بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال)[الرعد17]، والصلاة والسلام على النبي المفضال وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى انقضاء الآجال، أما بعد: ففي هذه الآية الكريمة ضرب الله مثلا للحق والباطل فشبه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والارواح، بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ماء كثيرا، كقلب كبير يسع علما كثيرا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا كقلب صغير يسع علما قليلا، وهكذا.
وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها، بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة.
كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حنى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصا صافيا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق (إن الباطل كان زهوقا) وقال هنا (كذلك يضرب الله الأمثال) ليتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال. (1)
وإن من الزبد الذي علا معين الحق في هذه الأيام، تلبيس جماعة الاحتواء أصحاب المنهج المطاطي ذلكم المنهج الأفيح الذي اتسع لكل مميع وسفيه ولكل معلن لعداء أهل السنة السلفيين، فأحببت تنبيه إخواني أن كلام القوم وفعالهم زبد سيذهب جفاء بإذن الله، ويذوب أهله كما ذاب كل من نصب العداء لأهل الحديث والسنة، ولا يبقى إلا حبل الله المتين.
وذي سنة الجبار في كل من غدا***يحارب دين الله في السر والجهر
ألم تدر أن الله ناصر دينه***وموقع أهل الخسر في دائرة الخسر
وكم قد سعى ساع لإطفاء نوره***بكيد فرد الله كيده في النحر
وذلك في كلمات مختصرات وسمتها بـ (رفع الغطاء عن مواقف أصحاب نهج الاحتواء) .ألم تدر أن الله ناصر دينه***وموقع أهل الخسر في دائرة الخسر
وكم قد سعى ساع لإطفاء نوره***بكيد فرد الله كيده في النحر
وبين يدي البيان تذكرة وتوجيه لنفسي ولإخواني فأقول: لكل من طلب النجاة وأراد سبيلها، عليك بتقوى الله فإنه من اتق الله أتى بأعظم سبب معين على التفريق بين الحق والباطل قال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم)[الأنفال 29]، فتقوى الله كما ترى تثمر ثمرات جليلة منها أن يرزق المرء علما وهدى يفرق بهما بين الحق والباطل.
ــ الاعتصام بالكتاب والسنة أمان من الفتن قال تعالى:(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ) رواه الإمام مالك وبن ماجة.
قال ابن عبد البر رحمه الله :
" وَهَذَا مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ أَحَادِيثُ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ " انتهى من "التمهيد" (24/ 331)
وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (2937)
ــ ومن الأسباب أيضا الدعاء قال تعالى(وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ". [رواه الترمذي وحسنه الألباني ].
ــ ومنها أيضا مصاحبة الصالحين قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، وقال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا)، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم [عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ]. رواه ابن ماجة وصححه الألباني صحيح، ابن ماجة (2363).
ومنها تدبر الكلام المقيل وعرضه على ميزان الشرع فإن على الحق نورا وإن المبطلين لا بد أن يظهر ما في قلوبهم، ويتبين بفلتات ألسنتهم، فإن الألسن مغارف القلوب يظهر منها ما في القلوب من الخير والشر(2) قال تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم).[محمد30]
ودونك أيها القارئ اللبيب ما يزيل عن بصرك الغشاوة، فتعلم من خلال ما أرقم لك إن شاء الله أن ما عليه القوم باطل تعلوه طلاوة، وطريق مظلم وعر مؤداه إلى التعاسة والشقاوة، وذلك بعرض شيء من مواقف علمائنا، وشيء من مواقف جماعة الاحتواء على شكل مقارنة بين الموقفين، ويبقى الحكم للقارئ المنصف العري عن الهوى.
1ـ الموقف الأول:
ــ موقف المشايخ السلفيين وعلى رأسهم الشيخ فركوس والشيخ عبد المجيد والشيخ لزهر حفظ الله الجميع، من عبد المالك رمضاني والمتمثل في: هجره وإبعاده والتحذير منه بعد نصحه والبيان له.
