إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

القول المنفوس في الرد على كاتب: ( ملاحظات منهجيَّة خطيرة على كتب الدُّكتور فركوس).

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • القول المنفوس في الرد على كاتب: ( ملاحظات منهجيَّة خطيرة على كتب الدُّكتور فركوس).

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
    فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا}.
    قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في رسالة: {مرحبا يا طالب العلم} معلقا على هذا الحديث:
    يتخذونهم رؤوسا يظنون أنهم علماء، و هم جهال، جاهلون بالعقائد الاسلامية والشرائع الاسلامية، جاهلون بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عندهم إقدام على الكبائر والرذائل، لماذا؟ لأنهم لا علم عندهم يحجزهم، ويكبح جماحهم، ويوقفهم عند حدودهم.
    فيقودون الناس بهذا الجهل وبهذا الضلال إلى الهلاك والمهالك، فيصبح الناس لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين حلال وحرام، ولا يحترمون الأخلاق، ويختلط الحابل بالنابل.
    قال جامعه عفا الله عنه:
    ومن أولئك الجهال الذين اتخذهم الناس رؤوسا وعلماء أذناب جماعة الاحتواء، الذين انبروا لتعقب مؤلفات الشيخ فركوس حفظه الله ووفقه، في هذه الأيام وهذه مهمة قذرة حقا كما وسمها أخونا الشيخ ابراهيم بويران وفقه الله، والذي يؤكد صحة تشخيص هذه الظاهرة العجيبة ما كتبه ذلكم النكرة الجاهل المركب (عبد الله المكي) الذي لم يؤهل لفهم كلام أهل العلم، حتى انبرى لنقد ما لم يفهم؟ وهذا دليل على الطيش والعجلة وعظيم الجرأة على الباطل، وحال صاحب الهوى السفيه، كما قال الخطيب رحمه الله: (يريد أن يطير ولما يريش)، وإن تعجب فعجب فعل الدكتور ماضي أصلحه الله الذي علق على خربشة المتحذلق بما يدل على كبير حنقه على إمام أهل السنة في بلدنا هذا الشيخ الوالد محمد علي فركوس حفظه الله ووفقه، فهل يا ترى علق الدكتور استنادا على حسن ظن وتوثيق؟ أم بعد قراءة تمعن وتدقيق؟ ونرجوا من الله ألا تكون الثانية فهي تدل على الهزالة ودنو المنزلة العلمية.
    وكل ما أورده المتحذلق فيما سوده فهو من باب قول القائل:
    شبه تهافت كالزجاج تخالها***حججا وكل كاسر مكسور

    قال المتحذلق:
    الملاحظة الأولى
    إشادة الدُّكتور فركوس بجهود دولة الموحِّدين الأشعريَّة المعتزليَّة الخارجيَّة والزَّوايا والرباطات الصُّوفيَّة في تمهيد الحركة الفكريَّة في المجتمع وازدهاره ونضجه، وأنَّ ذلك كان له أثر طيِّب وبارز في دفع الحركة الفكريَّة في عهد الدَّولة الزِّيانيَّة الطَّبعة الثَّالثة » مفتاح الوصول « قال في تحقيق كتابه 1434 ه( )ص: 31 32 ثانيًا: « : الحركة الفكريَّة: يرجع الفضل في تمهيد الحركة الفكريَّة بعد الله عزَّ وجلَّ إلى جهود المرابطين والموحِّدين في مجالات الثَّقافة والعلم والأدب، الَّذين فتحوا آفاقًا فكريَّة واسعةً أتاحت للحياة الثَّقافيَّة في عهد بني عبد الواد الزِّيانيِّين وأثناء السِّيادة المرينية ونفوذِها مزيدًا من الازدهار والنُّضج، فقد أولى أمراء وسلاطين هذا العصر اهتمامًا كبيرًا وعنايةً فائقةً بالجانب الثَّ قافي والعلمي بتشجيع العلم والنُّهوض به، واحتلَّت العلوم الدِّينيَّة محلَّ الصَّدارة، ودعَّم ذلك إحداثُ الوسائل المعزَّزة للجانب الفكري والثَّقافي المتمثِّلة في: إنشاء المؤسَّسات الفكريَّة من مدارسَ ومعاهدَ، وإسناد التَّدريس لأشهر رجال العلم، وتعمير المكتبات والسُّلوك في تطبيق المناهج التَّعليميَّة في الموادِّ المدرَّسة وفق غاياتٍ محدَّدة، وتكريس المجالس العلميَّة، وعقد النَّدوات والمناظرات فيها، وتدعيم الرَّحلات العلميَّة، فضلًا عن الوظيفة الَّتي قامت بها المساجد في أداء رسالتها وكذا الزَّوايات والرباطات، الأمر الَّذي كان له الأثر الطيِّب والبارز في دفع الحركة الفكريَّة في المجتمع.
    التَّعليق: والآن أخي القارئ المنصف أدعوك وأدعك لتقارن بين حكم أئمَّة الإسلام وأئمَّة الجرح والتَّعديل بحقّ على المهدي ابن تومرت ودولته )الموحِّدين( وبين كلام الدُّكتور لتدرك الفرق الهائل بين الكلامين والحكمين.


