إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

(الحلقة الأولى) : إتحاف الأباة بشرح طريق الجزأرة الغواة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • (الحلقة الأولى) : إتحاف الأباة بشرح طريق الجزأرة الغواة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الْحمد للَّهِ نحمده، ونستعينه، ونستغفرهُ، ونعوذ بِاللهِ من شرور أَنفسِنا، ومن سيئات أَعمالنا من يهدِه الله فَلا مضل لَه ومن يضلِلْ فَلا هادِي لَه، وأشهد أَن لا إِلَهَ إِلا الله - وحده لا شرِيك لَه-، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    وبعد:
    فإن ما يميز دعوة الكتاب والسنة على فهم الرعيل الأول، هو وضاءة طريقتها، وصفاء عقيدتها، ووضوح منارة دعوتها، كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فقال: أيم الله لأتركنكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها سواء، فقال أبو الدرداء: صدق الله و رسوله فقد تركنا على مثل البيضاء" (1) ، وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لقد تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك" (2) .
    ولقد كان لهذه الوصايا النبوية وغيرها من الوصايا السًّنية بالنسبة للصحابة الحصن الحصين من شرور البدع والمحدثات، وهذا ما جعل عصرهم يتسم بقلة الفتن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:" والصحابة رضي الله عنهم كانوا أقل فتنا من سائر من بعدهم، فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والخلاف.." (3) .
    وأما بعد ذهاب هذه القرون المفضلة، فقد بزغت ضواري الفتنة، وظهرت النحل، والمقالات الضالة ممن استحوذ عليها الشقاء فانصرفت عن الرشد، واستولى عليها البغي فحال بينها وبين الإنابة مثل: الخوارج، و الإرجاء، والخوارج والقدرية، والجهمية، والرفض...
    ومما هو معلوم أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ دينه وبقائه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، قال الله تعالى:{ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(4) ، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائل حفظ الدين، ومن ذلك ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه بعد كل فترة ، يقيض الله لهذه الأمة من يجدد لها دينها، يدل عليه ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها " (5) ، وورد كذلك عن بكر بن زرعة، قال: سمعت أبا عنبة الخولاني، وكان قد صلى القبلتين، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته " (6) .
    وعلى ضوء هذا، فقد كان من جلائل الأعمال التي تولاها دعاة السنة هو وقوفهم لأهل الباطل بالمرصاد، والعمل على كشف أسرارهم، وهتك أستارهم، وتعريتهم للعباد، والمجاهرة بإبانة خطرهم الجسيم على الأمة، وبلا مرية أن أئمة الهدى وذادة الحق من أهل الغراس الطيب هم حملة مشعل النضال عن بيضة السنة، وقد قاموا بمهمة مكافحة جحافل أهل الزيغ والضلال قاطبة على مر الحقب، أحسن قيام وأوفاه، كما تشهد بذلك آثار علومهم الماتعة من تقييد المصنفات والكتب في بيان العقائد الصحيحة، ورسم طريقة السلف الواجب سلوكها، ومن تلك الآثار النافعة: أصول السنة للإمام المبجل أحمد بن حنبل، والإبانة الكبرى والصغرى للإمام ابن بطة العكبري، والشريعة للإمام الآجري، والسنة لحرب الكرماني، والرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي، والتوحيد للإمام ابن خزيمة، والإيمان للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، والسنة للإمام ابن أبي عاصم، وشرح السنة للإمام البربهاري، وغير ذلك من المصنفات الجليلة المفيدة، التي تهدف للدفاع عن حمى الإسلام النقي من دسائس الدخلاء، والملوثين لصفائه، ومن تشغيب المندسين بين صفوفه ممن دأبهم بث المكائد والمصائد، وإيثارة نقع الفتنة، ودس الشبه والسموم، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: " و كلما أظهر الشيطان بدعة من هذه البدع وغيرها أقام الله لها من حزبه و جنده من يردها و يحذر المسلمين منها نصيحة لله ولكتابه ولرسوله و لأهل الإسلام وجعله ميراثا يعرف به حزب رسول الله صلى الله عليه وسلم وولى سننه من حزب البدعة و ناصرها " (7) .
    وما أجمل ما قال الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين... " (8) .
    وإن هذه الفواضل والشرف التي حبى الله بها طائفة الحق من المدافعة عن كلام الله ورسوله والذب عنه ومجالدة المخالفين يدل عليها ما جاء في الأحاديث النبوية، وهي كالآتي:
    1 - عن شعبة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون" (9) .
    2 - عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (10) .
    3 - عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ما يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (11).
    ويستفاد من هذه الأوصاف والملامح النبوية لطائفة الحق التالي :
    الفائدة الأولى : بشرى لأهل الحق بتحقق إنتصارهم على مناوئيهم .
    الفائدة الثانية : أن دعوة طائفة الهدى تقوم على شيئين :
    أ - تنفي شبهات الباطل المانعة من كمال التصديق .
    ب- تدفع شهوات الغي الواردة عليه المانعة من كمال الامتثال .
    الفائدة الثالثة : إستمرار دعوتهم الصادقة الحقة، والتي تبتدئ بإمامهم وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم (12)، إلى قيام الساعة كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " (13) .
    الفائدة الرابعة : أن أهل السنة أمام الشبه الباطلة والمقالات الفاسدة من نتائجها وثمراتها عليهم أن تحدث زيادة العلم واليقين، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله : " فهؤلاء يزدادون علماً ويقيناً وبصيرةً؛ إذا رأوا ما عارض الحقَّ من الشبه، واتضح لهم فسادها، ورأوا الحق محكماً منتظماً، فإن الضدَّ يظهر حسنه بضده، ولهذا كانت معارضات أعداء الرسل للرسل وأتباعهم من أهل العلم والبصيرة لا تزيد أهل الحق إلا يقيناً وبصيرة " (14) .
    وهذا بعكس صنفين من الناس وهما :
    أ – أهل الجهل والضلال فهؤلاء تلتبس عليهم ويعتقدونها على عِلاَّتها، أو يقلدون فيها غيرهم من غير معرفة بها، بل يأخذونها مسلمة؛ فهؤلاء يضلون ويبقون في جهلهم يعمهون، وهم يظنون أنهم يعلمون ويتبعون الحق، وما أكثر هذا الصنف! فدهماء أهل الباطل كلهم من هذا الباب؛ ضلال مقلدون.
    ب – أهل الشك والإرتياب : و هم الحذاق ممن عرف الشبه، وميز ما هي عليه من التناقض والفساد، ولم يكن عنده من البصيرة في الحق ما يرجع إليه؛ إنهم يبقون في شك واضطراب، يرون فسادها وتناقضها، ولا يدرون أين يُوجهون (15) .
    الفائدة الخامسة : لم تسلك بنيات الطريق التي تورث التلون، والتقلب، والاهتزاز، بل إنما سلكت الصراط المستقيم المبني على اليقين والثبات والاعتزاز، قال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى:" وإنما ظهر فضل هذه الفرقة بتمسكها بالحق، وصبرها على مخالفة هذه الفرق الكثيرة، والاحتجاج بالحق ونصرته، وما ظهر فضل الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد، ومن قبلهما من الأئمة، ومن بعدهما، إلا بتمسكهم بالحق، ونصرته وردهم الباطل، وما ضر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وأصحابه، حين أجلب عليهم أهل البدع، وآذوهم، بل أظهر الله بهم السنة، وجعل لهم لسان صدق في الأمة، وكذلك من قبلهم، ومن بعدهم، كشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، لما دعا إلى التوحيد وبين أدلته، وبين الشرك وما يبطله، وفيه قال الإمام العلامة الأديب، أبو بكر ابن غنام رحمه الله تعالى:
    وعاد به نهـــــج الغواية طامسا.... وقد كــان مسلوكا به الناس تربــــــع
    وجرت به نجد ذيول افتخارها.... وحق لها بالألــــمعي ترفـــــــــــــع
    فآثاره فيهـــــــا سوام سوافر.... وأنواره فيهـــــــــــــــا تضيء وتسطع" (16) .
    الفائدة السادسة : يتضمن في طيه آية عظمى حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيواجه طائفة الحق أشكال من الناس أحوالهم عجيبة، ومواقفهم غريبة وهم:
    أ - أهل التخذيل: من كانوا مع طائفة الحق على نفس الخط، لكن لم يصبروا ويثبتوا على الطريق، فركنوا إلى داعي أهوائهم، فحصل لهم بهذا ترك المعاونة على المبتدعة .
    ب- أهل التكذيب: المنابذون لأهل دعوة الحق بالكذب، والإفتراء على دعوتهم البيضاء النقية.
    ج - أهل الخلاف والشقاق: المعادون لهم جملة وتفصيلا في المسلك المتبع.
    وموقف طائفة أهل الحق الموصوفة بالقلة؛ فإنهم مهما خذلهم المتخاذلون، وكذبهم الكاذبون، وخالفهم الخصوم، فذلك لا يضرهم، بل يبقون متماسكين بالحق ثابتين عليه، ذلك لما قام في أنفسهم من العلم والإيقان بأن الله تعالى ناصرهم، وأن بصبرهم على الطريق يبلغون المقصود.
    وعلى خطى الأفاضل الأخيار في التحذير من قبح مسالك الفرق وأصحابها أقيد بعض المسائل المهمة عن تيار نشط في الساحة الدعوية على ثرى بلاد الجزائر، فكان له التاريخ الحافل بالمواجع، والمخزيات، كما هو حال الطرائق القدد الأخرى من: جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة الدعوة والتبليغ، وحزب الجبهة الاسلامية للإنقاذ، والجماعات الإسلامية المسلحة، وهذا المذهب البئيس هو ما يدعى بـ : "حركة البناء الحضاري" ( الجزأرة )، ورحى الحديث سيكون في ثلاث مسائل، تتناول الموضوعات التالية :
    المسألة الأولى : تعريف عام بمنهج تيار الجزأرة، وعرض لأفكار مالك بن نبي.
    المسألة الثانية : قادة من الجزأرة يعدون التلاميذ الأوائل لمالك بن نبي والناشرين لفكره .
    المسألة الثالثة : موجز عن مجمل أصول تنظيم الجزأرة ودعوتهم .
    والآن أشرع في المقصود، والله نسأل التوفيق والسداد، وأن يجنبنا مضلات الأهواء والفتن .
    المسألة الأولى: تعريف عام بمنهج تيار الجزأرة، وعرض لأفكار مالك بن نبي، وتشتمل على وقفتين، وهما :
    الوقفة الأولى : تعريف بمنهج تيار الجزأرة (حركة البناء الحضاري) .
    يتبنى تيار الجزأرة أو حركة البناء الحضاري فكر الإخوان المسلمين لكن يخالفونهم في العمل التنظيمي، فلا يخضعون لهم، وإنما يرون إبقاء الإمارة إقليمية فلا ترتبط بأي جماعة خارج القطر الجزائري، ومن هذا أطلق عليها خصومها ممن يتبع للمنظمة الأم (حزب حماس بزعامة: محفوظ نحناح) مسمى: ( الجزأرة)، وهو منحوت من اسم ( الجزائر)، وعدت هذه الحركة من أخطر التيارات وأفظعها، يرجع هذا لما يرتكز عليه التيار في مساره الحركي من انتهاج أسلوب الاحتواء والاختراق للتنظيمات وتفجيرها، والسعي الحثيث للتوغل في المؤسسات بغية الاستحواذ، والوصول للمناصب العليا، فكانوا أشبه بتنظيم أخطبوطي يحاكي طريقة الماسونية.
    الوقفة الثانية : عرض لأفكار مؤسس تيار البناء الحضاري مالك بن نبي .
    يعد مالك بن نبي أحد أعلام تيار الجزأرة في القرن العشرين، يطلق عليه أتباعه بـ : " المفكر الإسلامي" و" أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية".
    ولما كان لهذا الرجل من استطارة الذكر وإلباسه الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة على جهة التهويل والاستعظام، وتبني كثير من المثقفين لدعوته، فكان من الضروري إيضاح فكر الرجل ووزنه بميزان أهل العدل والإنصاف حلية دعوة أهل السنة السلفيين، هذا حتى يقف العقلاء على الحقيقة الجلية لأفكار مالك بن نبي، والحديث عن ذلك سيكون في مقامين :
    المقام الأول : في الكلام عن مصطلح : ( المفكر الإسلامي أو النهضة الفكرية الإسلامية )، وهذا من ناحيتين:
    الناحية الأولى : تقرير المنع من استخدام هذين المصطلحين، وتفصيل ذلك على النحو الآتي :
    فأولا : ( المفكر الإسلامي ) فهذا المصطلح يعتبر من المصطلحات الطارئة في تاريخ علوم الأمة وأمجادها التليدة، ولما كان هذا المصطلح من الاصطلاحات الوافدة فقد نص أهل العلم على أن الأولى أن يجتنب استخدامه، قال العلامة بكر عبد الله أبو زيد رحمه الله : " الفكر الديني: الإسلام ليس مجموعة أفكار، لكنه وحي منزل من رب العالمين في القرآن العظيم، وفي سنة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى: { إن هو إلا وحي يوحى} (17) ، أما الفكر فهو قابل للطرح والمناقشة، قد يصح وقد لا يصح؛ لهذا فلا يجوز أن يطلق عليه: " فكر" ؛ لأن التفكير من خصائص المخلوقين، والفكر يقبل الصواب، والخطأ، والشريعة معصومة من الخطأ، ولا يقال كذلك: " المفكر الإسلامي"؛ لأن العالم الذي له رتبة الاجتهاد، والنظر، مقيد بحدود الشرع المطهر، فليس له أن يفكر، فيشرع، وإنما عليه البحث وسلوك طريق الاجتهاد الشرعي لاستنباط الحكم، نعم يطلقون: " الفكر الإسلامي" في عصرنا، مريدين قدرته على الاستنباط، ونشر محاسن الإسلام، فمن هنا يأتي التسمح بإطلاقها، والأولى اجتنابها " (18) .
    والثاني: ( النهضة الفكرية الإسلامية ) هذه العبارة هي بمعنى الكلام السائر على ألسنة الإخوان المسلمين وهو قولهم : ( شباب الصحوة ) أو ( الصحوة الإسلامية) ، يؤرخون بذلك لتاريـــخ قيام الجماعة بمصر على يد المؤسس والمرشد "حسن البنا " كما سطره محمد قطب في كتابه الذي عنونه بـ بإسم : " الصحوة الإسلامية "، قال :" جاءت الصحوة الإسلامية في موعدها المقدور عند الله، وإن فاجأت من فاجأت من الناس من هنا وهناك " (19) .
    قال العلامة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله : " أنا لي تحفّظ على استعمال هذه الكلمة " الصحوة الإسلامية"، وقد نُشرت في الصحف أكثر من مرّة؛ لما فيها من جحود لجهود العلماء المصلحين المستمرّة في كل زمان، وجحود للبقايا الصالحة من هذه الأمة، التي لا تخلو منها الأرض إلى قيام الساعة " (20) .
    وقال العلامة بكر أبو زيد رحمه الله تعالى: " الصحوة الإسلامية : هذا وصف لم يعلق الله عليه حكما، فهو اصطلاح حادث، ولا نعرفه في لسان السلف جاريا، وجرى استعماله في فواتح القرن الخامس عشر الهجري في أعقاب عودة الكفار كالنصارى إلي " الكنيسة"، ثم تدرج إلى المسلمين، ولا يسوغ للمسلمين استجرار لباس أجنبي عنهم في الدين، ولا إيجاد شعار لم يأذن الله به ولا رسوله؛ إذ الألقاب الشرعية توقيفية: الإسلام، الإيمان، والإحسان، التقوى، فالمنتسب: مسلم، مؤمن، محسن، تقي.... فليت شعري ما هي النسبة إلى هذا المستحدث " الصحوة الإسلامية" : صاح، أم ماذا؟؟ ثم إنه يعني أن الإسلام كان في غفوة، وحال عزل في المسجد - كالديانة النصرانية كانت في الكنيسة فحسب - ثم أخذ في التمدد والانتشار، ففي هذا بخصوص الإسلام إغفال للواقع، ومغالطة للحقيقة، وإيجاد جو كبير للتخوف من المتدينين والرعب منهم حتى تتم مقاومتهم، وفي مصطلحات الصوفية كما في رسالة ابن عربي" مصطلحات الصوفية" : الصحوة : رجوع إلى الإحسان بعد الغيبة بوارد قوي" (21) .
    الناحية الثانية : جذور نشأة مصطلح " الفكر الإسلامي" ارتبط ظهوره مقابل رد ضواري عاديات الفكر الإستشراقي (22) ، والمذاهب الهدامة، والغرض هو: النضال عن الإسلام، لكن مواجهتهم حصل فيها من الإخلال والفساد والآفات المتنوعة، ومن جملة المآخذ العظيمة :
    أ - الانصراف عن الدعوة إلى التوحيد، ومحاربة نجاسة الشرك بالله تعالى على ضد ما قامت عليه دعوة الأنبياء والرسل في أممهم، وسار عليه شموس الهدى أهل التوحيد والسنة في دعوتهم للناس، وعن شرح هذا الأصل المهم ووجوب العناية به وأولويته في الدعوة يقول العلامة الإمام سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله تعالى، في كلام له نفيس، ومشيرا لغلط فادح وقع فيه طوائف من الكتاب ومن يتزعم الإرشاد مع أنهم يتناولون بالحديث عن المسائل الشرعية لكنهم ليس لهم عناية بأهم المهمات وهو : جناب التوحيد، وهذا نص كلامه - رحمة الله عليه - : " فإن المتكلمين من الكتاب والمرشدين وسواهم ممن يلم بجنس هذه الأمور قد اختلفت وجهتهم وافترقت مغازيهم في كتاباتهم وإرشاداتهم، وذلك بحسب اختلاف وافتراق ما يدور في أَفكارهم ويستقر في تصوراتهم ويحسن في أَنظارهم من حيث المهمات والأَهميات لا فرق في ذلك بين المتكلم والمرشد الديني والمتكلم خلافه، وأَجد من يتكلم عن الأمور الدينية أَكثرهم أَو كلهم إلا من شاء الله لا يكتبون ولا يرشدون إلا في أُمور هي في الحقيقة من الفروع والمكملات، فتجد الكاتب وتجد المرشد لا يتكلم إلا حول فرضية الصلاة مثلا ووجوب فعلها في جماعة أَو الحج، أَو صيام رمضان، أَو الزكاة وأَشباه ذلك، أَو في أَشياء من المحرمات كالربا والتعدي على الأَنفس والأَموال والأَعراض وغير ذلك من المعاصي والمخالفات، ونعم ما فعلوا، وحسن طريقًا ما سلكوا ولكنهم كانوا عن أَهم الأَهم في بعد إلى الغاية، فقد كان خير الخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أَول بعثته ومبدأ دعوته يبدأ بالأهم فالأهم، وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنوات من بعثته قبل فرض الصلاة التي هي عمود الإسلام وما بعدها من الأركان كل ذلك في بيان التوحيد والدعوة إليه، وبيان الشرك وتهجينه والتحذير منه.
    وأول سورة أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم في رسالته سورة: { يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر} (23)، وكان صلى الله عليه وسلم يسلك في الإنذار عن الشرك والدعوة إلى التوحيد شتى الطرق ويسعى في حثه الناس لإبلاغهم ذلك بكل ما يمكنه حتى إنه مرة صعد على الصفا صلى الله عليه وسلم رافعا صوته واصباحاه، فلما اجتمعوا إليه قال: " يا أيها الناس إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " (24)، فحقيق بالمسلمين ولا سيما العلماء كبير عنايتهم ومزيد اهتمامهم بمعرفة حقيقة ما بعث الله به الرسل من أولهم إلى آخرهم وخاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وتعليمهم ذلك، والعمل به ظاهرا وباطنا، والموالاة والمحبة والتناصح فيه، والتواصي به: من توحيد الله تبارك وتعالى في ربوبيته وفي ذاته تبارك وتعالى، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وفي إلهيته وما يستحق من عبادته وحده لا شريك له، وأنه ما في العالم علويه وسفليه من ذات أو صفة أو حركة أو سكون إلا الله خالقه لا خالق غيره ولا رب سواه، وأن يوحد سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله بأن يؤمن أنه تعالى واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأنه حي قيوم، على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه تبارك وتعالى سميع بصير، يرضى، ويسخط، ويحب، إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته تبارك وتعالى، فنثبت كل ما ورد في الكتاب والسنة من هذا الباب إثباتا بريئا من تشبيه المشبهين، كما ننزهه تبارك وتعالى عن جميع ما لا يليق بجلاله وعظمته تنزيها بريئا من تعطيل المعطلين، وأن يوحد تبارك وتعالى في ألوهيته بأن يفرد بجميع أنواع العبادة، فلا يعبد إلا إياه ولا يدعى أحد سواه، ولا يسجد إلا له، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يستعان ولا يستغاث إلا به، ولا ينحر ولا ينذر إلا له، ولا يخشى ولا يخاف أحد سواه، ولا يرجى إلا إياه، حتى يكون سبحانه وتعالى هو المفزع في المهمات، والملجأ في الضرورات، ومحط رحل أرباب الحاجات في الرغبات والرهبات وفي جميع الحالات، فهذا هو مضمون أصل الدين وأساسه المتين شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
    وأصله الثاني: شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم نطقا واعتقادا وعملا، وهو طاعته فيما أمر، وتصديقه في جميع ما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الرب تبارك وتعالى إلا بما شرعه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تقدم محبته صلى الله عليه وسلم على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وأن يحكم صلى الله عليه وسلم في القليل والكثير والنقير والقطمير، كما قال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}(25) ، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (27)" (26) .
    وبعد هذا ، فالناظر لما عليه طائفة الجزأرة وغيرهم من أهل الأهواء جميعا، يعلم يقينا أنهم عن الإهتمام بالدعوة إلى التوحيد ومباحثة مسائله بمعزل عن ولوج لبابه والخوض في أبوابه .
    نزلوا بمكة في قبائل هاشم.....ونزلت بالبيداء أبعد منزل
    ب - كونها بلغة أهل الاستشراق، وبكلام الطوائف المنحرفة فكان حالهم أقرب بمنهجية أبي حامد الغزالي رحمه الله التي سطرها في رده على الفلاسفة حيث حشر فيها ما هب ودرج من كلام الفرق، قال : " ليُعْلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض، ببيان وجوه تهافتهم؛ فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت؛ فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعا، بإلزامات مختلفة؛ فألزمهم تارة مذهب المعتزلة، وطورا مذهب الواقفية، ولا أنتهض ذابا عن مذهب مخصوص؛ بل أجعل جميع الفرق إلبا واحدا عليهم؛ فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين؛ فلنتظاهر عليهم؛ فعند الشدائد تذهب الأحقاد" (28).
    وهذا عكس ما سلكه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ردوده على الفلاسفة ، التي تتميز بمميزات فائقة وأذكر على وجه الإجمال الآتي :
    1 - ينص رحمه الله على جميع كلام المردود عليهم، وتقصي مذاهبهم ومشاربهم بالتدقيق .
    2 – يبسط في الرد ويتوسع في درأ باطلهم مع الاستطرادات مذيلة بشواهد المنقول والمعقول .
    3 – يذكر من رد على الفلاسفة وإذا وجد الراد قد أخطأ، فإنه يخطئه ويرد عليه الرد القويم.
    4 - قوة حجتة ونصاعة أسلوبه الرائق.
    5 – إستحكامه للغة المردود عليهم، وحذقه بمصطلحات القوم وفنهم.
    6 – غزارة ما تحويه من علم كثير ذي تحقيق وجودة .
    7- عنايته بالأصول الجامعة النافعة والضوابط المحيطة في تقرير مذهب السلف.
    8 – تقرير مذاهب الحق، والرد على جميع المبطلين .
    9 – يسلك في ردوده الاحتجاج بالآي والسنة والآثار، وموافقة أئمة السلف المرضيين ونصرتهم، وغير ذلك .
    ب – الوقوع في الأخطاء العظام، وهذا بسبب اعتمادهم على ما يوافق الهوى، وما تمليه عليه عقولهم، ومن منطلق عواطف جياشة اندفاعية ليست مؤصلة ولا منظمة، لذلك كانوا من أبعد الناس عن معين العلم القائم على كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم، أصحاب الطريق الرشيد، والفهم السديد، ومن فقد هذه الأسس العظيمة - فلا بد - أن لا يكون عنده تمييز بين ما قاله الرسول وما لم يقله، وبين طريق الحق وشعب الباطل .
    وليوازن حال هذا الصنف بمن قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلي الغاية، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات، ثم لم يصلوا فيها إلي معقول صريح يناقض الكتاب بل إما إلي حيرة وارتياب، وإما إلي اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات؟ فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه، لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب فالأول : {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} (29) ، والثاني: {كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (30) ، وأصحاب القرآن والإيمان في نور علي نور..." (31) .
    فهذا كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلي الغاية، فماذا يقال عن المتسمين بالمفكرين العقلانيين المعاصرين المتأثرين بمناهج فلاسفة أوربا ! ممن هم بلا أدنى شك دون أولئك بمراحل، وقد أحسن العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله :
    لا يستقل العقل دون هداية ... بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا
    كالطرف دون النور ليس بمدرك ... حتى يراه بكرة وأصيلا
    وإذا الظلام تلاطمت أمواجه ... وطمعت بالإبصار كنت محيلا
    فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها ... فالعقل لا يهديك قط سبيلا
    نور النبوة مثل نور الشمس ... للعين البصيرة فاتخذه دليلا
    طرق الهدى مسدودة إلا على ... من أم هذا الوحي والتنزيلا
    فإذا عدلت عن الطريق تعمدا ... فاعلم بأنك ما أردت وصولا
    يا طالبا درك الهدى بالعقل ... دون النقل لن تلق لذاك دليلا
    كم رام قبلك ذاك من متلذذ ... حيران عاش مدى الزمان جهولا " (32) .
    ج - التبعية للمدارس الفكرية المختلفة المشارب التي تنطوي على مخلفات الجهمية وغلاة المعتزلة، فكان لكل مدرسة طريقة تسير عليها، وتتبع طرحها الفكري في علاج قضايا المسلمين ومشاكلهم، وفي رد شبهات أعداء الدين، نتيجة لذلك ظهر في كلامهم التعثر بأذيال الشبه الصارفة عن صوب الصواب والوقوع في الخطأ الكثير، ومن أمثلة آراء هذه المدارس الفكرية المختلفة ما نص عليه فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله تعالى بقوله : "ظهر كثير من الكتابات التي تراها اليوم ممن يسمون بمفكرين إسلاميين وفي الحقيقة إنما هم مفكرون ليسوا بإسلاميين لأنهم إنما يفكرون تارة بالنظرة الاشتراكية وتارة بالنظرة الاعتزالية وتارة بنظرات مختلفة فنشأ ما يسمى بالتنوير والاجتهاد والتطور والتقدم حتَّى أتى من المفكرين من يزعم أنه لا بد من إقامة صرح جديد لطريقة العقل والتفكير والتعامل مع النصوص لأن تلك إنما تناسب زمنًا مضى وهذا الزمن لا بدَّ له من شيء جديد إنه ولا شك انحراف خطير عن أصل هذا الدين وعن العلم الصحيح الذي نزل به جبريل عليه السلام من عند رب العالمين في كتاب الله جلّ وعلا وفي سنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم" (33) .
    د – فتحهم لباب الطعن في الإسلام من قبل اليهود والنصارى والملاحدة، وسببه يعود لما فيهم من قبيح الجهل بالعلوم الدينية القويمة، وجرهم هذا إلى الأقوال البدعية والفلسفية والكلامية، وإنشاء قواعد، ووضع مصطلحات، كلها تضاد دعوة الإسلام الصحيح القائم على الآيات البينة، والبراهين الصحيحة.
    إذا ما أتيت الأمر من غير بابه... ضللت وإن تدخل من الباب تهتد
    المقام الثاني : من السبل المهمة التي تتابع عليها العلماء في التراجم، والسير، وعلى ضوئها يهتدي الأئمة لمعرفة أحوال الرجال هو: إجالة النظر والتنقيب عن نشأتهم، ومعاهد العلم التي نزلوا فيها، وعمن اقتبسوا من الشيوخ، وهذه المعرفة تفيد الدارس لعلم الرجال الاتجاه الذي بنى عليه الشخص تفكيره، وعوامل نجاحه أو عطبه، وهذا المسلك الرصين قد ورد ما يدل عليه ويؤكد أهميته لدى أعلام السلف، ومن جملة أقوالهم الآتي:
    1 - قال ابن شوذب رحمه الله : " إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها. وعنه من طريق: من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا نسكا أن يوفقا لصاحب سنة يحملهما عليها، لأن الأعجمي يأخذ فيه ما سبق إليه" (34) .
    2 - قال عمرو بن قيس الملائي رحمه الله : " إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع، فايئس منه، فإن الشاب على أول نشوئه " (35) .
    3 – وقال رحمه الله أيضا : " إن الشاب لينشأ، فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم، وإن مال إلى غيرهم كاد يعطب" .
    قال الإمام الجليل ابن بطة العكبري رحمه الله : " فانظروا رحمكم الله من تصحبون، وإلى من تجلسون، واعرفوا كل إنسان بخدنه، وكل أحد بصاحبه، أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين، ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين، ولا من أقران الشياطين، وأستوهب الله لي ولكم عصمة من الضلال، وعافية من قبيح الفعال" (36) .
    وهذه محطات من حياة مالك بن نبي ونشأته، مستلة من كتبه المطبوعة المنشورة؛ وكتابة المرء أكبر شاهد صدق على فكره ومنهاجه، وهنا لا مناص من ذكر حقيقتين مهمتين، وهما :
    الحقيقة الأولى : علاقته بجمعية العماء المسلمين:
    ليس بخاف ما لجمعية العلماء المسلمين التي تأسست عام 1931م، من منزلة علية، ومآثر جميلة على الأمة الجزائرية، ومن محاسن أعمالها التي تبوأت بها الجمعية، وكان من أسمى مشاريعها هو مشروع " دعوة الأمة للتوحيد وكفاح الشرك والتنديد " الذي هو وظيفة الأنبياء ووراثهم في أممهم، وهذا تفصيل متين من كلام العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى يبسط فيه برنامج طريقة دعوتهم النيرة ، قال : " لا تستطيع هيئة من الهيئات العاملة لخير الجزائر أن تتعلق بغبار جمعية العلماء في هذا المضمار، أو تدعي أن لها يدا مثل يدها في توجيه الأمة الجزائرية للصالحات، وتربيتها التربية العقلية والروحية المثمرة، ورياضتها على الفضيلة الشرقية الإسلامية، وتصحيح نظرتها للحياة، ووزنها للرجال، وتقديرها للأعمال، كل ذلك من اختصاصات جمعية العلماء، وكل ما تم منه فهو من صنع يدها، لا فضل فيه لأحد سواها، وأول يد بيضاء لها في هذا الباب تحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تأليه الأهواء والرجال، وإن تحرير العقول لأساس لتحرير الأبدان، وأصل له، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا، إن هذا النوع من التحرير لا يقوم به، ولا يقوى عليه، إلا العلماء الربانيون المصلحون، فهو أثر طبيعي للإصلاح الديني الذي اضطلعت بحمله جمعية العلماء، عرف ذلك من عرفه لها إنصافا، وأنكره من أنكره عنادا وحسدا، فما زادها اعتراف المعترف إلا نشاطا، وما زادها جحود الجاحد إلا حزما وثباتا.
    بذلك التحرير العقلي الذي أساسه توحيد الله، تمكنت الجمعية من توحيد الميول المختلفة، والمشارب المتباينة. والنزعات المتضاربة، وبذلك التحرير أيقظت في الأمة قوة التمييز بين الصالح من الرجال والصحيح من المبادئ، وبين الطالح والزائف منهما، وبذلك التحرير أراحت الأمة من أصنام كانت تتعبدها باسم الدين أو باسم السياسة. وبذلك التحرير زرعت البذرة الأولى لما يسمى الرأي العام في الجزائر، وتكون الرأي العام بمعناه الصحيح هو بلوغ الرشد بالنسبة إلى الجماعات.
    إن الأمة الجزائرية، كغيرها من الأمم الإسلامية، ما سقطت في هذه الهوة السحيقة من الانحطاط إلا حين فقدت القيادة الرشيدة في الدين، تلك القيادة التي هي قبس من شعلة الوحي، وشعبة من قوة النبوة، والتي تنبثق عنها جماعات المسلمين، حينما يضرب الفساد والنخر في أصول مجتمعهم، فإذا وجدت الأمة هذه القيادة التي لا يسفه في يدها زمام، ولا تضطرب مقادة، وجدت نفسها، ومن وجد نفسه وجد الحقيقة " (37) .
    وعن حالة علاقة مالك بجمعية العلماء المسلمين فقد عرفت بالانقطاع، وعدم الإتصال بهم، لأنه لما أقام بمدينة قسنطينة التي درس فيها المرحلة المتوسطة وما بعدها ، كان الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله قد بدأ دروسه ونشاطه في مساجدها - قبل تأسيس الجمعية- ولكن مالكاً مع قربه المكاني من الشيخ ابن باديس لم يحضر دروسه، ولم يتتلمذ عليه (38) ، وكذا هو الأمر في (تبسة) حيث تعيش أسرته فلم يتتلمذ على ابن بلده العلامة الشيخ العربي التبسي أو حتى سعى لتأييده ، وقد ذكر مالك بن نبي هذه المرحلة وشرح الأسباب التي حجزته من الاتصال بمشايخ الإصلاح، قال : " كان شارع (بن شريف) يزداد حركة وحيوية. الذين يرتدون الملابس البيضاء ويضعون على رؤوسهم عمة ذات طرف يتدلى على الظهر إشارة لعالم الإصلاح، كانوا يمرون إلى مكتب إدارة (الشهاب) الصغير أو مطبعة (صدى الصحراء) التي أطلق فيها الشيخ العقبي عبارة أصبحت شعار الإصلاح، إنها آية قرآنية تتصل بمهمة النبي: { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله} (39)، كان منظر الشيخ (بن باديس) عند مروره أمام مقهى بن يمينة في طريقه إلى مكتبه قد بدأ يثير اهتمامنا. فكثير من أفكارنا وآرائنا تتصل بشخصيته أكثر من اتصالها بالشيخ (بن موهوب) الذي كان أول من زرعها في نفوسنا، وربما كان ذلك لأن الشيخ بن باديس قد بدا في ناظرينا خارج الإطار الاستعماري، فقد قطع صلته بعائلته وخاصة والده وهو تاجر كبير وبشقيقه المحامي وزوجه البورجوازية المترفة، هكذا بدا لنا أقرب إلى نفوسنا.
    في تلك الفترة التي كنت أفكر فيها بتمبوكتو وأوستراليا أو مخزن في قرية الشريعة، كنت أفكر أيضا بتأليف كتاب تحت عنوان : (الكتاب المنفي) لماذا هذا العنوان وماذا سيكون محتوى الكتاب؟ .. تلك أسئلة تحرجني لو أن أحدا سألنيها، ولكن الفكرة استهوتني فأخذت أتحدث مع بعض زملائي من المدرسيين كالأخوين (مشاي) القلماويين، وكان يلذ لي أن أحدثهما عن جولاتي الفكرية لأنهما ينصتان إلي بجدية يظهران معها كأنهما حديثا العهد بديانة ويستمعان لمرشد هام فيها، وكانت الفكرة تجعلني أكثر استلطافا للشيخ بن باديس الذي يمثل بنظري الرجل المنفي بسبب وضعه العائلي، فكانت نظراتي تتبعه بعطف وحنان كلما مر أمام مقهى بن يمينة أو توقف في الشارع ليحادث أحد المارة، فهذا الرجل الأنيق المرفه ذو المنبت الصنهاجي كان يحسن معاملة الناس، وكثيرا ما يوقف أحد معارفه ليستطلعه أخبار قريب له مريض أو مسافر.
    لقد كانت لديه إنسانية الشيخ سليمان ونظرات الشيخ العربي القاسية، فكانت الأولى تحد من تطرف الثانية في نفسه، وهكذا بات أقرب للنفوس وأبلغ فعالية من معاصريه التبسيين.
    لم أكن حتى ذلك الحين قد جالسته في حديث، وإذا عدت إلى أعماق نفسي ففي ذلك العصر كان في نظري لا يمثل الإصلاح، إنما يمثله الشيخ العقبي، ولم أعترف بخطئي حول هذه النقطة إلا بعد ربع قرن من الزمان، حينما تفحصت شعوري حول هذا الموضوع، حينئذ تبين لي أن السبب يكمن في مجموعة من الأحكام الاجتماعية المسبقة وفي تنشئة غير كافية في الروح الإسلامي، فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت لاشعوريا في نفسي نوعا من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة، التي كان الشيخ العربي ينتمي إلى واحدة منها، أما الخطأ في حكمي فمرده على ما أعتقد أثر البيئة التبسية في نفسي. فتبسة بسبب حياتها الخشنة منحتني نوعا من التعالي على كل شكل من الحياة المرفهة، وكنت أعتقد أنني أكون أقرب إلى الإسلام بالبقاء قريبا من البدوي أكثر من البلدي الرجل الذي يحيط به وسط متحضر.
    وكان الشيخ العقبي يبدو في ناظري بدويا بينما يبدو الشيخ بن باديس بلديا. وحين بدأت فيما بعد معركة (الإصلاح) وكنت أحد المشتركين فيها، بقيت أحمل في أعماقي شيئا من التحفظ تجاه بن باديس وبعض الأسى لكون الشيخ العقبي لا يقود تلك الحركة ولا يرأس جمعية العلماء " (40) .
    الحقيقة الثانية : علاقته بـ" الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين" .
    لما أقام مالك بن نبي في باريس ـ عاصمة فرنسا ـ انتظم إلى جمعية " الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين" وكان هو المسلم الوحيد في صفها، قال: "وقد أصبحت هكذا عضواً مسلماً في (الوحدة المسيحية)، وما كان لأمر كهذا أن يكون عادياً في سجلات المنظمة، لا أدري كيف كان انطباع الموظف الذي سجل اسمي، ولكني شعرت أن الشاب البشوش الذي دلني زاد اهماماً بأمري منذ تلك اللحظة، اهتهاماً، تخالطه المودة والفضول، فتقدم ليطلعني على مرافق المنظمة، فاتبعته ونحن نتجاذب الحديث، يسألني عن الجزائر والإسلام، وأسأله عن تفاصيل الحياة في هذا المحل، كانت هذه الوحدة تُدار وتُنظَّم شؤونها طبقاً لضرورات شباب يدرس أو يعمل بعيداً عن بيوت الأهل، قادني الدليل اللطيف إلا الدور الأسفل، حيث توجد قاعة التدخين التي يتناول فيها الشبان القهوة بعد الغداء أو في الصباح، ويستطيع الزائر الدخول من هذه القاعة عبر أبواب اتصال، إلى قاعة للمحاضرات تستعمل إلى جانب ذلك لعرض الأشرطة السينمائية، أو إقامة التمثيليات على مسرحها " (41) .
    وقال : " ولكن من كانت لديه بعض المقاييس لموازنة الأشياء، ما كان ليفوته أن الطرف الأوربي هو الآخر أخذ في التدهور في (عنابة)، إذ أخذ يفقد قيمه الحضارية والأخلاقية كأن المدينة التي ميّعت في جو من بخار الكحول التقاليد الإسلامية، لم تسمح للتقاليد الأوربية أن تتأقلم كما تأقلمت في مدن أخرى مثل الجزائر، حيث لم يفقد الأوربي مظاهر حضارته على الأقل، كانت أستطيع هذه الموازنات لأن معايشتي مع زوجي أكسبتني حجر المحك، أو زادت كثيراً مما اكتسبته في ( الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين) " (42).
    من خلال مرحلة النشأة وغيرها من المحطات في حياة فكر مالك بن نبي، فقد كان من آثارها أن الرجل حصل له تأثر بعدد كبير من الفلاسفة الملاحدة والوثنيين وأصحاب الفكر الغربي، والكتاب الإسلاميين ممن عرفوا بالإنحراف عن سواء السبيل، وجميعهم أسبغ عليهم حلل الثناء، وأعلن إعجابه بهم والتأثر بكتبهم، والإشادة بمواقفهم ونبوغهم، وبـروحانيتهم الشرقية، وهذا ذكر لجملة منهم:
    1 - لويس ماسنيون، من أكبر مستشرقي فرنسا وأشهرهم، وقد شغل عدة مناصب مهمة كمستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا، وكذلك الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر، استهواه التصوف فدرس الحلاج دراسة مستفيضة ونشر "ديوان الحلاج" مع ترجمته إلى الفرنسية، وكذلك "مصطلحات الصوفية" و"أخبار الحلاج" و"الطواسين"، كما كتب عن بن سبعين الصوفي الأندلسي، ومن المواطن التي ذكره فيها ابن نبي بلهجة الإطراءٍ في في مقال ( اللغة العربية في الجمعية الوطنية)، عن جريدة la « " République algérienne" الصادرة بتاريخ 06 جوان 1948، وكذلك في مقال: (حوار يقتضي ضميرين)، عن جريدة la " République algérienne " الصادرة بتاريخ 10 جويلية 1953، وفي مقال : (عشية ظهور حضارة إنسانية )، عن جريدة " la République algérienne" الصادرة بتاريخ 01 جوان 1951 (43).
