قنادل الومضات
في تعليقة على منام بقراءة (دلائل الخيرات!!!)
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله بِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه الصَّادق الأمين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:
في تعليقة على منام بقراءة (دلائل الخيرات!!!)
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله بِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه الصَّادق الأمين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:
فهذه وقفةٌ علميَّةٌ ملفتِة، ونكتةٌ استعراضيَّة مرشدةٌ، مع "دلائل الخيرات!!"؛ المشهور عند أهل الطَّرائق والتَّصوُّف، والمركوم في خزائن الزَّوايا، والمرفوف في مكتبات النَّاس(1)؛ إمَّا مطبوعاً وإمَّا مخطوطاً، فإنَّنا نحاول هنا وبالرَّغم من تلك الشُّهرة التي فيه(2)؛ أن نتذاكره وأيَّاكم ـــ معشر القرَّاء ـــ وبمقتضى قانون النَّقد، وبمقتضى قانون (التَّصفيَّة والتَّربيَّة!!)؛ على جزئيَّةٍ خطيرةٍ ذكرها الشَّيخ الفاسيُّ في كتابه "المعجم"، والتي هي أساس هذا البحث، وقد أسميناه بـ "قنادل الومضات في تعليقةٍ على منام بقراءة (دلائل الخيرات!!)".
فنقول:
قال الشَّيخ عبد الحفيظ بن محمَّد الطَّاهر الفاسيُّ (1383هـ) في كتابه "معجم الشُّيوخ المسمَّى رياض الجنَّة أو المدهش المطرب"(ص/75):
"وأخبرني المترجم، أنَّ شيخه أخبره: أنَّه رأى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مناماً، وأمره بملازمة التِّلاوة في المصحف وبقراءة (دلائل الخيرات)...".
فالمترجم هنا هو محمَّد التمكشتيُّ؛ وهو أبو عبد الله محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن أحمد السُّوسيُّ التمكشتيُّ الرَّجراجيُّ السَّالميُّ، العلاَّمة الفقيه الصُّوفيُّ (1338هـ).
قال الفاسيُّ عنه: "كان رحمه الله عالماً مشاركاً فقيهاً صوفياً، صاحب أذكارٍ وعبادة".
وأمَّا شيخه فهو العلاَّمة الشَّهير بالصَّقع السُّوسيِّ أبي العبَّاس أحمد بن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن محمَّد الجشتيميِّ البكريِّ التِّمليِّ النَّاصريِّ طريقة، قال الفاسيُّ: "تلقَّى منه (دلائل الخيرات) و(النَّاصريَّة) وغيرهما".
فهؤلاء الثَّلاثة: الفاسيُّ صاحب "المعجم"، وكذا شيخه محمَّد التمكشتيُّ، وشيخ شيخه أبو العبَّاس الجشتيميُّ؛ كانوا على طريقة (النَّاصريَّة!!!)، كما أنَّ صاحب "الدَّلائل" وهو الجزوليُّ المغربيُّ؛ كان هو الآخر على طريقة (الشَّاذليَّة!!!). والقصد أنَّ هؤلاء المذكورين هنا كانوا جميعهم على طريقة الصُّوفيَّة، وكذا من أهل الزَّوايا المعهودة في توجُّهها عبادةً وانتماءً، وطاعةً واعتقاداً. وحينها فلا حاجة لنا في التَّدقيق ـــ أو التَّحقيق ـــ في الأمر أكثر؛ طالما هو الحال كذلك، وطالما ـــ وهو الأهمُّ! ـــ أنَّ حكم الجرح واقع عليهم؛ بحكم القبوريَّة التي فيهم، وبحكم البدعة والضَّلالة التي تلبَّست(3) بهم نيَّة وفعلاً وقولاً، وهذا معلوم لمن عنده خبرة بواقع هؤلاء، وبأصحابها ودعاتها ومريديها. وقد قيل: "لسان الحال أبلغ من لسان المقال".
إلاَّ أنَّ الذي يعنينا نحن هنا بالدَّرجة الأولى، هو ما جاء في تلك الرُّؤية المرويَّة عن الشَّيخ الجشتيميِّ النَّاصريِّ، والكلام عليها يكون من عدَّة أوجه:
(الوجه الأوَّل): أنَّ أمره صلَّى الله عليه وسلَّم بملازمة المصحف ـــ ويعني به تلاوة القرآن ـــ وكذا بقراءة هذا المسمَّى بـ "دلائل الخيرات"؛ هو أمرٌ للوجوب بقراءتهما، كما هو واضح من سياق الرُّؤية. وهذا يعني به أنَّه حكمٌ شرعيٌّ جديد قد تعبَّدنا الله به، بناء على أنَّ الرُّؤى والمنامات مصدرٌ للتلقِّي والمعرفة عند أمثال هؤلاء القوم من المتصوِّفة والطُّرقيَّة؛ وهو أصلٌ فاسدٌ كاسدٌ، وعاطلٌ باطلٌ كما هو معلوم في مكانه. لكنَّ المقرَّر عند أهل السنَّة: أنَّ الأحكام لا تثبت بالرُّؤى ولا بالمنامات، زيادة إلى أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يكلِّف عباده بشيءٍ ممَّا يقع لهم في منامهم، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "رفع القلم عن ثلاثةٍ..."(4)؛ وعدَّ فيهم النَّائم حتَّى يستيقظ؛ لأنَّه إذا كان نائماً فليس من أهل التَّكليف، فلا يعمل بشيءٍ يراه في نومه(5). كما أنَّ العمل بالمنام أيضاً مخالفٌ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "تركتُ فيكم الثَّقلين لن تضلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله وسنَّتي"(6)؛ فجعل النَّجاة من الضَّلالة في التَّمسُّك بهذين الثَّقلين فقط لا ثالث لهما، ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد(7). زيادةٌ أيضاً إلى أنَّ العلم والرِّواية لا يؤخذان إلاَّ من متيقِّظٍ حاضر العقل، والنَّائم ليس كذلك(8). قال الإمام النَّوويُّ رحمه الله: "حالة النَّوم ليست حالة ضبطٍ وتحقيقٍ لما يسمعه الرَّائي، وقد اتَّفقوا على أنَّ من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون مستيقظاً لا مغفَّلا ولا سيِّئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضَّبط، والنَّائم ليس بهذه الصِّفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه"(9).