    قال متعقبه عفا الله عنه:
    لعلنا نستهل هذا الرد بما قاله إمام الجرح والتعديل فضيلة شيخنا ووالدنا الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله ووفقه وهو يبين فساد منهج الموازنات بين الحسنات والسيئات، وذلك في قوله:
    ثم تعلقوا بالذهبي المؤرخ، كمؤرخ قد يتساهل أحيانا ولا ينطلق أبدا من هذا المنهج الذي يقولونه، فواحد يكتب في السير قد يذكر قد يطعن في الرجل ويذكر حسناته -بارك الله فيكم- ثم خصص كتبا، لماذا لا تذكر؟ "الميزان" و"الديوان" و"المغني" و"الذيل" فهذه أربع كتب كلها خاصة بالجرح لماذا لا يأتون بالذهبي هذا؟، الذي يتعلقون به كمؤرخ في كتابه السير، فهؤلاء أهل باطل وأهل شبهات ويصدق عليهم قول الله تبارك وتعالى: ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) فهم إذا جاؤوا إلى كتاب الله أولوه وإذا جاؤوا إلى كلام الرسول أولوه وإذا جاؤوا إلى كلام علماء السلف أولوه وحرفوه، فما رأينا بدعة أخطر من هذا المنهج ولا مبتدعين أخطر على الإسلام من هؤلاء، وليس لهم إلا الدفاع عن الباطل وعن العقائد الضالة، فإذا جئت بمن يسب الصحابة أو يسب الأنبياء أو.. أو.. إلى آخره قالوا لك: أين حسناته؟ فإذا ذكروا أهل السنة وكلهم حسنات لا يذكرون شيئا من حسناتهم ويفتعلون المثالب، فما أشبههم بالروافض. اهـ من موقع الشيخ على الشبكة.
    فالشيخ حفظه الله يشير إلى أن القوم تمسكوا بما جاء عن الإمام الذهبي رحمه الله في مدح بعض أهل البدع ووصفهم بالعلم والزهد وقد يصفهم بالإمامة كما هو معلوم، ومن أمثلة ذلك قوله رحمه الله في ترجمة (الجاحظ)
    العلامة المتبحر ، ذو الفنون ، أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي ، صاحب التصانيف . أخذ عن النظام .
    وروى عن : أبي يوسف القاضي ، وثمامة بن أشرس .
    روى عنه : أبو العيناء ، ويموت بن المزرع ابن أخته ، كان أحد الأذكياء . [ ص: 527 ]
    قال ثعلب : ما هو بثقة .
    وقال يموت : كان جده جمالا أسود .
    وعن الجاحظ : نسيت كنيتي ثلاثة أيام ، حتى عرفني أهلي .
    قلت : كان ماجنا قليل الدين ، له نوادر .
    قال المبرد : دخلت عليه ، فقلت : كيف أنت ؟ قال : كيف من نصفه مفلوج ، ونصفه الآخر منقرس ؟ لو طار عليه ذباب لآلمه ، والآفة في هذا أني جزت التسعين .
    وقيل : طلبه المتوكل ، فقال : وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ، ولعاب سائل ؟ !! .
    قال ابن زبر : مات سنة خمسين ومائتين . وقال الصولي : مات سنة خمس وخمسين ومائتين .
    قلت : كان من بحور العلم ، وتصانيفه كثيرة جدا . قيل : لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته ، حتى إنه كان يكتري دكاكين الكتبيين ، ويبيت فيها للمطالعة ، وكان باقعة في قوة الحفظ .
    وقيل : كان الجاحظ ينوب عن إبراهيم بن العباس الصولي مدة في ديوان الرسائل.
    وقال في مرضه للطبيب : اصطلحت الأضداد على جسدي ، إن أكلت باردا أخذ برجلي ، وإن أكلت حارا أخذ برأسي .
    ومن كلام الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك : المنفعة توجب المحبة ، [ ص: 528 ] والمضرة توجب البغضة ، والمضادة عداوة ، والأمانة طمأنينة ، وخلاف الهوى يوجب الاستثقال ، ومتابعته توجب الألفة . العدل يوجب اجتماع القلوب ، والجور يوجب الفرقة . حسن الخلق أنس ، والانقباض وحشة . التكبر مقت ، والتواضع مقة ، الجود يوجب الحمد ، والبخل يوجب الذم ، التواني يوجب الحسرة ، والحزم يوجب السرور ، والتغرير ندامة ، ولكل واحدة من هذه إفراط وتقصير ، وإنما تصح نتائجها إذا أقيمت حدودها ; فإن الإفراط في الجود تبذير ، والإفراط في التواضع مذلة ، والإفراط في الغدر يدعو إلى أن لا تثق بأحد ، والإفراط في المؤانسة يجلب خلطاء السوء .
    وله : وما كان حقي - وأنا واضع هذين الكتابين في خلق القرآن ، وهو المعنى الذي يكثره أميرالمؤمنين ويعزه ، وفي فضل ما بين بني هاشم ، وعبد شمس ومخزوم - إلا أن أقعد فوق السماكين ، بل فوق العيوق ، أو أتجر في الكبريت الأحمر ، وأقود العنقاء بزمام إلى الملك الأكبر .
    وله كتاب " الحيوان " سبع مجلدات ، وأضاف إليه كتاب " النساء " وهو فرق ما بين الذكر والأنثى ، وكتاب " البغال " وقد أضيف إليه كتاب سموه كتاب " الجمال " . ليس من كلام الجاحظ ، ولا يقاربه .
    قال رجل للجاحظ : ألك بالبصرة ضيعة ؟ قال : فتبسم ، وقال : إنما إناء وجارية ومن يخدمها ، وحمار ، وخادم . أهديت كتاب " الحيوان " إلى ابن الزيات ، فأعطاني ألفي دينار ، وأهديت إلى فلان فذكر نحوا من ذلك ، يعني : أنه في خير وثروة .
    قال يموت بن المزرع : سمعت خالي ، يقول : أمليت على إنسان مرة : أخبرنا عمرو ، فاستملى : أخبرنا بشر ، وكتب : أخبرنا زيد .
    قلت : يظهر من شمائل الجاحظ أنه يختلق . [ ص: 529 ]
    قال إسماعيل الصفار : حدثنا أبو العيناء ، قال : أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك فأدخلناه على الشيوخ ببغداد ، فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي ; فإنه قال : لا يشبه آخر هذا الحديث أوله . ثم قال الصفار : كان أبو العيناء يحدث بهذا بعدما تاب .
    قيل للجاحظ : كيف حالك ؟ قال : يتكلم الوزير برأيي ، وصلات الخليفة متواترة إلي ، وآكل من الطير أسمنها ، وألبس من الثياب ألينها ، وأنا صابر حتى يأتي الله بالفرج . قيل : بل الفرج ما أنت فيه . قال : بل أحب أن ألي الخلافة ، ويختلف إلي محمد بن عبد الملك يعني الوزير ، وهو القائل :
    سقام الحرص ليس له دواء*** وداء الجهل ليس له طبيب

    وقال : أهديت إلى محمد بن عبد الملك كتاب " الحيوان " ، فأعطاني خمسة آلاف دينار . وأهديت كتاب " البيان والتبيين " إلى أحمد بن أبي دوااد ، فأعطاني كذلك ، وأهديت كتاب " الزرع والنخل " إلى إبراهيم الصولي ، فأعطاني مثلها . فرجعت إلى البصرة ، ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تحديد ، ولا إلى تسميد . [ ص: 530 ] وقد روى عنه ابن أبي داود حديثا واحدا .
    وتصانيف الجاحظ كثيرة جدا : منها " الرد على أصحاب الإلهام " ، و " الرد على المشبهة " ، و " الرد على النصارى " ، " الطفيلية " ، " فضائل الترك " ، " الرد على اليهود " ، " الوعيد " ، " الحجة والنبوة " ، " المعلمين " ، " البلدان " ، " حانوت عطار " ، " ذم الزنا " وأشياء .

    أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة ، عن أحمد بن طارق ، أخبرنا السلفي ، أخبرنا المبارك بن الطيوري ، حدثنا محمد بن علي الصوري إملاء ، حدثنا خلف بن محمد الحافظ بصور ، أخبرنا أبو سليمان بن زبر ، حدثنا أبو بكر بن أبي داود ، قال : أتيت الجاحظ ، فاستأذنت عليه ، فاطلع علي من كوة في داره ، فقال : من أنت ؟ فقلت : رجل من أصحاب الحديث . فقال : أو ما علمت أني لا أقول بالحشوية ؟ فقلت : إني ابن أبي داود . فقال : مرحبا بك وبأبيك ، ادخل . فلما دخلت ، قال لي : ما تريد ؟ فقلت : تحدثني بحديث واحد . فقال : اكتب : حدثنا حجاج بن المنهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على طنفسة .
    فقلت : زدني حديثا آخر ، فقال : ما ينبغي لابن أبي داود أن يكذب .
    قلت : كفانا الجاحظ المؤونة ، فما روى من الحديث إلا النزر اليسير ، ولا هو بمتهم في الحديث ، بلى في النفس من حكاياته ولهجته ، فربما جازف ، وتلطخه بغير بدعة أمر واضح ، ولكنه أخباري علامة ، صاحب فنون وأدب باهر ، وذكاء بين ، عفا الله عنه . اهـ من الجزء 13.

    قال جامعه عفا الله عنه:
    فالأمر إذا تعلق بالترجمة كما ترى قد يتخلله التساهل ويخلوا من التعليق بل قد يتضمن مدحا كما هو معلوم، وقد تقدم معنا كلام الشيخ ربيع حفظه الله أن الذهبي في السير مؤرخ، وفي غير السير ناقد متبصر، فذم القوم على تعلقهم بما كتبه من باب التوريخ، وعده من المتشابه وبين أن المحكم فيما كتبه في باب النقد والجرح، وهذا الذي في كلام الشيخ فركوس حفظه الله، بل قد أشار إلى مصادر التراجم في كتب التأريخ والسير، فلم اعتبر جماعة الاحتواء فعال الشيخ فركوس أخطاء وما هو إلا مقتف سبيل الهداة المهتدين من قبله؟ أهو جهلهم بالذي درج عليه علماء السنة وأئمتها في هذا الباب، أم هو شيء في نفوسهم المشوهة!!!.