    2 - فريدريش فيلهيلم نيتشه، قال ابن نبي: إن (خالدي) في ذمتنا يا سي (الصدّيق)، لا يجوز لنا أن نسلم مثقفاً إلى التيارات الفكرية التي لا تتفق مع فكرتنا ومع شخصيتنا ومع تاريخنا، فتقرر أن نضيف (خالدي) إلى قائمة الشبان الذي يجب إنقاذهم من التيه الفكري، ونظراً لتكوينه وحرصه على الاطلاع والمطالعات، رأيت أن يكون المنقذ (نيتشه)، ومن الغد في لقاء اتفقنا أو تآمرنا عليه، قدمت خالدي نسخة من كتب الفيلسوف الألماني، أظنها نسخة من كتاب (هكذا تكلم زرادشت) " (44) .
    وقال في موضع آخر : " وقد كنت ألاحظ بارتياح على وجه (خالدي) علامة النقاهة الروحية الناجعة منذ بدأ قراءة (نيتشه)، كما أشرت عليه بذلك قبل سنتين، فأصبح محصناً بأفكار الفيلسوف الألماني من تلك العقبات التي توضع في طريق شبابنا الجامعي حتى اليوم، لتحيله إلى طريق تفكير وإحساس تجعله أجنبياً عن الشعب شاذاً على نسق حياته" (45) .
    3 - أونوريه دي بلزاك، قال ابن نبي : " أطالع بكل إمعان كتب (بلزاك)؛ لأن (أمي مورناس) كانت تحتفظ بكل إنتاجه على رف من رفوف خزانة أواني الطعام، فكانت هذه المطالعة تزيد كثيراً في معلوماتي عن حياة المجتمع الفرنسي عندما بدأت، بعد العهد النابليوني، انطلاقته في العهد الصناعي، بكل التفاصيل الحميمة التي تتسم بها الحياة الفرنسية بكبريائها وضآلتها كما تصفها (الكوميديا الإنسانية)" (46).
    4 – بيار بورجي، قال ابن نبي : " في الواقع فقد قرأت هذه السنة (التلميذ Le Disciple) لـ (بيار بورجي)، وهذه القصة فتحت أمامي عالم النفس الذي أتاح لعقل فتيّ كعقلي أن يتخلى عن شيء من أوهامه وسذاجته " (47).
    5- طاغور، قال ابن نبي :" وهناك شيء آخر؛ ففي ذلك العصر كان أبناء جيلي يبحثون دون أن يدركوا عن الهروب أو التحرر، وقد فتح لي طاغور باب ذلك الهروب فلم تعد أفكاري تسرح نحو تمبوكتو، فقد بدأت الرياح أيضاً تسوقها إلى الهند الغامضة، كانت تشدني إليها على الرغم من أني لا أعرف عنها شيئاً غير أنها مستعمرة إنكليزية، كان انجرافي نحو شاعرها الكبير مظهراً من مظاهر التحرر في نفسي. فالعبقرية لا تولد فقط على ضفاف (السينSeine) أو ضفاف (التاميز Tamise)، إنها يمكن أن تولد أيضاً على ضفاف (الغانج)، فمع طاغور وجدت هذا الموقف المدعوم لرجل مُستعمَر. لقد حررتني هن عبودية ذاتِ وقعٍ أثقلت أو ما تزال تثقل غالباً، فكر المثقفين العرب تجاه عبقرية أوروبا وثقافتها. لم أعد أذكر على وجه الدقة ما هو أول كتاب قرأته لطاغور، إنما هذا الشاعر حررني من إفريقيتي بعض الشيء وأطلق ذهني من قيود فرضها الاستعمار" (48) .
    6 – غاندي الوثني، أشاد مالك بن نبي بقصة (اللاعنف) عند غاندي، حيث ذكر منطقة جنوب شرقي آسيا قائلا : "هي مجال إشعاع الفكر الإسلامي وفكرة اللاعنف، أي مجال إشعاع حضارتين: الحضارة الإسلامية والحضارة الهندوكية، الحضارتان اللتان تختزنان أكبر ذخيرة روحية للإنسان اليوم" (49) .
    وقال: "فكذلك رفات غاندي التي ذروها فإن الأيام ستجمعها في أعماق ضمير الإنسان من حيث سينطلق يومًا انتصار اللاعنف ونشيد السلام العالمي" (50) ، وقال: "هذا الرجل (غاندى) كان يتقمص إلى درجة بليغة الضمير الإنساني في القرن العشرين" (51) .
    وقد بلغ به الأمر أن خصه بمقال ملأه بالإعجاب، عده " بطل السلام "، يقول : " لقد رجعت الدبابات إلى الوراء وتقهقرت عند تلك الأجسام التي انفرشت على الأرض أمامها، تقهقرت أمام أفواه ترتل بعض الأذكار المقدسة وأمام أرواح منغمسة في صلوات صامتة.
    إن جهاز الاستعمار الضخم وقف عند حده، وباء بالخسران أمام معزة غاندي، وسرباله (الساري) ومغزله، وصلواته وصيامه مع الجماهير وفي خلواته.
    إن كل هذا المظهر الجذاب، الأسطوري لكفاح غاندي والانتصار الذي توجه بالتالي، أصبح مما تعارف عليه الناس في المستقبل على أنه فصل جميل من تاريخ الإنسانية التقليدي، ولكن هذا المظهر الذي ينعكس فيه بالخصوص الضمير الهندوكي، لا يفسر لنا وحده معنى اللاعنف .. فهناك مظهر آخر نريد لفت النظر إليه هنا لأنه يكمل فيما نعتقد، النبذة التي أردنا تقديمها في هذه السطور، مع مطابقة، من ناحية أخرى مع معنى من معاني القرآن " (52) .
    7 – الفارابي وابن سينا وهما من الفلاسفة الملحدين وأقوالهما شر من أقوال اليهود والنصارى ومشركي العرب، وأيضا الفيلسوف ابن رشد الحفيد المتوفى سنة (595 هـ)، الذي هو " من أتبع الناس لأقوال أرسطو وذويه " (53)، فجميع هؤلاء عند مالك بن نبي معدودين من رموز الثقافة، وهذا حكاية كلامه عنهم، قال : " وقد بدأ العلم في تلك الحقبة ينتشر بفضل أساتذة سطعت أسماؤهم في جو المعرفة، كالفارابي، وابن سينا، وأبي الوفاء، وابن رشد ... " (54)، وقال : "والمجتمع الإسلامي في عصر الفارابي كان يخلق أفكارًا وفي عهد ابن رشد يبلغها إلى أوربا وبعد ابن خلدون لم يعد قادرًا على الخلق ولا على التبليغ" (55).
    8 - جمال الدين الأفغاني المتهم بالماسونية، وصاحب الأوابد والضلالات الكبيرة المشهورة (56)، قال : " ولكن شمس المثالية ما تزال تواصل سيرها، وسرعان ما انبلج الفجر في الأفق الذي يدعو فيه المؤذن إلى الفلاح، كل صباح، ففي هدأة الليل، وفي سبات الأمة الإسلامية العميق، انبعث من بلاد الأفغان صوت ينادي بفجر جديد، صوت ينادي: حيَّ على الفلاح! فكان رجعه في كل مكان، إنه صوت (جمال الدين الأفغاني) موقظ هذه الأمة إلى نهضة جديدة، ويوم جديد" (57) .
    9 – كتب لمنحرفين أثرت في مالك بن نبي ، قال : " وكان آخر هذه المؤثرات كتابان عثرت عليهما في مكتبة النجاح أعدهما الينابيع البعيدة والمحددة لاتجاهي الفكري، أعني بذلك كتاب (الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق) لأحمد رضا و (رسالة التوحيد) للشيخ محمد عبده. وقد تولى الشيخ مصطفى عبد الرزاق ومستشرق فرنسي ترجمته للفرنسية.
    هذان المؤلفان أثرا على ما أعتقد في أبناء جيلي من المدرسيين، أنا مدين لهما على كل حال بذلك التحول في فكري منذ تلك الفترة. لقد رسم لي كتاب أحمد رضا مزودا بالشواهد الكثيرة بهاء المجتمع الإسلامي في ذروة حضارته، وكان ذلك معيارا صحيحا نقيس به بؤسه الاجتماعي في العصر الحاضر. أما كتاب محمد عبده - وهنا أتحدث عن المقدمة الهامة المترجمة حول غنى الفكر الإسلامي عبر العصور- فقد أعطاني مستندا للحكم على فقره المحزن اليوم.
    كانت هذه الكتب تصحح مزاجي؛ ذلك الحنين إلى الشرق تركه في نفسي كتب (فارير ولوتي Farrère,Loti) وحتى لامارتين أو شاتوبريان، فعرفت تاريخ الشرق وواقعه وأدركت بذلك ظروفه البائسة الحاضرة.
    إذ حالت دون انجرافي في الرومانطيقية التي كانت شائعة في ذلك الجيل من المثقفين الجزائريين" (58) .
    من مجموع هذا العرض لبعض ملاح خطوط الاتجاهات الفكرية لمالك بن نبي التي خطها ببنانه ومشى عليها، وكان لها الأثر في تغذية فكره، لذلك وقع في جملة كبيرة من الطوام الكبار، دالة على عظيم جهالة الرجل بأسس الدين الإسلامي، من ذلك:
    1 - لمزه لبني أمية، قال : " وفي الوقت نفسه يواصل المجتمع الذي أبرزته الفكرة الدينية إلى النور تطوره. وتكتمل شبكة روابطه الداخلية، بقدر امتداد إِشعاع هذه الفكرة في العالم، فتنشأ المشاكل المحسوسة لهذا المجتمع الوليد نتيجة توسعه، كما تتولد ضرورات جديدة نتيحة اكتماله. وحتى تستطيع هذه الحضارة تلبية هذه المقاييس المستجدة تسلك منعطفا جديدا، فإما أن يتطابق مع "النهضة" كما نراها بالنسبة إلى الدورة الأوروبية، وإما أن يتطابق مع استيلاء الأمويين على الحكم كما هو شأن الدورة الإسلامية، وفي كلا الحالتين فإن المنعطف هو منعطف العقل، غير أن هذا العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز، وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالطريقة التي شاهدناها في عهد بني أمية، إذ أخذت الروح تفقد نفوذها على الغرائز بالتدريج، كما كف المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد " (59) .
    ومالك بن نبي برأئه العاثر في بني أمية يلتقي مع مجموعة من المصريين هم - أيضا- تحاملوا على دولة بني أُميَّة، وهذا الموقف السيئ في الأصل عرف عن طائفتي الرافضة والخوارج، ومن هؤلاء الكتاب: عباس محمود العقَّاد في كتابه "عبقريَّة عَلِي ومعاوية في الميزان"، وطه حسين في "الفتنة الكبرى" والأخير هو : سيد قطب، صاحب الانحرافات المتعددة، يقول العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى : " ولسيد قطب طعون في بني أمية وفي بني العباس يخرجهم بها من الإسلام، ولا ترى هذه الضغائن والحرقة إلا في كلام الروافض وفصائلهم؛ فللرجل كلام كثير مشحون بالطعون والحقد لا يتّسعُ المجال لذكره ومناقشته ، منه قوله بعد حكاية خطبتين مكذوبتين على معاوية ـ رضي الله عنه ـ وللمنصور الذي قضى على دولة الرفض والإلحاد ، فدفع بذلك عن الإسلام والأمة شرًّا عظيمًا وخطرًا رهيبًا، قال سيد بعدهما : " وبذلك خرجت سياسة الحكم نهائيًّا عن دائرة الإسلام وتعاليم الإسلام (60) " (61) .
    وقال – فسح الله تعالى في مدته - في موطن آخر، عنونه بقوله : "حكم بني أمية كارثة قصمت ظهر الإسلام عند سيد قطب" (62)، ثم ساق كلام سيد القائل : " لقد اتسعت رقعة الإسلام في عهدهم، ولكن روحه انحسرت بلا جدال، وما قيمة الرقعة إذا انحسرت الروح، ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين، وفيض عارم في طاقته الروحية؛ لكانت أيام أمية كفيلة بالقضاء عليه القضاء الأخير، ولكن روحه ظلت تقاوم وتغالب، وما تزال فيه الطاقة الكامنة للغلب والانتصار" (63)، قال الشيخ ربيع عقب هذا : " لعل هذه القوة الكامنة والفيض العارم والطاقة الروحية كانت تكمن وتتفاعل في نفوس الروافض والخوارج أشد الناس عداء لبني أمية وأشدهم تنكُّراً وجحوداً لجهود بني أمية في الفتوحات ونشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، التي يصدق عليها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض..." الحديث (64).
    فهذه الفتوحات في عهد بني أمية يعتبرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أعظم نعم الله عليه وعلى أمته، لكن سيد قطب لا يرى أي قيمة لهذه النعمة العظيمة التي أشاد بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكفى بذلك مصادمةً!!، ثم إن هذا العهد هو عهد خير القرون، التي أثنى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشهد لها الواقع التاريخي، وشهد لها علماء الإسلام " (65) .
    2 – دعواه بإمكانية اتصال العالم الإسلامي بروحانية الهند، قال : " وليس بوسعنا أيضاً، أن نغض من قيمة الدور الذي يمكن أن يؤديه اتصال العالم الإسلامي بروحانية الهند، فإن الإسلام في جواره للمسيحية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، لم يفد شيئاً من روحها، كما لم تحمله على تغيير نفسه، وذلك لأن الاتصال بين الدينين قد تم في إطار استعماري زور قيمة الفكرة المسيحية في نظر المسلم، حتى لقد كان المسلم يشعر تماماً بسموه وارتفاع قدره على أي مستعمر شره ينتسب إلى المسيحية، وهي منه براء، وهو غارق إلى أذنيه في الظلم والشهوات، لذلك لم يشعر المسلم أمام هذا المستعمر بأي (مركب نقص) يدعوه إلى الكمال، أعني أنه لم يشعر بحاجته إلى تدارك ما فاته، وإلى إعادة التفكير في أمر دينه، وبوسعنا أن نقول: إن البلادة الأخلاقية التي اتصفت بها الشعوب الإسلامية على شواطئ البحر الأبيض إنما تعود في جانبها الأكبر إلى هذا النوع من التسامي المتدين، أعني من القنوع بمظاهر الدين، الذي جعلهم ضمناً، كأنما يواجهون جانباً استعمارياً من المسيحية.
    فاتصال الطبقة المثقفة في العالم الإسلامي الآسيوي بالأديان الأخرى، إنما يتم في ظروف مختلفة تمام الاختلاف، إذ يشعر المسلم هنا بأنه يعيش في أرض غريبة، غزاها في فتوحاته، ولم يستجب له من أهلها إلا أقلية بالنسبة لمجموع السكان، كما أن هذه الأرض التي يعيش عليها قد غزتها من قبله أديان أخرى، فالهند هي أرض البرهمية والبوذية، سيجد المجتمع الإسلامي نفسه هنالك بما يضم من جمهرة يبلغ عددها تسعين مليوناً، يحيط بهم خضم من الهندوس يبلغ عددهم ثلاث مائة مليون، وهنا يشهد المسلم الحياة الدينية العجيبة التي يحياها هؤلاء الناس كل يوم، والذين يعدون من أشد المتمدينين في العالم، حيث يعيشون في جو صوفي ملتهب.
    هنالك يهز أعماقه انقلاب هائل، وهو انقلاب أصاب من قبله (إقبال) حين كان يشهد تقاليدهم، ويعيش في جوهم، فنضج بذلك ضميره الديني، مما أكسب الفكر الشاعر ذاتية غنية، اتصف بها ضمير يتمتع بالعقل وبالعاطفة، أي بميزة الفهم وميزة الانفعال، هذا الحوار بين القلب والفكر، هو الذي ينقص إنسان ما بعد الموحدين، والذي يبدو أنه لم يتحرك بعد داخل نفسه على شاطئ البحر الأبيض، وهو من أعظم ما يتعلمه العالم الإسلامي في رحلته نحو آسيا، ومع ذلك فإن المسلم في إندونيسيا، وأخاه في باكستان، يمثلان رجلين ذوي خصائص ممايزة: فإن الاحتلال الهولندي الذي امتد قروناً عديدة، لم يترك في جزائر إندونيسيا عدداً كافياً من المثقفين، ولكن هذه القلة المثقفة البسيطة وهي المسؤولة عن الكفاح ضد الفاقة العامة، وضد الأمية الشاملة، وضد التفريط والفوضى- وهي الأمراض التي تعمد الاستعمار خلقها، ثم ولى هارباً إلى حيث تختفي الجرذان- هذه القلة تدلنا على ما تزخر به عبقرية الشعب الإندونيسي من استعدادات عجيبة.
    والرجل في جاوة دقيق الحس، يحترم النظام والتنظيم، وهو مغرم بتعميق جزئيات الأشياء، فهو بذلك رجل مادي إيجابي ذو طاقة ضخمة، وهو أيضاً رجل عملي، ماهر في صنعته، ذواقة لشتى أنواع الفنون" (66) .
    3 – إشادته بالصحيفة الفرنسية (الإنسانية) المشهورة بالتأصيل للفكر الشيوعي، قال :" كانت صحيفة (الإنسانية L'Humanité) بالنسبة لي المهدّئ الوحيد، إذ كان (كاشان وفايان كوتورييه Cachin et Vaillant Couturier) يصبان فيها دائماً هجومهما ولعناتهما التي تخفف عن نفسي" (67) .
    4- قال عن القرآن الكريم : " ففي القرآن ـ من حيث كونه وثيقة تاريخية ـ ..." (68) .
    5 - علاقته بالطريقة العيساوية (69) ، قال :" كان عمي يحسن الضرب على تلك الآلة و كانوا في الزاوية العيسوية، حيث كنت أرافقه مساء كل سبت يعدون اختصاصيا بها وشيئا فشيئا ألفت وجوه رجال تلك الطريقة، و اصبحت أذهب معهم في كل مرة تقام خارج الزاوية في منزل أو عائلة ، و كنت أجلس معهم في الحلقة المؤلفة من الجوقة و العازفين..." (70).
    6 – تصويبه للنظرية الماركسية ودفاعه عنها، وفي هذا يقول : " أن النظرية الماركسية ليست مخطئة، و لكنها ناقصة بالنسبة إلينا " (71) .

