إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الإغاثة ببيان بعض ما جاء في الاستغاثة والرد على من أباح ما حرم من الاستغاثة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الإغاثة ببيان بعض ما جاء في الاستغاثة والرد على من أباح ما حرم من الاستغاثة

    بسم الله الرحمن الرحيم



    الإغاثة

    ببيان بعض ما جاء في الاستغاثة والرد على من أباح ما حرم من الاستغاثة


    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    (ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
    (ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
    (ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فوزا عظيما).
    أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أما بعد:
    فإن من مسائل التوحيد التي تجاهلها وغفل عنها كثير من الناس، مسألة الاستغاثة، حتى تخبط فيها كثير ممن ينسب إلى العلم من الأشاعرة و الصوفية و غيرهم، و ما ذاك إلاّ لتساهلهم وتفريطهم في جناب التوحيد وبعدهم عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، ورحم الله العلامة الألباني حين قال في مقدمة كتابه النفيس {كتاب التوسل}:
    اضطرب الناس في مسألة التوسل وحكمها في الدين اضطرابا كبيرا واختلفوا فيها اختلافا عظيما بين محلل ومحرم، ومغال ومتساهل، وقد اعتاد جمهور المسلمين منذ قرون طويلة، أن يقولوا في دعائهم مثلا: { اللهم بحق نبيك، أو بجاهه، أو بقدره عندك عافني واعف عني } و { اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي } و { اللهم بجاه الأولياء والصالحين ومثل فلان وفلان ......... } أو { اللهم بكرامة رجال الله عندك وبجاه من نحن بحضرته وتحت مدده فرج الهم عنا وعن المهمومين } و { اللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين ................ إلخ } .
    ويسمون هذا توسلا ويدعون أنه سائغ ومشروع وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه بل تأمر به وتحض عليه وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن كقبور الأولياء والحديد المبني على أضرحتهم والتراب والحجارة والشجرة القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم و أن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى يصح أن يكون وسيلة إلى الله بل قد أجاز بعض المتأخرين الاستغاثة بغير الله وادعى أنها توسل مع أنها شرك محض ينافي التوحيد من أساسه ا.هـ
    قال جامعه عفا الله عنه:
    صدق رحمه الله فمن ذاك ما جاء في منظومة لعلامة النحو محمد ابن أب رحمه الله وهي بعنوان: (نزهة الحلوم في نظم منثور بن آجروم) ،حيث قال:
    وقل أغثني يا رسول ربي *** و يا شفيعا في عظيم الذنب
    والبيت تظمّن مخالفتين:
    الأولى مخالفة بينة جلية وهي: الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم
    الثانية: تعتبر مخالفة إن كانت من باب طلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم استقلالا، وأما إن كانت من باب الإخبار أنه صلى الله عليه وسلم يشفع من بعد إذن ربه، فإن للعلماء كلاما مفاده الجواز، والسياق يدل على الأولى، والله أعلم.
    وتابعه في هذا الخطب العظيم والخطإ الجسيم، صاحب (الرحيق المختوم) و هو محمد باي بلعالم رحمه الله، حيث قال: ص 109.
    (خاتمة) : قول الناظم: أغثني يا رسول ربي, فيه دليل على جواز التوسل إلى الله بخواص خلقه والاستغاثة بهم إلى الله والأصل في الاستغاثة والطلب والنداء والسؤال هو أن يكون لله سبحانه وتعالى فهو المعين والمغيث والمجيب، قال تعالى( أدعوني أستجب لكم)، وليس الغرض من الاستغاثة بالرسول أو التوسل به إرادة النفع أو دفع الضر منه استقلالا دون الله،
    والنبي صلى الله عليه وسلم أعظم من يستغاث به إلى الله سبحانه وتعالى في كشف الكربات وقضاء الحاجات وقد كان أصحابه يستعينون به، ويستغيثون به، ويطلبون منه الشفاعة، ويشكون حالهم إليه من الفقر والمرض والبلاء والدّين ويعتقدون أنّه ليس إلاّ واسطة وسببا في النفع والضرر والفاعل حقيقة هو الله كقول الأعرابي الذي أتاه وهو يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فدعا الله وجاء المطر إلى الجمعة الثانية، فجاء وقال يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل وهلكت المواشي، يعني من كثرة المطر، فدعا صلى الله عليه وسلم فانجاب السحاب وصار المطر حول المدينة ا.هـ
    وقد اشتمل هذا الكلام على عدة مخالفات منها :
    أولا: القول بجواز التوسل إلى الله بخواص خلقه.
    ثانيا: القول بجواز الاستغاثة بخواص خلق الله .
    ثالثا: رمي الصحابة بأنهم كانوا يستغيثون بالنبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي بيان بطلان هذا الزعم في كلام الشيخ بن باز وشيخ الاسلام بن تيمية عليهما رحمة الله .