    قال المتحذلق:
    إشادة الدُّكتور فركوس بجهود دولة الموحِّدين الأشعريَّة المعتزليَّة الخارجيَّة والزَّوايا والرباطات الصُّوفيَّة في تمهيد الحركة الفكريَّة في المجتمع وازدهاره ونضجه، وأنَّ ذلك كان له أثر طيِّب وبارز في دفع الحركة الفكريَّة في عهد الدَّولة الزِّيانيَّة.
    قال متعقبه عفا الله عنه:
    وهذا تهويل بئيس وتحامل خسيس، وخروج بالكلام عن مضماره لأجل التضليل والتلبيس، وإلا فإن الناظر في سياق كلام الشيخ وسباقه ولحاقه، بعين العدل والانصاف وإرادة الحق يقول: أرخ الشيخ وذكر ما كان في تلكم الحقبة التاريخية، من دولة المرابطين إلى دولة بني مرين، وهي أربع دول تتابعت وتوالت وتربعت على عرش الحكم في بلاد المغرب والأندلس، ولم يقتصر على دولة الموحدين فحسب، كما زعمه المتحذلق المخذول، ولا أشاد بدولة الموحدين وبالرباطات والزوايا الصوفية، كما زعم المتحذلق تحريشا منه وسعيا للإفساد بين أهل السنة السلفيين، وسيأتي معنا بحول الله وقوته من كلام الشيخ فركوس حفظه الله ما يكذب ما زعمه المتحذلق الكذاب، ولتستبين سبيل المجرمين فدون كل من له مسكة من عقل ما يدل على صدق كلام الشيخ فركوس من كتب التاريخ ولعلنا نبدأ بذكر الدول المذكورة في كلام الشيخ وأمراء كل دولة وتاريخ قيامها وسقوطها ومدة حكمها، ثم نتبع ذلك بكلام أئمة هذا الشأن، والله المعين وهو وحده الهادي إلى سواء السبيل، وإلى المقصود:
    1ــ بدأت دولة المرابطين بالظهور سنة 430هـ وذلك بمجيء عبد الله ابن ياسين الجزولي إلى بلاد المغرب والأندلس توفي سنة 450هـ على ما أرخه القاضي عياض في ترتيب المدارك ج4.ص 350.
    وأمراء دولة المرابطين هم:
    1ـ أبو بكر عمر اللمتوني: 448ــ480هـ.
    2ـ يوسف ابن تاشفين: 480ــ500هـ.
    3ـ علي بن يوسف بن تاشفين 500ــ037هـ.
    4ـ تاشفين بن علي: 537ــ540هـ.
    5ـ ابراهيم بن تاشفين بن علي: 540هـ.
    2ـ دولة الموحدين: بدأت بالظهور على يد المبتدع الضال المضل الزنديق محمد بن تومرت المتوفى سنة 524هـ ولم يظهر خبر وفاته إلا بعد مضي ثلاث سنين على ما ذكره صاحب كتاب المغرب الكبير أي سنة527.
    ظهرت هذه الدولة ظهورا تاما سنة 541هـ على أنقاض دولة المرابطين.
    وأمراء دولة الموحدين هم:
    - عبد المؤمن بن علي......... (524-558هجرية / 1120-1163م).
    2 - أبو يعقوب يوسف.........(558 -580هجرية / 1136-1184م).
    3 - أبو يوسف يعقوب المنصور...... (580-595هجرية / 1184-1199م).
    4 - أبو محمد عبد الله الناصر......... (595-610هجرية /1199- 1213م).
    5- أبو يعقوب يوسف المستنصر...... (611-620هجرية / 1313-1224م).
    6 - عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن... (620-621هجرية / - 1224م).
    7 - أبو عبد الله بن يعقوب المنصور(العادل)... (621-624هجرية /1224-1227م).
    8 - يحي بن الناصر......... (624-627هجرية /1227-1230م).
    9 - المأمون بن المنصور......... (627-630هجرية / 1231-1232م).
    10 - الرشيد بن المأمون بن المنصور...... (630-640هجرية / 1232-1242م).
    11 - السعيد علي أبو الحسن......... (640-646هجرية / 1242-1248م).
    12 - أبو حفص عمر المرتضى...... (646-665هجرية / 1248-1266م).
    13 - أبو دبوس الواثق بالله......... (665-668هجرية / 1266-1270م). اهـ من كتاب تاريخ دولتي المرابطين والموحدين. بتصرف.
    3ــ الدولة الزيانية (بنو عبد الواد)، ودولة بني مرين (بني عبد الحق):
    بعد موقعة حصن العقاب سنة : 1212 دب الضعف في الدولة الموحدية ، فظهرت ثلاث قوى تتنافس على السلطة ، و كل منها تعمل على تدعيم استقلالها ، فوضع المغرب العربي تحت سلطتها باعتبارها وريثة الموحدين ، و انقسمت إلى : بني مرين في المغرب و بني زيان في الوسط و بني حفص في الشرق . و دارت بين هذه المماليك عدة حروب كانت الجزائر ساحة لها في أغلب الأحيان . نظرا لموقعها بين الدولتين ، و في تلك الفترة سعى " جابر ابن يوسف " لدى الحكومة الموحدية حتى تتنازل له عن إمارة- تلمسان- ، وتحقق له ذلك سنة : 1230 ، و ما إن جاءت سنة : 1235 حتى أعلن يغمراسن استقلاله التام عن الموحدين . و أخذ يدعم و يعزز استقلاله بالمحافظـة علـى الوحـدة الداخليـة و كـذلك فعـل أتباعـه مـن بعـده . اهـ من الشبكة
    ولا أريد أن أطيل على القارئ الكريم ولكن كما قيل: (مرغم أخاك لا بطل).
    وبعد هذه النبذة التاريخية المختصرة يتبين لنا أن هذه الدول كانت في مدة تاريخية طويلة تداول على الحكم آنذاك خلق كثير، منهم من مدحه بعض أهل العلم ومنهم من ذموه وكلموه ومنهم من اكتفوا بذكر شيء من مناقبه، ودون القارئ الكريم شيئا من كلام أئمة الاسلام في هذا الصدد،
    قال الذهبي رحمه الله:

    فبايعوا أبا بكر ، ولقبوه : أمير المسلمين ، وقام معه طائفة من قومه وطائفة من جدالة ، وحرضهم ابن ياسين على الجهاد ، وسماهم المرابطين ، فثارت عليهم القبائل ، فاستمالهم أبو بكر ، وكثر جمعه ، وبقي أشرار ، فتحيلوا عليهم حتى زربوهم في مكان ، وحصروهم ، فهلكوا جوعا ، وضعفوا ، فقتلوهم ، واستفحل أمر أبي بكر بن عمر ، ودانت له الصحراء ، ونشأ حول ابن ياسين جماعة فقهاء وصلحاء ، وظهر الإسلام هناك . اهـ من السير ج18ص426.
    وقال رحمه الله في ترجمة علي يوسف بن تاشفين:
    السلطان ، صاحب المغرب ، أمير المسلمين ، أبو الحسن ، علي بن صاحب المغرب يوسف بن تاشفين ، البربري ، ملك المرابطين .
    تولى بعد أبيه سنة خمس مائة .
    وكان شجاعا مجاهدا ، عادلا دينا ، ورعا صالحا ، معظما للعلماء ، مشاورا لهم ، نفق في زمانه الفقه والكتب والفروع ، حتى تكاسلوا عن الحديث والآثار ، وأهينت الفلسفة ، ومج الكلام ، ومقت ، واستحكم في ذهن علي أن الكلام بدعة ما عرفه السلف ، فأسرف في ذلك ، وكتب يتهدد ، ويأمر بإحراق الكتب ، وكتب يأمر بإحراق تواليف الشيخ أبي حامد ، وتوعد بالقتل من كتمها ، واعتنى بعلم الرسائل والإنشاء ، وعمر .
    [ ص: 125 ] ولما التقى عسكره العدو ، انهزموا واختلت الأندلس ، وظهر بها المنكر ، وقتل خلق من المرابطين ، وأخذ يتهاون ، ويقنع بالاسم ، وأقبل على العبادة وأهمل الرعايا ، وعجز ، حتى قيل : إنه رفع يديه ودعا ، فقال : اللهم قيض لهذا الأمر من يقوى عليه .
    وابتلي بنواب ظلمة ، ثم خرج عليه ابن تومرت ، وحاربه عبد المؤمن ، وقوي عليه ، وأخذ البلاد ، وولت أيام الملثمة فمات إلى رحمة الله في سنة سبع وثلاثين وخمس مائة .
    وعهد بالأمر إلى ابنه يوسف ، فقاوم عبد المؤمن مديدة ، ثم انزوى إلى وهران ، وتفرقت جموعه ، فظفر به الموحدون ، وهلك في سنة أربعين وخمس مائة .
    وعندي في موضع آخر أن الذي ولي بعد علي ولده تاشفين فحارب الموحدين مديدة ، ثم تحصن بوهران ، وأنه هلك في رمضان سنة تسع وصلبوه . ج20ص124.
    قال الإمام بن كثير رحمه الله:
    وفيها ظهرت دولة الملثمين ببلاد المغرب، وأظهروا إعزاز الدين وكلمة الحق واستولوا على بلاد كثيرة منها سجلماسة وأعمالها والسوس، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها، وأول ملوك الملثمين رجل يقال له أبو بكر بن عمر، وقد أقام بسجلماسة إلى أن توفي سنة ثنتين وستين وكما سيأتي بيانه، ثم ولي بعده أبو نصر يوسف بن تاشفين، وتلقب بأمير المؤمنين، وقوي أمره، وعلا قدره ببلاد المغرب. اهـ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 12 - الصفحة 87
    وقال الإمام الذهبي رحمه الله:
    الشيخ الإمام ، الفقيه الأصولي الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت البربري المصمودي الهرغي ، الخارج بالمغرب ، المدعي أنه علوي حسني ، وأنه الإمام المعصوم المهدي ، وأنه محمد [ ص: 540 ] بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن صفوان بن جابر بن يحيى بن رباح بن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن ابن الإمام علي بن أبي طالب .
    رحل من السوس الأقصى شابا إلى المشرق ، فحج وتفقه ، وحصل أطرافا من العلم ، وكان أمارا بالمعروف ، نهاء عن المنكر ، قوي النفس ، زعرا شجاعا ، مهيبا قوالا بالحق ، عمالا على الملك ، غاويا في الرياسة والظهور ، ذا هيبة ووقار ، وجلالة ومعاملة وتأله ، انتفع به خلق ، واهتدوا في الجملة ، وملكوا المدائن ، وقهروا الملوك .
    أخذ عن إلكيا الهراسي ، وأبي حامد الغزالي ، وأبي بكر الطرطوشي ، وجاور سنة .
    وكان لهجا بعلم الكلام ، خائضا في مزال الأقدام ، ألف عقيدة لقبها [ ص: 541 ] بالمرشدة ، فيها توحيد وخير بانحراف فحمل عليها أتباعه ، وسماهم الموحدين ، ونبز من خالف المرشدة بالتجسيم ، وأباح دمه ، نعوذ بالله من الغي والهوى .
    وكان خشن العيش ، فقيرا ، قانعا باليسير ، مقتصرا على زي الفقر ، لا لذة له في مأكل ولا منكح ، ولا مال ، ولا في شيء غير رياسة الأمر ، حتى لقي الله تعالى .
    لكنه دخل - والله - في الدماء لنيل الرياسة المردية . اهـ السير ج19ص539.

    فيقال للمتحذلق الحدادي: ما تعليقك على كلام الحافظ الذهبي هذا؟ وهو أصرح من كلام الشيخ فركوس حفظه الله وأعظم كما هو ظاهر، وأنعم النظر في قول الحافظ رحمه الله في وصفه لابن تومرت الضال المضل ( الامام الأصولي الزاهد) ، واحذر أن تخلص بعد تمعنك إلى التضليل.

    قال بن كثير رحمه الله:
    ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
    فيها: مات صاحب المغرب عبد المؤمن بن علي التومرتي، وخلفه في الملك من بعده ابنه يوسف وحمل أباه إلى مراكش على صفة أنه مريض، فلما وصلها أظهر موته فعزاه الناس وبايعوه على الملك من بعد أبيه، ولقبوه أمير المؤمنين.
    وقد كان عبد المؤمن هذا حازما شجاعا جوادا معظما للشريعة، وكان من لا يحافظ على الصلوات في زمانه يقتل، وكان إذا أذن المؤذن وقبل الأذان يزدحم الخلق في المساجد، وكان حسن الصلاة ذا طمأنينة فيها، كثير الخشوع، ولكن كان سفاكا للدماء حتى على الذنب الصغير، فأمره إلى الله يحكم فيه بما يشاء. اهـ من المصدر السابق ج12.
    قال بن خلكان:
    (المنصور الموحدي)
    أبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي صاحب بلاد المغرب قد تقدم ذكر جده عبد المؤمن وسيأتي ذكر أبيه يوسف إن شاء الله تعالى
    كان صافي السمرة جدا إلى الطول ما هو جميل الوجه أفوه أعين شديد الكحل ضخم الأعضاء جهوري الصوت جزل الألفاظ من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثا وأكثرهم إصابة بالظن مجربا للأمور ولي وزارة أبيه فبحث عن الأحوال بحثا شافيا وطالع مقاصد العمال والولاة وغيرهم مطالعة أفادته معرفة جزيئات الأمور ولما مات أبوه في التاريخ الآتي في ترجمته إن شاء الله تعالى اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه فبايعوه وعقدوا له الولاية ودعوه أمير المؤمنين كأبيه وجده ولقبوه بالمنصور فقام بالأمر أحسن قيام وهو الذي أظهر أبهة ملكهم ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع ونظر في أمور الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين كما أقامها في سائر الناس أجمعين فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات. وفيات الأعيان.
    قال الإمام الذهبي رحمه الله:
    السلطان الكبير ، الملقب بأمير المؤمنين المنصور أبو يوسف ، [ ص: 312 ] يعقوب ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن علي ، القيسي ، الكومي ، المغربي ، المراكشي ، الظاهري ، وأمه أمة رومية اسمها سحر .
    عقدوا له بالأمر سنة ثمانين وخمسمائة عند مهلك أبيه ، فكان سنه يومئذ ثنتين وثلاثين سنة .
    وكان تام القامة ، أسمر ، صافيا ، جميل الصورة ، أعين ، أفوه ، أقنى ، أكحل ، سمينا ، مستدير اللحية ، جهوري الصوت ، جزل العبارة ، صادق اللهجة ، فارسا ، شجاعا ، قوي الفراسة ، خبيرا بالأمور ، خليقا للإمارة ، ينطوي على دين وخير وتأله ورزانة .
    ثم قال رحمه الله:
    قال تاج الدين بن حمويه : دخلت مراكش في أيام يعقوب فلقد كانت الدنيا بسيادته مجملة ، يقصد لفضله ولعدله ولبذله وحسن معتقده ، فأعذب موردي ، وأنجح مقصدي ، وكانت مجالسه مزينة بحضور العلماء والفضلاء ، تفتتح بالتلاوة ثم بالحديث ، ثم يدعو هو ، وكان يجيد حفظ القرآن ، ويحفظ الحديث ، ويتكلم في الفقه ، ويناظر ، وينسبونه إلى مذهب الظاهر . وكان فصيحا ، مهيبا ، حسن الصورة ، تام الخلقة ، لا يرى منه اكفهرار ، ولا عن مجالسه إعراض ، بزي الزهاد والعلماء ، وعليه جلالة الملوك ، صنف في العبادات ، وله " فتاوى " ، وبلغني أن السودان قدموا له [ ص: 317 ] فيلا فوصلهم ، ورده ، وقال : لا نريد أن نكون أصحاب الفيل ، ثم طول التاج في عدله وكرمه ، وكان يجمع الزكاة ، ويفرقها بنفسه ، وعمل مكتبا للأيتام ، فيه نحو ألف صبي ، وعشرة معلمون . حكى لي بعض عماله : أنه فرق في عيد نيفا وسبعين ألف شاة . اهـ من السير ج21.
    قال الإمام بن كثير رحمه الله تعالى:
    السلطان الكبير أبو محمد يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس بمدينته سلا ، وكان قد ابتنى عندها مدينة مليحة سماها المهدية ، وقد كان دينا حسن السيرة ، صحيح السريرة ، وكان مالكي المذهب ، ثم صار ظاهريا حزميا ، ثم مال إلى مذهب الشافعي ، واستقضى في بعض بلاده منهم قضاة ، وكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة ، وكان كثير الجهاد ؛ رحمه الله ، وكان يؤم الناس في الصلوات الخمس ، وكان قريبا إلى المرأة والضعيف ، وهو الذي كتب إليه صلاح الدين يستنجده على الفرنج ، فلما لم يخاطبه بأمير المؤمنين غضب من ذلك ، ولم يجبه إلى ما طلب منه ، وقام بالملك بعده ولده محمد ، فسار كسيرة والده ، ورجع إليه كثير من البلدان اللاتي كانت قد عصت على أبيه ، ثم من بعد ذلك تفرقت بهم الأهواء ، وباد هذا البيت بعد الملك يعقوب . اهـ من البداية والنهاية. ج16ص687.
    هذا وإن الحياة الادبية التي ازدهرت في عهد الموحدين كانت نتيجة طبيعيه ومنسجمة للإهتمام البالغ الذي أولاه الحكام انفسهم فقد اهتم أبن تومرت بالعلم وكانت مجالسه عامرة بالعلماء وقد ترك مؤلفات كثيرة أصبحت الكتب التي تدرس بعد وفاته وسار على هذا النهج الخلفاء الذين جاؤوا بعده ولاسيما في عهد المنصور الموحدي حيث إتسمت الحياة الأدبية بسملت متميزة منها إنتشار اللغة العربية فأصبحت اللغة الرسمية للبلاد وشاعت بجوارها لغة قبائل البربر على إن بعضها كان يتحدث العربية كذلك. ازدهرت العلوم الاسلامية في عصر الموحدين في علم القراءات ، والتفسير والحديث والفقه وعلم الكلام الى جانب الطب والرياضيات ومن اعلامهم عبد الحق بن عطية (ت 541ه) صاحب تفسير المحرر الوجيز وأبو الحسن علي الغرناطي المفسر وأبوبكر المعافري السبتي المعروف بإبن الجوزي وعبد الجليل الانصاري (ت608ه) وإبن عات (ت 609ه) وإبن القطان (ت 627ه) وأبو الربيع الكلاعي (ت 633ه)وغيرهم.
    وفي ميدان التاريخ وكتب التراجم عرفت الأندلس ثلاثة من اصحاب البرامج إبن خير الأشبيلي (ت 575ه) وأبو الحسن الرعيني (ت 666ه) وإبن أبي الربيع الاشبيلي (ت 388ه).
    وظل شأن الفلسفة مرموقاً في عهد المنصور الموحدي حتى نكب إبن رشد لأسباب إختلفت الروايات فيها ولم ينحسر ظل الفلسفة كثيراً إذ سرعان ماصفح عنه وعادت الصحوة الى سابق عهدها.
    وفي مجال اللغة والنحو ظهرت المؤلفات وإشتهر من علماء الموحدين أبوعبدالله بن هشام اللخمي (ت 557ه) وأبو القاسم السهيلي (ت 581ه) المعروف بدراساته اللغوية وتحقيقاته النحوية كذلك عرف أبو موسى الجزولي سنة (610ه) وإبن معط (628ه) وقد تحقق الازدهار الثقافي في جميع ميادينه فضلاً عما ذكرناه.
    وقد كان عبد المؤمن نفسه عالماً بالجدل والاصول حافظاً لحديث النبي (ص) مشاركاً في علوم كثيرة دينية ودنيوية إماماً في النحو واللغة والادب والتاريخ وعلم القراءات وقد حرص على تأديب اولاده فإستدعى له العلماء والادباء أمثال احمد حسن الجراوي المقالي وأحمد بن عبد الجليل التدميري والخلاصة في عصر الموحدين ماقاله الدكتور محمد بن شريفة : ((إن العلوم وصلت في هذا العصر الى ذروتها العليا وبلغت مداها البعيد الذي جمع زبدة الحقب الماضية وعاشت على زاده العصور التالية)). اهـ المصدر: الثقافة والادب في عهدي الموحدين وبني الاحمر، كلية العلوم الاسلامية القسم قسم لغة القرآن المرحلة 3 أستاذ المادة عيسى سلمان درويش المعموري 12/12/2011 .

