إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رفع الإشكال عن تذكير (قريب) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾[الأعراف:56]

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رفع الإشكال عن تذكير (قريب) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾[الأعراف:56]

    <بسملة1>


    رفع الإشكال

    عن تذكير (قريب) من قوله تعالى:

    ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾


    الحمد لله رب العالمين إله الأولين والآخرين أنزل كتابه هداية للناس أجمعين، وحفظه من أن تمسه أيدي المحرفين والمشككين، فكلما ظهر قرن محرف أو مشكك قطع، وكلما أثير إشكال رفع.
    والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:
    لا زال بُعد الناس عن زمن اللغة العربية الفصيحة القحة يثير الإشكال حول بعض آيات القرآن الكريم التي يظهر للمشككين مخالفتها للغة، وهي عند التأمل والتدقيق موافقة لها، ومما أثير من الإشكالات إشكالُ التذكير في لفظ (قريب) وهو صفة للفظ (رحمت) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾[الأعراف:56]. وفي الآيات الأخرى من القرآن الكريم وفي الأحاديث توصف ويشار إليها بالتأنيث مثل قوله تعالى: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام:147] وقوله: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾[آل عمران:107] وقوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون ﴾ [الأعراف:156] وفي قوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي" [رواه البخاري:7453]
    في هذا المقال سأسرد أقوال المفسرين واللغويين في رفع هذا الإشكال وتبيين الراجح منها مخللا بعض الأقوال بما اعترض عليها وذلك من خلال الإجابة عن السؤالين الآتيين:
    - ما هي أقوال المفسرين في رفع الإشكال المذكور أعلاه؟
    - ما هو الراجح من تلك الأقوال؟
    أولا: ذكر الأقوال:
    اختلف المفسرون واللغويون في رفع الإشكال المذكور على اثني عشر قولا:
    القول الأول: (قريب) في الآية هو فعيل بمعنى فاعل، فكان حقه أن يكون بالتاء ولكنهم أجروه مجرى فعيـل بمعنى مفعـول فلم يلحقوه التاء؛ كما جـرى فعيـل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقه التاء؛ كما قالوا خصلة حميدة وفعلة ذميمة بمعنى محمودة ومذمومة فحملوا على جميلة وشريفة في لحاق التاء فحملوا قريبا على امرأة قتيل وكف خضيب وعين كحيل في عدم إلحاق التاء حملا لكل من البابين على الآخر."(1 )
    واعترض ابن القيم على هذا القول بثلاثة اعتراضات:
    أحدها: أن ذلك يستلزم التسوية بين اللازم والمتعدي، فإن فعيلا بمعنى مفعول بابه الفعل المتعدي، وفعيلا بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم؛ لأنه غالب ما يأتي من فعل المضموم العين، فلو جرى على أحدهما حكم الآخر لكان ذلك تسوية بين اللازم والمتعدي وهو ممتنع.
    الاعتراض الثاني: أن هذا إن ادعي على وجه العموم فباطل، وإن ادعي على سبيل الخصوص فما الضابط وما الفرق بين ما يسوغ فيه هذا الاستعمال وما لا يسوغ؟
    الاعتراض الثالث: أن العرب قد نطقت في ( فعيل ) بالتاء وهو بمعنى ( مفعول ) وجردته من التاء وهو بمعنى فاعل ...( 2)
    القول الثاني: أن (رحمت) في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى، فالرحمة بمعنى الإحسان والغفران والثواب والعفو...، و(قريب) نعت له في المعنى دون اللفظ.( 3)
    قال ابن القيم: (( وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين:
    أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه لجاز أن يقال: كلمتني زيد، وأكرمتني عمرو، وكلمني هند وأكرمني زينب، تأويلا لزيد وعمرو بالنفس والجثة وتأويلا لهند وزينب بالشخص والشبح. وهذا باطل، وهذا الاعتراض غير لازم، فإنهم لم يدّعوا اطراد ذلك وإنما ادّعوا أنه مما يسوغ أن يستعمل، وفرق بين ما يسوغ في بعض الأحيان وبين ما يطرد، كرفع الفاعل ونصب المفعول، وهم لم يدعوا أنه من القسم الثاني.
