من أكبر الأسباب التي تعيق أن يصل كثير من الطلبة في هذا العصر إلى ما وصل إليه من تقدمهم من سلفهم في العلم هو التخبط في طريق التلقي، فطريق التلقي مهم في نيل العلم، وطريق التلقي هو الأخذ عن أهل العلم الحقيقيين، لا عن أدعياء العلم والمتشبهين بالعلماء وليسوا منهم، فإن هؤلاء من أخطر ما خشيّهم النبي صلى الله عليه وسلم علينا بل أخبر عليه الصلاة والسلام أن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر -كما روى ذلك الطبراني عن أبي أمية الجمحي رضي الله عنه وأرضاه-(١)
والأصاغر قيل هم أهل البدع وقيل هم صغار الأسنان الذين ليس عندهم علم وكلا القولين صواب ورجح ابن قتيبة أن المراد صغار الأسنان الذين لم يتهيأوا بالعلم ولم ترسخ قدمهم فيه(٢) وهذا يؤيّده أن النبيّ عليه الصلاة والسلام وصف الخوارج وذكر من أعظم سماتهم أنهم صغار الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية(٣) أي يعتمدون على قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكنهم يضعونه في غير موضعه فيفترون عليه الكذب وهم يعلمون ومن هنا كان أهل العلم يعتنون بالرأي إذا جاء عن الكبير ويقدرونه قدره وليس معنى ذلك أن الشاب لا قدر له ولا وزن ولكن الشاب إذا تضلّع بالعلم حقا وشهد له علماء زمانه بالعلم فإن تقديمه جيد وصحيح لهذا قدم الصحابة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكان صغير السن ولكن زكاه من زكاه، عمر بن الخطاب وجماعات من الصحابة كيف لا وقد مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن بل ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه الله عزوجل وأن يعلمه التأويل(٤) فإذن تحذير النبيّ صلى الله عليه وسلم من التلقي عمن ليس أهلا لحمل العلم ونقله إلى المتعلم بالصفة الصحيحة التي أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذا العلم هو من الأمور التي تهم الأمة ومن هنا قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما : "لا يزال الناس بخير ماأخذوا العلم عن أكبارهم فإذا أخذوا العلم عن صغارهم وعن شرارهم هلكوا"(٥)
هذا في جانب التلقي عن العلماء ومنه يستفاد أن العلم لا يؤخذ إلا عن طريق العلماء وأن من أخذ العلم عن طريق الكتب فحسب أو عن طريق الأشرطة فحسب فإنه ليس بمصيب لأن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم الذي وضع هذا العلم أنه لا يُتلقى إلا بالمشافهة و بالجُثَيِّ على الرُكَب بين أيدي العلماء ولهذا جاء جبريل معلما الصحابة فجثى على ركبتيه بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام أسند ركبيته إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم وضع كفيه على فخذيه ثم سأله(٦)
فاستفاد العلماء من ذلك طريقة التلقي ولهذا الثلاثة الذين جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في حلقة العلم فأحدهما آوى وأحدهما جلس خلف الحلقة وآخر انصرف فقال النبي عليه الصلاة والسلام أما أحدهما فآوى، فآوى الله إليه، -أي بحث عن فرجة ودخل في الحلقة- وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه(٧)
فهذه هي طريقة التلقي أن تكون مشافهة عن العلماء فلا بد منها، وبالله التوفيق وصلى وسلم الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفريغ من محاضرة شرف العلم للشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم رحمه الله.
من د 30و7ث إلى آخر المحاضرة.
=====================================
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٢/٣٦١، ٣٦٢)
(٢) ابن عبد البر في الجامع (١- ١٥٧)، والشاطبي في الاعتصام :( ٢– ٩٣)
(٣) صحيح البخاري رقم ٦٣٠
(٤) رواه أحمد (١/٢٦٦)(٢٣٩٧)
(٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر
(٦) صحيح البخاري رقم ١
(٧) صحيح البخاري -العلم-٦٦
والأصاغر قيل هم أهل البدع وقيل هم صغار الأسنان الذين ليس عندهم علم وكلا القولين صواب ورجح ابن قتيبة أن المراد صغار الأسنان الذين لم يتهيأوا بالعلم ولم ترسخ قدمهم فيه(٢) وهذا يؤيّده أن النبيّ عليه الصلاة والسلام وصف الخوارج وذكر من أعظم سماتهم أنهم صغار الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية(٣) أي يعتمدون على قول النبيّ صلى الله عليه وسلم ولكنهم يضعونه في غير موضعه فيفترون عليه الكذب وهم يعلمون ومن هنا كان أهل العلم يعتنون بالرأي إذا جاء عن الكبير ويقدرونه قدره وليس معنى ذلك أن الشاب لا قدر له ولا وزن ولكن الشاب إذا تضلّع بالعلم حقا وشهد له علماء زمانه بالعلم فإن تقديمه جيد وصحيح لهذا قدم الصحابة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكان صغير السن ولكن زكاه من زكاه، عمر بن الخطاب وجماعات من الصحابة كيف لا وقد مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن بل ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه الله عزوجل وأن يعلمه التأويل(٤) فإذن تحذير النبيّ صلى الله عليه وسلم من التلقي عمن ليس أهلا لحمل العلم ونقله إلى المتعلم بالصفة الصحيحة التي أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذا العلم هو من الأمور التي تهم الأمة ومن هنا قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما : "لا يزال الناس بخير ماأخذوا العلم عن أكبارهم فإذا أخذوا العلم عن صغارهم وعن شرارهم هلكوا"(٥)
هذا في جانب التلقي عن العلماء ومنه يستفاد أن العلم لا يؤخذ إلا عن طريق العلماء وأن من أخذ العلم عن طريق الكتب فحسب أو عن طريق الأشرطة فحسب فإنه ليس بمصيب لأن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم الذي وضع هذا العلم أنه لا يُتلقى إلا بالمشافهة و بالجُثَيِّ على الرُكَب بين أيدي العلماء ولهذا جاء جبريل معلما الصحابة فجثى على ركبتيه بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام أسند ركبيته إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم وضع كفيه على فخذيه ثم سأله(٦)
فاستفاد العلماء من ذلك طريقة التلقي ولهذا الثلاثة الذين جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في حلقة العلم فأحدهما آوى وأحدهما جلس خلف الحلقة وآخر انصرف فقال النبي عليه الصلاة والسلام أما أحدهما فآوى، فآوى الله إليه، -أي بحث عن فرجة ودخل في الحلقة- وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه(٧)
فهذه هي طريقة التلقي أن تكون مشافهة عن العلماء فلا بد منها، وبالله التوفيق وصلى وسلم الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفريغ من محاضرة شرف العلم للشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم رحمه الله.
من د 30و7ث إلى آخر المحاضرة.
=====================================
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٢/٣٦١، ٣٦٢)
(٢) ابن عبد البر في الجامع (١- ١٥٧)، والشاطبي في الاعتصام :( ٢– ٩٣)
(٣) صحيح البخاري رقم ٦٣٠
(٤) رواه أحمد (١/٢٦٦)(٢٣٩٧)
(٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر
(٦) صحيح البخاري رقم ١
(٧) صحيح البخاري -العلم-٦٦
تعليق