجر؛ ففي الحديث السابق: وأوَّلُهما فَيْئًا يكونُ سَبْقُه بالفَيْءِ كفارةً له.
ثم اعلم أيها المبادر بترك الهجر أنك تحصل على الخيريَّة عليه، فأنت خيرٌ منه عند الله؛ فعن أبي أيوب الأنصاري أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: لا يحلُّ لرجلٍ أنْ يهجر أخاه فوقَ ثلاث ليالٍ يلتَقِيان فيُعرِض هذا ويُعرِض هذا، وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام. البخاري ومسلم.
فقد دل هذا الحديث بالمفهوم أنَّ الهجر يَزُول بالسَّلام؛ لكن العلماء يختلفون في ذلك؛ فبعضُ أهلِ العلم يرى أنَّ الهجر لا يَزُول إلاَّ برجوع الأمر إلى سابقه قبل الهجر، قال ابن حجر: قال أكثر العُلَماء: تَزُول الهجرة بمجرَّد السلام وردِّه، وقال أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلاَّ بعودِه إلى الحال التي كان عليها أولاً، وقال أيضًا: ترْك الكلام إنْ كان يُؤذِيه لم تنقَطِع الهجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم.ا.هـ.
ومن المهم-في هذا الباب- أن يعلم أن ليس كلُّ هجرٍ محرَّمًا؛ بل المحرم من الهجر ما كان لغرض دنيوي وليس له مسوغ شرعي، أما إنْ كان الهجر لله ويُحقِّق مصلَحةً شرعيَّة فليس محرَّمًا، بل هو عِبادةٌ وقُربَةٌ.
قال الشيخ ابن العثيمين: ولكن الصحيح عندنا أن الأصل في الهجر التحريم ، إلا إذا كان فيه مصلحة. اهـ.
فالهجرُ إذا كان لمصلحةٍ شرعيَّة فلا يحدُّ بثلاثة أيَّام إنما يرجع للمصلحة؛ فقد هجَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كعب بن مالك وصاحبيه الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك خمسين يومًا.
ومن الهجْر المشروع هجر أهل الأهواء وذلك باتفاق العلماء. ويراعى في ذلك المصالح كما قررنا آنفا، سواء مصلحة المهجور أو الهاجر .أما إذا كان هجرهم يؤدي إلى مفاسد. فيقول الشيخ ربيع بن هادي المدخلي: إن كان في هجرانه ومقاطعته مفاسد تنعكس على دعوتنا وتُعرقلها ، وتقف في وجهها فهذا لا نُقاطعه ، كما قال السلف: " إنَّا لَنُكَشِّرُ لأقوام وقُلوبنا تلعنهم "، فهذا تعامله بالأخلاق الطيبة بشرط أن لا تكون مداهناً في دينك ، ولا تؤدي هذه المداهنة إلى الإضرار بالدعوة ، لأنك أنت لم تقاطعه إلا لحماية الدعوة لا لضربها.
ولذلك أوصي إخواني بوصيتين في هذا الباب –حتى لا يزين لهم الشيطان الهجر باسم المصلحة-:
*الأولى: بالرجوع إلى أهل العلم في تقدير المصلحة حتى تكون المصلحة متحققة لا متوهّمة .
*الثانية: وهي أن الهجر الشرعي من الأعمال التي أمَر الله بها ورسولُه، فهي عبادة لا بُدَّ أنْ تكون خالصةً لله، وأنْ تكون مُوافِقة للسنة، فمَن هجَر لهوى نفسه أو هجَر هجرًا غير مأمورٍ به، كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعَل النفوس ما تَهواه ظانَّة أنها تفعله طاعةً لله.
والله أعلم
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعليق