بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم الأنبياء وإمام المتقين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أم بعد:
فجزى الله خيرا أخانا عماد على ما تفضل به علينا من فوائد في مقاله الموسوم بـ ( اللباب في شرح علل الكتاب لسبويه) وها هنا إشكال ورد علينا وهو نقله وفقه الله لكلام بعض أهل الشأن في بيان علو كعب الكتاب، فقال:
وكان بعضهم يقول (الكتاب قرآن النحو).
وكان عبد الله بن محمد عيسى يختمه كل خمسة عشرة يوما كأنما يتلوه تلاوة القرآن.
وقال صاعد بن أحمد الجياني: لا أعرف كتابا ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب: أحدها (المجسطي) لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني (كتاب أرسططاليس) في علم المنطق, والثالث: (كتاب سيبويه) البصري النحوي فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فيه شيء إلا ما لا خطر له.
وهذا كلام تظمن هنات كثيرة لا ينبغي أن يورد بلا تعليق لا سيما وتعلقها بالعقيدة الاسلامية الصحيحة.
والجواب على هذا أن يقال:
قول بعضهم: (الكتاب قرآن النحو)، وقول: عبد الله بن محمد عيسى يختمه كل خمسة عشرة يوما كأنما يتلوه تلاوة القرآن.
باطل من أوجه كثيرة منها:
1ـ أن القرآن كلام الله الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، وهذا كلام بشر ضعيف ناقص يخطئ ويصيب يجري عليه ما يجري على سائر بني آدم من سهو ونسيان وغيرها قال الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، قال الحكمي رحمه الله في لامية الناسخ والمنسوخ:
وقد بدا لي في تلخيص واضحه***في جملة جمعت في طييها جمل
ولست أذكر فيها غير راجحه***إلا لرد وتوهين فيعتزل
والكامل الله في ذات وفي صفة***وناقص الذات لم يكمل له عمل
والله أسأل ألطافا ومغفرة***على المعايب والتقصير تشتمل.
2ـ الغلو الفاحش ومجاوزة الحد في إطراء المؤلف والمؤلف، وقد نهينا عن هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو).ولست أذكر فيها غير راجحه***إلا لرد وتوهين فيعتزل
والكامل الله في ذات وفي صفة***وناقص الذات لم يكمل له عمل
والله أسأل ألطافا ومغفرة***على المعايب والتقصير تشتمل.
3ـ أنه لا ينبغي تشبيه قراءة الكتاب بتلاوة كتاب رب الأرباب سبحانه وتعالى والفرق بينهما كالفرق بين الرب والعبد.
وقول صاعد بن أحمد الجياني: لا أعرف كتابا ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب: أحدها (المجسطي) لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني (كتاب أرسططاليس) في علم المنطق, والثالث: (كتاب سيبويه) البصري النحوي فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فيه شيء إلا ما لا خطر له.
ظاهر البطلان، إذ لا يصح إطلاق مثل هذا على عمل يعتريه النقص ولا بد، ومثل هذا الغلو الفاحش لا ينبغي أن يورد أصلا، وإذا أورده مورده لا ينبغي أن لا يعلق عليه لما فيه من مساس بعقيدة المسلمين وجناب التوحيد، وانظر إلى قوله: فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فيه شيء إلا ما لا خطر له، وشيء ها هنا نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء إلا ما استثناه بقوله: إلا ما لا خطر له، وهذه مجازفة كبيرة، ومعنى إلا ما لا خطر له أي إلا ما لا أهمية له، يقال: خطير أي رفيع كما في القاموس للفيروز آبادي رحمه الله،قال الحكمي رحمه الله:
وبعد فالعلم بالمنسوخ ذو خطر***عليه عول في الفقه الألى كملوا
فيصير معنى كلامه أن ما لم يذكره هؤلاء ليس ناتجا عن نقص فيهم وإنما تركوه تعمدا لأنه ليس ذو أهمية. ولعل مثل هذا الغلو هو الذي حمل شيخ الاسلام بن تيمية رحمه على قول مقولته الشهيرة التي قالها لأبي حيان: (ومن قال لك أن سيبويه رسول النحو في كتابه نحو من ثمانين خطأ لا تعرفها أنت ولا هو) هذا الذي أردت التنبيه عليه على عجالة لقلة الوقت وكثرة المشاغل، ولعل غيرنا من أبناء التصفية يتفضل فيتحفنا بمزيد بيان في قول يكون أولى من هذا، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
وكتب:
أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
تعليق