    ثم إن هذا الاعتراض مردود بكل ما يسوغ استعماله بمسوغ وهو غير مطرد وهو أكثر من أن يذكر هاهنا ولا ينكره نحوي أصلا، وهل هذا إلا اعتراض على قواعد العربية بالتشكيكات والمتناقضات؟ وأهل العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك، فلو أنهم قالوا يجوز تأويل كل مؤنث بمذكر يوافقه وبالعكس لصح النقض، وإنما قالوا يسوغ أحيانا تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمنها التأويل كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرحمة بالإحسان.
    الاعتراض الثاني: أن حمل الرحمة على الإحسان إما أن يكون حملا على حقيقته أو مجازه وهما ممتنعان. فإن الرحمة والإحسان متغايران لا يلزم من أحدهما وجود الآخر، لأن الرحمة قد توجد وافرة في حق من لا يتمكن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها. وقد يوجد الإحسان ممن لا رحمة في طباعه كالملك القاسي فإنه قد يحسن إلى بعض أعدائه وغيرهم لمصلحة ملكه مع أنه لا رحمة عنده. وإذا تبين انفكاك أحدهما عن الآخر لم يجز إطلاقه عليه لا حقيقة ولا مجازا. أما الحقيقة فظاهر. وأما المجاز: فإن شرطه خطور المعنى المجازي بالبال ليصح انتقال الذهن إليه فإذا كان منفكا عن الحقيقة لم يخطر بالذهن.
    وهذا الاعتراض أفسد من الذي قبله. وهو من باب التعنت والمناكدة.
    وأين هذا من قول أكثر المتكلمين- ولعل هذا المعترض منهم-: أنه لا معنى للرحمة غائيّا إلا الإحسان المحض. وأما الرقة والحنان التي في الشاهد فلا يوصف الله بها، وإنما رحمته مجرد إحسانه، ومع أنا لا نرتضي هذا القول بل نثبت لله تعالى الرحمة حقيقة كما أثبتها لنفسه منزهة مبرأة عن خواص صفات المخلوقين كما نقوله في سائر صفاته من إرادته وسمعه وبصره وعلمه وحياته وسائر صفات كماله- فلم نذكره إلا لنبين فساد اعتراض هذا المعترض على قول أئمته ومن قال بقول المتكلمين.
    ثم نقول: الرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته، استلزام الخاص للعام، فكما يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته يستحيل وجودها.
    وأما قضية الأم العاجزة: فإنها وإن لم تكن تقدر على الإحسان بالفعل فهي محسنة بالإرادة فرحمتها لا تنفك عن إرادتها التامة للإحسان التي يقترن بها مقدورها إما بدعاء وإما بإيثار بما تقدر عليه ونحو ذلك، فتخلف بعض الإحسان الذي لا تقدر عليه عن رحمتها لا يخرج رحمتها عن استلزامها للإحسان المقدور وهذا واضح وأما الملك القاسي إذا أحسن فإن إحسانه لا يكون رحمة فهذا لأن الإحسان أعم من الرحمة والأعم لا يستلزم الأخص، وهم لم يدعوا ذلك فلا يلزمهم.
    وأيضا فإن الإحسان قد يقال إنه يستلزم الرحمة وما فعله الملك المذكور ليس بإحسان في الحقيقة، وإن كانت صورته صورة الإحسان.
    وبالجملة: فالعنت والمناكدة على هذا الاعتراض أبين من أن يتكلف معه رده وإبطاله. ))(4 )
    القول الثالث: إن (رحمت) في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف، فكأنه قال: إن مكان الرحمة قريب من المحسنين، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره.( 5)
    ورده ابن القيم قائلا: (( وهذا المسلك ضعيف جدا؛ لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لا يسوغ ادعاؤه مطلقا، وإلا لالتبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة. إذ ما من لفظ أمر أو نهي أو خبر متضمن مأمورا به ومنهيا عنه ومخبرا إلا ويمكن على هذا أن يقدر له لفظ مضاف، يخرجه عن تعلق الأمر والنهي والخبرية، فيقول الملحد في قوله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97]، أي معرفة حج البيت. ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ [البقرة:183]، أي معرفة الصيام. وإذا فتح هذا الباب فسد التخاطب وتعطلت الأدلة، وإنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة، كما إذا قيل: أكلت الشاة، فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس، وكذلك إذا قلت: أكل فلان كد فلان إذا أكل ماله، فإن المفهوم أكل ثمرة كده، فحذف المضاف هنا لا يلبس ونظائره كثيرة.