ثمَّ ليس مقصودنا هو أن نردَّ على أصلهم المهزوز، أو نبطل بعض من دعاويهم في إثبات أذكار وأورادٍ وأمور أخرى، كمثل ما ذكر ـــ مثلاً ـــ عن ذاك عبد الخالق الغجدوانيِّ النَّقشبنديِّ: "أنَّ الخضر لقَّنه الوقوف العدديِّ، وعلَّمه الذِّكر الخفيِّ، وهو أنَّه أمره أن ينغمس في الماء ويذكر الله بقلبه لا إله إلاَّ الله محمَّدٌ رسول الله، ففعل كما أمر وداوم عليه، فحصل له من الفتح القويم والجذبة القيُّوميَّة"(10). وما ذكر أيضاً عن أبي العبَّاس المرسي: "بأنَّه اكتسب من الخضر معرفة أرواح المؤمنين بالغيب؛ هل هي معذَّبة أو منعمة؟!"(11). أو ما ذكر كذلك عن ذاك الأيُّوبيِّ المتوفِّى سنة (1364هـ) بسنده عن الخضر؛ قال، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: "إذا رأيت الرَّجل لجوجاً معجباً برأيه فقد تمَّت خسارته"(12)؛ وغيرها من الدَّعاوي المتضمِّنة لذلك. فهذا كلُّه أو بعضه تجده في المطوَّلات التي اعتنت بالمنهج والعقيدة والعبادات ككتاب "الإعتصام" للشَّاطبي وكتب شيخ الإسلام ابن تيميَّة وغيرهما. بل القصد هو التعجُّب من القوم ومن دعاويهم الكثيرة تلك؛ الحقيرة منها تارةً، والمفضوحة منها تارة أخرى، والغريبة منها تارة ثالثة، مثل حالتنا نحن هنا في الإلتزام بقراءة "دلائل الخيرات"؛ وهذا يذكِّرنا بقول القائل: "من العجب أن تتعجَّب من العجب!!!".
(الوجه الثَّاني): وهو ما وقع لنا من هذا العجب أو من هذه الغرابة، ونحن نقلِّب أوراق "جواهر المعاني"(1/94)(13) لمؤلِّفه المسمَّى عليٌّ حرازمَ الفاسيُّ؛ وهو يقول: "وأمَّا فضل صلاة الفاتح لما أغلق الخ، فقد سمعت شيخنا يقول: كنت مشتغلًا بذكر صلاة الفاتح لما أغلق حين رجعت من الحجِّ إلى تلمسان؛ لمَّا رأيت من فضلها وهو أنَّ المرَّة الواحدة بستُّمائة ألف صلاةٍ كما هو في "وردة الجيوب"؛ وقد ذكر صاحب "الوردة": أنَّ صاحبها سيِّدي محمَّد البكريِّ الصَّديقيِّ نزيل مصر وكان قطبًا؛ قال: إنَّ من ذكرها ولم يدخل الجنَّة فليقبض صاحبها عند الله. وبقيت أذكرها إلى أن رحلت من تلمسان إلى أبي سمعون، فلمَّا رأيت الصَّلاة التي فيها المرَّة بسبعين ألف ختمة من "دلائل الخيرات" تركت الفاتح لما أغلق واشتغلت بها؛ وهي: (اللَّهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله صلاة تعدل جميع صلوات أهل محبَّتك، وسلِّم على سيِّدنا محمَّد وعلى آله سلامًا يعدل سلامهم)؛ لمَّا رأيت فيها من كثر الفضل ثمَّ أمرني بالرُّجوع صلَّى الله عليه وسلَّم إلى صلاة الفاتح لما أغلق، فلمَّا أمرني بالرُّجوع إليها سألته صلَّى الله عليه وسلَّم عن فضلها؟ فأخبرني أوَّلاً: بأنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من القرآن ستُّ مرَّات، ثمَّ أخبرني ثانياً: أنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من كلِّ تسبيحةٍ وقع في الكون، ومن كلِّ ذكرٍ ومن كلِّ دعاءٍ كبير أو صغيرٍ، ومن القرآن ستَّة آلاف مرَّة؛ لأنَّه من الأذكار".
قلت: وهذا فيه من الضَّلال والزَّيغ ما فيه، وهو بيِّنٌ لكلِّ ذي عينين، وما يعنينا نحن منه هو فقط قوله: "ثمَّ أمرني بالرُّجوع صلَّى الله عليه وسلَّم إلى صلاة الفاتح لما أغلق"؛ وفيه ملاحظتان دقيقتان للغاية؛ وهما:
الأولى: وهي في رؤية أبي العبَّاس التِّيجانيِّ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام ـــ كما هو واضحٌ من سياق رواية مريده الفاسيُّ ـــ وأمره له بأن يعيد قراءة (صلاة الفاتح لما أغلق) بدل ما كان عليه في قراءة "دلائل الخيرات".
والثَّانية: وهي بناءً على هذه الرُّؤية وما قد جاء فيها من أمره بقراءة (صلاة الفاتح) كما رأيناه آنفاً، فهو صلَّى الله عليه وسلَّم يكون قد خالف أمره هذا، بأمره الآخر لمَّا رآه الجشتيميُّ التِّمليُّ النَّاصريُّ في المنام؛ وأمره أيَّاه فيه بقراءة "دلائل الخيرات". فالأمران متناقضان: فأحدهما فيه الأمر بقراءة (صلاة الفاتح) والآخر فيه بقراءة "الدَّلائل"؛ وهنا نسأل كلتا الطَّريقتان ـــ (التِّيجانيَّة!!) و(النَّاصريَّة!!) ـــ بعد إقحام طريقتهما في هذا المأزق والمحزق؛ كيف يكون المخرج من هذا التَّناقض أو من هذه المعضلة؟!