    قال جامعه عفا الله عنه:
    فالناظر فيما تقدم من كلام أئمة الاسلام وغيرهم من المؤرخين، يرى جليا تفاوت أحكامهم على أمراء الموحدين وأنهم ليسوا سواء، وأنهم خدموا العلم بما سعوا فيه من تسهيل سبله والعناية بمواطنه وإكرام أهله، ويتبين لك من كلامهم نظرت العلماء لدولة المرابطين وأنها ليست كدعوة الموحدين، بل إن المتتبع لما ورد في تاريخ الدولتين يعلم مدى حنق الموحدين على المرابطين بسبب عقيدتهم وما يدينون به ربهم، حتى إنهم كانوا ينبزونهم بوصفهم (مجسمة) جريا على سنن أهل البدع في نبز أهل السنة.
    وقارئ كلام المتحذلق يعلم مدى جهله بما تولى كبر الرد عليه، فهو أوهم القارئ أن المرابطين والموحدين شيئ واحد، واكتفى بعدها بنقل كلام الأئمة على دولة الموحدين وذمهم لها ولمؤسسها ولمن تابعه في دعوته،وهذا لا ينكره عامة أهل السنة فضلا عن رجل هو من خيرة علماء هذه الأمة، من أمثال الشيخ فركوس وسيأتي في الحلقة الثانية بعون الله بيان موافقة الشيخ حفظه الله لأئمة الاسلام والسنة في بيان ما عليه ابن تومرت ودولة الموحدين.

    ومن تتبع التاريخ علم بل أيقن أن الانتعاش الفكري في دولتي الزيانيين والمرينيين يمتد امتدادا طبيعيا إلى دولتي المرابطين والموحدين، وما هم إلا وراث من خلا قبلهم والفضل لهم بعد الله تعالى.
    هذا، ولا يلزم من قول الشيخ فركوس: الحركة الفكريَّة: يرجع الفضل في تمهيد الحركة الفكريَّة بعد الله عزَّ وجلَّ إلى جهود المرابطين والموحِّدين في مجالات الثَّقافة والعلم والأدب، الَّذين فتحوا آفاقًا فكريَّة واسعةً أتاحت للحياة الثَّقافيَّة في عهد بني عبد الواد الزِّيانيِّين وأثناء السِّيادة المرينية ونفوذِها مزيدًا من الازدهار والنُّضج، فقد أولى أمراء وسلاطين هذا العصر اهتمامًا كبيرًا وعنايةً فائقةً بالجانب الثَّ قافي والعلمي بتشجيع العلم والنُّهوض به، واحتلَّت العلوم الدِّينيَّة محلَّ الصَّدارة اهـ.
    أنه يريد انتشار العقيدة الصحيحة والمنهج الحق، إذ العلوم ليست محصورة في علوم الشرع، وعلوم الشرع ليست محصورة في العقيدة وحسب، وإنما هي مجموعة علوم منها علوم الأدب والفقه والأصول والنحو والفرائض والطب وغيرها، والشيخ عبر بـ: (الحركة الفكريَّة) مما يدل اللبيب أنه لا يريد ما ذهب إليه المتحذلق، من أنه يشيد بدولة الموحدين ويصحح ما كانوا عليه في باب المعتقد وسيأتي بيان بطلان ما ذهب إليه السفيه في الحلقة الثانية إن شاء الله، كما أن الزوايا ورباطات المتصوفة لا يلزم من ذكرها مدح أهلها، وهذا غاية السفه فمجرد الإخبار لا يقتضي الموافقة، وذكر ما كان سببا في حفظ الاسلام عموما لا يعني موافقته لأصل الاسلام الصحيح المصفى، وهذا من دقيق فهم أهل السنة، ولعلنا نرجع بالقارئ الكريم إلى كلام الشيخ ربيع حفظه الله، وهو قوله: ثم تعلقوا بالذهبي المؤرخ، كمؤرخ قد يتساهل أحيانا ولا ينطلق أبدا من هذا المنهج الذي يقولونه، فواحد يكتب في السير قد يذكر قد يطعن في الرجل ويذكر حسناته -بارك الله فيكم- ثم خصص كتبا، لماذا لا تذكر؟ "الميزان" و"الديوان" و"المغني" و"الذيل" فهذه أربع كتب كلها خاصة بالجرح لماذا لا يأتون بالذهبي هذا؟، الذي يتعلقون به كمؤرخ في كتابه السير، فهؤلاء أهل باطل وأهل شبهات ويصدق عليهم قول الله تبارك وتعالى: ((فأما الذين في قلوبهم زيغ فينبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) فهم إذا جاؤوا إلى كتاب الله أولوه وإذا جاؤوا إلى كلام الرسول أولوه وإذا جاؤوا إلى كلام علماء السلف أولوه وحرفوه. اهـ