    وإذا عرفت هذا فقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾ ليس في اللفظ ما يدل على إرادة موضع ولا مكان أصلا، فلا يجوز دعوى إضماره بل دعوى إضماره خطأ قطعا. لأنه يتضمن الإخبار بأن المتكلم أراد المحذوف ولم ينصب على إرادته دليلا لا صريحا ولا لزومها. فدعوى المدعي أنه أراده: دعوى باطلة. ))(6 )
    القول الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كأنه قال: إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين، أو أمر قريب."( 7)
    وعلى هذا القول حمل سيبويه قولهم للمرأة: حائض وطامث وطالق. فقال: كأنهم قالوا: شيء حائض وشيء طامث( 8).
    ورده ابن القيم قائلا: (( وهذا المسلك أيضا ضعيف لثلاثة أوجه:
    أحدها: أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما يحسن بشرطين أن تكون الصفة خاصة يعلم ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره.
    الثاني: أن تكون الصفة قد غلب استعمالها مفردة على الموصوف كالبر والفاجر والعالم والجاهل والمتقي والرسول والنبي ونحو ذلك مما غلب استعمال الصفة فيه مجردة عن الموصوف، فلا يكاد يجيء ذكر الموصوف معها، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم﴾ [الانفطار:13-14]. وقوله:﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون﴾ [الذاريات:15]، وقوله:﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:35]، وقوله: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [البقرة: 254]، وهو كثير جدا في القرآن وكلام العرب. وبدون ذلك لا يحسن الاقتصار على الصفة؛ فلا يحسن أن تقول: جاءني طويل ورأيت جميلا أو قبيحا، وأنت تريد جاءني رجل طويل ورأيت رجلا جميلا أو قبيحا، ولا تقول سكنت في قريب، تريد في مكان قريب مع دلالة السكنى على المكان.
    الثاني: أن الشيء أعم المعلومات فإنه يشمل الواجب والممكن، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحا بليغا فضلا عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأي فصاحة وبلاغة في قول القائل في حائض وطامث وطالق: شيء حائض وشيء طامث وشيء طالق؟ وهو لو صرح بهذا لاستهجنه السامع، فكيف يقدر في الكلام معه أنه لا يتضمن فائدة أصلا؟ إذ كونه شيئا أمر معلوم عام لا يدل على مدح ولا ذم ولا كمال ولا نقصان.
    الوجه الثالث: أن طالقا وحائضا وطامثا إنما حذفت تاؤه لعدم الحاجة إليها، فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكر والمؤنث في محل اللبس، فإذا كانت الصفة خاصة بالمؤنث فلا لبس، فلا حاجة إلى التاء، هذا هو الصواب. ))( 9)
    القول الخامس: أن هذا من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه، أي: لما أضاف المؤنث إلى المذكر أخرجه على مخرج المذكر. كقول الشاعر:
    لَمَّا أتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ *** سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ( 10)
    فأنث (السور) المضاف إلى المدينة، لتأنيث المضاف إليه، مع أن التذكير أصل والتـأنيث فرع فحمل الأصل على الفرع، فلأن يجوز تذكير المؤنث لإضافته إلى غير مؤنث أولى، لأنه حمل للفرع على الأصل(11 ).
    قال ابن القيم: (( وهذا المسلك- وإن كان قد ارتضاه غير واحد من الفضلاء- فليس بقوي، لأنه إنما يعرف مجيئه في الشعر، ولا يعرف في الكلام الفصيح منه إلا النادر، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. والذي قواه هاهنا شدة اتصال. )) ( 12)
    القول السادس: أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر، لكونه تبعا له ومعنى من معانيه، فإذا ذكر أغنى عن ذكره لأنه يفهم منه؛ فالأصل في الآية: إن الله قريب من المحسنين، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين. فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ذلك ظهور المعنى. ذكر هذا القول ابن القيم واستحسنه وعبر عنه بقوله: (( وهذا المسلك مسلك حسن إذا كسى تعبيرا أحسن من هذا، وهو مسلك لطيف المنزع دقيق على الأفهام، وهو من أسرار القرآن. والذي ينبغي أن يعبر عنه به: أن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى، والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه؛ لأن الصفة لا تفارق موصوفها، فإذا كانت قريبة من المحسنين فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منه، بل قرب رحمته تبع لقربه هو تبارك وتعالى من المحسنين. ))(13 )