ــ موقف جماعة الاحتواء مع الشخص نفسه وذلك باستضافته وتوقيره والاجتماع به وقبول شروطه، وغض الطرف عن مخالفاته والتستر عما بدر منه.
2ـ الموقف الثاني:
ــ توقير مشايخنا للعلماء، وتعريف الأمة بهم وشكر سعيهم، وربط العامة بما هم عليه من الهدى ودين الحق، ونصرة الدين وأهله ظاهرا وباطنا، وكلام شيخنا أبي عبد الله لزهر سنيقرة حفظه الله في تعريف الناس بالشيخين وغيرهما من علماء الأمة والدفاع عنهم، منشور مشهور قبل الفتنة وبعدها لا ينكره إلا متلون مفتون.
ــ سماع الطعن على الشيخين، في المجلس المشؤوم الذي عقد لعبد المالك الجاني والتستر عليه مدة تزيد على السنة والنصف، ومنهم من كان لا يعرف الشيخين إلا في أيام الفتنة، فلا يخفى حالهم كما لا يخفى حاملهم على التمسح بالشيخين.
ومن قبيح ما هم عليه طعنهم على فضيلة شيخنا العلامة محمد بن هادي المدخلي كذبا وزورا، والتبرؤ منه ومن مشايخ السنة في بلدنا الجزائر حرسها الله وبلاد المسلمين، وذلك في بيان: (براءة الذمة)، الذي وقعوا فيه على الكذب الصراح، نسأل الله العافية والسلامة.
3ـ الموقف الثالث:
ــ ثبات مشايخنا على ما قالوه أولا، والبعد عن التلون والروغان، والفجور وسيء الأخلاق.
ــ تذبذب القوم وتلونهم بل وكذبهم كما في بيان (إحقاقا للحق) الذي زعموا فيه أنهم لم يطعنوا على الشيخ فركوس حفظه الله كذبا وزورا، وطعون عبد الخالق في مشايخ الجزائر قد قرعت آذان الآلاف من الناس وبدا لكل من له أدنى مسكة من عقل مدى حنق الرجل على أهل السنة، حتى وصل به ذلك إلى قول كلام بارد خارج عن العلم والأدب فقال عن الشيخ الفاضل عبد المجيد جمعة أنه التقى بالشيخ الجليل وإن رغم أنف عبد الخالق وكل أنوف المميعة والصعافقة محمد بن هادي حفظه الله ووفقه، أنه أعطاه ثمانية حقن (شكك) هنا هنا وفي ظهره كما قالها بلغة الشوارع فإلى الله المشتكى.
4ـ الموقف الرابع:
ــ سير علمائنا على أصول وقواعد هذا المنهج المبارك، تلكم القواعد التي سار عليها أئمة الحديث والسنة، كقاعدة: (الجرح المفسر مقدم على التعديل المبهم) وقاعدة )بلدي الرجل أدرى به)، وكذلك قاعدة (الهجر) إما تأديبا أو وقاية كما هو مقرر عند أهل السنة، ولو جاء في عبارة الشيخ الفركوس (التهميش) فمراده الهجر الشرعي بضوابطه التي وفق الله الشيخ فجعلها رسالة مفردة معنونة بـ(ضوابط هجر المبتدع) راجعها تستفد. وإن شئت فقل: تهميش القوم بمعنى تجاهلهم واعتزالهم. فالهجر والاعتزال والمفارقة والمجانبة بمعنى راجع تفسير قوله تعالى: (وأعتزلكم وما تعبدون من دون الله) للأئمة البغوي والقرطبي وابن كثير وغيرهم رحم الله الجميع.
ــ رد القوم للقواعد المعلومة المعروفة المحفوظة والتمسك بكلام شيخ كريم من مشايخ السنة ينفي العصمة عن نفسه حفظه الله ورعاه ولا يزال مذ عرفناه يحذر من التقليد ويدع الناس إلى الأخذ بالحق ورد قوله إن خالف ما عليه أئمة الاسلام والسنة، وقد حان وقت العمل، فيقال: شيخنا بالأمس هو شيخنا اليوم وهو الذي تعلمنا منه تعظيم الشريعة والتعصب لها ورد أقوال المخالف كائنا من كان مع حفظ كرامته والإبقاء على إمامته ونصيحته والبيان والدعاء له، فاللهم بصرنا وشيخنا ووفقنا وإياه لما فيه رضاك، آمين.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد حتى استطال إلى ابتداع قواعد ما أنزل الله بها من سلطان كقاعدة (طعنك في بطانة العالم طعن في العالم).