    __________________________________________________ ___________________________

    (1) : أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1/26)، وصححه الشيخ الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (رقم47).
    (2) : أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1/27) وصححه الشيخ الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (رقم48)
    (3) : منهاج السنة (6/231).
    (4) : سورة الحجر الآية: (9).
    (5) : أخرجه أبوداود في السنن (رقم4291)، والبيهقي في السنن والآثار (ص52)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم599).
    (6) : أخرجه ابن ماجه في السنن (رقم 8)، وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم 2442) .
    (7) : حاشية ابن القيم على سنن أبي داوود (12/456).
    (8) : الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 55-56) .
    (9) : أخرجه البخاري في صحيحه (رقم6881) ومسلم في صحيحه(رقم 1921) .
    (10) : أخرجه مسلم في صحيحه(رقم1920).
    (11) : أخرجه البخاري في صحيحه (رقم7460) واللفظ له ، ومسلم في صحيحه (رقم1037).
    (12) : ورد تفسير ذلك عن أحد السلف رضي الله عنه في قول الله تعالى:{ يوم ندعو كل أناس بإمامهم} [ سورة الإسراء:71]، قال: " هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم"، ينظر: تفسير ابن كثير (5 /99) .
    (13) : أخرجه الحاكم في مستدركه ( 4 / 449 )، والطيالسي في المسند(رقم 38)، وصححه العلامة الألباني في صحيحه(رقم1956).
    (14) : مجموع الفوائد واقتناص الأوابد (ص: 166) .
    (15) : المصدر السابق (ص: 166) .
    (16) : الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1 /177- 178).
    (17) : سورة النجم الآية : (4) .
    (18) : معجم المناهي اللفظية (ص: 417-418) .
    (19) : الصحوة الإسلامية ( ص75 ) وينظر : كتابه الردئ الآخر: واقعنا المعاصر (ص 401).
    (20) : الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة (ص 133ـ135) .
    (21) : معجم المناهي اللفظية (ص: 326- 327) .
    (22) : يعرف بأنه : التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي شملت حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته" ينظر : " الاستشراق في السيرة النبوية " لعبدالله محمد الأمين (ص ص16) .
    (23) : سورة المدثر: ( من الآية 1 إلى7) .
    (24) : أخرجه البخاري في صحيحه (رقم4770)، ومسلم في صحيحه (رقم208) .
    (25) : سورة النساء الآية: (65) .
    (26) : أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة" (رقم 15)، وضعفه الشيخ الألباني في " ظلال الجنة في تخريج السنة " .
    (27) : فتاوى ورسائل سماحة الشيخ (1/85- 86-87-88) .
    (28) : تهافت الفلاسفة (82 - 83) ط : سليمان دنيا.
    (29) : سورة النور الآية : (39).
    (30) : سورة النور الآية : (40) .
    (31) : درء تعارض العقل والنقل (1/ 169) .
    (32) : الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (3/ 979) .
    (33) : من شريط مفرغ بعنوان: " الفكر والعلم " .
    (34) : الإبانة الكبرى لابن بطة (1/ 205) .
    (35) : المصدر السابق (1/ 205) .
    (36) : المصدر السابق (1/ 206) .
    (37) : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 56) .
    (38) : مالك بن نبي وجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين للدكتور محمد العبدة / بتصرف.
    (39) : سورة هود الآية : (88) .
    (40) : مذكرات شاهد للقرن (ص: 130-131-132) .
    (41) : مذكرات شاهد للقرن (ص: 210) .
    (42) : مذكرات شاهد للقرن (ص: 284) .
    (43) : مالك بن نبي (9) لغز ماسنيون"مقالة على الشبكة العنكبوتية .
    (44) : مذكرات شاهد للقرن (ص: 346)
    (45) : المصدر السابق (ص: 387)
    (46) : المصدر السابق (ص: 376)
    (47) : المصدر السابق (ص: 66) .
    (48) : مذكرات شاهد للقرن (ص: 91) .
    (49) : في مهب المعركة (ص 87).
    (50) : المصدر السابق (ص 208).
    (51) : المصدر السابق (ص 207).
    (52) : في مهب المعركة (ص: 150) .
    (53) : بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/ 403) .
    (54) : شروط النهضة (ص: 53) .
    (55) : مشكلة الثقافة (ص 48) .
    (56) : انظر : حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام للشيخ ربيع حفظه الله (ص: 36) .
    (57) : شروط النهضة (ص: 21) .
    (58) : مذكرات شاهد للقرن (ص: 66-67) .
    (59) : شروط النهضة (ص: 68-69) .
    (60) : العدالة الاجتماعية (ص: 200 ط خامسة) ، و(ص: 167 ـ 168 ط ثانية عشرة ).
    (61) : مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (ص: 230) .
    (62) : أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره (ص: 35) .
    (63) : العدالة الاجتماعية (ص 194/ ط: الخامسة).
    (64) : أخرجه مسلم في صحيحه (رقم2889) .
    (65) : أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره (ص: 36) .
    (66) : وجهة العالم الإسلامي (ص: 184-185) .
    (67) : مذكرات شاهد للقرن (ص: 128) .
    (68) : ميلاد مجتمع (ص 45( .
    (69) : العيساوية هي من فرق الصوفية المنحرفة أسسها محمد بن عيسى الفاسي المولود سنة (872 هـ)، تشتهر هذه الطريقة العيساوية بالشعوذة والسحر واستخدام الموسيقى في أناشيدها ومدائحها الشركية .
    (70) : مذكرات شاهد على القرن (ص48).
    (71) : ميلاد مجتمع (ص 30 ) .
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمن كمال بن خميسي; الساعة 2019-03-14, 08:35 PM.

  • #2
    جزاكم الله خيرا أبا عبد الرحمن على هذه الإفادة.

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا أبا عبد الرحمن وبارك فيك مقال طيب ورد رصين وبيان شافي، حوى في طياته توضيحا لسبيل المؤمنين وتقريعا لأولئك المفتونين، وتحذيرا للجاهلين، ونصحا للخائضين، أسأل الله الكريم أن تجد ثوابه يوم العرض على رب العالمين. آمين

      تعليق


      • #4
        أحسن الله إليكما وجزاكما الله خيرا .

        تعليق


        • #5
          جزاك الله خيرا، فعلا لقد أتحفتنا بشرح طريقة القوم وما هم عليه، نسأل الله السلامة والعافية.
          غفر الله له

          تعليق


          • #6
            بارك الله فيك على المقال الماتع والجهد الطيب .

            تعليق


            • #7
              بارك الله تعالى في الجميع وسلمتم .

              تعليق


              • #8
                جزاك الله خيرا نفع الله بكم

                تعليق


                • #9
                  جزاك الله خيرا أخي محمد ووفقك الله تعالى

                  تعليق


                  • #10
                    أحسن الله إليك وجزاك خيرا على هذا المقال الطيب.

                    تعليق


                    • #11
                      جزاك الله خيرا

                      تعليق


                      • #12
                        وإياكم أخي .

                        تعليق

                        الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
                        يعمل...
                        X