    رابعا: الاستدلال الفاسد بحديث الاستسقاء يوم الجمعة على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
    خامسا: جعل الوسائط بين العبد وربه في الاستغاثة والدعاء وغيرهما.
    سادسا: طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم.
    و من باب الأمر بالمعروف و الذب عن حياض التوحيد والسنة المطهرة أردت أن أجعل بيانا يكشف ما ورد في هذا الكلام من مخالفات وشبهات، مستعينا بالله، منطلقا من قوله تعالى ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) وقد جعلته في محاور أغلبها من شروح كتاب التوحيد، وترتيبها كالآتي:
    ـ1ـ تعريف الاستغاثة.
    ـ2ـ أقسام الاستغاثة.
    ـ3ـ ذكر حديث إنّه لا يستغاث بي.
    ـ4ـ دحض شبهة جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقدر عليه إلا الله.
    ـ5ـ تفسير قوله تعالى (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
    ـ6ـ ذكر حديث الاستسقاء يوم الجمعة.
    ـ7ـ النهي عن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم من كلام ابن عبد الهادي في رده على السبكي. والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
    ـ1ـ المحور الأول: تعريف الاستغاثة.
    تعريفها لغة: الغُواث بالضم: الإغاثة، وغوّث الرجل، واستغاث: صاح واغوثاه، والاسم: الغوث، والغُواث، والغَواث، وفي حديث هاجر أم إسماعيل:( فهل عندك غواث)، الغَواث بالفتح كالغِياث بالكسر، من الإغاثة، وفي الحديث:( اللهم أغثنا )، بالهمزة من الإغاثة، ويقال فيه غاثه يغيثه وهو قليل، قال: وإنّما هو من الغيث، لا الإغاثة.
    واستغاثني فلان فأغثته، والاسم: الغيّاث، صارت الواو ياءا لكسرة ما قبلها، وتقول: ضرب فلان فغوّث تغويثا إذا قال: واغوثاه، قال الأزهري: ولم أسمع أحدا يقول: غاثه يغوثه، بالواو.
    ابن سيده: وغوّث الرجل واستغاث: صاح واغوثاه، وأغاثه الله، وغاثه غوثا وغياثا، والأولى أعلى، التهذيب: والغياث ما أغاثك الله به، ويقول الواقع في بلية: أغثني أي فرج عني.
    ويقال استغثت فلانا، فما كان عنده مغوثة ولا غوث أي إغاثة.
    و غوث: جائز في هذه المواضع أن يوضع اسم موضع المصدر من أغاث، وغوث وغياث، ومغيث: أسماء. والغوث: بطن من طيّء، وغوث: قبيلة من اليمن وهو غوث ابن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ ا.هـ من لسان العرب.
    تعريفها اصطلاحا: قال الشيخ ابن قاسم في شرحه على كتاب التوحيد
    الاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصرة، والاستعانة طلب العون، والغيّاث هو المغيث، وأكثر ما يقال: غيّاث المستغيثين، أي مدرك عباده في الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم، والفرق بينها وبين الدعاء أنّ الاستغاثة لا تكون إلاّ من المكروب، و أمّا الدعاء فهو أعم منها، لأنّه يكون من المكروب وغيره ا.هـ
    قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرحه على كتاب التوحيد:
    الاستغاثة هي: طلب الغوث، والغوث يحصل لمن وقع في شدة وكرب يخشى معه المضرة الشديدة أو الهلاك، فيقال أغاثه إذا فزع إليه، وأعانه على كشف ما به، وخلصه منه، كما قال جل وعلا في قصة موسى ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه )، يعني أنّ من كان من شيعة موسى طلب الغوث من موسى على من كان عدوا لهما جميعا، فأغاثه موسى عليه السلام ا.هـ
    ـ2ـ المحور الثاني: أقسام الاستغاثة.
    قال الشيخ ابن العثيمين في شرحه على الأصول الثلاثة:
    الاستغاثة طلب الغوث وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك وهو أقسام:
    الأول: الاستغاثة بالله عز وجل وهذا من أفضل الأعمال و أكملها وهو دأب الرسل وأتباعهم ودليله ما ذكره الشيخ رحمه الله (¬¬¬¬¬إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، وكان ذلك في غزوة بدر حين نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشركين في ألف رجل وأصحابه في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فدخل العريش يناشد ربه عز وجل رافعا يديه مستقبل القبلة يقول : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) وما زال يستغيث بربه رافعا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر رضي الله عنه رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من وراءه ، وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله هذه الآية
    الثاني : الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة : فهذا شرك لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظا من الربوبية قال الله تعالى ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون )
    الثالث : الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم قال الله تعالى في قصة موسى :( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه ) .
    الرابع : الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية : مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به فيمنع منه لهذه العلة ، ولعلة أخرى وهي الغريق ربما اغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية ينقذ بها من الشدة ا.هـ
    3ـ المحور الثالث ذكر حديث (إنه لا يستغاث بي)
    قال الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد:
    وروى الطبراني بإسناده : أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل ) .
    قال الشيخ عبد العزيز بن باز في شرح كتاب التوحيد:
    وروى الطبراني بإسناده أنه كان هناك منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم ......... الحديث ، جاء في رواية أخرى أنه عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأن المنافق هو عبد الله بن أبي ابن سلول وفي إسناده بعض الضعف .
    والصحابة لم يطلبوا الغوث بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا لأنه يقدر أن يخلصهم منه إما بقتله أو بحبسه وهم يعلمون أن الاستغاثة بالحي القادر جائزة ولهذا ذهبوا إليه.
    قوله:( لا يستغاث بي ) يحتمل أمرين:
    الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع قتله لأنه كان ممنوعا من قتله لأجل أن لا يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه فامتنع من قتله.
    الثاني: يحتمل إن صح الخبر أنه قاله سدا للذريعة وإن كان قادرا على التخلص منه حتى لا تقع منهم هذه الكلمة في أمور لا يقدر عليها.
    والشاهد أنه لا يستغاث بغير الله إلا فيما يقدر عليه الحي.
    المحور الرابع: دحض شبهة جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقدر عليه إلا الله.
    قال الشيخ ابن قاسم رحمه الله في شرحه على كتاب التوحيد:
    قوله: فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنه لا يستغاث بي ) : أي يرفع عنا أذيته فإنه قد آذى الله ورسوله .
    وهذا نص منه صلى الله عليه وسلم أنه لا يستغاث به ، حماية لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك وتحذيرا من وسائله وإذا كان هذا مع سيد الخلق فمن دونه بطريق الأولى ، قال شيخ الاسلام : والاستغاثة بمعنى أن يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو لائق بمنصبه ،
    لا ينازع فيها مسلم فإن الصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء، ويستسقون به كما في الصحيح وغيره، وأما بالمعنى الذي نفاه فهو مما يجب نفيه .
    قال وقد يكون في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله ، وهذا يرد عليه فهمه كما روى الطبراني أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال أبو بكر رضي الله عنه قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ) فهذا إنما أراد به صلى الله عليه وسلم المعنى الثاني وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ا.هـ
    قال جامعه عفا الله عنه:
    فهذا الكلام من هؤلاء الأئمة فيه بيان أنه لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في ما لا يقدر عليه إلا الله أثناء حياته فكيف يقال بجواز الاستغاثة به صلى الله عليه وسلم بعد مماته و الله جل وعلا يقول ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون ) و المستغيث هو المكروب، المضطر، لغة واصطلاحا كما تقدم فهل تستقيم الاستغاثة منه برسول الله صلى الله عليه وسلم من دون الله تعالى بعد هذا البيان الشافي من رب العزة سبحانه وتعالى ؟. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    ويزيد الأمر وضوحا ما جاء في كلام شيخ الاسلام محمد ابن عبد الوهاب في كتابه الأصول الثلاثة حيث قال رحمه الله : الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، والدليل قوله تعالى ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) ا.هـ
    المحور الخامس: تفسير قوله تعالى ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )
    قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى (والذين اتخذوا من دونه أولياء) أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم معتذرين عنهم وقائلين: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) أي لترفع حوائجنا لله ، وتشفع لنا عنده ، و إلا فنحن نعلم أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تملك من الأمر شيئا أي فهؤلاء قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص وتجرؤوا على أعظم المحرمات وهو الشرك وقاسوا الذي ليس كمثله شيء الملك العظيم بالملوك وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء وشفعاء ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم و يستعطفونهم عليهم ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك ، وهذا القياس من أفسد الأقيسة وهو يتظمن التسوية بين الخالق والمخلوق مع ثبوت الفرق العظيم عقلا ونقلا وفطرة فإن الملوك إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم لأنهم لا يعلمون أحوالهم فيحتاجون من يعلمهم بأحوالهم وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة فيحتاج من يعطفهم عليه ويسترحمه لهم ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء ويخافون منهم فيقضون حوائج من توسطوا لهم مراعاة لهم ومداراة لخواطرهم وهم أيضا فقراء قد يمنعون لما يخشون من الفقر ، وأما الرب تعالى فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده وهو تعالى أرحم الراحمين ا.هـ
    المحور السادس: إيراد حديث الاستسقاء يوم الجمعة:
    روى البخاري في صحيحه ، (كتاب الاستسقاء) باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة:
    حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا اسماعيل بن جعفر عن شريك عن أنس بن مالك : ( أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو باب دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: ( اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ) قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت فلا والله ما رأينا الشمس ستا ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ) قال فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك سألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول ؟ فقال ما أدري ا.هـ
    إن الناظر بعين البصيرة ليرى أن الحديث يدل على مشروعية طلب الدعاء من اهل الصلاح الأحياء، لا على الاستغاثة بالأموات كما زعم من استدل بالحديث على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في السنة المطهرة ما يدل على جواز طلب الدعاء من اهل الصلاح من ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم { عرضت علي الأمم ...... الحديث }، قال الراوي: فقام عكاشة ابن محصن رضي الله عنه فقال: يا رسول الله{ ادع الله أن يجعلني منهم }، فقال النبي صلى الله عليه وسلم { أنت منهم }.
    قال الشيخ صالح الفوزان في شرحه على كتاب التوحيد، باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب:
    { فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم }: هذا فيه مشروعية طلب الدعاء من أهل الخير الأحياء، لأن هذا الصحابي طلب الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقره على ذلك، فدل على جواز طلب الدعاء من الصالحين الأحياء ا.هـ
    وقال الشيخ ابن قاسم في شرحه على ذات الباب:
    وفيه طلب الدعاء من الفاضل لكن في حياته، أما بعد وفاته فشرك أكبر ا.هـ
    وقد تقدم معنا كلام شيخ الاسلام ابن تيمية الذي قال فيه: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو لائق بمنصبه، لا ينازع فيها مسلم فإن الصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء، ويستسقون به كما في الصحيح وغيره، وأما بالمعنى الذي نفاه فهو مما يجب نفيه ا.هـ
    المحور السابع: النهي عن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم من كلام بن عبد الهادي في رده على السبكي.
    قال الشيخ ابن قاسم في شرحه على كتاب التوحيد:
    وقال الحافظ بن عبد الهادي في رده على السبكي: وقوله : أي قول السبكي (إن المبالغة في تعظيمه أي تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة) يريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما حتى الحج إلى قبره، والسجود له، والطواف به، و اعتقاد أنه يعلم الغيب، و أنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، و أنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، و أنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك، و انسلاخ من جملة الدين.
    و في الفتاوى البزازية من كتب الحنفية: قال علماؤنا من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر وقال الشيخ صنع الله الحنفي: في كتابه الذي ألفه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: ( هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد و البليات، وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، عليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. قال: وهذا كلام فيه تفريط و إفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومضادة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة. وفي التنزيل: ( ومن يشاقق الر سول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ).