5ـ الموقف الخامس:
ــ رجوع علمائنا عما يحتمل الطعن وغيره، وعدم الرضا بما يحتمل الطعن فضلا عن الطعن، كما حصل مع الشيخ الكريم لزهر سنيقرة حفظه الله وسدده، فهو مع ما بينه أن المراد والمقصود في كلامه إنما هم البطانة، تراجع وقال: إن كان يفهم منه الطعن في شيخنا فإني أتوب إلى الله منه، وفي وقتها قال الشيخ عبد المجيد حفظه الله عن كلام أخيه: (هذا كلام لا ينبغي)، وهذا من كريم خصالهم وفقهم الله لما يحبه ويرضاه.
ــ تمادي القوم في الباطل والطعن بالكذب على المشايخ الفضلاء وتلفيق التهم لهم، والإصرار على الباطل كما صنعوا مع فضيلة الشيخ محمد بن هادي المدخلي وفقه الله، فلا يعلم للقوم تراجع عن كذبهم على الشيخ وطعنهم بالباطل عليه وهذا قمة الإصرار على الباطل، وكذبهم وقع عليه ثمانية هم أكابر القوم وقالوا سمعناه بآذاننا، فلا إله إلا الله الذي أحيانا حتى رأينا التوقيع على الكذب الصراح ممن يظن بهم العلم والصلاح.
فإن قال قائل: قد كتبوا مقالا جعلوا في حاشيته كلاما يوهم أنه تراجع. فيقال لا يقبل حتى يكون تراجعا صريحا يبلغ ما بلغه البيان الموقع فيه على الكذب أو قريبا منه كما هو مقرر في بابه.
6ـ الموقف السادس:
ــ تحذير علمائنا من أهل البدع ومن مصاحبتهم وذلك في مجالسهم وخطبهم وكتاباتهم، وهذا يعرفه كل من جلس إلى مشايخنا، لا يكاد ينكره إلا حاقد ملبس مخذول.
ــ مصاحبة جماعة الاصلاح للمبتدعة وأهل الضلال، والإحالة عليهم والتهوين من منهجهم، كما صنعوا مع أبي الحنفية عابدين فمنهم من يقول هو مني وأنا منه وهو عبد الخالق، ومنهم من يحيل عليه للإجابة على الأسئلة وهو عز الدين رمضاني، وكذلك مصاحبة كثير من المرضى ممن يماشونهم ويزكونهم ويحاضرون في مساجدهم، ثم يبرر أحدهم لمواقفه بأنه قد يمنع من المحاضرة ونشر الخير لمجرد وجود مصل منحرف في ذلكم المسجد، وهذا كلام لا يقول به من له أدنى دراية بأصول هذا المنهج المبارك، وهذا تلبيس على عامة أهل السنة وغش لهم فقياس الإمام المنحرف في مسجده على مصل في مسجد ما قياس مع الفارق، كما هو ظاهر، فمجرد حضور من يظن به العلم والصلاح والإمامة في الدين عند ذلكم الإمام المنحرف يحمل الناس على إحسان الظن بأعداء الشريعة الغراء، ويحمل أهل العلم على إساءة الظن بالنازل على أهل البدع جريا على أصول وقواعد أهل الحديث، قال الأوزاعي كما في الإبانة لابن بطة العكبري: ((من ستر علينا بدعته لم تخُف علينا ألفته)).
قال الشيخ أحمد بن يحي النجمي رحمه الله تعالى: هذا واضح: ((من ستر عنا بدعته لم تخف علينا ألفته))، يعني إذا كان يستر بالبدعة فإن أُلْفَتَهُ أي الناس الذين يألفهم ويميل إليهم يتبين لنا منهم أنه من المبتدعة، إذا كان يألف المبتدعين ويميل إلى المبتدعين يتبين من هذا أنه مبتدع، نعم.