قد يقول قائلٌ منهما: نلجأ في هذه الحالة بتطبيق "قاعدة: النَّاسخ والمنسوخ". حينذاك؛ علينا أن نعرف من هو الأمر الأسبق ومن هو الأمر المتأخِّر، وهذا طبعاً لا يتسنَّى إلاَّ بمعرفة التَّاريخ؛ أي في معرفة وفاة كلٍّ من صاحبي المنام أو الرُّؤية المزعومة، فهذا أحمد بن عبد الرَّحمن؛ أبو العبَّاس التِّمليُّ السُّوسيُّ الجزوليُّ الجِشْتيميُّ قد توفِّي سنة (1327هـ)، وأمَّا أبو العبَّاس أحمد التِّيجانيُّ فقد توفِّي سنة (1230هـ)؛ أي أنَّ هذا الثَّاني متقدِّم الوفاة كثيراً عن ذاك الأوَّل بـ (97) سنة عند التَّحقيق، ممَّا يحكم برؤية الجشتيميِّ، وأنَّها ناسخة لرؤية التِّيجانيِّ.
وهذا يعني أنَّ دعوى (التِّيجانيَّة!!) الآن بقراءة ما سمَّوه بـ (صلاة الفاتح لما أغلق!!) حسب رؤية شيخها ومؤسِّسها، هي دعوى باطلة؛ لأنَّه لا يجوز العمل بالمنسوخ كما هو معلوم، وكما قد رأيناه تحقيقاً.
فمن الكذب إذاً والبهتان العظيم؛ أن نجد ـــ وإلى السَّاعة كما هو الواقع ـــ دعاتها يشيدون بقراءة (صلاة الفاتح!!!)؛ في المجالس والمنتديات، وفي الزَّوايا والمساجد، وكذلك هو الحال بالنِّسبة لمصنَّفاتها، بل لم يتكلَّفوا جهداً في إخبار النَّاس، وخاصَّة منهم أتباعها من المريدين؛ عن حقيقة الأمر أو عن بطلان هذه الدَّعوى أو نسخها؛ إبراءً لذمَّتهم. وأيضاً كان من الواجب على أصحاب الطَّريقة (النَّاصريَّة!!) أن يبيِّنوا هذه الحقيقة بين الملأ، وكذا أن يبيِّنوا كذب دعوى رفيقتها(14) بما تدَّعيه، بل كان عليها أن تفضحها كما يجب بمقتضى ذاك النَّسخ المذكور. لكن وكما يقال: "كلُّ طيرٍ مع شكله"، أو كما قيل قديماً: "إنَّ الطُّيور على ألاَّفها تقع". وجاء في المثل: "الهوى إلهٌ معبود"، أو بقول القائل: "حبُّك الشَّيء يعمي ويصمُّ".
وهذا يعني أنَّ كلتا الطَّريقتان متَّفقتان تماماً على هذا الباطل، أو ـــ على الأقلِّ كما يظهر ـــ على السُّكوت في استمرار هذا الباطل، وذلك بعدَّة اعتبارات نذكر منها:
أوَّلاً: إذا ادَّعت كلتاهما بهذا النَّسخ حقيقة فقد أضحكوا النَّاس عليهما، وأبانت كذا عن حقيقتهما المزيَّفة؛ وذلك في طعنهما في الشَّرع بوصفه بالنَّقص بشكلٍ أو بآخر؛ وأنَّه قد احتاج فعلاً إلى التَّكميل بدعوتهما المرتبطة بقراءة إمَّا (صلاة الفاتح) أو بقراءة "الدَّلائل"، وأمَّا إذا ادَّعوا صراحة ـــ وهذا على وجه الإفتراض ـــ هذا النَّسخ؛ فقد استدركتا حينها على صاحب الشَّرع صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا يترتَّب على قائله من الكفر بما هو محلُّه، إلاَّ إذا هربتا من هذا واعتمدتا على ما ادَّعاه إمام المتصوِّفة جميعاً ـــ وهو ابن عربي ـــ على أصله الفاسد في جواز العمل بالمنامات.
ثانياً: في حالة أنَّهما ادَّعتا فعلاً مسمَّى هذا النَّسخ المزعوم ـــ على مبدإ اللَّغو واللَّهو على قداسة الشَّرع ومبلِّغه صلَّى الله عليه وسلَّم ـــ، أو في حالة سكوتهما عن هذا الحقِّ المستدرك الجديد، وتستُّرهما حتَّى لا يعلم به أبداً جمهور أتباعهما ومريديهما؛ وبهذا يكونان شريكان في هذا الباطل، ومتعاونان فيه وعليه؛ إمَّا في دعوى النَّسخ تارةً، وإمَّا في دعوى السُّكوت تارةً أخرى. و"السَّاكت عن الحقِّ شيطانٌ أخرس!!!"؛ كما يقولون.
ثالثاً: أنَّ هذا منهما هو فقط من باب تفضيل أورادهما أو مشايخهما، وهذا كلُّه يظهر جليًّا لكلِّ عاقلٍ وسائلٍ؛ (أنَّ للنُّفوس من وراء ذلك حظوظاً ومقاصد خاصَّة، برفعة الرَّائي لنفسه، أو رفعة شيخه، أو طريقته، أو ما إلى ذلك)(15).
رابعاً: أنَّه من المحال جدًّا أن يكونا قد تفطَّنا لهذا التَّعارض ما بين رؤية شيخيهما، إذ الغالب في أهل البدعة عموماً، وفي جملة الوضَّاعين والكذَّابين على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعلى الشَّرع أيضاً، أنَّهم لا ينتبهون أبداً إلى كذبهم بشكلٍ من الأشكال أو بحالٍ من الأحوال، ولنا في الأحاديث الموضوعة مثالٌ صادعٌ وقياس صادقٌ، بل نموذج حيٌّ عمليٌّ، ولا فرق ما بين تلك الأحاديث المكذوبة الموضوعة، ولا بين هذه الرُّؤى المكشوفة المزعومة، فما يقال هنالك يقال هنا؛ للجامع بينهما وهو أنَّ الأحكام لا تبنى بالمجروحين ولا بالكذَّابين، ولا بالمنامات والذَّوق والمكاشفات؛ فتنبَّه.