    وكلام الشيخ في تعرية الصوفية وبيان باطلهم معروف محفوظ، فيقال للمتحذلق وأضرابه الذين يصفقون ويطبلون له ممن انبرى لنشر الباطل وإذاعته: هلا رجعت لمحكم كلام الشيخ الذي صدع فيه بما يعتقده في معرض بيان السنة والرد على أهل البدع بما فيهم المتصوفة، لتطبق ما أشار إليه الشيخ ربيع ميدانيا وتخرج من قوقعة التهويش والتعمية والتحريش.
    قال الشيخ فركوس مبينا حال المتصوفة وما هم عليه من البدع والضلال:
    جناية التصوُّف على الإسلام وآثارُه السيِّئة على منهج السلف في العلم والعمل

    الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
    فقَدْ جَعَل اللهُ تعالى البناءَ العقديَّ المتين والتكوين الفقهيَّ السليم والاسترشادَ بمنهج السلف القويم عاصمًا مِنَ الوقوع في الزلل والخطإ، وكفيلًا للوقاية مِنَ التزيُّد والتجاوز والابتداع في منهج الفهم والتعقُّلِ لقضايا التنزيل العقدية وأحكامِ التطبيق العملية.
    ولا يخفى على ذي لبٍّ أنَّ الله تعالى لم يجعل دِينَه وشرعه مَرْتعًا للرُّؤَى، ولا مسرحًا للخيال في فهم نصوص الوحيين ـ الكتابِ والسنَّة ـ للوصول بالسالك إلى اليقين المنشود كما تزعمه المتصوِّفة، وذلك عن طريق المشاهدة والكشف والذوق والمنامات وغيرها مِنَ الطُّرُق المُلتوِيَة والبعيدة عمَّا كان عليه الصدرُ الأوَّل مِنْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتِه الكرام رضي الله عنهم الذين زكَّاهم اللهُ تعالى بالنصِّ، وشَهِد لهم بالأعلمية في مثلِ قوله تعالى:(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ غ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِي) المجادلة 11ـ وقولِه تعالى: ï´؟وَيَرَى ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لغ،عِلغ،مَ ظ±لَّذِيظ“ أُنزِلَ إِلَيغ،كَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ظ±لغ،حَقَّï´¾وقولِه تعالى: ï´؟حَتَّىظ°ظ“ إِذَا خَرَجُواْ مِنغ، عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لغ،عِلغ،مَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاï´¾ [محمَّد: 16]؛ فإنَّ اللام في «العلم» إنما هي للعهد لا للاستغراق، أي: العلم الذي أرسل اللهُ به نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وإذا أُوتُوا هذا العلمَ كان حريًّا بغيرهم اتِّباعُهم(1)، وقد أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ خير الناس قرنُه مطلقًا؛ وهو الأمر الذي يقتضي تقديمَهم على غيرهم في كُلِّ بابٍ مِنْ أبواب الخير في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(2)، كما جَعَل اللهُ الهدايةَ للصراط المستقيم لا سبيلَ للخَلْق إليها إلَّا بما آمَنَ به معشرُ المؤمنين في قوله تعالى عن أهل الكتاب: ï´؟فَإِنغ، ءَامَنُواْ بِمِثغ،لِ مَاظ“ ءَامَنتُم بِهِغ¦ فَقَدِ ظ±هغ،تَدَواْï´¾ [البقرة: 137]، وجَعَل الضلالَ بالإعراض عن سبيل الهدى والإيمان ـ الذي طريقُه العلمُ والعمل ـ هو عينَ الشِّقاق، ويَلْزَم مِنَ المُشاقَّةِ مُحادَّةُ اللهِ ورسولِه وعداوتُهما، وبِئْسَ شِقُّ أهلِ الضلال والغواية وساءَ مَصيرُهم، ونِعْمَ شقُّ أهلِ الهدى والإيمانِ وحَسُنَ مَآلُهُم، واللهُ يكفيهم شرَّهم وكيدهم ومكرهم وعداوتهم؛ قال تعالى: ï´؟وَّإِن تَوَلَّوغ،اْ فَإِنَّمَا هُمغ، فِي شِقَاقظ–غ– فَسَيَكغ،فِيكَهُمُ ظ±للَّهُغ? وَهُوَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لغ،عَلِيمُ 137ï´¾ [البقرة].

    ومِنْ ذلك ما أوجب الله تعالى مِنْ متابعة السبيل الذي سَلَكه المؤمنون ـ وفي طليعتهم صحابةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في عقائدهم وأعمالهم، وما حرَّم مِنْ مخالفتهم فيها بعد ظهور الهدى والعلم بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية، وقد رتَّب اللهُ تعالى الوعيدَ على المُشاقِق المخالفِ بالتخلِّي عنه في الدنيا والعذابِ في الآخرة في قوله تعالى: ï´؟وَمَن يُشَاقِقِ ظ±لرَّسُولَ مِنغ¢ بَعغ،دِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ظ±لغ،هُدَىظ° وَيَتَّبِعغ، غَيغ،رَ سَبِيلِ ظ±لغ،مُؤغ،مِنِينَ نُوَلِّهِغ¦ مَا تَوَلَّىظ° وَنُصغ،لِهِغ¦ جَهَنَّمَغ– وَسَاظ“ءَتغ، مَصِيرًا 115ï´¾ [النساء]؛ إذ لا يخفى أنَّ لفظ «المؤمنين» في الآية يدخل فيه الصحابةُ الكرام رضي الله عنهم دخولًا أوَّليًّا.
    غير أنَّ العَجَب لا ينقطع مِنْ ذهنيةِ قومٍ مُنِحَتْ لها مسؤوليةُ الأمَّة، وجُمِعَتْ بين أيديها آليَّاتُ التغيير المادِّيةُ والبشرية طمعًا في الارتقاء إلى الأحسن ـ زعموا ـ تنشد ـ في قوالبها الدِّينية ـ التجديدَ ضِمْنَ المسلك الصوفيِّ المُنحرِف بمُختلَفِ طُرُقه وأحواله ومقاماته، وتأييدَ زواياه ومدارسِه المتفاوِتةِ في الفساد والإفساد، بدءًا مِنْ مدرسة الزهد وانحداراتها عن سُمُوِّ الإسلام بإحداثِ مفاهيمَ وسلوكياتٍ غريبةٍ عن الدِّين، واختلاقِ مصطلحاتٍ ما أَنْزَل اللهُ بها مِنْ سلطانٍ، وقد تبلغ بهم إلى حدِّ الوساوس والدَّرْوَشة والخرافة، ثمَّ مدرسة الكشف والمعرفة، إلى القول بوحدة الوجود، وإلى الاتِّحاد والحلول والفَناء، وإلى التواكل والركون إلى السلبية، وغيرها مِنْ ضلالات القوم الدخيلة على الإسلام في عقيدته وأحكامه.
    إنَّ التصوُّف ـ بأفكاره المنحرفة ومعتقداته الباطلة، وبمختلفِ مناهجه ومدارسِه ومسالكه ـ خطرٌ عظيمٌ على عقيدة التوحيد والعمل؛ فهو يشوِّه الإسلامَ في معانيه ومبانيه وعقيدتِه وشريعته مِنَ الداخل والخارج تشويهًا يخرجه عن جماله، ويعرِّيه عن حُسْنه ورونقه.