السائل: يا شيخ سؤال: هل يُفهم من هذا الأثر أن الشخص إذا لم تُعرف حاله ولا يُدرى عن مذهبه وكان جلساؤه وخِبَّتُهُ أهل الأهواء والبدع فإنه يحكم عليه بالبدعة ويُنسب إليهم.؟
الشيخ: نعم هذا هو ........
الشيخ: قالوا مدخله وصحبته وإلْفُهُ من الناس هذه تبين، يعني مَدْخَلُهُ: إذا دخل عند أناس من أهل البدع عُرِفَ أنه مبتدع، ولما سمع أهل الحديث بأن رجلاً ممن ينسب إلى الحديث أنه قادم، ويعني لا يدرون هل هو صحيح العقيدة والمذهب أو أنه مبتدع فقال أحد المشائخ في زمنه: أنظروا على من يدخل ومن يألف ومن يصاحب وكلام
نحو هذا، فتبين بعد ذلك بأنه قدم على المبتدعة وصاحبهم، نعم.
المصـــــــــدر:
http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=360109.
7ـ الموقف السابع:
ــ إن الناظر المتأمل في كلام مشايخ السنة وعلى رأسهم الشيخ فركوس حفظه الله ليظهر له جليا رسوخ قدم الشيخ في علم الشريعة بما فيه ما يتعلق بمسائل العقيدة الاسلامية الصحيحة تلكم العقيدة السلفية الصافية الواضحة، ولا أدل على ذلك من تلكم الفتاوى السديدة التي سارت بها الركبان الدالة على عمق علم الشيخ وفقه الله تعالى وختم لنا وله بخير.
ــ وأما القوم فخلطهم في مسائل العلم وتعالمهم فقد بان للعيان ظاهرا، فمن ناف صفة العين عن ربه، إلى طاعن على خير صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، إلى مدافع عن الباطل وأهله، إلى منافح عمن بدا للناس جهله وتخبطه، وكل ذلك إما مسجل بصوت صاحبه، وإما خطه بيمينه ليفضح نفسه بعد أن ستره الله، فاللهم أدم علينا سترك ولا تفضحنا بين خلقك وثبتنا اللهم على دينك القويم إلى يوم نلقاك. آمين.
8ـ الموقف الثامن:
ــ إن من الخصال الحميدة التي اتصف بها مشايخنا التنزه عن ذكر أمور لا تعود على الدعوة السلفية إلا بعائدة السوء، وغض الطرف عما ينبغي غض الطرف عنه، والصبر على المخالف وبذل النصح له والتأني والبعد عن الطيش والعجلة، وهي صفات كريمة اتصف بها أئمة الاسلام والسنة منهم العلامة المجاهد فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي وفقه الله وحفظه، واعلم أن هذه الصفات إنما يتصف بها كبار النفوس، وليس لجماعة التمييع والاحتواء فيها نصيب.