خامساً: والأهمُّ أنَّهما تعلمان تمام العلم بأنَّ هذا منهما كذباً، كما تعلمان أيضا بأنّهما تكذبان كذباً فاحشاً؛ فهذا أحمد التِّيجانيُّ رأس الطَّريقة التِّجانيَّة يزعم أنَّ (ذكره) الذي يسمِّيه (صلاة الفاتح): "القراءة الواحدة له تعدل قراءة القرآن ستَّة آلاف مرة!!"؛ كما حكاه آنفاً صاحب "الجواهر". فهل هنالك كذبٌ مثل هذا؟! يدَّعي أنَّ كلاماً ركيكاً كـ (صلاة الفاتح) التي هي مجرَّد سطرٌ ونصف سطر، أو نحو خمس عشرة كلمة فقط، يعدل أجر قراءتها أجر قراءة القرآن ستَّة آلاف مرَّة!! وهذا ـــ كما يراه النَّاظر اللَّبيب ـــ كذبٌ سخيفٌ! لا يحتاج إلى تعليقٍ وبيانٍ، وهذه الصَّلاة ذات الفضل المزعوم هي: "اللَّهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد الفاتح لما أغلق والخاتم لم سبق، ناصر الحقِّ بالحقِّ والدَّاعي إلى صراطك المستقيم".
بل الكذب الصُّراخ! أنَّ هؤلاء (التِّيجانيِّين) يقولون: أنَّ (صلاة الفاتح) هذه المزعومة نزلت عليهم من السَّماء في ورقةٍ مكتوبةٍ بقلم القدرة!! ولذلك قالوا هي من كلام الله تعالى وليست من تأليف مخلوق. وهذا واضحٌ تمام الوضوح في "الهديَّة العادية إلى الطَّريقة التِّجانيَّة"(ص/105).
زيادة على كذبتهم الأخرى؛ ألا وهي أنَّ (صلاة الفاتح) هي أفضل من عبادة جميع الإنس والجنِّ والملائكة!! ولم يتوقَّفوا هنا؛ بل عندهم من الدَّواهي والأكاذيب ما يندى له الجبين، فعندهم صلاة أخرى يسمُّونها (جوهرة الكمال!!!)؛ ونصُّها: "اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على عين الرَّحمة الرَّانية، والياقوتيَّة المتحقِّقة، الحائطة بمركز الفهوم والمعاني، ونور الأكوان المتكوِّنة، الآدميُّ صاحب الحقِّ الرَّبَّانيِّ، البرق الأسطع بمزون الأرياح المالئة لكلِّ متعرِّض من البحور والأواني، ونورك اللاَّمع الذي ملأت به كونك الحائط بأمكنة المكاني، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على عين الحقِّ التي تتجلَّى منها عروش الحقائق، عين المعارف الأقوم، صراطك التَّام الأسقم، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على طلعة الحقِّ بالحقِّ، الكنز الأعظم، إفاضتك منه إليك إحاطة، النُّور المطلسم صلَّى الله عليه وسلِّم وعلى آله صلاة تعرفنا بها إياه"؛ كما في "الرِّماح"(1/224).
وقد انتقدها كثيرا الشَّيخ تقيُّ الدِّين الهلاليُّ رحمه الله، وكذا الشَّيخ الكميل الشَّنقيطيُّ في "أرجوزته" التي انتقد بها الطَّريقة التِّجانيَّة؛ فقال:
ولم يجز إطلاق لفظ موهم ........ نقصاً على النَّبيِّ مثل الأسقم
كذا مطلســــم وما يدريـــكا ......... لعلَّــــه كفــــر عنِّي الشَّــريـــكا
وزاد ذاك التِّيجانيُّ أيضاً ـــ كما حكاه عنه صاحب "الهديَّة الهادية"(ص/110)؛ ـــ قال: "أعطاني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة تسمَّى (جوهرة الكمال) كلُّ من ذكرها اثنتي عشرة مرَّةً فكأنَّما زاره في قبره؛ يعني في روضته الشَّريفة!! وكأنَّما زار أولياء الله الصَّالحين من أوَّل الوجود إلى وقته ذلك. وقال لي رسول الله: هذه هديَّة منِّي إليك".كذا مطلســــم وما يدريـــكا ......... لعلَّــــه كفــــر عنِّي الشَّــريـــكا
فهل هنالك كذبٌ أعظم من هذا الكذب المذكور؟!
فقد كذبتم ـــ معشر (التِّيجانيَّة) وبالخصوص شيخها التِّيجانيُّ ـــ على الله ورسوله، وجاريتم في كذبكم هذا من قال: إنَّ قراءة "دلائل الخيرات" أفضل من قراءة القرآن سبعة آلاف مرَّة! فانظر المجاراة والتَّنافس في الكذب على الله ورسوله.
(الوجه الثَّالث): أنَّه لا مانع ـــ والحالة هذه ـــ إذا ادَّعت طريقة أخرى بأنَّ شيخها قد رأى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمره كما أمر سابقيه بأن يقرأ ورداً ما، أو حزباً مثل ما هو مشهوراً عند الشَّاذليَّة أو عند غيرها، أو كتاباً ما لهذا الرَّائي؛ فيأمره مثلاً أن يدَع عنه (صلاة الفاتح) و"الدَّلائل"؛ ويقرؤ في مكانهما بما قد أمره به، ولا تستطيع أيًّا من (النَّاصريَّة!!) و(التِّيجانيَّة!!) أن تنكر عليه ذلك، وكذلك تأتي أخرى فتظهِر مثل ما أظهرت من سبقتها؛ وهكذا يتسلسل الأمر بينها وبين جميع علاَّتها من الطَّرائق، إلى ما هنالك من الدَّعاوى، ولا تستطيع أن تنكر بعضها على بعض.
فإذا تحقَّق هذا في واقع الدَّعاوي! فإنَّه يكون بلا ريبٍ ضرباً من الجنون، لا يصدر عن عاقلٍ فضلاً عن جاهل، وإنَّما هو فقط محض الهوى والكذب عن الشَّرع كما نراه عند أدعيَّاءها. وعندها تسقط قراءة "دلائل الخيرات"، كما تسقط أيضاً قراءة (صلاة الفاتح)، وتسقط غيرها وغيرها تسلسلاً ودوراً؛ وهو القصد.
(الوجه الرَّابع): وهو أنَّه قد ورد في كتاب "دلائل الخيرات" من أوراد (الشَّاذليَّة!!!) للشَّيخ عبد الفتَّاح القاضي، إذ ذكر بعضها الشَّيخ الفاسيُّ؛ ومنها هذا: "يا الله يوه واه هو يا هو يا من هو أنت، أنت هو يوه هو يا يوه هو يا جليل يا هو يا من لا هو إلاَّ أنت هو"؛ كما في كتاب "كنوز الأسرار في الصَّلاة والسَّلام على النَّبيِّ"(ص/79).
إذ النَّاس ـــ وبالخصوص منهم من اشرأبَّت به البدعة ظاهراً وباطناً مثل هؤلاء أهل التَّصوَّف وأصحابا الزَّوايا ـــ مولعةٌ بما هو جديد من هذه التَّفاهات والتُّرَّهات، كما حكاه الشَّيخ محمَّد الخضِر بن مايابى الشَّنقيطيُّ في كتابه "مشتهى الخارف الجاني في ردِّ زلقات التِّجاني الجاني"؛ فقال: "فإنَّ النَّاس مولَعةٌ بحبِّ الطَّارئ، ولذلك تراهم يرغبون دائماً في الصَّلوات المرويَّة في "دلائل الخيرات" ونحوه، وكثيرٌ منها لم يثبت له سندٌ صحيحٌ، ويرغبون عن الصَّلوات الواردة عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في صحيح البخاريِّ".
(الوجه الخامس): ولقد ذهب النَّاس غالباً في كتاب "دلائل الخيرات" حسب تتبُّعها إلى أقسامٍ ثلاثة:
الأوَّل: من تراهم مولعين شديد الولوع والوزوع بهذا الكتاب، وأكثرهم هم من أهل الطَّريقة بلا شكٍّ، فتراهم يركِّزون همَّهم وشغفهم فقط في العمل على شرحه، ومن هؤلاء أن نذكر مثلاً: الجزائريُّ محمَّد بن أحمد الشَّريف (1139هـ) له "سجلاَّت المسرَّات بشرح دلائل الخيرات"، و"استجلاب المسرات في شرح دلائل الخيرات" للفاضل الأزميريِّ (1165هـ)، و"أنفع الوسائل في شرح الدَّلائل" أعني دلائل الخيرات لناصر الدِّين أبي البركات عبد الله بن الحسين بن مرعي السُّويديِّ البغداديِّ الشَّافعيِّ (1174هـ)، و"الأنوار اللاَّمعات في الكلام على دلائل الخيرات" لأبي زيدٍ عبد الرَّحمن بن محمَّد التَّامنارتي الفاسيِّ، و"بهجة المسرَّات بكشف دلائل الخيرات" لحسن العلويِّ البكريِّ، و"تفريج الكرب والمهمَّات بشرح دلائل الخيرات" للشَّيخ عبد المعطى بن سالم بن عمر بن الشِّبليِّ السِّملاويِّ الأزهريِّ المصريِّ (1127هـ)، و"توفيق موفِّق الخيرات لنيل البركات في خدمة منبع السَّعادات شرح دلائل الخيرات" لمحمَّد الشَّهير بقرَّه داود زاده الرُّوميِّ (1170هـ)، و"تيسير الدِّلالات لشرح دلائل الخيرات" لمحمَّد شاكر بن صنع الله الأنقرويِّ الرُّوميِّ، و"شرح دلائل الخيرات" لمحمَّد المهديِّ بن أحمد الفاسيِّ القصريِّ المالكيِّ، و"حاشية على دلائل الخيرات" لأبي محمَّد عبد الرَّحمن الفاسيِّ الفقيه المالكيِّ (1036هـ)، و"مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات" لأبي عبد الله محمَّد بن يوسف الفاسيِّ المالكيِّ (1052هـ)، و"منتج البركات في شرح دلائل الخيرات" لمحمَّد بن إسماعيل الرَّيحانيِّ (1158هـ)، و"المنح الإلهيَّات في شرح دلائل الخيرات" لسليمان ابن عمر المعروف بالجمل (1204هـ)، و"مناهج السَّعادات على دلائل الخيرات" لأبي السُّعود محمَّد بن عليِّ الشَّروانيِّ مفتي المدينة المنوَّرة، و"بلوغ المسرَّات على دلائل الخيرات" لحسن توفيق العدل العدويِّ الحجازيِّ الحمزاويِّ المالكيِّ (1303هـ)، وشرحها عثمان بن الحاج عليُّ الأكينيُّ الرُّوميُّ الحنفيُّ المفتي (1210هـ)، وكذا السيِّد عبد الصَّمد بن حسن البرزنجيُّ، ومفيد الرُّوميُّ (1217هـ)، وفتح الله بن الشَّيخ عمر الزَّكيُّ بن محمَّد الآمديُّ الماردينيُّ الفقيه الشَّافعيُّ، والشَّيخ محمَّد أبو الغيث الكمرانيُّ التُّونسيُّ القادريُّ، وغيرهم كثير وكثير.
قلت: فهؤلاء جميعاً! ألم يكن عندهم علمٌ بكذب هذه الأحاديث ووضعها، ممَّا قد قاموا بشرح "دلائل الخيرات" باعتبار فقط هذا الجهل عندهم في عدم معرفتهم بدرجة هذه الآثار؟! أم كان عندهم علمٌ بها، ومع ذلك قاموا بشرحها اتِّباعاً لهواهم أو لطريقتهم، ناسين في ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "من كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأ مقعده من النَّار". وقوله: "حدِّثوا عنِّي ولا تكْذِبوا عليَّ، فإنَّه من يكذبُ عليَّ يلج النَّار".
