<بسملة1>
إتحاف الكرام وتقريع اللئام
ببيان موافقة الشيخ العلامة محمد علي فركوس لأئمة الاسلام
(الحلقة الثانية)
إتحاف الكرام وتقريع اللئام
ببيان موافقة الشيخ العلامة محمد علي فركوس لأئمة الاسلام
(الحلقة الثانية)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فصل:
وقال شيخ الاسلام رحمه الله في موضع آخر: ومن ذلك ما ذكره شيخ الحرمين أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي، في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول، إلزاما لذوي البدع والفضول)، إلى أن قال:
ووجه ثالث لا بد من أن نبين فيه، فنقول: إن في النقل عن هؤلاء ـ يعني: الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الحديث والسنة كالأوزاعي والثوري وابن راهويه ـ إلزاما للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه أو يبدعه، أو يكفره، فانتحال مذهبه مع مخالفته له في العقيدة مستنكر ـ والله ـ شرعا وطبعا، فمن قال: أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد، إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبلي في الفروع، معتزلي في الأصول، قلنا: قد ضللت إذا عن سواء السبيل فيما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد.
قال وقد افتتن ـ أيضا ـ خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية، وهذه ـ والله ـ سبة وعار، وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار، على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار، فإن مذهبهم ما رويناه: من تكفيرهم الجهمية، والمعتزلة والقدرية والواقفية وتكفيرهم اللفظية.
إلى أن قال رحمه الله:
لما تتبعت أصول ما صح لي روايته، فعثرت فيها بما قد ذكرت من عقائد الأئمة، فرتبتها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتها، وافتتحت كل فصل بنيف من المحامد، يكون لإمامتهم إحدى الشواهد، داعية إلى اتباعهم، ووجوب وفاقهم وتحريم خلافهم، وشقاقهم، فإن اتباع من ذكرناه من الأئمة في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الاجماع الذي يبلغنا عن الصحابة والتابعين، إذ لا يسع مسلما خلافه، ولا يعذر فيه، فإن الحق لا يخرج عنهم، لأنهم الأدلاء، وأرباب مذاهب هذه الأمة، والصدور والسادة، والعلماء القادة، أولوا الدين والديانة، والصدق والأمانة، والعلم الوافر والاجتهاد الظاهر، ولهذا المعنى اقتدوا بهم في الفروع، فجعلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله، حتى صاروا أرباب المذاهب في المشارق والمغارب، فليرضوا كذلك بهم في الأصول فيما بينهم وبين ربهم، وبما نصوا عليه ودعوا إليه.
قال: فإنا نعلم قطعا أنهم أعرف قطعا بما صح من معتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، لجودة معارفهم وحيازتهم شرائط الإمامة، ولقرب عصرهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما بيناه في أول الكتاب.
قال: ثم أردت ـ ووافق مرادي سؤال بعض الإخوان ـ أن أذكر خلاصة مناصيصهم متضمنة بعض ألفاظهم، فإنها أقرب إلى الحفظ، وهي اللباب لما ينطوي عليه الكتاب، فاستعنت بمن عليه التكلان، وقلت: إن الذي آثرناه من مناصيصهم يجمعه فصلان: أحدهما: في بيان السنة وفضلها.
والثاني: في هجران البدعة وأهلها.
أما الفصل الأول: فاعلم أن السنة طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التسنن بسلوكها وإصابتها
وهي أقسام ثلاثة: أقوال ، وأعمال، وعقائد. فالأقوال: نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة، والأفعال: مثل سنن الصلاة والصيام والصدقات المذكورة، ونحو السير المرضية، والآداب المحكية، فهذان القسمان في عدد التأكيد والاستحباب، واكتساب الأجر والثواب. والقسم الثالث: سنة العقائد، وهي من الإيمان إحدى القواعد.
قال: وها أنا ذا أذكر ـ بعون الله ـ خلاصة ما نقلته عنهم مفرقا، وأضيف إليه ما دون في كتب الأصول مما لم يبلغني عنهم مطلقا، وأرتبها مرشحة، وببعض مناصيصهم موشحة، بأوجز لفظ على قدر وسعي، ليسهل حفظه على من يريد أن يعي، فأقول:
ليعلم المستن أن سنة العقائد على ثلاثة أضرب: ضرب يتعلق بأسماء الله، وذاته وصفاته، وضرب يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ومعجزاته، وضرب يتعلق بأهل الاسلام في أولاهم وأخراهم.