ــ وأما شرذمة المتعالمين فقد ارتقوا مرتقا صعبا وذلك بما سودوه في طليعتهم المشؤومة التي كفانا مؤنتها أخونا الشيخ ابراهيم البويران وفقه الله وسدد رميه، وإلا فأين كانت كتيبة السوء طيلة هذه المسيرة العلمية الحافلة بالتحقيق ونصرة السنة من الشيخ العلامة محمد علي فركوس،، فهل حملكم على صنيعكم القبيح نصرة الدين؟ أم بيان الخطأ وتبصير الثقلين؟ أم الهوى والحنق الدفين؟ فيقال لغلمان السوء ومن نحا نحوهم:
يَا نَاطَحَ الْجَبَلِ الْعَالِي لِيَكْلُمَهُ***أَشْفِقْ عَلَى الرَّأْسِ لَا تُشْفِقْ عَلَى الْجَبَلِ
وهذا لا يضير شيخنا الكريم كما لا يضر إخوانه من المشايخ الفضلاء فضلا أن يمس هذه الدعوة المباركة بسوء، ودون كل سلفي الكريم ما يسليه ويفرحه، ويذهب وحشته فإن السالك الوحيد تزول وحشته إذا التقى بشريف يرافقه، ونحن على هذا السبيل مع خلق كثير هم أشرف هذه الأمة وخيرها، قال بن عبد البر رحمه الله:فَقَدْ رَأَيْنَا الْبَاطِلَ وَالْبَغْيَ وَالْحَسَدَ أَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ قَدِيمًا أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : إِنَّهُ لَا يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ وَلَا يَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ ، وَسَعْدٌ بَدْرِيُّ وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَأَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الشُّورَى فِيهِمْ ، وَقَالَ : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ، وُقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : يَا رَبِّ اقْطَعْ عَنِّي أَلْسُنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يَا مُوسَى لَمْ أَقْطَعْهَا عَنْ نَفْسِي فَكَيْفَ أَقْطَعُهَا عَنْكَ ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَاللَّهِ لَقَدْ تَجَاوَزَ النَّاسُ الْحَدَّ فِي الْغِيبَةِ وَالذَّمِّ فَلَمْ يَقْنَعُوا بِذَمِّ الْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ وَلَا بِذَمِّ الْجُهَّالِ دُونَ الْعُلَمَاءِ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ وَالْحَسَدُ ، قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : فُلَانٌ يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَأَنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُّقَيَّاتِ :
حَسَدُوكَ أَنْ رَأَوْكَ فَضَّلَكَ اللَّـ ـهُ بِمَا فُضِّلَتْ بِهِ النُّجَبَاءُ
وَقِيلَ لِأَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ : فُلَانٌ يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ : هُوَ كَمَا قَالَ نُصَيْبٌ :سَلِمْتِ وَهَلْ حَيٌّ عَلَى النَّاسِ يَسْلَمُ***
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ :
حَسَدُوا الْفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ***فَالنَّاسُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ
. (3)ومن صفات جماعة الاحتواء القبيحة تحريشهم بين العلماء والسعي في تشويه صورة من ثبت على السنة والهدى، بالكذب والفجور والتلفيق ونقل ما يحتمل الطعن وهذه هي النميمة المحرمة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو إفساد ذات البين وأي إفساد أكبر من إفساد ذات بين العلماء فإلى الله المشتكى، وقد ظفروا بكلمات من هنا وهناك في مشايخنا ونحن لا نعدوا أن نقول ما قاله بن عبد البر رحمه الله نعالى:
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ فَلْيَقْبَلْ قَوْلَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا وَخَسِرَ خُسْرَانًا ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلَ عِكْرِمَةَ ، وَفِي الشَّعْبِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَفِي مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَنْ يَفْعَلَ إِنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ فَلْيَقِفْ عِنْدَ مَا شَرَطْنَا فِي أَنْ لَا يَقْبَلَ فِيمَنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَعَلِمْتَ بِالْعِلْمِ عِنَايَتَهُ ، وَسَلِمَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَزِمَ الْمُرُوءَةَ وَالتَّصَاوُنَ وَكَانَ خَيْرُهُ غَالِبًا وَشَرُّهُ أَقَلُّ عَمَلِهِ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ قَائِلٍ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ :
بَكَى شَجْوَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ عُلَمَائِهِ***فَمَا اكْتَرَثُوا لَمَّا رَأَوْا مِنْ بُكَائِهِ
فَأَكْثَرُهُمْ مُسْتَقْبِحٌ لِصَوَابِ مَنْ***يُخَالِفُهُ مُسْتَحْسِنٌ لِخَطَائِهِ
فَأَيُّهُمُ الْمَرْجُوُّ فِينَا لِدِينِهِ***وَأَيُّهُمُ الْمَوْثُوقُ فِينَا بِرَأْيِهِ
فَأَكْثَرُهُمْ مُسْتَقْبِحٌ لِصَوَابِ مَنْ***يُخَالِفُهُ مُسْتَحْسِنٌ لِخَطَائِهِ
فَأَيُّهُمُ الْمَرْجُوُّ فِينَا لِدِينِهِ***وَأَيُّهُمُ الْمَوْثُوقُ فِينَا بِرَأْيِهِ
وَالَّذِينَ أَثْنَوْا عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَلَى سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَوْا وَقَدْ جَمَعَ النَّاسُ فَضَائِلَهُمْ وَعُنُوا بِسِيَرِهِمْ وَأَخَبَارِهِمْ ، فَمَنْ قَرَأَ فَضَائِلَهُمْ وَفَضَائِلَ مَالِكٍ وَفَضَائِلَ الشَّافِعِيِّ وَفَضَائِلَ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعُنِيَ بِهَا ، وَوَقَفَ عَلَى كَرِيمِ سِيَرِهِمْ وَسَعَى فِي الْإِقْتِدَاءِ بِهِمْ ، وَسَلَكَ سَبِيلِهِمْ فِي عِلْمِهِمْ وَفِي سَمْتِهِمْ وَهْدَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَمَلًا زَاكِيًا نَفَعَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحُبِّهِمْ جَمِيعِهِمْ قَالَ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ إِلَّا مَا نَذَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ عَلَى الْحَسَدِ وَالْهَفَوَاتِ وَالْغَضَبِ وَالشَّهَوَاتِ دُونَ أَنْ يَعْنِيَ بِفَضَائِلِهِمْ وَيَرْوِي مَنَاقِبَهُمْ حُرِمَ التَّوْفِيقَ وَدَخَلَ فِي الْغِيبَةِ وَحَادَ عَنِ الطَّرِيقِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِمَّنْ يَسْمَعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ وَقَدِ افْتَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، وَفِي ذَلِكَ كِفَايَةٌ وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ الْقَوْلِ فِي الْحَسَدِ نَظْمًا وَنَثْرًا وَقَدْ بَيَّنَّا مَا يَجِبُ بَيَانُهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ عِنْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَأَفْرَدْنَا لِلنَّظْمِ وَالنَّثْرِ بَابًا فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ وَمَنْ صَحِبَهُ التَّوْفِيقُ أَغْنَاهُ مِنَ الْحِكْمَةِ يَسِيرُهَا وَمِنَ الْمَوَاعِظِ قَلِيلُهَا إِذَا فَهِمَ وَاسْتَعْمَلَ مَا عَلِمَ ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.(4)
هذا ما جرى به القلم من تلكم المواقف المشرفة من علمائنا والأخرى المخزية من جماعة الاحتواء المسموعة والمرئية والمكتوبة والمنقولة عن الثقات وكل واحدة منها تكفي المرء في اتخاذ موقف حازم من فاعله، والموفق من وفقه الله تعالى وفي الختام أقول لأهل السنة قاطبة اعتنوا بالوحيين بفهم السلف الماضين وإياكم ومحدثاة الأمور.
ومن يحي سنات الرسول وهديه***يهيئ له الرحمن من أمره يسرا
ويعظم له أجرا ويرفع ذكره***ويبلغه آمالا ويشرح له الصدرا
ومن رام من أعدائه أن يكيده***ببغي فإن الله يمنحه النصرا
ومن ينصر الرحمن ينصره عاجلا***وينصره يوم الحشر في النشأة الأخرى
ويعظم له أجرا ويرفع ذكره***ويبلغه آمالا ويشرح له الصدرا
ومن رام من أعدائه أن يكيده***ببغي فإن الله يمنحه النصرا
ومن ينصر الرحمن ينصره عاجلا***وينصره يوم الحشر في النشأة الأخرى
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وكتبه: العبد الفقير إلى عفو ربه أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي عفا الله عنه وعن والديه والمسلمين
(1)ـ تفسير الآية 17 من سورة الرعد للإمام عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى.
(2)ـ تفسير الآية 30 من سورة محمد المصدر السابق.
(3)ـ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر رحمه الله ـ نقلا عن الشبكة ـ
(4)ـ المصدر السابق.
تعليق