وإذ الأمر كذلك؛ فإنَّه من أغرب ما يكون هنا، ومن أعجب ما وجد؛ والله المستعان.
والقسم الثَّاني: من اهتمَّ فقط إمَّا في ترجمة أحاديث "الدَّلائل" أو في تخريجها، كما فعل كلٌّ من: القنُّوجيُّ الهنديُّ الفقيه الحنفيُّ (1223هـ) له "انتخاب الحسنات في ترجمة أحاديث دلائل الخيرات"، والعلاَّمة أبو راس الرَّاشديُّ الجليليُّ المعسكريُّ الجزائريُّ (1238هـ) في "تخريج أحاديث دلائل الخيرات" كما ذكر ذلك صاحب "معجم أعلام الجزائر"(ص/306) وصاحب "الإعلام"(6/242)؛ وكنَّا نأمل كثيرا أن نرى هذا الكتاب ـــ بلْه أن يكون موجوداً أصلاً وليس في عداد الكتب المفقودة ـــ حتَّى نرى علميَّة الرَّجل في صناعة الحديث ودرايته في فنِّ التَّخريج؛ لكن هيهات! وإن كنت أظنُّ أنَّ هذا غير صحيح؛ والصَّحيح أنَّ له شرحاً عليه وليس تخريجاً، وقد سمَّاه بـ "الآيات البيِّنات في شرح دلائل الخيرات" كما قيل. فإمَّا أن يكون له كتاباً واحداً؛ وهو "الآيات البيِّنات" وهو الصَّحيح على ما يظهر، وإمَّا أن يكون له كتابين: أحدهما تخريجاً والآخر شرحا كما ذكرناهما؛ وهذا مستبعدٌ عندنا. لأنَّه كيف لمن يعرف درجة الأحاديث المخرَّجة ـــ وأنَّها ساقطة هابطة مظلمة ـــ ويعمل شرحاً مثل كتابه "الآيات البيِّنات"؟!!
والقسم الثَّالث: من اهتمَّ في الرَّدِّ عليها وبيان شناعاتها وضلالاتها كالشَّيخ الدُّويش في "الألفاظ الموضِّحات لأخطاء دلائل الخيرات"، والشَّيخ عبد المحسن العبَّاد ـــ حفظه الله ـــ في معرض "الرَّدِّ على الرِّفاعيِّ والبوطيِّ في كذبهما على أهل السنَّة ودعوتهما إلى البدع والضَّلال"(ص/14 وما بعدها)، وكذلك فعل الشَّيخ محمَّد تقيُّ الدِّين الهلاليُّ من قبل في معرض الرَّدِّ على حسين أحمد الديوبنديِّ المدنيِّ؛ فقال: "أمَّا دلائل الجهالات والضَّلالات الذي سمَّيته "دلائل الخيرات"؛ ففيه ضلالات كثيرة: منها قوله في ثلاثة مواضع: "اللَّهم صلِّ على سيِّدنا محمَّد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك". وقوله: "اللَّهم صلِّ على سيِّدنا محمَّد حتَّى لا يبقى من الصَّلاة شيء". وقوله: "اللَّهم ارحم سيِّدنا محمَّداً حتَّى لا يبقى من الرَّحمة شيء، اللَّهم بارك على سيِّدنا محمَّد حتَّى لا يبقى من البركة شيء".
فجعل معلومات الله معلومات محدودة، وعدل عن الصَّلاة التي علَّمها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جميع المسلمين، واقتصر عليها أصحابه والتَّابعون لهم بإحسانٍ، وأحدث بدعة، وألَّف كتاباً يتلى كما يتلى القرآن، وابتدع زيادة: (سيِّدنا!!!)".
وكذلك فعل صاحب "وقفات مع الكتاب المسمَّى دلائل الخيرات"، وممكن أن ندخل هنا ـــ أيضاً ـــ تحذير أبو عبد الكريم محمَّد سلطان المعصوميُّ الخجنديُّ (1380هـ) في كتابه "تمييز المحظوظين عن المحرومين في تجريد الدِّين وتوحيد المرسلين"(ص/253)، ومثله كذا محمود مهدي الإستانبوليُّ في "كتب ليست من الإسلام".
(الوجه السَّادس): أنَّه ومن زيادة العجب والغرابة على ما ذكر آنفاً، ومع كثرة تلك الشُّروحات عليها التي لا طائل تحتها، وأيضاً ما زاد الطِّين بلَّة! هو ما قاله صاحب كتاب "كشف الظُّنون"؛ قال: "هذا الكتاب آية من آيات الله في الصَّلاة على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، يواظب بقراءته في المشارق والمغارب لاسيما في بلاد الرُّوم".
وهذا من أعجب ما سمعت، وأغرب ما يكون!!
ولذلك تجد منْ ترجم له قيل في حقِّه ـــ كما في "إتحاف أعلام النَّاس"؛ وهم كثر ـــ: "تال لكتاب الله عزَّ وجلَّ، مواظبٌ على قراءة (دلائل الخيرات)". وآخرٌ قيل فيه: "يختم في كلِّ يومٍ ختمة من (دلائل الخيرات)". وآخر أيضاً قيل فيه مع: "ملازمة ما تيسَّر من (دلائل الخيرات) بالتأمُّل التَّام".
ولذلك تجد ـــ مع هذا الغلوِّ فيها ـــ كثرة الكذب على أهل الحقِّ، وبالخصوص شيخ الإسلام ابن عبد الوهَّاب رحمه الله، كما فعل جميل أفندي صدقي الزُّهاويِّ العراقيِّ، والشَّيخ حسين الديوبنديُّ، وكذا الشَّيخ أحمد زيني دحلان مفتي مكَّة المكرَّمة في رسالته في "الرَّدِّ على الوهَّابيَّة"؛ ومن قوله: "ومنع النَّاس من الرَّواتب والأذكار، وقتل من قرأ "دلائل الخيرات"، ومن قرأ مولد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم...". وكذا فعل الشَّيخ السويديُّ العراقيُّ؛ وغيرهم كثير.