    القول السابع: الرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم، قربه يستلزم قرب رحمته، ففي حذف التاء هاهنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريب من المحسنين، وذلك يستلزم القربين قربه وقرب رحمته. ولو قال: إن رحمة الله قريبة من المحسنين. لم يدل على قربه تعالى منهم؛ لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم وهو قرب رحمته. اختار هذا القول ابن القيم وقال ناصحا: (( فلا تستهن بهذا المسلك؛ فإن له شأنا، وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب... وهو المختار، وهو من أليق ما قيل فيها. ))(14 )
    القول الثامن: أن الرحمة مصدر، والمصادر كما لا تثنى ولا تجمع فحقها أن لا تؤنث. كقوله تعالى: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾[البقرة: 275]. (15 )
    وضعفه ابن القيم بقوله: (( وهذا المسلك ضعيف جدا فإن الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها التأنيث كقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون ﴾[الأعراف: 156] وقوله فيما حكى عنه رسوله صلّى الله عليه وسلّم: ﴿ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ أَوْ سَبَقَتْ غَضَبِي. ﴾( 16).
    ولو كان حذف التاء من الرحمة لكونها مصدرا والمصادر لاحظ للتأنيث فيها لم يعد عليها الضمير إلا مذكرا، وكذلك ما كان من المصادر بالتاء كالقدرة والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها، وفي بطلان ذلك دليل على بطلان هذا المسلك. ))( 17)
    القول التاسع: أن القريب يراد به شيئان أحدهما: النسب والقرابة، فهذا بالتاء؛ تقول فلانة قريبة لي، والثاني قرب المكان، وهذا بلا تاء تقول: جلست فلانة قريبا مني، ولا تقول: قريبة مني."( 18)
    وخطأ هذا القول أبو جعفر النحاس فقال: (( وهـذا غلط، لأن كل ما قرب من مكان أو نسـب فهو جار على ما يصيبه من التأنيث والتذكير. )) ( 19)
    وخطأه كذلك علي بن سليمان الأخفش حيث قال: (( هذا خطأ ولو كان كما قال لكان قريب منصوبا في القرآن كما تقول: إنّ زيدا قريبا منك. ))( 20)
    وضعفه ابن القيم قائلا: (( وهو أيضا ضعيف فإن هذا إنما هو إذا كان لفظ القريب ظرفا فإنه يذكر كما قال تقول جلست المرأة مني قريبا. فأما إذا كان اسما محضا فلا. ))( 21)
    القول العاشر: أن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ فيه حذف التاء، كما تقول طلع الشمس وطلعت. قاله الزجاج( 22)، وذكره "الرازي والقرطبي وابن جزيء والسمين الحلبي"( 23)
    وخطأه ابن القيم بقوله: (( وهذا المسلك أيضا فاسد، فإن هذا إنما يكون إذا أسند الفعل إلى ظاهر المؤنث، فأما إذا أسند إلى ضميره فلا بد من التاء، كقولك: الشمس طلعت، وتقول: الشمس طالعة، ولا تقول: طالع؛ لأن في الصفة ضميرها، فهي بمعنى الفعل في ذلك سواء. ))( 24)
    القول الحادي عشر: أن قريبا مصدر لا وصف وهو بمنزلة النقيض فجرد من التاء، لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء، يقال: امرأة عدل، ولا يقال: عدلة. ذكره "الزمخشري والبيضاوي والنسفي"(25 ).
    ورده ابن القيم بقوله: (( وهذا المسلك من أفسد ما قيل في: (قريب) فإنه لا يعرف استعماله مصدرا أبدا، وإنما هو وصف، والمصدر هو (قرب) لا (قريب) . ))(26 )
    القول الثاني عشر: أن (فعيلا) و(فعولا) مطلقا يستوي فيهما المذكر والمؤنث، حقيقيا كان أو غير حقيقي. ذكره ابن القيم(27 ). وضعفه قائلا: ((وهذا المسلك ضعيف أيضا. وممن رده أبو عبد الله بن مالك، فقال: هذا القول ضعيف، لأن قائله إما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع وغيره يستحق ما يستحقه فعول من الجري على المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع خاصة محمول على فعول. فالأول مردود لإجماع أهل العربية على التزام التاء في ظريفة وشريفة وأشباههما وزنا ودلالة، ولذلك احتاج علماؤهم أن يقولوا في قوله تعالى:﴿ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ [مريم:28]، وقوله:﴿ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾[مريم:20]، أن الأصل هو بغوي على فعول، فلذلك لم تلحقه التاء، ثم أعلّ بإبدال الواو ياء والضمة كسرة، فصار لفظه كلفظ فعيل، ولو كان فعيلا أصلا للحقته التاء، فقيل: لم أك بغية.