    بل التصوُّف قضاءٌ مُبْرَمٌ على العقيدة والفقه الإسلاميَّيْن، وانحرافٌ ظاهرٌ عن الصراط المستقيم، وانحدارٌ خطيرٌ عن دعوة الأنبياء والرُّسُل، وعن منهج الإسلام القائم على العلم والعمل ونشرِ التوحيد ونبذِ الشرك والبِدَع، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها ممَّا جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ دِين الإسلام، وقامَتْ عليه حجَّتُه ودعوتُه، وسار عليه صحابتُه الكرام رضي الله عنهم، ومَنِ انتهج منهجَهم مِنْ بعدِهم؛ فقَدْ أَثْبَت اللهُ لهم الخيريةَ على سائر الأمم ـ كما تقدَّم ـ ووَصَفهم بأنهم يأمرون بكُلِّ معروفٍ وينهَوْن عن كُلِّ منكرٍ في قوله تعالى: ï´؟كُنتُمغ، خَيغ،رَ أُمَّةٍ أُخغ،رِجَتغ، لِلنَّاسِ تَأغ،مُرُونَ بِظ±لغ،مَعغ،رُوفِ وَتَنغ،هَوغ،نَ عَنِ ظ±لغ،مُنكَرِ وَتُؤغ،مِنُونَ بِظ±للَّهِï´¾ [آل عمران: 110]، كما جَعَلهم شُهَداءَ الله على الناس في الأرض، وأقام شهادتَهم مَقامَ شهادة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في قولِه تعالى: ï´؟وَكَذَظ°لِكَ جَعَلغ،نَظ°كُمغ، أُمَّةظ— وَسَطظ—ا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاظ“ءَ عَلَى ظ±لنَّاسِ وَيَكُونَ ظ±لرَّسُولُ عَلَيغ،كُمغ، شَهِيدظ—اï´¾ [البقرة: 143]؛ فإنَّ الصحابة الكرام رضي الله عنهم ـ في هذه الآيةِ والتي قبلها ـ هم المُشافَهون ـ حقيقةً ـ بهذا الخطاب المبلَّغِ على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، شهادةَ حقٍّ وصدقٍ، ولا شيءَ يُعادِلُ شهادةَ الله تعالى لهم بذلك.
    هذا، وقد ازداد انحرافُ التصوُّف عن خطِّ الإسلام القويم في عقيدته وفقهه، وتوسَّعَتْ دائرةُ فساده وضررِه بما جَمَعه ونَشَره على مرِّ العصور وكرِّ الدهور مِنْ آفات المعتقدات والتزيُّدِ في الدِّين ومختلف الضلالات والحوادث التي تولَّدَتْ مِنْ جرَّاءِ ترك الاعتصام بحبل الله المتين وبمنهجه القويم؛ والمعلومُ أنَّ مَنْ تَرَك الاعتصامَ به وعَمَد إلى التخلِّي عنه كان عُرْضةً لجميع الآفات والبليَّات، وقد شبَّهه الله تعالى بمَنْ ï´؟خَرَّ مِنَ ظ±لسَّمَاظ“ءِ فَتَخغ،طَفُهُ ظ±لطَّيغ،رُ أَوغ، تَهغ،وِي بِهِ ظ±لرِّيحُ فِي مَكَانظ– سَحِيقظ– 31ï´¾ [الحج].
    ذلك لأنهم سألوا الهدايةَ وطلبوا الاستقامةَ في غير الكتاب والسنَّة، زاعمين أنَّ لهم علومًا خاصَّةً يتلقَّوْنها مِنَ الله مباشرةً دون واسطةٍ عن طريق الكشوفات
    والهواتف المزعومة، فضلًا عن دعوَى لقائهم بالأنبياء والأولياءِ حقيقةً وحسًّا، وعلى رأسهم الخَضِرُ الذي يتعلَّمون منه العلومَ اللدنية؛ الأمرُ الذي دَفَعهم إلى الاعتقاد بوجودِ حقيقةٍ تخالف الشريعة، وبالغلوِّ المُفْرِط في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والأولياء.
    ومِنْ أعظم العوامل المؤثِّرة ـ أيضًا ـ التي زادَتْ عقيدةَ المتصوِّفة فسادًا: اختلاطُ التصوُّف بجملةٍ مِنَ الفلسفات القديمة وتأثُّرُه بها، حتَّى أصبح التصوُّفُ ـ في عقيدته وسلوكه ـ مزيجًا مِنَ الفلسفة الهندية واليونانية والرهبانية وعقائدِ الشيعة(3) وغيرها.
    ومِنَ الآثار السيِّئة التي نَشَرها التصوُّفُ في هذه الأمَّة، وبان فيها خطرُه على عقيدتها ودِينها:
    ـ انتشار الوثنية وعبادة القبور، وذلك بقيام المتصوِّفة ببناء المساجد والقِباب على قبور الموتى، ودعوةِ الناس إلى زيارةِ أماكنها والتمسُّحِ بأعتابها، وصرفِ العبادات لأصحابها المدفونين، مِنْ دعاءٍ واستغاثةٍ وذبحٍ ونذرٍ وغيرها مِنَ العبادات التي لا يجوز صرفُها إلَّا لله تعالى.
    ـ انحراف الصوفية في التوحيد بإقحام وحدة الوجود في عقيدة الأمَّة، وأنَّ مفهوم التوحيد الحقيقي ـ في زعمهم ـ هو القول بوحدة الوجود، وما ترتَّب عليها مِنْ مضاعفاتٍ في تجويزِ كُلِّ شيءٍ موجودٍ في الكون، والقول بوحدة الأديان وغيرهما.