ولا غرو! أن يكون هذا من هؤلاء وأمثالهم في هذا الكذب والزُّور والبهتان. كما أنَّه لا غرو! أن تسمع بمثل ما قاله صاحب "الكشف" آنفاً، وقد كفانا الرَّدُّ هنا ما قاله الإمام العلاَّمة الأمير الصَّنعانيُّ في نظمٍ له؛ قال:
غلوٌ نهى عنه الرَّسـول وفرية ...... بلا مريـة فاتركه إن كنت تستهدي
أحاديث لا تعزى إلى عالمٍ ولا ....... تســاوي فلساً إن رجعت إلى النَّقد
وصيَّرها الجهَّال للدَّرس ضــرَّة ...... يرى درسها أزكى لديه من الحمــد
(الوجه السَّابع): وقد تعمَّدنا في تأخير مقصده الثَّاني، بعدما وقفنا على ذاك المنام أو تلك الرُّؤية السَّابقة الذِّكر، وأيضاً بعد وقوفنا تمام الوقوف على ما جاء في "الدَّلائل" إسهاباً وإطناباً؛ فقد حان لنا أن نرى مقصده الآخر؛ وهو في قوله: "وأمره بملازمة التِّلاوة في المصحف وبقراءة (دلائل الخيرات)...". وفيه حقيقتان:أحاديث لا تعزى إلى عالمٍ ولا ....... تســاوي فلساً إن رجعت إلى النَّقد
وصيَّرها الجهَّال للدَّرس ضــرَّة ...... يرى درسها أزكى لديه من الحمــد
الحقيقة الأولى: وهي أنَّه كان من الأولى أن يقول بقراءة كتاب "الموطَّأ"، باعتباره المصدر الأساسيُّ والتَّشريعيُّ للمذهب المالكيِّ، وكذا أنَّه هو لإمام (المالكيَّة!!!) قديماً وحديثا؛ ألا وهو الإمام مالك بن أنسٍ رحمه الله. وباعتباره أيضاً أنَّه أصحُّ كتابٍ بعد كتاب الله تعالى؛ كما قال به تلميذه الإمام الشَّافعيُّ وأحد رواة لـ "موطَّئه" هذا.
فكان منه الأولى إذاً أن يقول بقراءة "الموطَّأ" بدل من هذا "دلائل الخيرات"، لما قد رواه الإمام التِّرمذيُّ وغيره عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أنَّه قال: "يوشك أن يضرب النَّاس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة".
فبالرَّغم من أنَّ الحديث ضعيف(16)، فإنَّنا نمشِّيه هنا كما قد مشُّوا شرَّاح "الدَّلائل" أحاديثه المكذوبة والموضوعة؛ مع الفرق بيننا طبعاً، وكذلك قد رُوي عن غير واحدٍ كابن جريج وابن عيينة وغيرهما أنَّهم قالوا: هو ( مالكٌ!!! )؛ رحمه الله وأرضاه.
فإذا عرفنا هذا؛ وعرفنا أيضاً ذاك التَّعارض الأوَّل في مخالفته لأمره صلَّى الله عليه وسلَّم بقراءة (صلاة الفاتح!!) بدل "دلائل الخيرات!!" أو العكس، والآن يأتي معنا معرفة هذا التَّعارض الثَّاني؛ وهو في مخالفته صلَّى الله عليه وسلَّم ـــ وحاشاه! ـــ لأمره في الحديث "يوشك أن يضرب النَّاس.."؛ إذ الأصل أن يكون هذا موافقاً لأمره في المنام الأوَّل وفي المنام الثَّاني، لبيانه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ النَّاس أجمع، وخاصَّة منهم أهل الأندلس وأهل المغرب يشدُّون الرِّحال إليه، للإغتراف من علمه، ولسماع كتابه "الموطَّأ"؛ الذي بارك الله فيه في العالمين.
قلت: فكان الأولى أن يكون في منام ذاك الجشتيميِّ قراءة القرآن وقراءة "الموطَّأ"، وكذلك هو الحال بالنِّسبة لمنام ذاك التِّيجانيِّ، لأنَّه يستحيل أن يقرن هذا "الموطَّأ" بـ "دلائل الخيرات" أو بـ (صلاة الفاتح). ومن قال كذلك فهو دجَّال مدَّعي، لا حرمة له بالمذهب المالكيِّ ـــ كما يدَّعون هؤلاء بأنَّهم (مالكيَّة!!!) ـــ، ولا له حرمة بهذا الكتاب العظيم في زمانه أنذاك والأمس واليوم؛ ألا وهو كتاب "الموطَّأ".
والحقيقة الثَّانية: وهي قلَّما يعلم بها أكثر الأفاضل، فضلاً عن هؤلاء الغوغاء، وكذا الحمقى من أهل الزَّوايا الممقوتة، ومن أهل الطُّريقة الفاسدة، بأنَّ المذهب المالكيِّ! كان العدوُّ اللَّدود للرَّافضة (الفاطميَّة!!!) الخبيثة في ذلك الزَّمن، وبالرَّغم طبعاً من وجود المذاهب الأخرى كالحنفيَّة والشَّافعيَّة وغيرها، لأنَّه وكما يعرف في استقصاء التَّاريخ والتَّمعُّن فيه؛ وحسب ما قالوه أيضاً، بأنَّ المذهب الوحيد الذي كان يعادي البدعة ويحاربها في كلِّ مكان هو المذهب (المالكيِّ!!!)؛ وخاصَّة بقاعدتها الكبرى في سدِّ الذَّرائع. ومن هذا الأساس لم تكن البدعة منتشرة في الأندلس ولا في المغرب ولا في إفريقيَّة ولا في غيرها من تلك المناطق التي نسمِّيها الآن بالمغرب العربي.