    والثاني أيضا مردود؛ لأن لـ (فعيل) على (فعول) من المزايا ما لا يليق به أن يكون تبعا له، بل العكس أولى أن يكون (فعولا) تبعا لـ (فعيل)، ولأنه يتضمن حمل فعيل على فعول، وهما مختلفان لفظا ومعنى أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنّ قريبا لا مبالغة فيه لأنه يوصف به كل ذي قرب وإن قل، و(فعول) لا بد فيه من المبالغة.
    وأيضا فإن الدال على المبالغة لا بد أن يكون له بنية لا مبالغة فيها، ثم يقصد به المبالغة، فتغير بنيته كضارب وضروب، وعالم وعليم. وقريب ليس كذلك فلا مبالغة فيه. ))( 28)
    ثانيا: القول الراجح:
    الذي يظهـر من خلال ما سبق – والله تعالى أعلم – أن الراجح في هذه المسألة القولان السـادس والسابع، وهو أن (قريب) أخبرت عن قرب الله وأغنت عن (قريبة) التي أخبرت عن الرحمة، وفيه الإشارة إلى قرب الله تعالى من المحسنين، وقرب الله يستلزم قرب رحمته، فهي صفته لا تنفك عنه سبحانه وتعالى، وذلك لأن هذا التوجيه بعيد عن الانتقادات، وهو أفضل التأويلات، ويبرز بعض أسرار كتاب الله وعجائب كلام الله، ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين﴾ [الشعراء:4] فاستغني عن خبر الأعناق وهو (خاضعة) بالخبر عن أصحابها وهو(خاضعين).
    هذا وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ( 1) ،تفسير القرطبي:(5/71)
    ( 2) ينظر التفسير القيم لابن القيم (ص268-269).
    ( 3) ينظر:معاني القرآن للأخفش:(1/327).
    ( 4) ينظر:التفسير القيم لابن القيم:(ص272-273).
    ( 5) ينظر:الكشف والبيان للثعلبي:(4/241).
    ( 6) التفسير القيم لابن القيم:(ص274-275).
    ( 7) ينظر: ،تفسير القرطبي:(7/228) ،التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي:(1/291)، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي:(5/345).
    (8 ) ينظر:الكتاب لسيبويه:(3/383).
    (9 ) التفسير القيم لابن القيم:(ص276-277-278).
    (10 ) البيت لجرير. ينظر: ديوانه:(ص270).
    (11 ) التفسير القيم لابن القيم:(ص276-277-278). وهو قول سيبويه ينظر:الكشف والبيان للثعلبي:(4/241).
    (12 ) التفسير القيم لابن القيم:(ص280).
    (13 ) المصدر السابق:(ص282).
    (14 ) المصدر نفسه:(ص281).
    (15 ) ينظر:الكشف والبيان للثعلبي:(4/241) تفسير القرطبي:(9/250).
    (16 ) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ينظر: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيد * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظ﴾[البروج:21-22]،رقم:(7554).صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم:(2751).
    (17 ) التفسير القيم لابن القيم:(ص283).
    (18 ) ينظر:الكشف والبيان للثعلبي:(4/241)،تفسير البغوي:(3/238).
    (19 ) معاني القرآن وإعرابه للزجاج:(2/344).
    (20 ) إعراب القرآن للنحاس:(2/57).
    (21 ) التفسير القيم لابن القيم:(ص283).
    (22 ) ينظر:معاني القرآن وإعرابه للزجاج:(2/344)، تفسير القرطبي:(5/71)، التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي:(1/291)،الدر المصون للسمين الحلبي:(5/345).
    (23 ) ينظر: تفسير القرطبي:(5/71)،التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي:(1/291)،الدر المصون للسمين الحلبي:(5/345).
    (24 ) التفسير القيم لابن القيم:(ص283).
    (25 ) ينظر: تفسير البيضاوي:(3/16)، تفسير النسفي:(1/574).
    (26 ) التفسير القيم لابن القيم:(ص284)
    (27 ) المصدر نفسه:(ص284).
    (28 ) المصدر السابق:(ص285).
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2018-10-28, 09:49 AM.