    ـ انحراف الصوفية في المحبَّة، واعتقادهم بحلول الله في خلقه ومسألة الفَناء وغيرها مِنْ آفات معتقداتهم.
    ـ تقسيم الدِّين إلى حقيقةٍ وشريعةٍ على نحوِ ما بيَّنْتُه في موضوعِ: «بدعة تقسيم الدِّين إلى حقيقةٍ وشريعةٍ وآثاره السيِّئة على الأمَّة»(4).
    ـ تعطيل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوَى أنَّ الكُلَّ ـ عندهم ـ معروفٌ وقَدَرٌ محبوبٌ، والاعتقاد بأنَّ مشايخهم يُحِلُّون لهم ما حرَّم الله عليهم، فضلًا عمَّا تنشره المتصوِّفةُ مِنْ حوادثِ الموالد والأذكار والصلوات المُبتدَعة وغيرها مِنَ الأفعال والصُّوَر والألوان والأحوال المشينة التي يمارسها الخرافيون منهم ويعتقدونها في كُلِّ العالَم، وهي محسوبةٌ على الإسلام ظلمًا وزورًا.
    فالحاصل: أنَّ دِينَ المتصوِّفة مبنيٌّ على دعاوَى مُختلَقةٍ كاذبةٍ متمثِّلةٍ في اعتقادهم أنَّ التوحيد الذي أرسل اللهُ به الرُّسُلَ وأنزل به الكُتُبَ فهو توحيد العوامِّ الذي يُعَدُّ ـ بالنسبة إليهم ـ شركًا بالله يترفَّعون عنه بزعمهم، وادِّعاؤهم عدمَ انقطاع الوحي، وأنَّ المشايخ مكشوفٌ عن بصيرتهم، وهُم أعلمُ بحقائق العلوم مِنَ الأنبياء، ويجوز لهم الخروجُ عن الشريعة والتمرُّدُ على أوامر الله ورسولِه؛ بناءً على تقسيم الدِّين ـ عندهم ـ إلى حقيقةٍ وشريعةٍ، فضلًا عن الغُلُوِّ المُفْرِط في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورفعِه مِنْ مرتبة البشرية ومقام العبودية والرسالة إلى مقام الألوهية والمعبودية، وغيرها مِنْ ضلالات القوم وبِدَعهم.
    الأمر الذي أفضى بالمتصوِّفة إلى تقديس أوليائهم ومشايخهم وتعظيم منزلتهم بالغُلُوِّ الزائد، في حياتهم وبعد وفاتهم: يخضعون لهم في طاعةٍ عمياءَ وحبٍّ أصمَّ، ويعترفون بذنوبهم بين أيديهم على طريقةِ أصحابِ صكوك الغفران عند النصارى، ويشيِّدون عليهم الأضرحةَ والقِبابَ بعد وفاتهم، ويشدُّون إليها الرِّحالَ ويتمسَّحون بها ويتوسَّلون لقضاء حوائجهم ـ زعموا ـ وهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ مِنَ المفاهيم والسلوكات والمُعتقَدات والشَّطَحات التي ابتدعوها في دِين الإسلام، متشبِّهين باليهود والنصارى كما أخبر النبيُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟!»(5)، ولا يخفى ما في هذه الحوادثِ والعوائد والمعتقدات مِنْ مخالفةٍ لجناب التوحيد، ومباينةٍ لِمَا دَعَا إليه الإسلامُ وما كان عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتُه الكرام رضي الله عنهم.
    وقد انقلب التصوُّفُ ـ بعدها ـ كسبًا مُرْبِحًا للمُشَعْوِذين والسَّحَرة والبطَّالين والدجَّالين، وطريقةً لتحضير الأرواح، وتجارةً مَهينةً للسُّفَهاء السافلين ومَنْ قلَّتْ بضاعتُهم في العلم الشرعيِّ ولا اشتغلوا به ولا دعَوْا إليه؛ فضَلُّوا وأَضَلُّوا وفَسَدوا وأفسدوا؛ فلا الإسلامَ نصروا ولا عدوًّا كسروا، ولا طاغيًا كافحوا ولا غاصبًا طردوا.
    وقد استغلَّ أعداءُ الإسلام والمُستعمِرون الحاقدون عليه طوائفَ المتصوِّفة لتشويهِ جمال الإسلام والقضاءِ على صفاء التوحيد، وتصيير المسلمين أطوعَ لسلطة الأعداء وأخضعَ إلى مأموريَّتِهم وأركنَ إلى السلبية؛ لئلَّا تقوم للمسلمين قائمةٌ.
    علمًا أنَّ المتصوِّفة لم يكن لهم موقفٌ عدائيٌّ تُجاهَ المستعمر المحتلِّ، بل موقفُ متعاوِنٍ خدومٍ لمصالح المُستعمِر ومنافعِه، سواءٌ في العالَمِ الإسلاميِّ عامَّةً أو في خصوصِ بلدنا هذا، والأدلُّ على ذلك أنَّ أتباع الطريقة التيجانية ساعدوا الجيوشَ الفرنسية بمختلف الوسائل الحربية مِنَ التجسُّس لهم وإرسالِ الأَدِلَّاء والقتالِ إلى جانب فرنسا ضِدَّ مُواطِنيهم مِنَ المسلمين، واعتُبِر ذلك عند مشايخ الصوفية واجبًا يُمليهِ الشرفُ ويَبْغون فيه الاحتسابَ عند الله تعالى(6).
    فهذه هي المواقف المخذولة للمتصوِّفة في هذه البلادِ وغيرها مِنْ بلدان العالَم، «مِنْ أجلِ ذلك يجب ألَّا نستغرب إذا رأينا المُستعمِرين يُغْدِقون على الصوفية الجاهَ والمال، فرُبَّ مفوَّضٍ سامٍ لم يكن يرضى أَنْ يستقبل ذوي القيمة الحقيقية مِنْ وجوه البلاد، ثمَّ تراه يسعى إلى زيارةِ حلقةٍ مِنْ حلقات الذكر، ويقضي هنالك زيارةً سياسيةً تستغرق الساعات؛ أليس التصوُّف الذي على هذا الشكلِ يقتل عنصرَ المقاومة في الأمم؟!»(7).
    ولا تزال جنايةُ الصوفية على الدِّين مُستمِرَّةً بهذه المواقفِ المخزية: يؤيِّدون الفسادَ أينما كان، ويَرْمُون غيرَهم بالباطل، ويتكيَّفون مع واقع الزمن الذي يعيشون فيه ولو بإيديولوجياتٍ مُستَوْرَدةٍ، مِنِ: اشتراكيةٍ أو ليبيراليةٍ أو ديمقراطيةٍ وأفكارٍ دخيلةٍ على المجتمع المسلم، ويدورون مع واقعهم المَعيش حيث دارَ، ويسايرونه كُلَّ مَسارٍ، سواءٌ كان الواقعُ مُوافِقًا للإسلام أو مخالفًا له، وسواءٌ كان قادةُ بلاد المسلمين وحُكَّامُهم مسلمين أو كُفَّارًا، وقد قال قائلُهم: «إنَّ الكُفَّار والمجرمين والفَجَرةَ والظلمة مُمتثِلون لأمر الله تعالى، ليسوا بخارجين عن أمره»(8).
    هذا، وإنَّ قومًا ممَّنْ يحملون الغِلَّ على أهل السنَّة يسعَوْن جاهدين إلى محاربةِ دعوة الكتاب والسنَّة على منهجِ سلف الأمَّة عقيدةً وشريعةً على نطاقٍ واسعٍ، باستخدامِ أساليب التضييق، سواءٌ على الدُّعَاة أو الأئمَّة أو رُوَّاد الدعوة إلى الله أو طلبة العلم بالتشويه والإقصاء، أو على منشوراتهم ومؤلَّفاتهم بالمنع والتشديد والمصادرة.
    في حينِ يفتحون المجالَ للتصوُّف ـ بأفكاره المنحرفة ومعتقداته الباطلة ـ واسعًا على مِصْراعَيْه، بعقد الندوات والمُلتقَيات، وإعداد البرامج والحِصَص المرئيَّةِ وغير المرئيَّة، وتخصيص الأغلفة المالية لتدعيمها وتقويتها، وتمكين الزوايا على ما فيها مِنْ بلايَا ورزايَا، فضلًا عن إرادة إحلال العقيدة الممزوجة بعقائد الفلاسفة وتُرَّهات المناطقة وتمحُّلات المتكلِّمين محلَّ عقيدةِ أهل السنَّة والجماعة، ليعقِّدوا العقيدةَ ويشوِّهوا صفاءَها وجمالها؛ فيُنشِئوا لهذه الأمَّةِ جيلًا خُرَافيًّا مُبتدِعًا ومتكلِّمًا، يُفْسِد عقيدةَ الأمَّة ويلوِّث صفاءَها ويهدم بنيانَها.
    وكان الأجدرُ بهم: ردَّ الأمَّة إلى منهج السنَّة القويم ومنهجِ السلف الصالح السليم، وتخليصَها مِنْ آثار الشُّبَه والشكوك والأفكار الهدَّامة والاتِّجاهات المُنحرِفة، وتجنيبَها طُرُقَ الباطل والغواية؛ ليصونوا الأمَّةَ مِنَ الهلكة والضلالة.
    ولكِنْ لا يزالون على ظلمهم سائرين، لا تردُّهم موعظةٌ ولا يزجرهم بيانٌ ولا برهانٌ، يبذلون قُصارَى جُهدهم ليتوصَّلوا إلى إطفاءِ نور الله بمقالاتهم الكاسدة: يردُّون بها الحقَّ، وقد تَكفَّل اللهُ تعالى بإشاعةِ نوره ونصرِ دِينه وإتمامِ الحقِّ الذي أرسل به نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ï´؟يُرِيدُونَ لِيُطغ،فِ‍ظ”ُواْ نُورَ ظ±للَّهِ بِأَفغ،وَظ°هِهِمغ، وَظ±للَّهُ مُتِمُّ نُورِهِغ¦ï´¾ [الصف: 8].
    نسأل اللهَ أَنْ يحفظ دِينَه، ويُعليَ كلمتَه، وينصر أولياءَه المؤمنين المُتَّقين، وأَنْ يثبِّتنا على الحقِّ المُبين، ويعصِمَنا مِنَ الزلل عند المِحَن، ويجنِّبنا الشرَّ والفِتَن، ما ظَهَر منها وما بَطَن؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
    وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
    الجزائر في: 10 صفر 1439ه
    الموافق ل: 30 أكتوبر 2017م
    هذا وليعلم المصفقون للأطفال بما فيهم الدكتور، أنه ينبغي لمن ينبري للرد أن يكون ذا علم ودراية، وخشية وكبير عناية، فالأمر ليس بالهين وقد قيل قديما:
    ياناطح الجبل العالي ليوهنه***أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل.

    يتبع بإذن الله تعالى.....
    وكتبه: العبد الفقير إلى عفو ربه المعترف بتقصيره وعظيم ذنبه أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
    التعديل الأخير تم بواسطة مكي المهداوي; الساعة 2019-02-03, 08:29 AM.

  • #2
    يرفع ليعلم أي الفريقين أولى بالحق وأجدر به.

    تعليق


    • #3
      يرفع ولا عزاء للصعافقة المعتدين المتعدين
      بارك الله فيك أخي عمرو

      تعليق


      • #4
        جزاكم الله خيرا -كاتب المقال ورافعه- ورفع الله قدركما في الدنيا والآخرة.

        تعليق


        • #5
          وفيك بارك الله أخي أبا الهيثم، وجزى الله أخي يوسف خير الجزاء ورفع قدره في الدنيا والآخرة.

          تعليق

          الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
          يعمل...
          X