فكان الأمر كذلك إلاَّ أن ظهرت تلك الدَّولة (الفاطميَّة!!) العبيديَّة الإسماعيليَّة الجائرة الكافرة سنة (297هـ)، فلمَّا أرادت أن تنشر بدعها وضلالاتها كما يحلو لها، وجدت أمامها سدًّا منيعاً وحصناً صامداً، متمثِّلٌ في المذهب المالكيِّ ورجاله الأفذاذ من أهل السنَّة ـــ ولا أقول الأشعريَّة كما يدَّعيه أهلها زوراً وكذباً ـــ، فقد وقفوا بين أيدي هذه الدَّولة اللَّعينة سدًّا، ومن خلف جبروتها وظلمها سدًّا، فقد كافحوا ونافحوا، ووقفوا ــــ كما يشهد عليهم التَّاريخ ــــ في وجه هؤلاء الدُّخلاء على عقيدة الأمَّة؛ الذين حاولوا النَّيل منها، وزعزعة منهجها القويم. فما كان على هذه الدَّولة الخبيثة اللَّعينة إلاَّ أن تكشِّر عن أنيابها، وتشرِّد هؤلاء ومذهبهم بالتَّعذيب والقتل والتَّشريد، وكذا بمنع تداول كتبها أو قراءتها في العلانيَّة والسِّرِّ، والأهمُّ من ذلك كلِّه؛ هو استبداله أي هذا المذهب المالكيُّ بالمذهب الحنفيِّ الذي خدم مصالحها؛ وفعلا هو الذي كان.
والشَّاهد من كلامنا هذا؛ هو منع هذه الدَّولة (الفاطميَّة) الرَّافضيَّة الكافرة من تداول كتاب "الموطَّأ" على الخصوص، وبالعموم كتب المالكيَّة الأخرى؛ والتي لها وزنها المعتبر في التَّشريع، ووزنها القويُّ في محاربة البدعة من أيِّ نوعٍ كانت.
هذه هي الحقيقة السَّاطعة التي يجب أن تُعرف هنا، وهي بغضُ تلك الدَّولة الكافرة للسنَّة ولأهل السنَّة، وبغضها الشَّديد لكتاب "الموطَّأ"، فمن أجل ذلك كلِّه نشرت شركيَّاتها وقبوريَّاتها وقبابها وأضرحتها، وكذا وهو الأهمُّ نشر (العقيدة الأشعريَّة!!!) على نطاقه الواسع، بدل عقيدة أهل السنَّة وهي (عقيدة أهل الحديث).
ولذلك نجد مثل هذه المنامات والرُّؤى المزعومة بكثرة، وما هي في الحقيقة إلاَّ من بقايا تلك (الفاطميَّة) ومخلَّفاتها التي خلَّفته في البلاد وبين العباد.
ونافلة القول: هو الوقوف على حقيقة البهتان لمثل جملة هؤلاء الطَّرائق المنتشرة في بلادنا وفي غيرها، وبالخصوص منها تلك (التِّيجانيَّة) و(النَّاصريَّة) و(الشَّاذليَّة) و(الجزوليَّة) وغيرها، بكذبها على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى شرع الله المنزَّل، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.
وصلَّى الله على محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
وكتبه ببنانه راجي عفو ربِّه:
أبو حامد الإدريسي
يوم الأحد 01 ذو الحجَّة 1439هـ الموافق لـ 12 أوت 2018م
أبو حامد الإدريسي
يوم الأحد 01 ذو الحجَّة 1439هـ الموافق لـ 12 أوت 2018م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وبالخصوص عند خواصهم من أهل الثَّقافة والدِّيانة، وعند من لهم علاقة وارتباط وثيق بالزَّوايا وأهلها؛ فهؤلاء على الخصوص ترى عندهم هذا الكتاب الموسوم بـ "دلائل الخيرات" للجزوليِّ.
(2) وقلنا مشهوراً وهو الواقع الذي يعرفه من عاش الزَّمنين: زمن الإستعمار وزمن الإستقلال، إذ فيهما لا يخلو مسجدٍ منه فضلاً عن زاوية، وأمَّا من يذكر السَّبعينات يراه موجودا بكثرة في المساجد، وما ذاك إلاَّ لأنَّه جعل ورداً بعد الصَّلوات، أو قراءته على وجه الذِّكر العام، أو على وجه الإجتماع الخاص؛ كما كانوا يقرؤون أيضا (الفاتح لما أغلق!!!) والله المستعان.
(3) فالينتبه هنا إلى الفرق الواقع بيننا ــ نحن معشر السَّلفيِّين ــ وبين تلك (الحدَّادية!!!) من تكفير النَّاس وتبديعهم لمجرَّد القول أو الفعل بهذه البدعة أو هذا الكفر.
(4) رواه الإمام أحمد في "مسنده"(6/100) وأبو داود في "سننه"(4/558) وابن ماجه (1/658) عن عائشة رضي الله عنها. ورواه التِّرمذيُّ في "سننه"(2/438) عن عليٍّ، وقال: حديث حسن غريب.
(5) أنظر "البدع الحوليَّة"(ص/65) للشَّيخ عبد الله التويجري.
(6) رواه الحاكم في "المستدرك"(1/93) وابن عبد البرِّ في "بيان العلم وفضله"(2/24) ولم ترد في روايتيهما كلمة (الثَّقلين)، ورواه مالك في "الموطأ"(2/899) بلاغاً. وذكره الألباني في "صحيح الجامع الصغير"(3/39) و"سلسلة الأحاديث الصحيحه"(4/355-361)؛ وقال رحمه الله: "صحيحٌ".
(7) أنظر "البدع الحوليَّة"(ص/65) للشَّيخ عبد الله التويجري [بالتصرُّف].
(8) أنظر نفس المصدر.
(9) أنظر مقدمة "صحيح مسلم بشرح النووي"(1/115).
(10) أنظر "أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة"(1/35) لسعود بن عبد العزيز الخلف.
(11) أنظر نفس المصدر.
(12) أنظر نفس المصدر.
(13) وعنوانه كاملاً "جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيِّدي أبي العبَّاس التِّجاني رضي الله عنه" للعلاَّمة العارف بالله سيِّدي عليٍّ حرازم بن العربي برَّادة الفاسي.
(14) وأعني بها الطَّريقة (التِّيجانيَّة!!!).
(15) أنظر "أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة"(1/34) لسعود بن عبد العزيز الخلف.
(16) ضعَّفه الشَّيخ الألباني في "المشكاة"(246).
تعليق