  • #2
    جزاك الله خيرا وبارك فيك أخي الكريم على هذا المقال النافع.
    غفر الله له

    تعليق


    • #3
      بارك الله فيك

      تعليق


      • #4
        جزاك الله خيرا أخي عبد القادر وبارك فيك، وإلى هذا الذي ذهب إليه بن القيم ونصره أشار الإمام بن كثير رحمه الله تعالى ورفع درجاته في عليين، بقوله:
        وقال : ( قريب ) ولم يقل : " قريبة " ; لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب ، أو لأنها مضافة إلى الله ، فلهذا قال : قريب من المحسنين .
        وقال مطر الوراق : تنجزوا موعود الله بطاعته ، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين ، رواه ابن أبي حاتم . اهـ
        وهذا القول وسط متضمن لنكت بديعة ومعان رفيعة، رزقها من رزق تدبر كلام الله العظيم.
        جزاك الله خيرا أخي عبد القادر.
        التعديل الأخير تم بواسطة مكي المهداوي; الساعة 2018-10-30, 10:01 AM.

        تعليق


        • #5
          بارك الله فيكم إخوتي الأفاضل عبد الله وسفيان ومكي سررت بمروركم

          تعليق


          • #6
            جزاكم الله خيرا أخي عبد القادر، دمتم مفيدين .

            تعليق


            • #7
              جزاكم الله خيرا شيخا عبد القادر، دمتم مفيدين .

              تعليق


              • #8
                أحسن الله إليكما أخوي يوسف ومحمد طه سررت بمروركما

                تعليق


                • #9
                  بارك الله فيك أخونا د.عبدالقادر شكيمة على هذا التحقيق الرصين

                  تعليق


                  • #10
                    وفيك بارك الله أخي عمر شكرا على مرورك

                    تعليق

                    الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                    يعمل...
                    X