أما الضرب الأول: فلنعتقد أن لله أسماء وصفات قديمة غير مخلوقة، جاء بها كتابه، وأخبر بها الرسول أصحابه، فيما رواه الثقات، وصححه النقاد الأثبات، ودل القرآن المبين، والحديث الصحيح المتين، على ثبوتها.
قال رحمه الله تعالى: وهي أن الله تعالى أول لم يزل، وآخر لا يزال، أحد قديم وصمد كريم، عليم حليم علي عظيم، رفيع مجيد وله بطش شديد، وهو يبدئ ويعيد، فعال لما يريد، قوي قدير منيع نصير، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس، والوجه والعين، والقدم واليدين، والعلم والنظر، والسمع والبصر، والإرادة والمشيئة والرضا والغضب، والمحبة والضحك والعجب، والاستحياء والغيرة، والكراهة والسخط، والقبض والبسط، والقرب والدنو، والفوقية والعلو، والكلام والسلام، والقول والنداء، والتجلي واللقاء، والنزول والصعود، والاستواء وأنه تعالى في السماء، وأنه على عرشه بائن من خلقه.
قال مالك: إن الله في السماء وعلمه في كل مكان، وقال عبد الله ابن المبارك: نعرف ربنا فوق سبع سماواته على العرش بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا، وأشار إلى الأرض، وقال سفيان الثوري: (وهو معكم أين ما كنتم) قال: علمه. قال الشافعي: إنه على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، قال أحمد: إنه مستو على العرش عالم بكل مكان، وإنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وإنه يأتي يوم القيامة كيف شاء، وإنه يعلو على كرسيه، والإيمان بالعرش والكرسي، وما ورد فيهما من الآيات والأخبار.
وأن الكلم الطيب يصعد إليه، وتعرج الملائكة والروح إليه، وأنه خلق آدم بيديه، وخلق القلم وجنة عدن وشجرة طوبى بيديه، وكتب التوراة بيديه، وأن كلتا يديه يمين، وقال بن عمر: خلق الله بيديه أربعة أشياء: آدم، والعرش، والقلم, وجنة عدن، وقال لسائر الخلق: كن فكان، وأنه يتكلم بالوحي كيف شاء، قالت عائشة رضي الله عنها: لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى.
وأن القرآن كلام الله بجميع جهاته منزل غير مخلوق، ولا حرف منه مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، قال عبد الله بن المبارك: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر، ومن قال لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر، وأن الكتب المنزلة على الرسل مائة وأربعة كتب، كلام الله غير مخلوق، قال أحمد: وما في اللوح المحفوظ وما في المصاحف وتلاوة الناس وكيفما يقرأ وكيفما يوصف، فهو كلام الله غير مخلوق، قال البخاري: وأقول: في المصحف قرآن، وفي صدور الرجال قرآن، فمن قال غير هذا يستتاب، فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر.
قال: وذكر الشافعي المعتقد بالدلائل، فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها ـ إلى أن قال ـ نحو إخبار الله ـ سبحانه ـ إيانا أنه سميع بصير وأن له يدين لقوله: (بل يداه مبسوطتان)، وأن له يمينا لقوله: (والسموات مطويات بيمينه)، وأن له وجها لقوله: (كل شيء هالك إلا وجهه)، وقوله: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وأن له قدما لقوله: [حتى يضع الرب فيها قدمه]. يعني جهنم.
وأنه يضحك من عبده المؤمن لقوله صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله: [إنه لقى الله وهو يضحك إليه]، وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأنه ليس بأعور لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر الدجال فقال: [إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور]، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له إصبعا لقوله صلى الله عليه وسلم: [ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن].
قال: وسوى ما نقله الشافعي أحاديث جاءت في الصحاح والمسانيد, وتلقتها الأمة بالقبول والتصديق، نحو ما في الصحيح من حديث الذات، وقوله: [لا شخص أغير من الله]، وقوله: [ أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني]، وقوله: [ليس أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله/ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن]، وقوله: [يد الله ملأى]، وقوله: [بيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع]، وقوله: [إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك].
ونحوه قوله: [حثيات من حثيات الرب]، وقوله: [لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه]، وقوله في حديث أبي رزين: قلت: يا رسول الله، فما يفعل ربنا بنا إذا لقيناه؟ قال: [تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء، فينضح قبلكم، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة]، أخرجه أحمد في المسند.
وحديث: القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر من أنهار الجنة يقال له: نهر الحياة.
ونحو الحديث: [رأيت ربي في أحسن صورة]، ونحو قوله: [خلق آدم على صورته]، وقوله: [يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه]، وقوله: [كلم أباك كفاحا]، وقوله: [ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له]، وقوله: [يتجلى لنا ربنا يوم القيامة ضاحكا].
وفي حديث المعراج في الصحيح: [ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى]، وقوله: [كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي]، وقوله: [لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه ـ وفي رواية: رجله ـ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قد قد، وفي رواية: قط قط ـ بعزتك].
ونحو قوله: [فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا]، وقوله: [يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان].
إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها، وفي الآي الواردة في الصفات: أن نقبلها ولا نحرفها، ولا نكيفها، ولا نعطلها، ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل رأينا وفكرنا فيها، ولا نزيد عليها، ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم.
روينا عن إسحاق أنه قال: لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها الرسول عن جهتها، لا بكلام ولا بإرادة، إنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاته، ولا يعقل نبي مرسل، ولا ملك مقرب تلك الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب ـ عز وجل ـ فأما أن يدرك أحد من بني آدم تلك الصفات فلا يدركه أحد ـ الحديث إلى آخره.
وكما روينا عن مالك، والأوزاعي، وسفيان والليث، وأحمد بن حنبل، أنهم قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول: أمروها كما جاءت.
وكما روي عن محمد بن الحسن ـ صاحب أبي حنيفة ـ أنه قال في الأحاديث التي جاءت: [إن الله يهبط إلى السماء الدنيا] ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها، ولا نفسرها. انتهى كلا م الكرجي رحمه الله تعالى.(1)
قال جامعه عفا الله عنه:
وهنا سؤال موجه إلى من يقول: أنا مالكي المذهب أشعري العقيدة صوفي الطريقة؟ كيف تجمع بين قول مالك بن أنس رحمه بأن الله سبحانه في السماء مستو على عرشه استواء معلوما يليق بجلاله, لا يقال فيه كيف، وأن المراد بقوله تعالى: (وهو معكم أين ما كنتم) وما في معناها، أن ذلك علمه، وبين قول الأشاعرة بأن الله في كل مكان بذاته, وبين قول الصوفية الذين يقولون كل ما تراه بعينيك هو الله وأنه سبحانه يحل في مخلوقاته كما قرر هذا ابن سبعين وابن عربي وغيرهما تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا عظيما، فإذا تعذر الجمع وهذا هو الحاصل، فمن من القوم مصيب ومن منهم مخطئ، مالك والصحابة والتابعون وأتباعهم قبله، وأئمة الاسلام بعده، أم الأشاعرة والكلابية والصوفية وأهل البدع معهم؟ مع ذكر الأدلة السمعية والعقلية؟
وقال الإمام سعد بن علي الزنجاني رحمه الله:
وجاء بن كرام بهجر ولم يكن***له قدم في العلم لكنه جسر
وسقف هذا الأشعري كلامه***وأربى على من قبله من ذوي الدبر
فما قاله قد بان للحق ظاهرا***وما في الهدى عمدا لمن ماز وادكر
يكفر هذا ذاك فيما يقوله***ويذكر ذا عنه الذي عنده ذكر
وبالعقل فيما يزعمون تباينوا***وكلهم قد فارق الحق لو شعر. (2)
فهل كان قول الشيخ فركوس بدعا من القول، لا والله إنه لقول الأئمة قبله، وهذا هو سبيل المؤمنين وإن رغمت أنوف الشانئين، والمعاندين والمخذلين، الذين ينتسبون إلى السنة ظاهرا ويوافقون أهل البدع في النيل من السنة وأهلها باطنا، الذين يخذلون الحق في موطن النصرة ويتولون يوم الزحف استنادا إلى الظنون والشك، وأمثال هؤلاء يخشى عليهم أن يدخلوا تحت قوله تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين).
والله أعلم
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب العبد الفقير إلى عفو ربه
أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
.................................................. .................................................. .....................وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب العبد الفقير إلى عفو ربه
أبو عبد الرحمن عمر مكي التيهرتي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
الحواشي:
1ـ مجموعة الفتاوى لشيخ الاسلام رحمه الله. ج2. ص 105ـ 113.
2ـ رائية الإمام الزنجاني في السنة
تعليق