    إلى أن قال: الفصل الأول: فيما انتحلوه من الإفك الوخيم والشرك العظيم.
    إلى أن قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفا في حياتهم وبعد الممات.
    فيرده قوله تعالى ( أإله مع الله )، ( ألا له الخلق والأمر )، ( لله ملك السماوات والأرض )، ونحوه من الآيات الدالة أنه منفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره، تصرفا وملكا وإحياء وإماتة وخلقا، وتمدح الرب بانفراده في ملكه بآيات من كتابه كقوله (هل من خالق غير الله) (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) وذكر آيات في هذا المعنى ثم قال فقوله في الآيات كلها (من دونه) من غيره فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره؟.
    إلى أن قال: فكيف يتصور لغيره من الممكن أن يتصرف؟ إن هذا من السفاهة لقول وخيم وشرك عظيم.
    إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات، فهو أبدع وأشنع من القول بالتصرف في الحياة قال جل ذكره (إنك ميت وإنهم ميتون)، (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت)،(كل نفس ذائقة الموت)،(كل نفس بما كسبت رهينة)، وفي الحديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله)، فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك أن ليس للميت تصرف في ذاته فضلا عن غيره بحركة، وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها من خير وشر، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره ؟.
    فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة ، متصرفة .
    (قل أأنتم أعلم أم الله).
    قال: وأما اعتاقدهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات، فهو من المغالطة، لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدي، ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران، وأسيد ابن حضير، وأبي مسلم الخولاني.
    قال: وأما قولهم يستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله وأبدع، لمضادته لقوله جل ذكره (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله)،( قل من ينجيكم في ظلمات البر والبحر)، وذكر آيات في هذا المعنى.
    ثم قال: فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر ليس غيره، وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب، وأنه المنفرد بإجابة المضطرين، وأنه المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير، فهو المنفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره، خرج غيره من ملك ونبي وولي.
    قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، يا لزيد، يا لقوم، يا للمسلمين، كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل.
    وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور من الشدائد كالمرض، وخوف الغرق، والضيق، والفقر، وطلب الرزق، ونحوه فمن خصائص الله، فلا يطلب فيها غيره.
    قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات.
    إلى أن قال: فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح، أو غير ذلك في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيرا، فقد وقع في واد جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير.
    وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله )،(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)،(أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون)
    فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله إذ لا قادر على الدفع غيره ولا خير إلا خيره.
    قال: وأما ما قالوه من أن منهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في (سراج المريدين)، وابن الجوزي وابن تيمية . انتهى باختصار.
    خاتمة: هذا ما يسر الله لي جمعه وترتيبه في بيان بعض ما جاء في مسألة الاستغاثة، وهو المسؤول سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإخواننا إلى كل خير وأن يثبتنا على السنة والهدى إلى يوم نلقاه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


    وكتب:

    العبد الفقير أبو عبد الرحمن عمر مكي
    بوادي التاغية حرسها الله

    وبلاد المسلمين
    تم الفراغ منها:
    ليلة الثلاثاء 28 ربيع الثاني 1434 من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
    التعديل الأخير تم بواسطة يوسف عمر; الساعة 2018-09-09, 12:28 PM.

  • #2
    جزاكم الله خيرا أخي عمر على هذا المقال المفيد.

    تعليق


    • #3
      وخيرا جزاك أخي يوسف، نسأل الله عز وجل أن يعينكم.

      تعليق

      الاعضاء يشاهدون الموضوع حاليا: (0 اعضاء و 1 زوار)
      يعمل...
      X